Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2007, جريدة النهار, مقالات

وحدتنا المرجوّة / السبت ٢٤ شباط ٢٠٠٧

دائما في التاريخ ما هو المحجوب، غير المقول. فالواقعة ليست هي الواقعة التي حسمت ما يكتب المؤرخون عنه. كان هذا دائما معروفًا قبل ان يكشف كارل ماركس ان الاقتصاد هو الذي ينشئ السياسة وانك مدعو ان تعرف ما يكشف السياسة من وراء الحدث. على سبيل المثال انقسام الكنيسة الغربية والكنيسة الشرقية وكل حدث كنسي ظاهر وراءه دول متصارعة او دول ناشئة تتمرّد على اوضاع امبراطوريات قائمة. لولا تحالف لينين والدولة الألمانية مثلا لما استطاع السفر من سويسرا الى بطرسبرج ليقود الثورة.

              هنا يلعب الدين دورا رئيسا. هل بالدين وحده انتصر صلاح الدين الأيوبي وهل بالمسيحية وحدها جاء الافرنج ليحتلّوا دار الاسلام؟ والأذكياء يعرفون دائما كيف يهيجون الجماهير بقوة عقائدها والمطلوب آخر. والعقلاء الأصفياء الأذكياء  يعرفون بدورهم فصل الشأن الديني عن الشأن السياسي ابتغاء السلام.

              الدول ليست جمعيات خيريّة مهما تظاهرت بالمثالية. نحن الذين عشنا زمن الاستعمار كنا قد قرأنا عن اتفاقات فرنسا والسلطة العثمانية لحماية كاثوليك الشرق. وكنا نفهم، آنذاك، في الاطار التربوي الذي كنا فيه، ان هذا كان حماية للأقليات من السلطان التركي. هذا كان في القرن السادس عشر ثم عثرت في مجلة اختصاصية عن رسالة بعث بها الملك لويس الرابع عشر الى قنصله في احدى مناطق البلقان اي حوالى مئة سنة بعد هذه الاتفاقات برسالة يذكره فيها ان حماية المسيحيين في السلطة انما هو اساسي لمصالح فرنسا.

              في هذا الخط كشف امين معلوف في كتابه عن الصلبيين ان بعض الامراء العرب في العهد الافرنجي كانوا «فاتحين» على الافرنج ضد الخط السياسي الاسلامي. ليس المجال ان املأ هذا المقال بأمثلة من كل العصور وفي كل بلدان العالم. القصة ان السمكة الكبيرة تأكل الصغيرة وقبل الافتراس يجري حديث بينهما عن وحدة جنس السمك.

              هل يعني هذا انه لا مفر من هذا الابتلاع ومن المحادثة المهيئة له وان السياسة البادية غطاء لسياسة كامنة وان السعي الذكي وحده هو ان تحمي نفسك من الآخر. وبعبارة اخرى ان ثمة تعايشا ظاهرا وان الحقيقة ان كل فئة تسعى الى ضمانة استمرارها ما امكنت الضمانة في تاريخ الناس. وما من شك ان الثقة تضعف لعاملين: اذا تبيّن ان جماعة تنمو وتتقوى في حجم غير مسبوق و/او ان قوة خارجية تدعمها سعيا منها الى النفوذ. واذا تضاعفت القوة بالنفوذ قد تتلاشى الثقة كما تتلاشى ثقة السمكة الصغيرة بالكبيرة في لحظة من حوار السمكتين وقد تأتي سلاسة الحديث بينهما استعدادا لإلغاء الحديث بالموت.

#            #

              هل حان وقت الثقة بين الكبار في لبنان بعد ان تعرض التوازن الى اختلال ام ان اذكياء الأطراف المتعارضة يعرفون ان السلم الأهلي قائم على توازن لا مفر منه لكون الحياة احب الينا من الموت ولأن الموت ولو اختفى حينا يعود حينا آخر؟ ولست اقصد بالموت القتال الذي هو فشل السياسة تأسيسا على ان الاذكياء يرون ان الحياة المهتزة مهما تعسّر سيرها تبقى في الفقر والتشنّج افضل من التقاتل علما بالخطر العظيم الناتج من التوتر الداخلي. واذا بقي الامر متروكا لأهل البلد فهم يؤثرون التفاهم لأنهم يخشون الدم والغريب لا يدفع ثمن هذا الدم. ولكن هذا يفترض ان كل فريق يتخذ مسافة مع من يحالفهم ويؤثر الشقاء مع اهل بلده على الاستقواء بالاجنبي.

              هذا يعني تحييدا ما للبلد عن الصراعات الاقليمية والدولية وهذا يعني افتراقا رضائيا في الأزمات بين اللبناني وحليفه وفي بعض من التشريعات المدنية ليس من طلاق بالتراضي ولا سيما ان التراضي كثيرا ما كان غائبا عن العلاقات الدولية ونعود الى صراع السمكتين.

              المسألة المعقدة هذه اذا اردنا في الحقيقة الا نموت، ان يتفاهم اهل البلد على توازن متجدد بين الافرقاء اللبنانيين يحفظ لكل فئة من البلد نفوذها ولو صغر حجمه اي لا بد من اتفاق على ان نصغر معا وان نكبر معا على معايير يتم الاتفاق عليها. هناك لا بد من شكل جديد للتعايش او على صيغ جديدة في بلد يبدو انه قرر البقاء على الحياة. فهل اذا تجاوزنا الحياد العملي فيما بيننا نقدر ان نصل الى حياد بمعناه الحقوقي المتعارف عليه في سويسرا اي ذلك الذي يعترف به الجيران وفي وضعنا ان تقره سوريا واسرائيل بحيث تضمنان حريتنا الكاملة علاقات هدوء ونضمن لها نحن عدم محاربة الجار بعد اتفاق تضمنه المجموعة الدولية وهذا بعد حل الأزمة الداخلية القائمة.

              الحياد بمعنى اللاحرب بهدنة طويلة او سلم نهائي لا يعني شيئا على مستوى التعامل الاقتصادي او المشاعر او الانتساب القومي. فنحن بتركيبتنا التاريخية واللغوية لن نبقى على مسافة واحدة من اسرائيل وسوريا. ان تهادن لا يعني انك تعشق فنحن في الصميم نرفض الصهيونية فلسفة ومسلكا وتوسعا على حساب اية ارض عربية ونؤمن انها جسم في هذا الشرق هجين حتى لا اكرر ما كتبته غير مرة في اوربا ان هذه الدولة «حُبِل بها بالاثم وولِدت في الخطيئة». ومع ذلك نعرض صلحا او معاهدة عدم حرب لأن هذا في مصلحتنا. العداء الشعوري يبقى عندنا وعدم التطبيع الشعبي يبقى عندنا ولكن نتفق على السلم الواقعي.

              ونبقى على الأخوّة العربيّة مع سوريا وقد نختلف كما يختلف الإخوة. ولكن الإخاء السياسي كالإخاء في الجسد يعني ان اخاك ولو احببته ليس هو انت. قول الحلاج: «انا من اهوى ومن أهوى انا /  نحن روحان حللنا بدنا» مبني على ان ثمة ذاتين متلاقيتين على أقصى ما يكون عليه التلاقي. الندية على المستوى الحقوقي هي الكلمة. والندية في كل زواج هي القاعدة وفي التراثين الديني والمدني ان الحب يفترض ان يرى الزوج الى الزوج على انه آخر مع الاحترام المتبادل وهذا فيه الكثير من المساواة.

              واذا صح كلام الرسول العربي عند لقائه امرأة متبناه زيد: «سبحان مقلب القلوب» نرجو ان يميل الينا قلب سوريا الأبدية والمجموعة الدولية اذا لم يبقَ من مجال للاستغراق في التاريخ والاعتقاد بأننا بلد واحد. حقوقيا نحن صرنا بلدين منذ اول ايلول السنة الـ ١٩٢٠. ولا ينطق لسان لبناني واحد اليوم مهما كانت موداته بأننا بلد واحد.

              ولكننا لا ننسى التاريخ ولا الانتساب العربي الواحد وضرورة التعاون الصادق والنمو المشترك في الحياة الحضارية. وهذا كله اذا ذهبت عنا الغيوم السوداء من شأنه ان يتجدد ويقوى ومن شأنه ان يقنع الاشقاء السوريين بأن استقلالنا هو في مصلحتهم على كل صعيد. هذا الحياد اللبناني بالمعنى الذي اعطيته في هذه السطور لا يعني اننا نفقد حرارة المشاعر وواقع تعاون كامل وكبير. ويزداد تقاربنا ما ازدادت حرية كل بلد من البلدين ويأتي الخصب الفكري والاقتصادي بمقدار هذا التقارب.

              هذا يعني توبة اللبنانيين جميعا الى وحدة بلدهم وإيمان متجدد بقدرته على البقاء والعطاء.

#                  #

#

              غير ان هذا كله فقط ممكن اذا كنا على استقامة الرأي بالمعنى الموافق الحياة السياسية اي اذا اعتبرنا استقامة واجبا ملازما لوطنية نتربّى عليها وفق فكر لبناني قائم على تراث لنا أكيد. وهذا يرافقه طهارة عيش في المجال السياسي لا سيما الصدق في التعامل وإتقان وجودنا إتقانا كبيرا.

              الاوطان كلها تُبنى تاريخيا وليس من وطن منزل. نحن شكّلنا انفسنا شعبا او شعوبا قادرة على الانسجام في واقع سياسي معقول ولا مجال لتردنا الى هويات مذيلة. لقد تشكّلت لنا هوية لبنانية قادرة على العيش في ظل نمط حضاري لنا معقول في العالم العربي وغير بعيد ان نعلو به خلال بضعة اجيال الى مستوى اوربا الغربية.

              وعندنا كثافة تاريخ كافية لتمكننا من مستقبل تاريخي فيه شيء من القوة. ونحن نرفض تسطيح الذاكرة التاريخية ان كانت جامعة لكل اللبنانيين مع المحافظة على هوياتنا الدينية المنفتحة، الخلاقة على اساس مكافحة الانغلاق فيها دون العيش الواحد الذي ارتضيناه. هنا يأتي دور علماء الدين في الإسلام واللاهوتيين في المسيحية ونحن هادفون صفاء الرسالة الروحية حتى لا نموت اختناقا في هذا الوطن الصغير في حجمه، الكبير في دعوته.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

أخطار قائمة وعابرة / السبت ٢٠ كانون الثاني ٢٠٠٧

لا يسعك ان تعرف اذا كان من ظننته محتضرًا ذاهبًا الى الموت. بالرغم من اقتراب الموت يصوغ اللبنانيون نظريات في بلدهم. لبنان الرسالة، اية رسالة؟ الواقع المرير يذهب بنا الى الخيال وهو مكان التسلي الكبير والانفتاح على المجهول. كفوا عن التساؤل اي لبنان نريد لأنكم مهما أردتم لن يكون لبنان الا بكم، كما انتم على عصبيّاتكم وخذلاتكم امام تحديات التاريخ، لأنكم لا تريدون ان تتلاقوا. كل منكم يريد لبنان على صورة العظمة التي يقرأها في تاريخ طائفته. يأتيك بمعميات عن لقاء المسلمين والمسيحيين ولم أسمع أحدا يقول شيئًا عن عناصر هذا اللقاء او كيفيّة هذا اللقاء. اي لبنان؟ كلّكم يريد لبنان الماضي يأتيه من هذا الجبل او من صحارى العرب، يأتيه من هذا الكتاب المقدس او ذاك ولأنه يؤمن في أعماق نفسه ان الصورة التي يستلهمها من كتابه سيلصقها  على البلد فينشأ البلد. لا أحد يجيء من الكل الا اننا جميعا نتكلّم على الكل. كيف الاقسام بما هي عليه من تراث تصبح كلا؟ على اي اساس تحيا متشاركة. عندما ينص الدستور عن مخالفة العيش المشترك نستشفّ استشفافًا فقط انه يرفض مشروعا تقسيميا او مشروعا يؤدي الى التقسيم ولكنه لا يقول شيئا عن مدلول المشاركة او السبيل اليها. ويسحر اللبناني بالكلام على التعدد ولكنه لا يقول كيف بهذا التعدد يحقق شيئًا من الوحدة ولا يعرف شيئًا عن طبيعة هذه الوحدة او ابعادها او تطلّعاتها. اللبناني معجب بنفسه وبما يتصوّره كيانا له ولا يزال تاليا ابن الفكر السابق للوجود اللبناني. لا يحب الوجود. يحب التأمّل في الوجود ويعطي نفسه شهادة في الفرادة. يظن نفسه عالمًا بالآخر ولكن عنده ان الآخر يتكوّن بمقدار تشبهه به.

          هو مضطر الا يلغي الآخر ولكنه يتمنّى لو كان الآخر مثله لأنه هو النموذج. اللبناني يتلهّف الى الوحدانيّة التي فيها نجيء من قالب واحد ولا يجيء من الوحدة التي بها ننسجم بالآخر ولا نلغيه او عندنا شهوة ان يلغيه القدر بطريقة او بأخرى او ان يفنى تأثيره او يضمحل. اللبناني في اعماق نفسه تقسيمي او انقسامي. اللبناني شاعر بحيث انه كالشاعر يخلق لنفسه عالما خاصا به والشاعر عنده غواية عظيمة وعيشها اسهل من عيشنا في العالم كما هو في كل تمزيقاته وصدماته لأن هذا العالم في جراحه يتطلّب منك مواجهة وكل مواجهة تعرّضك الى الخطر او الى الصدق والى ان تكون واقفًا في الوجود.

#            #

#

          هذا الخلل الوجودي، الكياني في شعبنا يقتضي اولا الا نعتبر أنفسنا شيئًا كبيرا. لا بد ان نؤمن اننا نجيء من لبنان كائنة ما كانت ينابيع الفكر والإحساس التي يستقي منها هذا الفريق او ذاك واننا لسنا مرتهنين لهذه الينابيع ولا مرتهنين لما هو خارج الحدود. انا هنا لا أشير الى اية شريحة ولا اتهم اية شريحة. ولكني اقول إنه ينبغي ان نعيش في الحق الحاضر. لا أكسر القلوب. والخيّرون منا يجيئون من ينابيع كثيرة ومختلفة وقد تكون في كل نفس ميول متناقضة او متضادة. ولكن لنا ان نناقش كل فرد وكل جماعة في ما تدعيه ميزة لها فكل شريحة تحت التشريح ولها وجهها المجتمعي ولكن ليس من جماعة مقدّسة. ولكن اذا لم نطرح جدلية الوحدة والتنوّع نكون أسرى هذا او تلك ولا نؤلّف أمة في مسيرة التكون وغير هذا تراكم جماعات ليست في حالة التلاقي. وحالة كهذه تعني ان ما سماه الدستور عيشًا مشتركًا انما هو امنية وليس مسيرة.

          وفي هذه المسيرة نحن – حسب الدستور الأول- أمة لبنانية – أمة لبنانية ليست جزءًا من أمّة أخرى وهنا لست أشك في انتمائنا الى العالم العربي وقد تكرّس ذلك في الدستور الحالي. ولا مانع من ان نعطي معنى مزدوجًا لكلمة امة. غير ان علماء السياسة اصطلحوا على عبارة دولة -امة Etat- nation. ولكن ما هو اهم من مفهوم الامة مفهوم الوطن اي الارض ذات الحدود الدولية ووحدتنا في هذا الوطن وبهذا الوطن ومن أعمالنا فيه ان ننشئ  دولة واحدة ذات سلطان على كل التجمّعات الدينية على مستوى هذه الدنيا. اما ان نقول ان لبنان فوق طوائفه فيجب ان نعني ان مصلحته فوق المصالح الطائفيّة المنفردة ولا تعني روحيا انه اهم من كل طائفة لها علاقتها بالله، بهذا الإله الذي فوق الأوطان.

          هذا كله ليس فقط سياسة. هذا فلسفة وجود او اذا شئتم هذا تحول روحي وبتعبير اوسط هذا توبة وعندنا تعني اولا رجوعا الى الصدق الكامل ومحبة لكل الذين نعايشهم وذلك احتراما كاملا لما هم عليه من عقائد ورجاء لقاء انساني حر وتفاعل يومي لا يخفي خوفنا وذلك بسبب رجائنا ان الخير والبر قائمان في كل مجموعة وان كل مجموعة تستحق الحياة الكريمة وهذا ما يشكل وطنا اي ارضا وناسها فلا يحجب احدٌ أحدًا ولا يكم فاه ويبقي مجالا لمواجهات سلامية وشرعية في ديمقراطية ما ينبغي ان نبحث عن صورتها في معطيات البلد ليس وفق تراثاته المختلفة وحسب ولكن وفق تطلّعات واحدة لمنفعة كل المناطق في عدل كامل فيعتاد بعضنا بعضا ونذوق بعضنا بعضا ولا نتراص عدديا فقط ولكن نتداخل روحيا وعقليا وفي مجالات العمل وهذا ليس فقط سياسة ولكنه بنيان حضاري لا يقوم فقط على ذاكرات جماعية ولكن على تطلّعات الأزمنة الآتية بما هو توفيق الرقي العلمي والرقي الروحي معا.

#           #

#

          هذا يعني طغيان السياسة على حياة الوطن وان كان كل شيء يتصل بالسياسة بطريقة او بأخرى. في بلدنا السياسة ان تتدبّر شؤون كل شعبنا مجتمعا وان يتدبّر هذا الأمر الناس جميعا متمثّلين بمن يحسون انهم يمثلونهم مجتمعين. هي اذا تتنافى وسيادة اية طائفة كائنا ما كان عددها لأنها عند ذاك تحس بأنها هي الأفضل. والتواضع يمنعها عن ذلك ولو كان لها ميزات كثيرة تؤتاها من تراثها او خبرتها او نضالها. نحن في وطن نعطي بعضنا بعضا ما نتميّز به ولو كان هناك ما لا يُعطى بسبب من عقيدة او تاريخ. والوطن لا يعني ان نزيل عن كل شريحة لونها ولكن ان نقتبس منها ما يروقها اذ ليس من طائفة لا كبر فيها ولا بهاء. ولكنا نحن بما نعطي. وان لم نعطِ يعني اننا نخاف ومن استغنى بثروة روحية له يبددها لكي يدخل الكل باب العظمة الحق.

          وهذا يعني ان السياسة هي قبل كل شيء تربية نربي بها بعضنا بعضا فننتظر نمو الآخر ونسر لنموه اذ يمدنا هذا بشعور الاتكاء عليه. اما اذا كان بيننا التفاوت الثقافي عظيما فهو خطر على الوحدة لأنه يتضمّن شعور التمرّد على الوطن مجتمعًا.

          ولو كانت السياسة في كل شيء الا ان من اهم غايتها ان تسوس الاقتصاد اي عيش الناس بكرامة لأن نمو الانسان ليس بما يقوله في ادارة الشأن الوطن ولكن بما يعمل. ففي الانتاج الفكري او المادي بعد الرقي الروحي يحقق الانسان ذاته ويحب الارض التي فيها يعترف بقيمته اية كانت مهنته وايا كان مستواه العقلي. والسياسة العظيمة هي الاعتراف بأن هذا الوطن فيه طاقات طبيعية كبيرة وانه يجب تفعيلها الى الحد الأقصى لنعيش معا بعدالة وبأعظم ما يمكن تحقيقه من كفاءات. وهذا ما لم يدركه القيمون على البلد بصورة مرضية منذ الاستقلال اي ان البلدلم يكن مسوسا وفق المعايير المتعارف عليها في البلدان الراقية.

          وشعبنا اليوم فقير لا نزاع في ذلك اي انه غير حاصل على التقدير الذي يستحقه ولا على المحبة التي يحيا بها كرامته. انا اعرف اولادا لا يستطيعون ان يتعشوا واعرف اولادا سقطوا في ملعب مدارسهم لأنهم حرموا العشاء والفطور معا. وهذا لا يرصفنا مع البلدان الراقية. هناك حد ادنى من العيش هو حق لكل المواطنين. واذا ما ركزنا جهودنا على هذا العيش البسيط لكل من اللبنانيين تأخذ السياسة وجها آخر وتفقد الكثير من ثرثرتها. فلتكن مواجهاتها السياسية باغية الطعام والدواء وتدريس اطفالنا بما يجعلنا غير مهددين بالجوع لنستطيع ان نفكر ونقلع عن الهجرة ويكون حبنا للوطن مرتكزا لا على مدح الشعراء له ولكن على اعتراف الوطن بنا بشرا خلقوا على صورة الله ومؤهلين لأمور عظيمة.

          أفهم ان يكون الإنسان محتاجًا “والمحتاجون عندكم في كل حين” على قول يسوع الناصري ولكني لا أفهم في وطن يدّعي الفرادة والحرية ان يعج بالبؤساء. هؤلاء اخوتنا ولهم مثلنا جميعا الحق في حياة طيبة وعيشة عائلية هنيئة. هذا هو الخطر الحقيقي علينا واذا واجهناه بجدية نكتسب بحرية الحق وبركات السماء.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الصوم / السبت ١٧ شباط ٢٠٠٧

في الكنيسة البيزنطية قرأنا الأحد قبل الماضي من انجيل متى مثل الابن الشاطر او الضال ويرصف الانسان نفسه مع هذا الفتى الذي أخطأ الى أبيه وغادر البيت واستهتر عائشا بالخلاعة. الكلمة العربية بحد نفسها تذكرني بالانخلاع عن الحب الأبوي الذي يكتنفني به ربنا مهما كان ضلالي. كلنا يعرف الخطيئة ولا يعرف كيف جاءته وقست عليه الا عند توبته. المثل الانجيلي حكاية يؤلفها السيد والسيد أديب في بشريّته يبسط الحقيقة الى البسطاء ليفهموا ويرتدوا والى علماء الدين كيف فهموا ايضا وتقوى قساوة قلوبهم. المثل ينشر الانجيل في الطاهرين ويقلق الذين آثروا الدنس وهم يعلمون.

         اما الاحد الماضي فرسم يسوع قصة اخرى يتحدّث فيها عن الدينونة التي يقوم هو بها. يقول السيد انه يجلس على كرسي مجده. لا فرق بينه وبين المجد. “وتجتمع اليه كل الأمم”. ولفظة “امم” مصطلح يعني هنا البشرية كلها ويدان من ظن انه ورث الشريعة وانها تزكيه. الشريعة تفضح فقط شقاءنا وتلزمنا الرحمة لنخرج من هنا وفي يوم الدينونة لا يدخل احد ببرارته ولكنه يدخل بالرحمة. هذا تعليم آبائنا النساك الذين جاهدوا حتى الموت ورأوا انهم “لم يصنعموا شيئا صالحا على الارض” وان الحنان الالهي فقط ينشئ فيهم ذلك البر الذي يجعلهم من ابناء الملكوت.

         المسيح ديان لأنه الضابط الكل. وكان على الكل ان يعرفوا انهم في يديه “الطاهرتين البريئتين من العيب” ولكنهم آثروا الدنس وهم في يديه. غير ان ثمة من وجد في الرب لذته وآثر عشرته على كل عشرة اذ يقول الكتاب ان الديان العادل يميز بين مَدين ومَدين، بين محب الله وعدو الله واذا خاطب المعلم الصالحين من الناس يقول لهم: “كنت جائعا فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني” الى آخر حسنة تقوم بها .

         ان يتماهى يسوع والانسان وان يجعل نفسه عديلا للجائع والمريض والسجين تعني انه لما ارتفع الى السماء لم يهمل اهل الارض لأن ارضهم بلا سماوية فيها تعود الى الظلمات الاولى التي كان عليها كون كان كقبضة يد ففجره شعاع من نور. لقد دخل الله الى هذه الأرض ليبيت فيها فيجعلها منبسط ضيائه.

         واهل الارض الذين يؤثرهم المسيح هم الفقراء الذين ايقنوا انه هو غناهم. ليس المحروم بحد نفسه مباركا ولكنه هو الذي اقتنع انه خسر حرمانه لما ربح الله. أصوفيا كان خطاب يسوع للمستضعفين ام لم يكن ليس هذا هو المهم. الأهمية كلها ان السيد المبارك اذا نظر الى اهل الارض انما يوحد نفسه بهؤلاء الذين لم يساوهم الكبار بهم، الذين استأثروا بكنوز الأرض التي اذا احبها احد يحب نفسه. يمكن ان تكون بلا علم، بلا قوة، بلا جمال، بلا ولد. افلاطون، شكسبير، دوستويفسكي، المتنبي انبهرنا بالتماعاتهم. هذه انسكابات بهاء. ولكن بهاء الله المشع في السماويات وضعه الله على وجه الفقراء والمرضى والمرميين على الآفاق كلها. كل شيء هم الضغفاء الذين تقبلوا الضعف الإلهي ليس من فوق الى تحت ولكن على مد الدنيا والتاريخ وفوق التاريخ.

#             #

#

         بالمقابل يقول السيد للصف الذي كان لاهيا بنفسه: “اني جعت فلم تطعموني… غريبا فلم تأووني… مريضا ومحبوسا فلم تزوروني”. يتعجبون كيف هذا: “متى رأيناك جاءعا او عطشانا او غريبا او عريانا او مريضا فلم نخدمك”. ظن هؤلاء الأغبياء ان يسوع بعد ان احتجب عن الانظار بارتفاعه الى السماء ترك الدنيا فارغة منه. يقول اللاهوت الارثوذكسي: “الخطيئة عدم الحس”. ان ترتكب هنات، ان تضعف نتيجة شهوة فهذا من ضعف الرقابة على نفسك. لا يعني هذا ان هذه الامور ليست رهيبة. ولكن هم يسوع الاول هو الآخر واذا مررت به ولم تره فأنت عديم الاحساس وخاطئ تحديدا.

         سأل بعضهم واحدا من الناس ذا مسؤلية ساطعة: اذا كنت محتاجا فلماذا لا تطلب. سمعته يقول: هم يرون حاجتي واعرف ان الطلب لا يتضمن بالضرورة شكوى ولا هو ذل ان اقمنا على الأخوة. ولكن الأجمل ان ينظر القوم اليك ويروك على حاجة ويشاركوك ما في ايديهم. عندئذ تحس انك وإياهم على مستوى واحد وتشاهد انهم شاهدوك. ولست تنوجد برؤيتهم ولكن برؤية الله الذي فيهم. الله، اذ ذاك، معطيك. جعلك الله في مرتبة لما جعل الحب يدفق عنك.

         عندما لا تشاهد المحتاجين انت تشاهد نفسك. تعتبر نفسك ممتلئة بذاتها لا بسكن الغير فيها. لا تعرف ان الآخر هو بالآخر. ولا تعرف ان ثروتك كلها والتراب الذي تدوسه واحد بعينَي الرب. اعرف كاهنا مسؤولا فهيما. قيل له: فلان في المستشفى يطلب ان تزوره. ما كان عالما بحالة المريض ولعلها لم تكن سيئة آنذاك. فلم يذهب ومات صاحبنا في تلك الليلة. ماذا كان المريض محتاجا اليه ليسمع؟ ما قوة التعزية التي كان من الممكن ان تنسكب من الكاهن الى قلب ذاك؟

#          #

#

         لماذا نقرأ هذا الفصل الانجيلي بضعة ايام قبل الصيام؟ هذا لندل على ان الصيام له: بعد عمودي وهو العلاقة بالله بالصلاة والإمساك والتركيز على الشأن الروحي والبعد الثاني الافقي وهو ان نحب قريبنا كنفسنا اذ لا تقدر ان ترى الحضرة الالهية فيك ما لم تحب الإخوة جميعهم ولا سيما المحتاجين. هناك طبعا تقشف وإمرة الانسان لنفسه بضبطها وتنقيتها والا جاء الصوم مجرد حمية. من الواضح ان شيئا من المبتغى ان تقمع ثورة الجسد على الكيان البشري الكامل حى لا ينخرط هذا ويتجزأ او يتبعثر وقد علمنا فرويد الكبير ان كل اللذائذ البشرية مرتبطة بعضها ببعض. ولذة اللسان هي على طريق هذا الانفلات.

         غير ان اهم ما في صومنا ان نحرم انفسنا الطعام كليا في بعض من النهار، وهذا يختلف بين كنيسة وأخرى وكم كنا نتمنى لو تمسك كل المسيحيين بهذا الانضباط الذي تسير عليه الكنيسة الارثوذكسية من القرن الرابع الميلادي. لنا في هذا خبرة نقدمها لكل اخوتنا في المسيح حتى يزدادوا قوة ونسكا.

#                 #

         الصوم مرتبط اذًا بالعطاء، بالمشاركة. انت تعطي الفقير مالك فيعطيك الرب حبه. وهذا لا يغنيك عن العطاء الموصول كل ايام حياتك على قاعدة انك مؤتمن على ملك الله الذي هو وحده الملك.

         الكنيسة المسيحية لم يبقَ فيها نظام التعشير قانونا ولا مانع ان يتمسك به من يشاء. ولكن اعطِ بكرم كبير. هذا يروضك كثيرا على المحبة.

#           #

#

         اما الدينونة التي صورها متى بهذا الشكل فقد قال عنها دستور الايمان: “وايضا يأتي ليدين الاحياء والاموات” ليس ان ابرز صفة في الله كونه ديانا ولكن لنوحي بأنه لا يستقبلنا الا بعد ان يفحصنا ونرى انفسنا عراة امامه بمعنى ان نحس بخطايانا الطوعية والكرهية وذلك على هذا العمق الذي يجعلنا الله فيه فنرتجف كلنا ونسترحم وتنقلنا اليه الرحمة لنجلس حوله مع جميع القديسن. في تعليمنا طبعا ان والدة الاله لا تدان لأنها ساكنة في المجد والشهداء يقيمون منذ الآن في المجد وشهادتهم دمهم.

         في كنيستنا ندخل منذ الاثنين القادم الصيام الكبير فنرفع اللحم والاجبان عن موائدنا والذي لا يمارسه او يمارسه قليلا فقد فوّت على نفسه ذوقا لله كبيرا وبهاء لوجهه عظيما. وابتغاء ذلك نكثف الصلاة ونحن العارفين بها نحس انها تغنينا عن طعام ولا سيما عن الطعام الذي نستلذه.  اجل “ليس ملكوت الله طعاما وشرابا بل بر ونسك مع قداسة”. الإمساك وسيلة والصلاة نفسها وسيلة غير انهما وسيلتان لكي ندرك البر مع القداسة. هذا ما نقوله في سحرية الأحد الخامس. ولكن لولا العطاء لا تكتمل القداسة. ولهذا بعد هذا الكلام تؤكد الكنيسة في آخر ترتيلة من الأحد الخامس: “المتنعّم بالرب والسالك في نوره هو لا يعثر”.

         هذا كلام في العشق الالهي. هذه معمودية بالنور. لذلك كان الموعوظون اي الذين يستعدون لاقتبال النور كله بالعماد كانوا يعتمدون في ليلة الفصح. كل خدمة الهية عندنا بسط  لمعاني الفصح  هذا الذي نعبر فيه مع المسيح الى السماء. نحن ليس لنا هم آخر. واذا حققناه حسب مشيئة الرب وكلمته ووصاياه فنحن منتصبون – منذ الآن بالروح- امام عرشه الإلهي. وعندما يجيء الرب يسوع ثانية الى العالم لا نصوم ولكن نقيم معه العرس الى الابد.

         بطريقة سرية يقول لنا المخلص في رياضتنا السماوية: “انا آتٍ على عجل” (رؤيا  20: 22) واذا صمنا حقيقة وفي صدق وحرارة لنا ان نقول له: “تعال ايها الرب يسوع” انه يجيء في كل رياضة لنا نقوم بها ليقوى حبنا له.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

السلام / السبت ١١شباط ٢٠٠٧

هل ما نحسبه وحيا او ما يحسبه سوانا وحيا يتكلم على وجود وطن؟ لست عالما إسلاميا لأذكر شيئًا في هذا الصدد ولكن ما استقر عليه الفكر الإسلامي حتى اليوم نظريا هو دار الإسلام القابلة للتمدد الى ما لا نهاية. هاجس المسلمين كان الحكم لا الوطن وهناك بلدان اسلامية مختلفة لا احد يحكم بإلغائها وجعلها بلدا واحدا واذا كانت الدولة من صميم الاسلام ام لم تكن – والقضية خلافية- فمما لا ريب فيه ان الاسلام يقول بالدولة.

         في المسيحية انتمى الأوائل فيها خلال اربعة قرون الى الامبراطورية الرومانية ثم لما نعتت بامبراطورية الروم بقيت هويّتها رومانية وشعر كل واحد بانتمائه الى مدينته او قريته ولم يكن وطن بيزنطي. لفظة بيزنطي ليست موجودة في التراث اليوناني. هي اختراع الاستشراق.

         ولكن بناء على العهد الجديد ذكر الكتاب وطن يسوع لما اراد الكلام على مدينته الناصرة ولم ينسب الى بقعة من الإدارة الرومانية تعتبر وطنه بالمعنى الحديث. الأرض كانت ملك الملك وحورب الناس ليصيروا فرنسيين وبعد إخضاعهم نشأ الشعور الوطني وكل ذلك في تمخضات الثورة الفرنسية لأن الأرض أصبحت هي الوطن بزوال الملك. فافتخار مسيحيين في اناشيدهم الوطنيّة هو من باب الواقع التاريخي ولا تدفعك الكنيسة الى الاعتزاز بقطعة من ارض انما تدعوك الى محبة البشر الذين يعايشونك على ارض واحدة وفق كلام بولس: بليس لنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة (عبرانيين ١٢: ١4).

         بعد الانجيل عندنا نص لافت هو “الرسالة الى اهل ديوغنيط” كتبت على الأرجح في اواخر القرن الثالث تقول: “لا وطن ولا لغة ولا لباس يميّز المسيحيين عن سائر الناس. لا يقطنون مدنا خاصة بهم (الكانتون المسيحي…!) تراهم منتشرين في المدن اليونانيّة وغيرها وفقا لنصيب كل منهم… يقيم كل منهم في وطنه انما كغريب مضاف… كل ارض غريبة وطن لهم وكل وطن ارض غريبة.”

         مع غياب الانتساب الالهي الى وطن يؤكّد الانجيل الدولة: “ليس سلطان الا من الله… حتى ان من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله” (رومية 13: 1 و2). ترجمة لفظة سلطان في اللغة الحديثة هي الدولة في بنيتها العصرية واهمية الدولة في الفكر الكتابي انها تؤمّن السلام كما يقول بولس في الفصل الذي أشرنا اليه من الرسالة الى أهل رومية. والإخلال في السلام عصيان لله وبسبب من رعاية الدولة للوطن ينتج من الإخلال بالدولة تشتت وضياع وخوف والمألوف انك لا تخل بالدولة الا بالدم. والوطن لا يبقى له معنى لك ان استبحت ان تسفك الدم فيه وإراقة الدم خير وسيلة لتفكيك الدولة وقد تكون احيانا وسيلة لتخريب الوطن.

#          #

#

         في الدولة الحديثة يأتي واحد ويذهب واحد لأن المعاصرين جعلوا القدسية للوطن لا للدولة. والدولة بالعربيّة هي ما يدول اي ما يتغيّر او يتحرّك ولذلك يقال عندنا بتداول السلطة ولكن القدسية ليست لمن يبقى او لمن يذهب. هناك حقيقة واحدة في الأخلاقيّات السياسيّة وهي السلام لأن السلام يعني في الحد الأدنى الإمساك عن سفك الدم وهذا أغلى من الدولة وأغلى من الوطن. ذلك ان هذين الأخيرين تركيبتان بشريّتان واما الانسان الذي تقتله فهو خليقة الله.

         اعرف كل الاعتراضات على ما اقول من تعظيم الثورة ومن تحسين حالة الفقير بعد الثورة ونظرية تحرير المظلوم. وأعرف نظرية توما الاكويني الذي أباح قتل الملك عند الضرورة القصوى ونظرية خلاص النفس في محاكم التفتيش ونظرية قتل المشركين. كل هذا لا يساوي قطرة دم لطفل او لبالغ.

         غير ان الدم يبدأ بالغضب وفق ما تقوله العظة على الجبل. وكل الذين يثيرون الجماهير يعرفون ان حظها في القتل كبير وهي في غالب الاوقات تشحن بشعار تفهمه او لا تفهمه الى ان تندم اذا عرفت الحقيقة. المهم ان يبقى حكم على شيء من الاستقرار فيه عسكر يغرس المخافة في قلوب الناس لأنه من المهم ان تخشى الحكم العادل او القضاء العادل وان تعرف ايا كنت اذا خالفت القانون انك تذهب الى السجن. الحكومة تتعامل والمواطنين العاصين  للشرائع لئلا تزول الدولة التي هي قرينة السلام. بسبب من ذلك لا تعني الديمقراطية شيئا ان لم تعنِ القوة، والقوة التي اباحها الله ليست الاستبداد وحكم المحاسيب. الديموقراطية ليست نقاشًا اكاديميا لا ينتهي وليست هي كنيسة بين يديها ادوات تنفيذ. العدل بلا قوة هو فقط كلمة من القاموس اللبناني.

         كلنا يعلم ان الجندي لا يتعاطى السياسة ليكون لكل الوطن وهو يعلم ان في هذه الدنيا سلطة لا يناقشها حامل البندقية اذ هذا يؤهله ان يقتل ويغتصب الحكم. الجيش يحرس الوطن اذا حرس السلطة التنفيذية. هذه هي الطريقة المتاحة لحماية الحكومة وتاليا لحماية الدولة.

         الحكومة اية كانت تشكيلتها تعمل لكل المواطنين، من يرى مثلها ومن لا يرى مثلها وهي خادمتهم جميعا والغاية من هذه الخدمة العامة ازدهار العيش والثقافة والوحدة الوطنية ضمن الصراعات السياسيّة. وغاية الغايات السلم الأهلي. والسؤال في الديموقراطية هو كيف تعزز الوحدة الوطنية ضمن الاختلافات القائمة.

#            #

#

         هنا يأتيني التأكيد ان سلامة الناس اعظم من اي موقف سياسي. فلا بد ان نكافح التوتر الى اقصى حد ممكن لأن من شأنه القتال او ما يهيء له. ليس من قضيّة واحدة مهما بلغ شأنها أثمن من سلامة المواطن.

         ان تصل الى الحكم ليس غاية. فالثورة التي هي الحماسة الكبرى تأكل بنيها وفي بلدان عديدة منذ الثورة الفرنسيّة يتآكل الثوار ويحاكمون بعضهم البعض. وما تشاهده غالبا ان الفساد بعد بضع من السنين يقضيها طاهرون في الحكم يدب فيهم وترى الى عدم التغيير، الى الاستكانة في الحكم ولكني ادعو الى النقاش في اقرب ما يكون الى هدوء الطبائع واحترام الآخر وتقديس شخصيّته ان لم يكن من السارقين.

         قلت “مجتمع واحد” لأني لا احب كلمة مجتمع مسيحي الا من باب الوصف السوسيولوجي. لا يعني لي التراص المسيحي شيئا اذا كان يعني مواجهة للمسلمين. الزعامات المسيحية تحت الغربال ككل الخلائق العاقلة. وحدتنا في المسيح لا تفرض علينا الخيارات السياسية نفسها. الاخلاق المسيحية في سموها تؤلّف مجتمعا طاهرًا بين المسيحيين قد يكون قليلا او كثيرا.

         الى هذا ندعو الله لكي لا يتفرق المسيحيون احزابا متناحرة. والفكر يجعلهم يفترقون ولا سيما ان اذكياءهم كثر. ولكن لا اساس بشريا لأي خلاف بين الشيعة والسنة. السلام بينهم سلام لنا جميعا.

         كل شيء نسبي الا ان نبقى معا وتربطنا محبة عظيمة تنضم الى الاعتدال والعدل والمساواة لكي نتروّض على ان نصير امة الحق في لبنان.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

تسييس الله / السبت ٣ شباط ٢٠٠٧

قال الرئيس بوش غير مرّة انّ الله كلّفه وأمره باحتلال العراق وغير العراق. من اعتقد هذا انى لك ان تعالجه؟ اللبنانيون عندهم خفّة روح او ثقافة بحيث يعتقد بعضهم ان الله يكلمهم بهذه الامور ولكنهم لا يقولون. انا أفهم انّ المولى عزّ وجلّ يتنازل اليك ليشفيك من مرض لأنك خليقته وحبيبه ولكن ان يكون عنده سياسة للبنان او طائفة في لبنان فهذا عندي امر مضحك. الرب لا يعززك في منفعة لك دنيويّة ولا يعزز طائفة بحيث يعليها على غيرها وينصرها وتتبوأ به في مرحلة من التاريخ فهذا يضحكني اكثر. فالطوائف بشر والبشر اشقياء، متعبون ولا ينحاز الرب الى فريق منهم ولا دخل له في الحرب والسلم فهم يصنعونها بمقدار قدرتهم. والدليل على ذلك ان الدولة الواحدة تنتصر في معركة وتنهزم في أخرى. فأين أمانة الله لهذا القوم في حين وتواريه في حين. هكذا صلّى القسس الألمان لنصرة بلدهم في الحرب العالمية الاولى والقسس الفرنسيون لبلادهم في الحقبة نفسها وكل منها ظن انه فريق الله.

         لا مجال هنا لنذكر الحروب الصليبيّة واعتقاد الذين قادوها ان الله بعث بهم الى هذه البلاد. لماذا الله لم يتركهم فيها الى يومنا ولماذا اراد نصرهم واراد هزيمتهم؟ ولماذا تربح اسرائيل وتخسر اسرائيل؟

         هناك نزعة متأصّلة في البشر ان يجعلوا الله منقذا لمقاصد هم وضعوها. وكل شعب يعتقد ان الله حليفه يجعل نفسه شعبا مختارا. ومهما كان معنى العبارة لماذا انتصر العبرانيون مرات قبل مجيء المسيح وانكسروا مرات. الانسان يحتاج الى حليف وهو الذي يعلن الله حليفا له. لماذا بقي المسيحيون سبعة قرون في بلاد الشام اكثرية ساحقة واندثروا كليا في شمال افريقيا.

         في ظنّي ان من اسباب رقي الغرب منذ القرن الثامن عشر انهم درسوا الشأن السياسي عقليا وما اعتبروا نجاح الثورة الفرنسيّة اكليلا لله ولا مجيء بونابرت الى الحكم والملوك الآخرين  هبوط النعمة عليهم. لقد انتهى عصر النبوءة ولم يبقَ لله اليوم نصر ولا فتح والقصّة قصة سلاح وفهم سياسي وتقدم او تخلّف حضاري.

         وليس الله مع الشيعة او السنة او المسيحيين او سواهم في الحرب لأنه إله السلام او هو السلام كما تقول الكتب الموحاة. والجماعات الدينية او المعتبرة كذلك تلعب لعبتها السياسيّة بمقدار قوتها وما من احد يحمل تفويضًا إلهيًا لربح اي موقع وليس الله ضد خسارة اي موقع. واذا كان شيء من هذا فإنه محجوب عن فهم ايّ منّا.

#            #

#

         الله ترك لنا قيما روحية نسلك حسب مضمونها ولم يترك لنا خرائط عسكرية. الله ليس رئيس أركان. اذا قلنا هذا نعني ان الجيش المنتصر هو جيش الله. وهل يقود الله جيشًا آخر اذا ما انتصر وهل في الله مزاجيّة لينحاز؟ فإذا لم تتعلمن مقاربتنا للحرب والسلم فنحن في حروب حقيقتها دينية وظاهرها دنيوي. كان شارل حلو يقول ان حروبنا مع اسرائيل هي حروب انبياء. كان هذا عنده تعبيرا عن الطابع الديني الذي كان اليهود يطبعون به اعتداءاتهم. ولكن اي ولد يعرف ان الانبياء لا يتحاربون وان تفويض الانبياء اوراق مزوّرة يكتبها الناس لمصالحهم.

         اذا وضعنا الله جانبا عن هذه المسألة ودعوناه الى نفوسنا التائبة تزول الحرب لأنها عمل القلوب المليئة بالبغضاء. هنا لا بد من الرجاء وان نوقن اننا جميعا باقون لا بقوة السلاح ولكن بقوة المحبة بحيث تحس انك تعظّم الآخر وان محبته اياك تستبقيك في الوجود وان في الارض متسعا كافيا لك وله. هذا يفترض منك ايمانا ان الاخر لا يستطيع تهديدك ولو قال لأنك باق بالرضاء الالهي وانت اعزل وان لك رسالة له ولغيره على قدر ما انت زاهد بالدنيا وربما زاهد بالسياسة. كنت اقول لبعض اصدقائي المسيحيين: لما كنتم غائبين عن المسرح السياسي في السلطنة العثمانيّة كنتم اعظم ازدهارا في الفكر والابداع اي في امور تسري بلا سلاح وبلا مركز سياسي.

         انا ليس عندي دروس القيها على المسيحيين المسيّسين اليوم. هم افصح مني في مجالهم. واذا استطعت ان تبذل جهدا في دنيا الفكر والفن والنشاط الاقتصادي تزداد حاجة الناس اليك ويبقى لك فضاؤك ولهم فضاؤهم وتكتشفون معا ان العمل الانساني الكبير يحررك من الخوف وتاليا يحررك من الاتجار بالسلاح واستعماله. في الخمسينات على ما اذكر كان اندره جيد يحاضرنا في سينما روكسي في بيروت وقال لنا ان العالم صنعته الاقليات. لا تخف من الانقراض ان لم تهاجر. الانقراض يأتيك من التحارب ولا تخشى ان تنجب لأن هذا من مشيئة الله وهو يرزقك ويرزق ذريتك. لا تظن انك ستبقى بالدفاع عن نفسك الا بطرق السياسة الشريفة اذ يكون هذا دفاعا عن الوطن كله. وللناس ان يتسابقوا بالفكر وبالانتاج الاقتصادي وان يصفو فكرهم الروحي والفلسفي بسبب من النابغين فيهم وهذا مفيد للأمة كلها. اذا لم نهاجر خوفا فالمسلمون والمسيحيون قائمون في هذا البلد الى الأبد لأن الانسان غير الاناني وغير المترف يحب الاولاد وان يعيشوا معه وأمامه بالفرح والمعرفة. الطائفيّة ستزول من نفسها ان جاهدت كل طائفة على دروب العطاء والتقدّم. اذ ذاك ولو اتيت جسديا من اهلك الا ان سمو قلبك وارتقائك المعرفي يأتيان من كل الجماعات.

#           #

#

         اذا أصررت على ان تبقى من اهل الدنيا فقط فأنت على صدام فكل جائع  الى الدنيا يسعى الى ابتلاعها وحده. اما اذا اقلعت عن الشهرة فأنت مشارك والخبز، اذ ذاك، يبدو لك الخبز المادي دون خبز المعرفة قيمة.

         ان تنزع السلاح عن جعبتك يبدأ، عند ذاك، بتطهير نفسك وبجوعك الى الله والمعرفة والعمل الذي يأتي منهما. واذا ابتلعت الكلمة الالهية يستمدّها منك الآخرون فتحييون بها معا وتكونون جماعة تبتغي الطهارة التي هي اقوى عملا من المعصية. مشكلة الخاطئ انه لا يعرف عمقه. مشكلة المسلّح انه لا يعتقد كليا انه معرّض للموت وليس في الموت خلق على اي صعيد.

         في هذه البلاد ليس من مشاركة وطنيّة بيننا ما لم ننزّه الله عن ان يكون حليفًا لطائفة ما. الخطر هو من هذا الإله الذي تصطنعه على صورتك ومثالك. جهدك اذًا يبقى ان تعود الى الصورة التي رسمها ربك فيك لا الى صورة إله الحرب التي رسمتها لنفسك.

         والقضيّة لا تنتهي بقولك: هذه الفئة ليست مسلّحة. انا ليس عندي استخبارات لأعرف حقيقة الأمر. ولكن الخطأ ليس فقط في اقتناء السلاح ولكن في ان تشتهي اقتناءه. والخطر الأكبر اذا اقتنيته ان تعتقد ان يد الله على الزناد او انها هي التي ترمي القنبلة. ليس من وثنيّة عندي مثل هذه. انا لا ادعوك ان تكون علمانيا في كل مجالات السياسة. هذا ما اؤثره. ولكني ادعوك ان تنزه الله عن رسمه للحروب او قيادتها لأنك تسقط، عند ذاك،  في خطيئة استتجار الله لمصلحة لك وللجماعة التي تنتمي اليها واستتجار الله هو استعبادك فكريا لله وانت عبده.

         الخروج من استئجارك الله او تسييسه هو باب خلاصك في الايام التي نعيشها، انا لست مؤهلا ان اشير الى العوامل الداخلية والاقليميّة والدوليّة التي تتشابك لإماتتنا. نحن نموت في العمق من عدم عمق النفس او الفكر ومن عدم رؤية الآخر على انه أخونا ونموت من الخوف اي من غياب المحبة.

         كل شيء يبدو وكأننا لن نخرج من المحنة الا بعطف إلهي خاص.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

تحية إلى محمد السماك / السبت ٢٧ كانون الثاني ٢٠٠٧

أحيد اليوم عن “الحرب” الدائرة في لبنان لأجنح إلى ما هو أبقى ولست أعرف إلامَ تؤول. وقد يكون من حسناتها ان اللبنانيين اليوم ليسوا منقسمين طائفيًا في التزامهم السياسي الظاهر. ولعل هذه الكارثة التي حلّت بنا تسهم في اقتناعنا اننا مواطنون معا. ففيما كنت أطالع “النهار” السبت الماضي عثرت على مقال للصديق الدكتور محمد السماك اكون مقلا اذا حسبته مملوءًا من المحبة ليس فقط للمسلمين والمسيحيين في العالم ولكن للمسيحيّة والإسلام فيما هما عليه من تراث توحيدي.

                      محمد السماك يتجاوز الذاكرة الدينية الموروثة وكل شعور بالأذى  امن هذا الفريق جاء ام من ذاك. اجل لا مفر لي وانا اعرف الرجل ان اعترف ان من عنوان مقالة “قصة جسرين بين الاسام والمسيحية” ان صديقنا هذا كان هو شخصيا ولا يزال جسرا بيننا ليس في هذه المنطقة.

                      لست أخون المروءة التي تدعو الى التكتم لو قلت اني في اول اجتماعي به قال لي ان اهل الحي الذي يعيش فيه يقولون: “حارة بلا نصارى خسارة”. ما كنت اعرف العبارة ولكني كنت احس منذ طفولتي في مدينة طرابلس اني كنت اسمع من المسلمين ما يفيد هذا المعنى. وكنا هناك نتعايش ولا نزال في التعامل الودي الذي كانت العائلات والافراد تحس به. هذا اذا اهملت الاشارة الى اننا كنا واحدا على صعيد الصداقات ولا نلجأ الى العقائد التي تفرق بيننا واذا سمح لي لو ذكرت اني علمت الحضارة العربيّة الاسلامية منذ مطلع الجاهليّة الى آخر العهد الأموي في الجامعة اللبنانية منذ أواسط الستينات ولم اشعر يوما باستغراب احد ان كاهنا مسيحيا يعلّم المادة وعندما افكّر بالجد الذي ساد كل سنوات تعليمي ألمس ان طلابي لم يتفرقوا يوما على اساس ديني وهم يتحدثون عن الموضوعيّة التي كانت تتسم بها هذه الدراسة كما لم اكن اشعر ان المباينات السياسيّة – وكانت على اساس وطني- كانت تزعزع تقبلهم لكلامي في الاسلام. ومع اني كنت موقنا بأن العلماء المسيحيين في العصر الاموي ولا سيّما الفلاسفة منهم أسهموا في نشوء الفكر الفلسفي الاسلامي منذ تلك الحقبة.

                      وأذكر اني منذ اللحظة الاولى من تعليمي كانت اول جملة قلتها للطلاب تلفظت بها انني اطلب منكم اولا ان تأتوا بأوراق تدونون عليها الامالي وثانيا اريد من اجل فهم العرب ان يحمل كلّ منكم الى الصف مصحفًا لأننا سنعود كثيرًا الى الآيات.

                      واذا عدت الى محمد السماك لست اقول انه في هذا المقال كان موضوعيا في عرض اوضاع الناس الى اية عقيدة هم عليها كما كان طوال حياته الفكرية ولكنه كان منصفًا حتى منتهى الإنصاف بحيث لا تلمس في ما قال تحفظا على الديانة الأخرى وهو ماد للجسور.

                      كان الاستاذ محمد دائما يقف هذا الموقف ويقرب بين القلوب. هذه المرة يضع قولا هو في غاية المودة ومتوازن جدا من حيث اسلوب المعالجة اذ يمكنني القول ان هذه القطعة النادرة في الجودة الروحية هي وصيّته لنا جميعا. ويمكن اعتبارها حقا وصية للمسلمين والمسيحيين على السواء نحن الذين دعينا معا الى كلمة سواء.

#            #

#

                      سنّي كل شيء يظهر تعلّقه بمذهبه لم يذكر الشيعة والسنة. وانا الارثوذكسي ما كنت رأيت بعيني شيعيا واحدًا قبل بلوغي الأربعين بسبب انحصاري الحياتي في طرابلس الى ان عرفت الشيعة بين طلابي وذهلت لمستواهم العقلي وانبثاق الشعر عند غير واحد منهم. وبسبب من حرصي على تواضعهم لن اذكر اسما من اسمائهم ولكني قرأت عند كبارهم قولا في المسيح وقولا في مريم – ومن اجل الصدق- اعترف اني لم ألمس حرارة وحبا عندهم للسيد وامه في المسيحية العربية المعاصرة.

                      وانقطاعا عن هذه العاصفة الهوجاء، التي نحن فيها فشهادتي تدل على ان الروح يهبّ حيث يشاء كما جاء في انجيل يوحنا وان الحب يتجلّى حيث يشاء، وانا مؤمن اننا بعد انقشاع الغيوم سوف نشاهد مثل ذلك في الاستقلال عن السياسة.

                      ما يؤكّده محمد السماك ان سوء العلاقة بين الشريحتين يحتاج الى الإزالة لسوء الفهم بينهما. نحن نحتاج الى “مزيد من التعارف والتفاهم بين المسيحيين والمسلمين” . كان دائما يؤذيني هذا الجهل اذ لا بد لك ان تسعى الى كل الجمالات الروحية المبثوثة في العالم كلّه. ان بعضا من آباء الكنيسة منذ يوستينوس النابلسي الى اقليمس الاسكندري يرون الجمالات الروحيّة في الحضارة الاغريقيّة الوثنيّة ويربطونها بالمسيح فمن باب اولى ان نرى ما يجمع الموحدين وما اتمنّاه ان يعمم هذا في اليهوديّة والمسيحيّة والاسلام وان نرفع تهمة الشرك عن كل هذه الديانات لأن هذا القول غباء. ففي مرّة التقيت فيها مفتي طرابلس السابق الشيخ نديم الجسر وكان خارجًآ من مجلس عزاء وانا داخل اليه قال لي سماحته قبل ان يلقي عليّ السلام: “انتم موحدون”. التقينا عند الباب وما كانت قامته تمكنني من دخوله. قلت له اشكرك سيدي لأنك رفعت عنا تهمة الشرك فقال لي “ولكنكم فلاسفة”. ادركت عند ذاك انه يشير الى الثالوث. فأجبته: هذا الثالوث ما هو الا حركة ضمن الوحدانية الالهيّة ثم افترقنا. كنت اكنّ له احتراما كبيرا ولا سيما اني تدرّجت محاميا عند واحد من آل الجسر. ناس من هذه النوعيّة يجب ان نفتّش عنهم تفتيشا ليكمل الحب.

                      يقول الدكتور سماك “تفاهم” بين اهل الديانتين. اظن ان كلمته هذه لا تفيد التعايش المجتمعي فقط او التلاقي في العيش ولكنها تمتد الى المحبّة ايضا وربما الى التناضح الفكري ما امكن ذلك ولا سيّما ان المليار والثلاثمئة مليون مسلم سيتكاثرون جدا حتى يوم الدين كتلة متراصة وانت، جديا، لا يمكنك ان تتجاهلها. والمسيحيون سيبقون كتلة متراصة صلّوا ام لم يصلّوا. في جو التلاقي الوجداني بيننا انت توضح ما تؤمن به وتستوضح الآخر ايمانه وهذا عندي بدء الحوار ان لم يكن ذروته.

                      وفي ظل هذا يتحدّث المؤلّف عن ” ثقافة حول الاختلاف واحترام المختلف معه”. لو كان المقال اطول وصار دراسة اكاديمية الاعتراف بالآخر حياتيا امر لا يكفي اذا رأيت انك مؤهل لبسط عقيدتك في اوساط علميّة وتبصّرت بديانة الآخر. فاحترام المختلف ينبغي ان تتضمّن حرية اخذك بأي دين وان يعلم الدين في الجامعات ويعترف لك حرية الكلام والكتابة وان تختار الايمان الذي تريده .

                      طبعا هذا غائب عن العالم العربي ما عدا لبنان. “لا إكراه في الدين” ليست فقط قاعدة الا تدخل في دينك قسرا من لا يريده ولكن ان تحترم حريّته بتغيير معتقده لئلا تكون القصة قصة المحافظة على العدد وعلى حجم اية امة من الأمّتين لأستعير التعبير القرآني.

                      الى هذا ان حسن العلاقة اخلت به الحروب الصليبيّة والاستعمار كما قال صاحبنا. غير ان الابحاث الجديدة دلّت على انّ المسيحيين الارثوذكسيين قتلهم الصليبيون هنا وثمّة بين انطاكية والقدس. ما وجب قوله انصافًا للتاريخ ان مسيحيي الشرق بعامة لا علاقة لهم بالاستعمار وكل من تتبّع الحياة السياسيّة في إطار الانتداب اطّلع على ان سلطة الانتداب عملت على تقويض النفوذ الارثوذكسي في هذه المنطقة وعلى تذويبهم في مجموعة مسيحية اخرى.

                      ثم يذكر الدكتور محمد ان المسيحيين العرب يستطيعون ان “يشكّلوا جسرًا معرفيا بين العالم العربي والغرب” كذلك يرى ان “المسلمين العرب يستطيعون ان يشكّلوا جسرًا معرفيا مع العالم الاسلامي غير العربي” وهذان المسعيان يسميهما جسرين.

                      ما يتحتّم عليّ قوله هنا ان المسيحيين في الغرب – على المستوى الشعبي- لا يعرفون شيئا عن المسيحيين العرب. فاذا قلت لهم انك ارثوذكسي مثلا يظنون انك روسي او يوناني ولأن العروبة والاسلام عندهم واحد. كم من مرة سئلنا في الغرب: متى جاء ابوك او جدّك من الاسلام الى المسيحية؟ نضحك ونفتح سفر اعمال الرسل لنذكرهم بأننا كنا هنا منذ العصر الرسولي واننا أكملنا طريقنا.

                      اليوم هناك مسلمون في اوربا مهاجرون اليها من شمالي افريقيا وتركيا والباكستان. هؤلاء تعاملهم السلطات الاوروبية بحرية وقد بنوا في اوربا الغربية آلافا من المساجد. السنة الماضية كنت أزور مسجد فيينا في النمسا مع زملاء لي يتعاطون الحوار الاسلامي المسيحي وشاهدنا إماما يرتدي ثيابا اوربيّة يعلّم الاسلام لشبان شقر بلغة المانية طليقة. انا لست استعمل عبارة تبادل في المعاملة ولكن يجب ان يكون من المألوف ان يعلّم قس مسيحي ايمانه بصورة موضوعيّة من يشاء في دار الاسلام وان يحق للمسيحيين ان يجتمعوا للصلاة يوم الأحد.

                      هذا قائم في الإمارات ومؤخرا اقمت في ابو ظبي قداسًا للرعية المسيحية في كنيسة مبنية بالحجر .

                      اظن اننا ان توخّينا التلاقي الحقيقي الكامل ينبغي ان ندافع عن حريّة الأقليّات حيثما وجدوا. اتمنّى الا نستعمل في علاقة الديانتين عبارة “حقوق الانسان” وان نلجأ فقط الى المحبة والسماحة ليبقى كل منا مختلفا.

                      ما قاله محمد السماك كثيره جديد بالنسبة الى التعامل وفي مسيرتنا الى الله الذي سنجتمع معا امام وجهه الوضّاء في اليوم الأخير.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الوحدة المطلّة / السبت ١٣ كانون الثاني ٢٠٠٧

بعد ان يعبر عيد الغطاس يتهيأ المسيحيون لاستقبال الصيام الكبير من حيث انه هو ايضًا استعداد لآلام المسيح التي تتبعها قيامته فيتغيّر الإيقاع الروحي عندهم ولا تقل الكثافة الروحيّة في نفوسهم ان كانوا من الطائعين. وهناك مواقف هي أعياد القديسين التي يتجلّى فيها المؤمن الممارس اذ يحاول ان يرى الى وجه الله ثم الى وجوه الناس في تجلّياتها لكون الانسان الطيب يتلمّس دائمًا الأنوار الإلهيّة على كل وجه. والوجوه اذا أضا ءتها النعمة لا تسأل انت عن دين صاحبها ولا عن نحوه السياسي اذ السياسة دائما عجين من الغلط ومن الصحة ان كان الناس صادقين. فالانفعال جزء من مواقفنا في هذا المجال والناس بعضهم أقرب الى قايين )وهو قابيل في الاسلام) او هم أدنى الى هابيل ما مرشّح لذبح أخيه له.

          هذا اذا كنت في هذه الدنيا. اما اذا حالت دنياك الى جحيم فلا ترى وجه أخيك اذ يقول نص نسكي عندنا ان عذاب أهل النار الا يرى أحد وجه أحد فكل من ساكني جهنّم ظهورهم الى ظهر بعض بربط محكم ولا يعرف الواحد الآخر اذ لا يرى الى وجهه. ذلك ان العذاب هو العزلة المطلقة والافتراق الدائم. اما المؤمنون فيشاهدون بعضهم بعضًا لأن وجوههم مكونة مما ارتسم عليها من أنوار ربهم. ويقول المتصوّفة المسيحيون والمسلمون معا ان أهل الجنة ليسوا فقط في لقاء دائم مع الله ولكنهم يسيرون في الله بعد ان أمسوا إلهيين وليس لهم فوق من مبتغى الا هذه المسيرة.

          وهناك طبعًا تكون الانظومات الدينيّة ملغاة وكانت هنا شرعة ومنهاجا وبعد زوال المنهاج تبقى الرؤية اذ تتكوّن هناك الهويّة الحقيقيّة بسقوط الحواجز ويكون الله الكل في الكل كما يقول بولس. وهناك لا تحتاج الى لغة اذ يكون التواصل انسكاب القلب بالقلب اي اننا نكون تحت نظام المحبة التي لا تسقط ابدًا وكان من المفروض هنا ان تكون هي اللغة ولكن الناس لا يعقلون.

#           #

#

          لقد افترضنا في هذا العالم ان يصبح لبنان قطعة من السماء وانا أقول دائما للأجانب ان اللبنانيين من ألطف البشر ومن الدلائل على ذلك أن المقاتلين من معسكري حربنا او حروبنا الأهلية اذا اجتمعوا معا الى عشاء في قبرص مثلا كانوا يرتاحون معا ويفرحون معا اذا لم يتحدّثوا في السياسة وسرعان ما خاطبوا بها  بعضهم بعضا في السياسة يتراشقون بالصحون او الأكواب اي اذا تحولوا الى أنصار ويعودون في لبنان الى منازلات لا تعرف متى واين تنتهي. هم معا على موائد المحبّة وهم قاتلون في ميادين القتال والإنسان في اللغة الفلسفيّة مفارق للآخر بمعنى ان هذا غير ذاك والله أعدّه للتواصل وليس الى ان يقضي على الآخر برصاص كان هذا ام بغير رصاص.

          ان تكون لك شخصيّتك لا تعني ان تكون واحدًا من حشد. العاقل لا يحتشد ولا يؤلّف جمهورًا ازاء جمهور ولكنه يؤلّف جماعة مع أهل العقل واهل الحب. أما المسيسون فيقولون ان لهم قضية كثيرا ما ارادوا بها تحزبا. ألم تسمعوا كثيرا اذا ما حل التأهّب للإنتخابات التشريعيّة: انا صاحب مبدأ ومعناها الحقيقي انا صاحب المرشّح الفلاني وسبب ذلك انه تناول القهوة مرة عند فلان او حضر لعائلته مأتمًا.

          لبنان قطعة من سماء تعني ان لبنان اهم من اي نزاع فيه وأثبت وأقوم وان تفاوتت أسباب المنازعات وكان بعضها أقرب الى الوحدة منه الى الانقسام. انا لست داعية الى الحياد في اي خصام سياسي يتكوّن في البلد اذ لا تساوي بين المواقف في اي ظرف، ذلك ان في السياسة حقائق وفيها انسانيات وما يدعم تقارب الناس حتى الاندماج او بعض منه. وعليك ان تتدرّب في السياسة على الاستقامة ومنها وحدة البلد على التنوّع وان تفهم في الحقيقة اسباب الخلاف والوجهة الصحيحة فيه لا لتتراكم مع المتراكم ولا ان تحافظ على موقف اتخذته وتبيّن لك فيما بعد انه مغلوط. في السياسة كما في غيرها توبة. السؤال هو أين كان القديسون يقفون لو نزلوا الينا وشرح لهم اسباب الخلافات بين اهل الأرض. واذا تنازعت أمّان على أمومة الصبي كما في حكاية سليمان ينبغي ان نقتنع ان الصبي ينبغي الا يموت.

          والمهم قبل الأهم الا نتقاذف بحجارة الشتائم وبذاءة الكلام لأن هذا بدء قتل او أقلّه محو الآخر من روحك لأن خصمك حبيب والخصومة اسلوب للوصول الى المصالحة الى بقاء بلد نعرف انه هش من تكوينه الحديث وان ازمات الهشاشة كانت تظهر فيه منذ استقلال لم نفهمه جميعا بالروح نفسها.

          هذا بلد الحمايات منذ القرن السادس عشر هو وجواره اي بعد ان احتلّنا العثمانيون بقليل. ومع علمي ان بعض الظن سوء يفتقد الكثيرون منا الى حماية. ولكن هل فكّر شعبنا بأننا قادرون على رغم ضغط الاجنبي اننا بلغنا نضجًا واستقلالا روحيا يغنيانا عن التماس وصايات كائنة ما كانت لأن الغريب ايا كان لا يحبك كما يحبك أخوك ومبدئيًا تعترف بأخيك “اذا صدقت الوالدة”. هذا يذكّرني لمّا كنت رئيسا لمحكمة الاستئناف الارثوذكسية اني قررت فحص الحامض النووي في مختبر في فرنسا لأتثبت من أبوّة رجل. شعوري اننا لم نصل لبنانيين الى هذا الحد وان كان لا مهرب احيانا من شكوك.

          ابدأ بتأكيد قناعتي اننا أجمعنا بالأقل اننا لا نزني مع اسرائيل واننا لن نهرول الى توقيع سلام معها حتى تحين قناعة العرب جميعا. مع ذلك يبدو ان ما تسميه انت وصاية يسميه ذاك تحالفًا. هذه قضيّة صدق وقضيّة تحليل سياسي عميق. والاحلاف تتغيّر فيما انت تقلب احوال الدنيا السياسيّة. غير ان اللبنانيين اتفقوا في نهاية احداث الـ ١٩٥٨ الا يدخلوا في حلف لئلا ينقسموا. هذا يعني ان هناك حدة ما لا نستطيع ان نبلغها وهناك عصمة ينبغي ان نتسلّح بها تبقي هذا البلد المتعدد المكون واحدا. ولك في السياسة الخارجية ان ترفض وان كان عليك ان تكون حكيما وعليك ان تزن الاثقال التي بين يديك وبين أيدي الآخرين: “ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا انفسهم” (المؤمنون. ١٠3).

          وهنا يأتيني التأمّل ان الأصرار ليس الثبات الا اذا كنت ذاهبا الى الشهادة. وليس من ثبات يعني ان تأخذ البلد الى الفقر لأنك تستطيع بسهولة ان تسقط في الفقر ولست في السهولة نفسها تتعرّج الى البحبوحة. والفقراء مسؤوليّتنا الأولى لأنهم سادتنا كما قال القديس يوحنا الرحيم. والفقر هو الطريق المثلى لنصل الى الوصاية.

          لا بد لنا ان نتعامل والدول الطامعة بنا وغير الطامعة بنا. القضيّة ان نحافظ اولا واخيرا بعضنا على البعض الآخر لئلا نسقط ببدعة القائلين ان لبنان عابر  accident de parcours وانه يمكن الا يبقى. ليس من بلد في العالم له ضمانة ابدية. ولكن هذا البلد هو الذي اخترناه لنعيش معا فيه والذين يقولون هذا ما قرّره اتفاق سايكس- بيكو. أقول لهم ان هذا الاتفاق لم يأتِ على ذكر لبنان. هو كان عثمانيا مع نظام المتصرّفية ولكن الدول لم تقتطعه من كيان عربي كان هو جزءًا منه حقوقيا. نحن خرجنا من المدى العثماني بعد ان قسم الحلفاء هذا المدى. ليس من جدل بعد الطائف اننا غدونا بلدًا ذا سيادة. والسؤال في الأزمات هو كيف تحافظ او بوجه من تحافظ على هذه السيادة. وتقف بوجه الجميع لتحافظ على نفسك بأعظم حنكة ممكنة وبالوسائل المتاحة لك.

          ربما ارادت هذه الدولة او تلك ان تراودك عن نفسك كما فعلت امرأة العزيز بيوسف. ولكنك تعف مثله بشجاعة وصبر طويل وايمان بأنّ الله يريد لك لبنان مرتعا لخدمتك وخدمة الحضارة الانسانية. المرأة الجميلة مغرية ولكن ليس مقدرا لها بالضرورة ان تسقط.

          عند ارتجاج الوطن لا بد لنا من ان نقوي الدولة لتكون في خدمة كل الشعب وتساعد الوطن على ان يحافظ على منعته. وعندنا ان الدولة والبلد متشابكان بخاصة وكل منهما يقوى بالآخر. نحن الآن في حمى  رهيبة لم أشاهد مثلها منذ استقلال السنة الـ ١٩٤٣ التي رافقت ما تبعها من ازمنة. أخشى ان تفتك الحمى في جسم الوطن فتكا كبيرا كما اني أرجو ان يلهم الرب كل الاطراف الى فهم ان لبنان اعظم منهم جميعا فإن هو ذهب ذهبوا. والمطلوب ان نحيا والا نموت بسبب من جهلنا وشكوك لا تنقطع.

          وقد قال غير واحد فليمد رئيس المجلس الحكيم مائدة التشاور وهي مكان لاستعادة الثقة او بعض من ثقة. كذلك هي مناسبة لعقد زواج ماروني بيننا محرم فيه الطلاق حرما كاملا. ولا يعني هذا إبادة القناعات ولكن القناعات السياسية ليست كتابا متنزلا. لكل نجاح مائدة تشاور مع ما يسدينا العرب من نصح. المهم ان نتلاقى شعبا واحدا ونبدأ جدية تاريخ جديد نأكل فيه مع أولادنا خبزًا نستحقه ونتطهّر ونخلص ونسير معا في الله.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

لبنان والغطاس / السبت ٦ كانون الثاني ٢٠٠٧

كل الأعياد الكبرى عندنا هي بسط لسر الفصح بطريقة او بأخرى بمعنى انها كشف لموت المسيح وقيامته او هي تأوين لهذين الحدثين والتأوين هو إحياء في الآن لحدث مضى. اليوم نعيّد لما يسمّيه العامة الغطاس ولا شك انه صيغة شعبيّة تعبّر عن ان يسوع الناصري غطس في نهر الأردن حيث اقتبل صبغة يوحنا وهو يحيى بن زكريا في الإسلام والصبغة هي الكلمة العربية التي اصطلح عليها المسيحيون العرب على تحويلها الى معموديّة. ولكن لفظة الصبغة استعملها المسيح مرة للكلام على موته وتدل بوضوح على الدم المراق.

          في المدلولات أيضًا ان معمودية يوحنا كانت رمزًا للتوبة. وقد بدأت المعموديات قبل يوحنا عند الفريسيين كما ظهر الاغتسال كل يوم في جماعة قمران، ولكن دعوة يوحنا كانت الى التوبة. واقتبلها الناصري ليوحد نفسه بالعائدين من قومه الى الله مع انه لم يكن في حاجة الى التوبة. عمليّة تواضع من قبله لا بد من فهمها على انها تواضع حتى الموت ولما خرج يسوع من الماء رسم رمزيّا خروجه من الموت. عندنا في هذا العيد الذي نسمّيه في الطقوس “الظهور الالهي” تهجئة لظهور السيّد بموته وقيامته. نحن اذًا عند ظهور هذه السطور فصحيون.

          ما يؤكّد هذه القراءة ان سر المعمودية في الاناجيل يشبه الى حد بعيد حادثة تجلّي السيّد على احد الجبال هو حسب التقليد ثابور في الجليل وعند بعض العلماء جبل الشيخ حيث بزغ النور على وجهه وثيابه وحضر اليه موسى وايليا وكانا يكلمانه على الآلام الذي كان مزمعًا ان يتقبّلها في اورشليم. وصوت الآب: هذا هو ابني الحبيب الذي سمع في صبغة الأردن هو إياه الذي سمع على جبل التجلّي. في الأردن دفن وانبعاث وفي ثابور حديث عن الآلام التي يليها الانبعاث.

          اذا اسقطنا هذا العيد بعد ان امسى رسميّا في الدولة في وضعنا نرى سقوطًا ليس بعده سقوط ورجاء وقيامة قد تأتي بعزة لا بعدها عزة. وهذا سقوط يشبه الموت. ولا احد يعرف متى ولأي سبب تأتي للإنسان ميتته. وكان قبل ذلك غاطسا في حياة صاخبة واذ بها تنقطع توّا لتظهر الحياة من جديد في اليوم الأخير ولكنه قبل ذلك لا بد له ان ينكسر.

          هناك اوطان هشّة بتركيبتها ترتج أكثر من غيرها وتهزل وتبدو نائية عن الوجود الحضاري مختفية في عتمات التاريخ حتى يحل فيها نهوضها من جديد. هاتان الحركتان هما معموديتها وهذه حال كل الشعوب. غير ان هناك شعوبا او دولا تنقرض اذ لم يكن فيها بذرة حياة تنتشلها في يوم الرضا من الموت. لقد انقرضت أمم بالكليّة فالموت يأخذ الأفراد والجماعات. في الحقيقة تنقرض التسميات. الى الناس ناس غير ان ما أنجز لا يبقى في دورة الفعل الحضاري ويصير متّخذًا في العواصم الفنيّة التي تكتب كثيرًا عن الحضارات المنقرضة ولكنها تلتمس دورها في الزمان الحديث.

#           #

#

          دعائي ان يخرج اللبنانيون من الماء الذي غرقوا فيه كما خرج المسيح من النهر ولكن هل سيبقى لبنان الذي نحن على عثراته وشقائه  والنقص الكبير في جديّته. هل يحب اولاده هويّته اي ان عنده امتياز وجود وتزكية وجود. السؤال الحق هو هل يحب اللبنانيون ان يتعايشوا على ما بينهم من اختلاف ام ينحتون وحدة جديدة لهم لا تقوم على تعدد يفرّقهم الآن بوضوح وهم يفتخرون به على رجاء وحدة لم تأتِ بعد. هل نجد مكونات جديدة لوحدة نريدها وهل نريدها حقا بحيث لا يطغى احد على أحد اي لا يميته حضاريًا.

          تحقيق هذا كان صعبًا حتى الآن كثيرًا. ليس عند أحد وصفة لخلاص البلد. ولكن ان نحسن التسويات ونبقى على ان البلد يقوم على ممارسة تسويات، هذه الفلسفة تعني ان البلد ليس له مقوّمات استمرار. لا بد من “غطاس” لكل طوائف لبنان اي ان تقتنع اولا انها في حاجة ان تميت من ذاكرتها ومن احساساتها ما يجعلها تظن ان السيادة لها اوانها اجمل من غيرها وأعلى شأنًا. هذا يعني ان تنزل في الماء وتترك فيه خطاياها. وبعد ذلك تخرج منقّاة فتسمع صوت الله: انت الآن يا طائفة كذا صرت ابنتي الحبيبة التي بها سررت. ولكن تبقى كل مجموعة على تراث خطاياها وان تقول لزميلاتها انا أبهى وأذكى وأطهر وما الى ذلك تكون قد ساهمت في ابقائنا على خطايانا فنكون قد دخلنا في الماء واختنقنا فيه.

          هذا هو المعنى العميق للاطائفيّة. ليست هي اللا انتماء. هي انتماء الى طائفة تائبة وتوق الى تلاحم كل الطوائف تائبة. هذه هي صورة نموذجيّة لوطن سائر نحو وحدته فيما ينبغي ان يثق انه ينتقل من مجد الى مجد. هذا لا يمنع نظريا ان يكون لكل طائفة التماع يميّزها عن سواها. وعلى اعتقادي مدة طويلة ان كل طائفة تحمل صفات تميّزها ثقافيّا عن سواها بتّ أعتقد الآن ان الطوائف تتمايز بخطاياها اولا وان الفرد في كل مجموعة يتميّز عن الفرد الآخر في شريحته وفي غير شريحته اذ تجد ان الصالحين من أمّة واحدة والأشرار من أمّة واحدة.

#              #

#

          بعد مراسي الشعب اللبناني سبعين سنة بوعي كامل بأن الخيرين خارج طائفتي يحبونني واني اكره الطالحين في طائفتي وجدت اني اسعى لأكون مرصوفًا مع الأوادم. انا اذًا لم اولد في طائفة. صرت على ما أرجو في طائفة الأوادم التي لا اسم لها ولا بطاقة خاصّة بها. ولكني وجدتني مختارا مسيحيا  ارثوذكسيا وهذا انتماء الى الله والى مدرسة روحيّة له.

          وانت بسبب قرباك المجتمعي والذوقي من جماعتك تذهب بها الى نهر الأردن “لتعتمد” مع المسيح واذا شئتها بقالب اسلامي اقول: “صبغة الله ومن احسن من الله صبغة” (البقرة، ١٣8). ودون ذلك نحن فيديراليّة طوائف اظن اننا لسوء الطالع نعيشها الآن سيكولوجيا. ولكن هذا يعني اننا نزلنا في الماء ولم نخرج منه اي ان الله لم يستقبلنا ولن يقول لأي قسم من هذه الفيديرالية. انت ابني، انا اليوم ولدتك. اذا بقينا تحت نكون ملاصقين شهواتنا وتعاش الفيديراليّة تحت اي مجموعة طوائف غارقة كل واحدة بخطايانا وغير مؤمنة انها يجب ان “تتعمّد” بالروح او غير قارئة للآية: “وجعلنا من الماء كل شيء حي” (الانبياء، ٣0). انه حي لمن اراد ان يحيا به اي ان يغرق شهواته في النهر.

          في العمق قضيتنا هي هذه اي انها اولا زهد بالتاريخ على ما فيه من جمالات  وتطلّع الى مستقبل نصنعه معا بعد اغتسال. هل انا قائل: ان القضيّة كلّا قضية توبة؟ انا قائل بالأقل ان احدًا لم يرد ان ينشئ لبنان مع الآخر. كل فريق هام يريد لبنان له. والأصغرون أظنهم قائلين اننا نحيا من الفتات الذي يتركه لنا الكبار. انا ما قلت ان الطوائف تتمازج ولكن الخيرين الذين ما حادوا عن زواجهم بلبنان ولا يزنون يتوقعون الى ان يخدموا البلد مع كل المخلصين لزواجهم بالوطن لأن القضيّة الكبرى في الوطن هي الا تزني. واذا لازم الرجل والمرأة بيتهما فإنهما يتدبران معا أمور المنزل ويتعايشان بكل ما أوتيا من عزم.

          واذا خلاص البيت الا يتسلّط فيه أحدنا على الآخر ففرح المشاركة يسود الضيق ان وجد ويبدأ مسعى الخروج منه حتى ينمو الأولاد ويعمر المنزل بهم.

          هل نستطيع ان نبني وطنا شبيهًا ببيت قائم على المحبة صورته ليست فيديراليّة بل زوجية مارونيّة؟ نحن جاء التاريخ بنا الى هذا المركب الواحد وقدرنا وان ننزل معا في الماء ونطرح عنا خبثنا ونخرج معا في انتماء واحد تحت السماء.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

السنة الـ 2007 / السبت 30/12/2006

الزمان خط واحد لا انقطاع بين ذراته. هو مدى الله بحكمه ومدى الانسان بين خطيئته وآماله. ولما قال صاحب المزامير: “وخطيئتي امامي في كل حين” لم يرد ان نستغرق في حسرتنا ولكن ان نجعل التوبة شوقنا الاساسي. فبعد اليومين الاخيرين من هذه السنة واليوم الاول من السنة المقبلة لحمة كاملة ولا ينفع السهر الذي لا يؤتينا املا”.

نرتمي اذاً في احضان الله الذي يعطي للسنة المقبلة مضمونها او ليست هي بشيء والى هذا لا يريد لها سوى بر الابرار اولا ثم سر المبدعين كي لا تكون سوداء في عينيه. مع ذلك يحلم الله ببياضها كي تعود اليه كما خلقها على ان تختار النصوع كالثلج الذي على قمم لبنان. ولا يحالف الله الا الابرار كي يجعل هذا الزمان مليئا. ورجاؤنا ان ينقذ الانسانية في يوم رضاه. يأمل ان نتعلم العدل وان يكون كل منا في ايام المحن “ام الصبي”.

الدنيا من اقصاها الى اقصاها رجّة كبرى. وعند الرجات تخاف اذ تخشى ان تأتي زلزالا، اذ لا يمنع الانسان الا يرى ما حوله وانه يجيء الى حد كبير مما حوله. يجيء اولا من جسده ومن كبوات هذا الجسد التي تجعلنا على طريق الموت. ويجيء من زوجته ومن اولاده والانسباء والاصدقاء والاعداء الذين يطبعون احساسه. نفسه اذاً هي تجيء ايضا مع ما يدنيها الى الارض وما يرفعها الى السماء او ما هو بينهما فاذا سقطنا فالى الوجع وان ارتفعنا فالى التعزيات.

ما قلته يعني اننا لسنا وحدنا في الالم او في الفرح ولكن نحن دائما مع الآخرين يكسروننا ونكسرهم او يصلّون من اجلنا ونصلي من اجلهم، واذذاك يكونون ونكون. ومع ان الانسان في دعوته الالهية اعظم من الكون كله الا انه في هشاشة نفسه وجسده مرمي في هذا الكون يذوق في آن مره وحلوه ولا يعرف دائما انه اذا توخى البهاء لنفسه فلهذا مصدر واحد هو هذا الاله الذي اختار القلب البشري مسكنا له. غير ان الانسان يؤثر ان يؤجر قلبه لوجودات اخرى يحسب انها تعطيه السعادة ويقلب صفحات التقويم الجديد مفتشا عن تسليات يظن ان الفردوس ينزل بها عليه.

كل الناس مساكين ولو قلبوا صفحات التقويم. وهم في حاجة الى اللطف بهم وهم يستشفون من غفراننا لهم غفران الله. ولا يعني اللطف ان تكون ليّناً حتى الميوعة لأن اهم ما في العلاقات البشرية ان تصلح الآخر اذ قال ارسطو: “انا صديق افلاطون ولكني صديق الحقيقة”. غير ان الحقيقة لا تعطى دائما توبيخا اذ الافضل ان تعطى انسيابا. فكما تلطف انت بجرح يعتريك تلطف بالآخر ولو كان جرحك وهكذا يعرف ان يوما من ايام السنة الجديدة كان موضع رأفة به وانت لفت اليه انسانا اقام في مقام الحب.

•••

لا يستطيع من لم يكن محترف السياسة او الصحافة او التاريخ العصري ان يمشي في كل زواريب الدنيا وليس هذا شرطا ليقوم سلوكه ولكنا بتنا نعرف ان الاقسام الهامة من الدنيا عندنا ونعرف ان هذه الدنى التي تلعب على ارضنا لم تصر بعد مناطق للاله. وغالبا ما نترقب ان يستفحل الشر الذي يهب علينا وان يكوينا اذ نعرف ان هذا العالم ليس بين اجزائه إخاء كبير وان انطواء الدول هو القاعدة العامة وليس مطلوبا منك ذكاء كبير لتعرف ان الحب المجاني قائم في الزواج او ما يهيئه وانه قائم بين الاصدقاء. ولكن ليس من دولة عندها مشروع عشق. ولعل حذق الدول ان تجعلك تعتقد ان بلدك معشوقها وهي تتكل على سذاجتك وتتوسع على ارضك استرضاء لعظمتها او تفاخرها او غناها. وهذا ما يسمى عند الفرنجة Hegemonie وهي مشتقة من اليونانية وتعني السؤدد والسلطان والتسلط من دولة او طبقة على اخرى. وهي فعل المهيمن الذي ورد اسما من اسماء الله الحسنى في سورة الحشر. فكل الدول او القوى التي تحاول الهيمنة انما تنسب الى نفسها صفة من صفات الله تعالى وتبارك.

وعند الكبير ليس الصغير كالكبير ويريد الاستيلاء عليه لان الصغار ليس لهم وجود في تاريخ الناس والعظام لا يصدقونهم لو ادعوا ذلك. فالاقتناع بك فضيلة نادرة ان لم تكن من الاقوام العظيمة ولذلك انت مردود ابدا الى الحزن ما لم تظهر دولة فاعلة عندها شيء من الاحساس. كيف تخرج من هذا المأزق؟ ماذا تعطي الذين تستجدي عطفهم ولاسيما ان كنت فقيرا؟ هذه اسئلة ليس عندي اجوبة عنها ولا سيما اذا آمنت بفرادتك وان هذه الفرادة قادرة على العطاء.

صرت استمع منذ ايام الى احدى المحطات يقول فيها واحد من الناس: “لا تقل شيئا، نحن نقول عنك. لا تفهم شيئا. نحن نفهم عنك”. ولكن على المرء ان يسعى وان يرجو ان يأتي يوم يفهم فيه الكبير دنيويا ان الاصغر منه يمكنه ان يفهم وان له الحق في ان يقول. حتى يفهم العظماء ان الدنيا مشاركة وان التاريخ كله يصنعه المبدعون وان اعظمه ما يأتي به المتواضعون الذين كثيرا ما كانوا فقراء. غير ان هذا يتطلب رجاء كبيرا وايمانا بان الله قادر على ان يزيل الازمنة الرديئة حتى تعيش الشعوب معا في اسهام كل منها في حضارة العالم.

قبل الابداع يجب ان يعيش الفقير. ويبدو ان هذا مستحيل في استفحال الازمنة السياسية على رجاء ان تبقى سليمة. الاستقرار شرط العيش لانه شرط الانتاج. انا لا اطلب تربيع الدائرة. هذا مستحيل في الحياة السياسية. ولكن خذوا مسافة من الغرباء الذين تحبونهم لان اهل البيت ابقى لكم وانا لا اناقشكم في من تحبون ولكني ادعوكم الى ان تنظروا الى اللبناني على انه الاخ الثابت وانعتوا غيره ما شئتم بنعوت القربى بعد ان تعاهدتم على ان لبنان وطنكم بكل ما فيه من خلافات او مباينات.

•••

اعرف ان الاعمال بالنيات ولكني اعرف ان احدا لا نحاكمه على نية لم تثبت في الواقع. معنى ذلك في الواقع ان احدا ليس عبدا لاسرائيل الآن وانكم تاليا متساوون بعداوتها. كونوا ما شئتم في المودات ولكن لا تكونوا زبائن ولا تحالفوا احدا الى الابد لان احدا لا يحالفكم الى الابد. نحن اللبنانيين ليس احد يختنق ان لم نحالفه فظلوا اذاً على الهدوء الذي تعطيه المسافة الواحدة من كل من هم خارج الحدود.

لن ادلي برأي ادعي به اني احل مشكلة. هذا فوق طاقتي وفوق معرفتي. عندي شيء واضح مع ذلك ان الذين قتلوا رفيق الحريري وباسل فليحان حتى بيار الجميل يجب ان ينكشفوا. السؤال – ايا كانت النصوص الاخيرة لقانون المحكمة – هو هل نريد ان تعاقب العدالة المجرمين باقرب ما يسمح به القانون الاجرائي لهذه المحكمة. واذا لم يجمع اهل الحكم واهل المعارضة بالقوة نفسها والوضوح نفسه على ذلك فالمعنى الوحيد لذلك ان كل هذه الدماء البريئة التي سُكبت ليست غالية علينا واننا نساوي بين القتلة والاطهار وان الاقتصاص لا يشكل عنصرا من عناصر الدولة وتاليا اننا لا نريد دولة. اما قرأتم جميعا: “يا ايها الذين آمنوا عليكم القصاص في القتلى”. (سورة البقرة 178). ولئلا يشك احد في واجب القصاص اتبع الوحي هذه الآية توّاً بعدها بقوله: “ولكم في القصاص حياة”.

ايا كان التفاوت في الالحاح على ضرورة المحكمة ذات الطابع الدولي فهي واجبة الوجود ليس فقط على صعيد القضاء ولكن على استمرار لبنان خارج شريعة الغاب. انا لست اتهم احدا انه يريد ذلك ولكن لا يتصرفن احد وكأنه يريد ذلك لان هذا يعني ان الموت والحياة سيان عنده.

هذا عندي اننا بعد ان اقمنا العيد لمن سمّته كتبي رئيس السلام اطلب الى الآب ان يقيم سلامه في قلوبنا مع الطمأنينة الى الآخرين. الفتنة في القلوب اشد مضاء من السلاح. سلموا نفوسكم الى الله المهيمن وحده عليها حتى لا يكون السؤدد للانسان. “النفس أمارة بالسوء” لانها أمارة بالسيطرة. وكل احتكار سيطرة من الشيطان. واذا علمتم ذلك تنفتح لكم آفاق البهاء في السنة المقبلة علينا. وارجو ان يتم الله نوره عليكم في هذا الضيق حتى تتّسع صدوركم بعضكم لبعض وتستضيء كل ايامكم في السنة المطلة علينا باذنه تعالى.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

السيّد آتٍ / السبت 23/12/2006

أهمل التأمّل قليلاً في أحوال البلد لأرى الى يسوع الناصري المولود في فلسطين الجريحة والذي نقيم ذكرى ظهوره بيننا بعد يومين وبين يديّ كتاب طريف الخالدي عن “الانجيل برواية المسلمين” وكنت قد قرأته في ترجمته العربيّة لاعرف ما قاله الزهّاد والمتصوّفون المسلمون عن عيسى، هذا الذي أحبوه وأتى كلامهم عن عشقهم له كأن قلوبهم كانت تدمي وجاء كلامهم أحر من جمر حبّهم. ورأيت أنهم لا يختلفون عني في العيسويّة ورأوا المخلّص في بشريّته. أظن ان الشيخ عبدالله العلايلي قال مرة عن عيسى إنه المخلّص كائنا ما كان مدلول اللغة. ما هو الحب سوى الخلاص. ان يتطهّر قلبك حتى البلوريّة فيرى الله مَن فيه ويضمّهم الى قلبه هو فيصبحون أمّته.


أمة الله التي يؤلفها الأتقياء الموحدون تعيش في هذا السلام الذي أنشدته الملائكة عند مولد السيّد اذ قالت: “المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام”. معنى ذلك أنك تجيء الى السلام الحقيقي اذا مجدت الله. وان تمجده تتضمّن انك لا تمجّد نفسك ولا المحازبين بحيث تعترف انه ملك السموات والأرض هو الله. واذذاك يحل سلام الله فيك وفي الناس الذين وضع الله مسرته فيهم. هذه الذكرى التي نقيمها بعد يومين نلتمس فيها السلام لكل منا وللبلد على ان نكون في ذلك صادقين ولا يطغى أحدنا فيها على الآخر لأن هذا من مجد الدنيا وهو زائل بزوالها. ومع ان محبيّ الله لا يؤمنون في العمق الا بهذا السلام الذي يحله ربهم في قلوبهم الا ان الفكر السياسي المجسّد بشرعة الانسان يريد ألا يكون بين البشر احتراب يأتي لهذه الفئة أو تلك بمنافع دنيويّة. لذلك كانت حياة كل امرىْ وحياة الجماعات أمرًا جميلاً وعلى الانسان ان يبذل كل مسعاه تحقيقًا لقول التنزيل القرآني: “من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا”. وفي فهمنا نحن أتباع المسيح انه مات لكي يحيا كل انسان على رجاء الديمومة لمحبّته للبشر جميعًا. فلو كان محبو السلام من غير عشيرتك فهم أقرب اليك من أهل عشيرتك اذا كانوا يهوون إراقة الدم. لذلك نصلّي مع صاحب المزامير: “نجني من الدماء يا الله”. نجنّي أيضًا من التشنّجات التي من شأنها ان تعرض سواك للخطر. وأقول أكثر من ذلك. لا تترصدهم ولا تبعدهم عن داخلك خشية ان يتحوّل هذا الى غضب.


طبعًا المسيح الذي هو في كلام إشعياء رئيس السلام كان عارفًا بأن الشر قائم في الدنيا حتى يرث الله الأرض وما عليها. ولكن اذا عرفنا – بطريقة أو بأخرى – ان السلام قيمة أبديّة ومطهر للنفس نحاول ان نزيل من النفوس ما يجعلها قاتلة. والكلمة المفصليّة في هذا ان نتغذى من المحبّة ليس فقط للعشيرة ولكن لكل العشائر. ذلك ان المحبّة رفق وانها الوحدة بالرفق حتى ينشأ في قلوبنا اننا معًا أمة الله في لبنان والعالم.


• • •


الى هذا ولد يسوع فقيرًا وعاش زاهدًا. لم يسعَ الى أيّة حاجة من حاجات الجسد ولكنه سهر على الحاجة الوحيدة ان يغذي البشر من الله وجعل الفقراء أهله. والكلمة البليغة في هذا انه شارك البشر في كل أحوالهم ما خلا الخطيئة واستطاع لطهارته ان يغفر للعشارين والزواني اذ كانوا روحيًا فقراء وجعلهم لا يستغنون عن الله.
وما كان يسوع يتقرب من أهل السلطة ولو اعترف بوجودهم ولو تحداهم بكلمات ذهبيّة أسقطت غطرستهم جيلاً بعد جيل ولكونه ما كان يحتاج اليهم ولا الى سلطانهم مكّننا نحن المؤمنين به من ان نراهم لا شيء حتى فهم الانسان به انه يصير شيئًا بالتواضع حتى درجة الانسحاق وكان فقره ضروريا لإتمام رسالته اذ مكّنه فقره من ان يقول لكل انسان كلمات يحيا بها فيدخل ملكوت الله النفوس فيوهَبون سلاما من فوق. وأدرك بعضنا انهم يبرزون أمام وجه الله اذا صاروا مساكين بالروح أي عارفين انهم ينالون الغنى الحقيقي الذي يأتيهم اذا عاشوا من كل كلمة تخرج من فم الله. فاذا كان الله فيك كل شيء كما يقول بولس فأنت حر من المخلوق فتلازمه بالعطاء المجاني الذي يزكيك ويرفعه الى السموات فيصير على هذه الأرض مقرًا للكلمة.

واذا علمنا ذلك لنا ان نترجم سلام الله فينا سلامًا في دنيا السياسة. واذا لم نعلم فالعلاقات بيننا تسوية أي استرضاء للآخر بما هو دغدغة لشهواته فنكذب بعضنا بعضًا ونتراكم ولكن لا نتلاحم. وهذا من شأنه ان يقيم مجتمعًا ظاهره هادىء وحقيقته استعداد لإلغاء الآخر. هذه هي الأنا المقيت الجاحدة لأهميّة الآخر التي تعيش بتوترات التعصب أي التي تعيش حقيقة في البغضاء مكتفية بعزلتها والبغضاء والصائرة في داخلها والتعامل الى التهلكة. وأما من تبنى الناس جميعًا فيحييهم ويحيا بما أعطي.


الإنسان هو المشارك أي الباذل نفسه في سبيل الآخرين والذين يؤلف معهم شعب الله وهذه هي الهويّة الحق. انت لا هوية لك اذا اعتصمت بنفسك وتكتسب هوية الحب اذا قررت ان تكون مبذولاً وتاليًا راعيًا مشاعر الآخرين وعاملاً على تنميتهم بما أمدهم الله به من مواهب. انت تقوم بالآخرين أي انهم قيامك وقيامتك من بين الأموات. وما قدر الناصري ان يقوم من الموت الا بعد ان اقتبله راضيًا ومحبا. فاذا أمتّ أنت نفسك المشتهية تنهض وتُنهض الآخرين معك اذ يحسّون انك بهم وانهم بك.


• • •


وهذا في عالمنا يعني ترفّعك عن كل ما فيك من شهوة ليصير النور مشتهاك الوحيد فيغدو كل امرىء فوق رأسك لأنك بذا فقط قد اعترفت بالله انه رأسك الوحيد وانه يمدّك بالفرح.


وهذا يعني محدوديّة السياسة ومحدوديّة الفرديّة وصغر التحزّب الذي تظن انك تنوجد به ولا تنوجد. لم يكن المسيح رجل سياسة فلو كان ذلك لما مات. كان الرومان وأحبار اليهود يظنّون انه كان سياسيًا بامتياز لعلمهم بأن كلمته كان وضوحها أنه يغلب عروشهم. لذلك قال عظيم الأحبار آنذاك: “لا بد ان يموت رجل عن الأمّة” اذ كان مدركًا انه اذا توطد نفوذ يسوع الناصري فلا مكانة لشعب مختار ولا لأمّة منغلقة.


كان لا بد له ان يموت لتحيا البشريّة حرّة من البغض ومن امتيازات اصطنعتها لنفسها. كان لا بد له ان يموت لكي يصير العطاء وحده شعار الإنسانيّة. لكن أعداءه ما كانوا مؤمنين انه جاء ليحب. الذين لا يعرفون الحب يفسرون كل شيء سياسيًا. أنا لست أقول إن السياسة ليست شيئًا جميلاً ويمكن عند الكبار ان تكون طاهرة ولكن لها أسلوبها ولها حدودها وتقوم على حسابات الأرض. السؤال الذي يطرحه على نفسه رجل السياسة هو هل أبقى وتبقى جماعتي في السلطة أي قادرة على الأمر والنهي وعلى الغلبة؟


أجل لا بد من تدبير هذا العالم حسب مقاييسه. ولكن الذي تبتل للمحبّة لا يسعى الى سلطان ولا يستعمل وسائل الحكم بما فيها من شدّة ولا يأمر ولكنه يدعو. “فذكر انّما انت مذكر، لست عليهم بمسيطر” أو “مملكتي ليست من هذا العالم”. هذا ما عنى به السيد ان ليس في هذه الدنيا ممالك. ولكنه عزل نفسه عن منطق الممالك وأساليبها وعزل نفسه عن الانحياز الى فريق ولو كان أصلح من فريق آخر. كان يعرف سلطان الحب وكفاه ان يقيم على هذا السلطان وان يغير البشريُة به.


وقوله: “لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض” نفهمه انه يقترح على أحبائه كنوز السماء وعرف ان الفقراء الى هذا الكنز قادرون ان يغيروا العالم. انت تستطيع ان تكون عظيمًا في الأرض واذا اعتبرت هذا مجدًا حقيقيًا تلغي في نفسك ما يمكن الكبير في قومه ان يذوق أي التواضع.


جاذبيّة يسوع الناصري انه كان دائمًا على فقره الى الآب. وهو القائل: “اعمل في كل حين ما يرضيه” ولم تغره ذرة من هذه الدنيا وعلم تلاميذه ان يتركوا كل شيء ويتبعوه لأنه ما كان يأخذهم الا الى الله واذا مشوا معه على ضفاف بحيرة طبريّة كانوا عالمين انهم في الحقيقة سائرون الى كل كلمة تخرج من فمه ليعيشوا بها. وهكذا ساد الأعظمون ممن تقدمنا على معارج القداسة والشهادة ودبرت الدنيا نفسها.


وستدبّر الدنيا نفسها ولكنها لن تحيا إلاّ بوجهه واذا فعلت هذا لا تختلط فيها الأشياء اذ “اية شركة للنور مع الظلمة” ما يقوله الانجيل انك بالله تستغني عن كل شيء ويبقى دائمًا أذكياء هذا العالم والمتذاكون ليحكموا في الأرض وأنا لا أنكر هذا. لكن قلة تقبل ان تموت حبًا. هذه لا يهمّها المجد ولا الجمال ولا تطلبهما.


انت تصير انسانًا سويًا اذا كنت قادرًا على ان تدخل بعد يومين الى هذا الطفل المضجع في مذود البهائم فترى الى مريم التي كانت تعتبر نفسها فقط أمة للرب قابلة كلامه في كل حين وترى الى بساطة الناصري والى كل الفضائل الكامنة فيه لتأخذها اليك وتقيم العيد في قلبك الى ان يستدعيك ربك الى مراحمه يوم يشتاق اليك عند آخر مطافك على الأرض.

Continue reading