Category

2008

2008, جريدة النهار, مقالات

فخامة الرئيس / السبت ٣١ أيار ٢٠٠٨

                      انتظرناك طويلا فجئت ففرحنا ورجونا أن يتّسع لنا جميعا قلبك الكبير. أدعو الله ان يضع لبنان بين يديك لأنك تحبّه حبًا كبيرًا وهذا الحب يوحي لك الحكمة والصبر وينشئ فيك الحذق السياسي. أخيرًا لنا بك رئيس يرمز الى وجودنا تحت الشمس الطالعة عند كل فجر من وراء جبالنا. ولك من الرؤية والقدرة على العطاء لتستلم لبنان عند صلاة الصباح من الرب وترفعه الى السلامة.

                      بلد تصيبه جراح زمنا بعد زمن واعتبر قرّاء التاريخ ان تركيبتنا المجتمعية مصدر الجراح او كنا لشهواتنا لا نستحقّ هذا البلد. وقد توالت في ذهني منذ اندلاع الحرب الأهلية تساؤلات تتعلق بوجود لبنان نفسه وقدرته على العيش المشترك الذي التمسناه في الدستور الأخير اي اننا تعاقدنا على ان نبقى معا ونرذل التفسّخ. غير ان هذ إيمان يحتاج الى تفعيل ولك يا سيّدي الرئيس دور في التفعيل الكبير بعد ان أجمع شعبنا على اقتبالك رئيسا وليس فقط نتيجة لآلية حكم أتت بك الى السدّة الأولى.

                      انت في وسط العاصفة. انا عرفت العاصفة في سفينة عبرت بنا المتوسّط منذ ستين سنة في طريقي من بيروت الى باريس وكانت تهتز جوانبها الأربع مدة أربع وعشرين ساعة وبعد هدوء العاصفة أخبرنا القبطان اننا اوشكنا حقًا على الغرق. كنت وحدي على السفينة غير خائف اذ كنت أصلي وأنشد على الألحان الثمانية التي عندنا. اجل الله مخلّص لبنان ولكن لعقولنا أن تستنير وقلوبنا أن تهدأ لتقبل العطف الإلهي.

                      يبدو ان لبنان لا تنقصه العقول ولكن فيه قلوبًا مريضة كثيرة تحتاج الى ان تُحِب وأن تُحَب. هي مثقلة بالذاكرة التاريخية وفي كل ذاكرة خطر لأنها تؤبّد التاريخ الدامي. تعرقلها بشريّتها المجروحة. وهذا يؤذي كثيرا لأنه إخلاص للدم المراق في الماضي والماضي طواه الله في رحمته ونحن توّاقون الى مستقبل سلام نرجو ان ينزل علينا من فوق ونبنيه ايضا بأيدينا.

                      وفي هذا المسار نحتاج الى من يذكّرنا بأننا واحد او يعيدنا الى وحدة تصدّعت وهذه مهمّة من مهامك سيّدي. قانون العلاقات الرسميّة بينك وبين الحكومة والمجلس لا يحلّ وحده المشاكل. الى هذا نحن في حاجة الى ان يكون الرئيس مرشدا روحيا للأمّة. لولا الخطيئة لما كانت الشريعة. انت اذًا لا تعيد المسؤولين الى القانون وحسب ولكنك تعيدهم الى البِرّ او ترجو لهم البِرّ ليطلع لبنان من قلوبهم المطهّرة.

#                           #

#

                      وطهرهم يذهب الى الفقراء وهم أحباء الله بامتياز فاذا كانت السياسة تصنع الاقتصاد فالاقتصاد بالمقابل يصنع السياسة. فاذا أكل شعبنا وشرب واقتبل الطبابة والدراسة يضمحلّ الخلاف حول أولية هذه الطائفة او تلك. فليحكم الفاهمون. واذا اردت الكمال في الحكم أقول فليحكم القديسون لأن عندهم قلوبًا تجعلهم لا يقبلون الجوع والجهالة.

                      أرادتك النصوص حَكَمًا لأن البلد في حاجة دائمة الى التوازن. ولكن هذا فيه هشاشة السياسة ولا بد من معطوبية السياسة. انت أعلى من أن تكون حَكَمًا. أنت أب لنا جميعًا وأولادك ليسوا على سوية أخلاقية واحدة. مع ذلك يعطف الأب على أولاده جميعا ولو تفاوتت أخلاقهم. ما أتحدّث عنه ليس نظام القبائل ولكنه نظام التقوى الساكنة فيك الى جانب الفلسفة السياسية التي تعلّمتها في الجامعة. المبتغى أن تتلاقى في نفسك حكمة بشريتك وحكمة الله المتعالية فيصير حكمك مميّزا. عند ذاك، تقضم الأنانيات الطائفيّة ومقولات العشائر وتبني من الأساس لبنانا جديدا.

                      والانسان قادر على ان يتربّى. اذا اعترف بأنه في حاجة الى ذلك. ولن يقتصر جهدك على ترتيب المعادلات في الحكم وعلى تنقية الإدارة. فهناك من أحبّ الفساد او عشقه وهؤلاء يجب تأديبهم بالطرق المتاحة والممكنة ولكن لا يسعك ان تغض النظر عن سقطات الموظفين في الدولة وهذا من شأنه أن يربي الكثير من المواطنين لأن دول العالم التي تنمو  مؤهلة ان تهذّب المجتمع. مجتمعنا نحن يبدأ إصلاحه من رأس الهرم لأنه يخشى السلطة العادلة والقوية التي نرجو ان تتحقق على يديك اذا كشفت للبنانيين ان مصلحتهم هي في الاستقامة والعمل.

                      البلد الذي استلمناه وارتضته كل أطيافنا مرحلة بعد مرحلة جعلناه وعدا لأنفسنا ولكنا لم نحقق هذا الموعد كاملا. علينا الآن ان ننتقل من مرتبة الوعد وهي رجراجة الى مرحلة البناء تحقيقا للمشتهى. لذلك كانت مشكلتنا حضارية. نحن حسبنا أنفسنا قد بلغنا الحضارة العالمية وهذه أكذوبة كبرى اذ ليس من حضارة لا تقوم على الصدق فظننا ان المدنية تقوم على الشطارة. سيدي الرئيس، دأبك ان تقتلع الشطارة من العقول اللبنانية وان تدعونا الى الحق. يقال عن بلدنا انه جميل. جماله في بحره وسهوله والجبال معطى من الله. وهذا لا يكفي لأن الجمال كما يعرّفه أفلاطون سطوع الحقيقة. فقط اذا تعمّدنا بالحقيقة تزول عنّا قباحاتنا ويصبح الإنسان اللبناني بهيًا بما ورثه من الحق. أدعو الله الا تفتخر بما نحن عليه ولكن بما سنكون وبعض مما سنكون يأتي من حكمتك ونزاهتك وإخلاصك للصورة التي سيرسمها عقلك لوطن جديد.

#                        #

#

                      اعرف انك لست وحدك وان الدستور بعد الطائف قد قصّ أجنحتك. ولست هنا في معرض هذا النقاش. غير انني اعرف ان الإنسان القوي يفرض نفسه بالمحبة والحزم معا ولكن اللبنانيين وضعوا ثقتهم بك اي بما ينقذهم من ضيق النصوص وما ينجيهم بالاحتضان حتى ينادوا هم بما ينفعهم تعديله لتحقيق العيش المشترك بالصدق. فالتاريخ تبديل والحق المنجي الآن فالحرف يقتل والروح يحيي وما أكثر من علماء القانون في لبنان وهم الفهماء بالنصوص التي تحيي وتفرضها وحدتنا الوطنية. فالظرف ظرف إخلاص للوطن كله اليوم والقانون ليس تنزيلا إلهيّا ولكنه تدبير بشري في الزمان الذي ظهر فيه. وكلما تعمّقت الثقة بك نظرًا الى ما ستحقق تتحرك النصوص لخير البلد.

                      واذا ساغ لي ان أقول كلمة عن أولئك المحبطين من المسيحيين فرجائي ان يعرفوا انهم يجيئون من الإنجيل اي من محبة الآخر فاذا عاشوا بكلمة الله فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وانت منهم بالإنجيل ولكنك لا تحملهم وحدهم. انك تحمل اللبنانيين جميعا. واللبنانيون كلهم مقتنعون ان المسيحية سوف تستمر برائحتها الزكية في هذا البلد ولو انتقص من حق شعبها في هذا المجال او ذاك فلنفرح انها تقدّم نكهة المسيح. المهم ان يقتنع كل المسيحيين ان لبنان الكامل وطنهم مع كل الذين يعيشون على ترابه وان الكثر واحد بلحمة النور الإلهي على وجوههم.

                      يا فخامة الرئيس نحن وراءك ما دمت على الحق وسنرفع الصلاة من أجلك حتى لا تعثر قدماك. نعرف ببساطة ان لا عصمة في السياسة ولكن المهم ان تبقى على النقاوة التي يعاين أصحابها الله. انت رئيس على قدر خدمتك وسنحاول ان نكون معك خدّامًا للبنان وعيوننا الى الشمس التي تطلع من وراء جباله.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

رحلة يونانية / السبت ٢٤ أيار ٢٠٠٨

كان عليّ أن أحاضر في ألمانيا عن الإسلام غير أن إغلاق المطار حال دون ذلك، وفي يوم فتحه تمكّنت من الوصول الى اليونان لإلقاء محاضرة أخرى في المسيحية وذلك في مدينة فولس الى شمالي أثينا وذلك في إطار أكاديمية لاهوتية أنشأها أسقف تلك المدينة المطران إغناطيوس.

                        كانت المشكلة أني تكلّمت بالفرنسية وكان اليونانيون الذين اجتمعوا هناك يسمعون الترجمة بلغتهم. ما شدّني الى قبول الدعوة الى أالمانيا هو ان اللاهوتيين هناك يعرفون قليلا عن الإسلام وأرادوا أن يتعلّموا. معرفة الإسلام هي الانعطاف الحاضر في الفكر المسيحي الأوربي. والاضطرار الذي حكمني انه لم يكن ممكنا ان يسمعوا الآيات بالعربية ولكن الترجمة كانت أفضل وسيلة ممكنة والعارفون منهم كانوا يتكلّمون على الترجمة التي أخرجها الى الألمانية الأب تيوفيل عادل خوري كاملة أجزاء عديدة مع التفسير في الحواشي.

                        اما فولس فمدينة بحرية تقع بين أثينا وسالونيك وكان على رأسها رئيس أساقفة أثينا خريستوذولس المتوفّى أخيرا. أهم عنصر في هذه الرحلة كان الأسقف الحالي تأخذك طهارة وجهه ثم تتعرّف الى حكمته وفهمه وحسن ضيافته وبساطة محبته وشفافيّته.

                        الأكاديمية التي أسسها منشأة مستقلة تابعة للأبرشية بخلاف المدن الأخرى حيث كليات اللاهوت أجزاء من الجامعات التابعة للدولة. وعلى رأس الأكاديمية شاب تخرّج من اليونان ومن السوربون يتكلّم كل اللغات الحية وزارنا في معهد البلمند ويحب اهل المشرق وآخر سهرة قضيناها معه أسمعنا صوت فيروز يغني القدس فذكّرته أني شيخ وأن ذوقي الأوّل يذهب الى سيد درويش فأسمعنا منه ما تيسّر. والأكاديمية الى طاقمها التعليمي منفتحة على اللاهوتيين الأجانب من كل صوب وأظن اني اول عربي تكلّم فيها.

                        هذا اللقاء الذي كنّا اليه السبت الماضي تحدّث فيه عالم ايطالي في موضوع خلافيّ بين كنيستي الغرب والشرق، خلاف مرتكز على العبادات وهو دقيق جدا ويدور حول ما نسمّيه «استدعاء الروح القدس». هل استحالة القرابين الى جسد المسيح ودمه مؤسسة على هذا الاستدعاء وهو غير معروف في الكنيسة اللاتينيّة، ام ان فيها صلاة تسبق كلمات العشاء السري: «خذوا كلوا… واشربوا منه كلّكم»، وهل هذه الصلاة تعني معنى الاستحالة؟

                        المهم في كلام هذا الرجل انه وحّد بين «الموقف الأرثوذكسي والموقف الكاثوليكي» بما هو مقنع بعامة وإن كنّا اختلفنا معه في الجزئيات. ما جذبني فيه ليس فقط معرفته العظيمة باليونانية واللاتينيّة وهذا ليس متوفّرًا عند كل اللاهوتيين. ولكن ما جذبني اولا هو البساطة والتواضع. وتبيّن لي أننا نستطيع ان نذلّل هذه الصعوبة وصعوبات أخرى ما تصدّى لها الأخصائيّون بصورة كافية.

#                 #

#

                        قلت له: انتم في المجمع الفاتيكاني الأول الذي حدد السنة الـ ١٨٧٠ رئاسة البابا على الكنيسة جمعاء وعصمته هل أبسلتم (حرمتم) الأرثوذكس الذين يرفضون موقفكم ام انكم اكتفيتم بحرم الكاثوليك القدماء الذين رفضوا هذا التحديد. والأرثوذكس لم يصدروا موقفا قانونيا صريحا في ما انتم تقولون ولو كتبوا الكثير في هذا الموضوع رافضين. ثم أردفت مستشهدًا بلاهوتيّ أرثوذكسي كبير قال: «نحن مع كنيسة الغرب» في حالة قطع الشركة rupture de communion كما كانت مثلا كنيسة بلغاريا وكنيسة القسطنطينيّة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وكلتاهما على استقامة الرأي.

                        لم نوغل في المناقشة أكثر من هذا بعد ان اعترف لي انه ليس اخصائيا في هذا المجال.

                        ثم جاء دوري لأتكلّم على الأفخارستيا (سر الشكر او سر القرابين المقدسة وبالعامية المناولة)، وعلاقتها بالحرية.

                        في العبادة الأحدية عندنا التي هي سر الشكر، ركّزت على انها صلاة الجماعة وليست مجرد عمل تقويّ فردي بحيث ان الجماعة تتأسس او تنشأ من مناولة الخبز الواحد كما علّم بولس. غير أني ذكّرت السامعين ايضًا ان هذه المشاركة الأحدية تتضمّن ايضًا الإحسان الأخوي. انت اذا ارتكبت بعض المعاصي تخرج من الجماعة، وعند التوبة تعود اليها، ولكن لا تكتمل العبادة الا بتوزيع الطعام للمحتاجين. وهذا ليس شفقة أخوية ولكنه جزء من الانتماء الى الأمة المقدسة.

                        ثم بيّنت، بناءً على التراث، ان محبّتنا لغير المسيحيين تُنزل عليهم الروح الإلهي فيلتقون في المسيح علموا ام لم يعلموا ويصيرون جميعًا عروسه في اليوم الأخير. ثم اقتبست من يوحنا الذهبي الفم «ان المذبح الحجري ليس بشيء إزاء مذبح الفقير لأن الفقير هو جسد المسيح. هو اذًا أكثر وقارًا من الذي أنت واقف أمامه» (في الكنيسة). واستشهدت بإنجيل متى حيث يجعل السيد تماهيًا بينه وبين المحتاج والسجين والمريض.

                        كذلك تطرّقت قليلا الى الثورة بمعناها الدموي وشجبتها كما شجبت كل عصبيّة وعدوانية من حيث ان  كل هذا يتنافى وسر الشركة والمحبة الواجبة لكل الناس. وهذا قادني الى ان «النور الإلهي منتشر في كل إبداع عند غير المسيحيين وفي كل مجالات الفكر والفن اذا اقترنا بالعدل». وكان لا بد ان أذكر علاقة المسيحية بالثقافات فقلت ان الكنيسة في كل الثقافات ولكنها تبقى حرة منها. والكنيسة حرة من الشعوب التي تتألف منها. والحرية وحدها تجعل الكنيسة أمة مقدسة (لا بالمعنى السياسي) لأنها جزء من المجتمع السياسي.

                        وبعد تمييزي بين المسيحية والتراث الإغريقي ولو اقترب هذا التراث من باب الكنيسة، انتقلت الى المسيحيين العرب وقلت عنهم انهم في العروبة كثقافة اي في كل جوانبها الأدبية والفنيّة والعيش المجتمعي الواحد، وأضفت: »ان اللغة العربية حملت الإسلام كمصدر إلهام في مرتبة الإبداع البشري ولا يتملك الانسان هذه اللغة ما لم يكن «أليف القرآن». وأحببت أن أضيف أن مهندسًا معماريًا من كنيستي بنى عدة مساجد في المملكة العربية السعودية وهي من أجمل المساجد.

                        وبعد هذا عالجت قضايا داخلية للكنيسة الأرثوذكسية في العالم وركّزت على ضرورة التعاون بين الإكليرس والعلمانيين. أوضحت ان ثمّة أرثوذكسيين إسميين وآخرين روحانيين ورجوت ان يزول هذا الانقسام.

                        لم يبقَ من مجال لأحدّثكم هنا عن موضوع غاية في الأهميّة وهو موضوع الملكيّة الفرديّة واستشهدت بمعلّمنا الكبير باسيلوس القائل: «ما هو لك لم تأخذه لتكون مالكا له طوال حياتك. من هو سارق الجماعة؟ أليس ذاك الذي يحفظ لنفسه ما هو ملك الكل. ان الخبز الذي تحفظه عندك أليس ملك الجائعين، والكساء الذي تضعه في الخزانة أليس ملك العراة؟».

                        هذا أوصلني الى ان أزعم ان النظرة الى الملك في الكنيسة القديمة هي انك مؤتمن عليه. «بدّد، أعطى المساكين فيدوم برّه الى الأبد» (مزمور 112: 9).

                        أخيرا تحدّثت كثيرا عن السياسة وأخطار السلطة والدول التي تستخدم العنف، كما تحدّثت عن سوء العلاقة بين الدول الصغيرة والدول الكبيرة وعن ظلم الكبار والصغار، وأوضحت ان الكنيسة الأولى قبل القرن الخامس كانت ترفض الحرب إطلاقا ثم جاءت التسويات.

                        غير ان تتويج هذا اللقاء كان في القداس الإلهي الذي أقمته مع مطران المدينة أمام جمع كبير واستُعمل فيه اللسان العربي كثيرا الى جانب اليونانية. وربما لم يكن بسطاء القوم يعرفون ان ثمة مسيحيين عربا. وكانت جوقة المرتلين تستعمل ألحانًا من أجمل ما سمعت، وتناولت الجماعة كلها جسد الرب واستضافتنا بعد هذا الرعية ظهرًا ومساءً وأحاطتنا بحفاوة مذهلة وأغدقت علينا الأوسمة والهدايا عربونًا للأخوّة والرهافة المذهلتين.

                        وأهم مما علمت فهمت ان المطرانية تطعم ألف فقير كل يوم في مطاعم خاصة بهم، وهذا كلّه آتٍ من هذا الإمام الأرثوذكسي الطاهر الشفاف الى ان عدنا الاثنين الماضي الى لبنان الراجي خلاصه من الرب.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

بلدنا الأحب / السبت ١٧ ايار ٢٠٠٨

                      البلد لا يُمسّ لأنه في هذه الدنيا هو المطلق وخطأ أهل السياسة في العالم كلّه ظنّهم انهم منقذو البلد والبلد لا ينقذه الا أهله مجتمعين، متحابّين. كان لي أستاذ في باريس وضع كتابًا عن روسيا خلاصته ان الشعب الروسي لا يؤمن بالدولة وان ولاءه للقيصر فقط. أعكس فكره علينا لأقول ان لبنان لا يعيش حقا بالدولة ولكنه يعيش بالقلوب. ففي اعتقادي ان كل ما يُقال عندنا على الرجوع الى الدولة لأنها هي الكليّة ويفترض ان الخلاص بها قول مردود لأن الصراع الدائر عند من ورث الدولة الفرنسية وفلسفة ثورتها يقوم على أن الناس يريدون إنشاء الوطن بالدولة. والحق انه هو الذي ينشئها. عندي ان الخلاف حول الحقائب ومن يرثها وعن توزيعها على الطوائف كله لغو لأن الخلاص ليس في هذا ولكن ان تقبل الآخر شريكًا لك لا في إدارة شعبنا ولكن ان يكون قلبك الى قلبه. لا شيء يقنعني ان توظيف هذه الأرقام المعطاة المعروضة على المناصب هي الحل ولأن هذا كله عابر وتتغيّر الأرقام حسب الظروف المعروضة وهذا تمثيل مشاركة وليس مشاركة. الحكم ليس مكان اللقاء بين ما يسمّى بقلم أحد كبار المحللين شعوبا. الشعوب لا تترجم حقائب ما دامت رؤية كل شعب تحمل طيات استكبار فلا أحد فوق احد الا اذا جعل نفسه إلهًا ونحن كلنا يُجمع على ان «لا إله الا الله».

                      ماذا يعني هذا الكلام وانا لست أدين فئة لأني لست محللا سياسيا ولا أملك كل المعطيات.

                      نحن أمام خطر انقسام حقيقي او أمل مشاركة وليس بينهما تواصل. كل بذور الانقسام قائمة والمطلق الوحيد بوجه الانقسام ان الدم المسفوك معصية كبرى ونهاية لهذا البلد اي ظهور بلدين او ثلاثة او أكثر. ونحن على حجم صغير لا يحتمل ناحية العيش المادي فيه تقسيمًا. نحن أشرفنا على الجوع في الوطن كلّه فكيف اذا انقسم. ما موارده؟ الى هذا ماذا تفكر عند ذاك بالمذهب الذي وراء الحدود الداخلية وأهله. الجواب الوحيد اننا ندخل في مملكة الأحقاد وفي اختراع الخرافات ويكون هذا من حوافز الهجوم على الآخر عند الفرصة الأولى. ليس لنا خيار الا الوحدة التي هي فرصتنا الوجدانية للتلاقي والتفاهم الحضاري وترجمة التعدد الى تعاون وتبلور العلاقات على المثال الذي اشتهيناه منذ اول دستور اعتقادا منا اننا نحمل رسالة يقضي عليها التقسيم توا.

                      الوقت الحقيقي المتبقي لنا وقت الصبر ووقت الفهم واعتبار هذا فوق السياسات العابرة. انا لا احتقر السياسة وجديّتها وأهميّتها ولكني اؤمن بظرفيّتها وتغيّرها والديموقراطية تحديدا نظام التبديل واقتناع ان الآخر قد يكون أفضل منك في حين من الزمن او مرحلة من الفكر. هذا البلد لا يمكن بقاؤه الا اذا  آمنت بهشاشة السياسة اية كانت واذا ايقنت ان طرح هذا الطرف لا يستحق لا الاعتقاد به كأنه فكر إلهي ولا يستحق التغاضي عنه كليا كأنه العدم.

                      والسياسة ينفرط عقدها دائما في حالة استبدادها او حالة لينها. واذا أدركت الحكم فلا حزب يبقى على وحدته الا اذا كان خائفًا من الانشلال او الموت. فالحزب الشيوعي السوفياتي أخذ يضعف منذ تأليفه وقتل الكبار للكبار لأن الفساد يدخل ويفرق بين الذين ليسوا ملائكة. والأحزاب الأكثر ديموقراطية في اوربا الغربية تنشأ فيها الفئويات دائما ويتصارعون داخليا لأن اهل الحزب بشر وليست أصناما جامدة ولأن الإيديولوجيات تركيب بشري مفتوح على كل تفسير ولأن التفاسير تتحول مذاهب فترى نفسك قريبا ممن كان خصمًا اذا زالت الحدّة وتقاربت المصالح. وما بدا فضائل كما قال مفكّر فرنسي تشبه سواقي تتلاشى جميعًا في البحر.

#                 #

#

                      انا ما قلت ان ننأى عن السياسة ولكن ان ننأى عن اتخاذها كأنها عقيدة مُنزَلة وتاليا عوض الانقسام او التقسيم نحن مدعوون الى مشاركة هي نفسها محكوم عليها بالانفراط لئلا تصبح مناسبة لسفك الدماء. هي مشاركة ليست بالمعنى اللبناني الحسابي المتداول ولكن بمعنى الاستمرار باقتراف الأعجوبة اللبنانية اي التوق الى الوحدة بما نحن عليه من تعدد. وهذه جدلية بمعنى ان التعدد المفرط قتال والوحدة المصطنعة قتالة. وهناك نوع من الواقعية يجعلنا نقول اننا اذا ذبحنا بعضنا بعضا من أربعينات القرن التاسع عشر حتى انتهاء الحروب الداخلية التي استهللناها السنة الـ ١٩٧٥ يجب ان يكون فينا شيء غلط. وهذا الغلط لم يدرسه علماء الإناسة عندنا لنصلح أنفسنا فنتفاداه. كلنا يعرف بذور الحرب الطائفية او حروب الطوائف لخدمة الآخرين كما يقول غسان تويني. وما أعرفه أكثر أن ثمّة بغضا دينيا في لبنان والعالم والسؤال كيف نغلبه ليبقى كلّ منّا على الإلهيات التي يؤمن بها ونتشارك الأرضيات التي نحيا بها مع الجميع اذا صممنا على الا تنقضي منا عشرات من السنين متتالية فنعرف الخلاف ونقبل الاختلاف ونطلب الحرية الكاملة لنبقى على مطلق ما نعتبره ايمانًا وعلى هشاشة ما نعتبره سياسة.

                      هل ندرك ذلك الشرف والتهذيب والحب الذي يجعلنا نقيم بيننا ميثاقًا لا أطلب غيره وهو الّا نتذابح ولا ندمّر بعضنا منازل بعض ونحافظ على حرية الكلمة لمن شاءها على الصدق في معاملاتنا بحيث ان جماعة لا تلغي جماعة وتقبلها بقيادة البلد على اساس المعرفة فقط. يعني هذا اقترابا من حكم مدني اذا لم نستطع ان نتبيّنه فورا حتى تدنو التعددية من الوحدانية ذات النكهة الحضارية والحقيقة السلامية.

                      وفي ظل هذا تذوق انت بهاء المسيحية وجمال الإسلام ولو اختلف في هذا بعض العلماء وشيء من الشر يأتي من العلماء الا اني في الفترة الأخيرة بتّ أسمع في وسائل الإعلام كهنة ومشايخ يتكلّمون في ذوق وتهذيب كبير على الجماعات الأخرى ما لم أكن أعرفه منذ ربع قرن وقد تعثر على شعور رهيف في هذا الكلام المتبادَل ما لم تحلم به من قبل. جمعتني مؤخرًا مناسبة مناقشة مع عالِم مسلم، عميق الإسلام، طلّ على المسيحية بشفافية ما كنتُ أنتظر ما هو بقوّتها. وأخذنا نسمع بعضا من المسلمين يقولون عن قساوسة مسيحيين كيف اقترب هؤلاء من الإسلام بعمق لم يشاهَد من زمن قريب. الأغبياء لا يصنعون التاريخ ولكن العقلاء المحبين يستطيعون ان يقتربوا من العقلاء الآخرين بحيث يضعون معًا الأساس الروحي لهذا البلد.

                      مرة جمعتني ندوة مع عالم مسلم في بيروت وقبّل أحدنا الآخر فهلّل لنا الجمع وصفّق لإحساسه بصدق شعورنا.

                      حفاظ أحدنا على الآخر هذا هو السر والحل. هذا قائم أساسًا على الله ولكنه قائم في بشريّتنا. ولكوني أعرف منذ طفولتي عيوب شعبنا ظللت عشرات السنين من عمري لأكتشف أننا شعب طيب واننا قادرون على رغم هذا التعبير المحزن «الوضع الإقليمي والدولي» ان نتعايش بحب. انا لا أعرف مواطنا يعترض على دين هذا او ذاك من المسؤولين والموظّفين. انا مواطن بسيط قلت غير مرة في وسائل الإعلام ان هذا الأمر لا يهمّني. سيأتي يوم يمّحي فيه الخوف وتتشرف قيادتنا السياسيّة بالمسيحي والمسلم على اختلاف المذاهب. تلك هي في العمق المشاركة. وهذه تجد لها ترجمة في هذا الزمن الانتقالي.

                      ستضعف كل الجماعات لا لأني أدعو لأحد بالضعف ولكني لا أحلم بزمان نُسَرّ فيه بالضعف كما لا نُسَرّ بقوّة أحد مفصولًا عن أخيه اللبناني.

                      اللهمّ هَبنا الا تهراق قطرة دم واحدة لنحيا بالثقة بك وببعضنا البعض ونرتب بيتنا اللبناني بكل مداميكه ان يترتّب اي وفق هبة الله وذكائنا. وبعد هذا فقط لنا حظ الحياة.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

النور وأنت / السبت ١٠ ايار ٢٠٠٨

لا أود أن أغوص كثيرا على السجالات اللاهوتية التي قسمت العالم الاسلامي والعالم المسيحي كلا في ذاته في موضوع الكلمة. في المسيحية السابقة تاريخيا المقولة الرئيسية: “في البدء كان الكلمة”. اي بدء هذا؟ ما من شك عند أكثر  المفسرين أن يوحنا الانجيلي لما افتتح كتابه بهذه العبارة انما أشار الى مطلع سفر التكوين القائل: “في البدء خلق الله السموات والأرض”. فاذا قال يوحنا في بدء الخليقة هذه كان الكلمة يكون الكلمة سابقا للخلق ويدعم هذا التفسير في آخر الآية الأولى قوله: “والها كان الكلمة”. واللفظة تدل على المسيح قبل نزوله الى العالم وبقيت تطلق عليه حتى جاء آريوس في القرن الرابع وقال ان الكلمة هو المخلوق الأول الوسيط بين الله والكون. وخلاف الكنيسة معه قوله بمخلوقية الكلمة او الابن. وكانت هذه ـ في فهمي لتاريخ البدع ـ  انها كانت البدعة الأساسية التي شقت الكنيسة عشرات من السنوات المتتالية وما عادت عند معرفتي للأمور بصورة قوية الا بظهور شهود يهوه بعبارات متشابهة او بمعنى شبيه.

           ليس في نيتي ولا في قدرتي أن أبرز السجال الذي دار في الاسلام حول خلق القرآن او عدم خلقه باعتباره كلام الله. وحتى تتبين أزلية القرآن كان لا بد من تقرير ان كلام الله قديم لكونه صادرا عن الكائن السرمدي وتاليا هو غير محدَث. وهذا الفريق الأعظم من المسلمين قال بضرورة ربط الكلمات الأزلية بالقالب القرآني اللفظي فأتوا بعلم أسباب النزول التي هي ظروف في حياة النبي ولكنها كانت في علم الله ولا هي تلغي أزلية الكلمة الالهية.

           أزلية القرآن وأزلية الكلمة (او الابن) عند المسيحيين مسألتان متشابهتان كان لا بد للعقل المؤمن أن يواجههما والذين قالوا بأزلية الكلمة عند المسيحيين وأزلية القرآن واجهوا مسألتين حقيقيتين هما مسألة في العقل المؤمن واحدة.

           غير أن المشكلة أعظم تعقيدا في الاسلام لأنها مشكلة العلاقة بين الكلمة والكلمات التي نزلت على النبي بصورة معبر عنها بصوته وكُتبت هذه الكلمات او حُفظت وسُمعت ودُوّنت. السؤال هو ما دور النبي في تجسيد هذه الكلمات لفظًا أو إلقاء. هل هو مجرد انسان يتلقى الكلمات وينقلها ام تنزل عليه المعاني ويجد لها لفظًا. كل هذا أثار تساؤلات عظيمة واختلفت المذاهب فيه.

#                #

           غير اني كما وعدت ليس همي هذا الهمّ في هذه العجالة فاني اليوم لست مساجلا أحدا غير اني عرضت الاشكالية لأصل الى مبتغى بشري بادئًا من أقوال الآباء المسيحيين القدامى ان الكلمة تجسّد (من الروح القدس ومريم) ليصبح الجسد (ويعنون الكيان البشري) كلمة. أهمل الآن اعتبار أزلية صورة الانسان في الطاقة بناء على قول القائلين ان كل مخلوق كلمة اخذت شكلها المخلوق في ما بعد. وهذا تحدّث عنه أهل الشرق والغرب. ولكن لصعوبة الموضوع لن أغوص عليه.

           ما همني ان تصير أنت كلمة إلهية بمعنى أبسط، غاية في البساطة. أريد بذلك أن تتشبه بكلمة الله. أن تصير نطقه او مرآة له في الفعل والكلام والنية وأن تكون خاليًا من كل كلمة بشرية صادرة بطريقة او بأخرى عن إلهامه. في الحقيقة ما جاء في الترجمة الأميركية للكتاب المقدس على أن الكتاب موحى به من الله هو في رأيي اعتماد اللفظة الاسلامية أوحى، يوحي ومشتقاتها ولكن اللفظة في اليونانية تعني ان كل الكتاب فيه نفحات الله والاشكالية تاليًا ليست خلافًا بين المسيحية والاسلام ولكل منهما عبارة تعني علاقة الله بالمكتوب. في المسيحية كلمة الله هي المسيح نفسه وليس مجموعة أسفار والروح أمد الانجيليين والأنبياء قبلهم بقوته ليكتبوا كلمات عن المسيح قبل تجسّده او بعد تجسّده.

           ما أريده هنا هو الحديث عن العلاقات البشرية على ضوء القوة الالهية في الانسان. فاذا كان سلوكك مطابقا بالكلية لما كانه الله ولما قاله تكون انت كلمته لأنك تكشفه للبشر فمن رآك رآه. بهذا المعنى انت ابنه وتسميه أبًا ليس لأنك انبعثت من جوهره وفي الجوهر ليس له شريك. ولكن انعكس فيك ضياؤه وليس من ضياءين في الوجود. يمدك الله بنوره. وبهذا المعنى انت وحدك في هذه الخليقة نور إلهي. المخلوقات غير العاقلة تلهمك عن وجوده كما قال آباؤنا ولكنها ليست الرؤية. والنور في الفيزياء القديمة هو في العين. وعندما تبصر الله ترى النور. هذه هي علاقة الله والانسان.

           اما اذا ادلهمّت نفسك وانطفأ نور عينيك فلا تعاين الرب. هو في الوجود مستقل عنك. واذا عصيته لا ترى شيئًا مطلقًا حسب ما ورد في عظة الجبل: “طوبى لأنقياء القلوب لأنهم يعاينون الله”. والسماء كما نسمي هذا اللقاء بين الله والإنسان في المسيحية هو أن يتلاقى نور الرب بنوره أي في الأخير ان “يكون الله الكل في الكل” كما يقول بولس. ليس ان ذاته تختلط بذاتك ولكن قوته السرمدية تقاطع قوتك وتضها اليها. السماء اذا بحر من نور يسبح فيه العاشقون لله. وهذا يبدأ هنا من سكنى الله في قلبك. لذلك لا يختلف حقا الـ”هنا” والـ”هناك” وإن كانت الآخرة خيرًا لك من الأولى. اما في العمق الإلهي الذي الله يؤلفه فالله حاضر لاستقبالك ولن تبقى عليك وصمة ولا تذكر خطاياك ولا الله يذكرها. السماء هي ليست فقط امحاء المعاصي ولكن امحاء ذاكرة المعاصي عند الله وفيك.

وزوال المعاصي هنا هو التوبة. غير ان التوبة كدّ وكدح في كل يوم وكل لحظة حتى لا يبقى أثر للإثم. واذا ما زال الإثم عنك تصبح نفسك مرآة امام ناظري الله فيرى نفسه فيك. لذلك تزول عنك العبودية اي الهوة القائمة بين نورك ونور ربك. انا أعرف أن هناك هوّة بين الخالق والمخلوق على مستوى الجوهر او الكيان. وأعرف أن الطاعة مطلوبة ولكن في الملتقى  السماوي الذي هو قلبك. لا يستدعي الحبيب الا الحبيب ويصبح الرب لصيقًا بك.

           انت تختبر هذا ان كنت من العاشقين. انا لا أدعوك الى إهمال كلمة نازلة بتفسير او بآخر عن الله ولكني أدعوك الى حال الحب الذي لا كلام فيه وفي السماء ألسن الملائكة تبطل الكلمات التي انسكبت  علينا بسبب من التعليم. فالتذكير ابن العلم. الله لا يبطل في الملكوت العلوي  ولكن ذكره سيبطل لأنك لست في حاجة الى كلام بشريّ ولسان الملائكة الصمت.

           في هذه الدنيا وسائل عيش ووسائل تعلّم ولكن هذا كله يبقى على مستوى الوسيلة. اما الحب فليس بوسيلة لأنه معمودية الضياء الذي ليس بعده الا طبقاته. اذ ذاك، تحيا من وجه الله المبارك وتنمو الرؤية في عينيك الروحيتين ويزداد الله سطوعا لأنه ليس لوحة جامدة. والحي ليس له لوحة. في هذه الدنيا الحي خاضع للزمان الذي يجمده. والله ضياء كامل يتقلّب النور فيه ليحييك وأنت تسير ليس وراء هذا النور ولكن فيك حتى تحيا الى الأبد في صفاء لا يوصف.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

السياسة اللبنانية ورجال الدين / السبت ٣ أيار ٢٠٠٨

يظن الإنسان اللبناني أنه يفهم السياسة لأنه يتكلّم عليها ويقرأ الصحف ويشاهد التلفاز. اجل يتحدّث بسياسة اميركا وأوربا والعرب والصين وزعماء لبنان وقراه. يحلل الأخبار بناء على ما قرأ وسمع. ولا يسعك ان تطلب من الإنسان العادي أكثر من ذلك. وفي كثرة الأحوال يردد ما سمعه من البيك لأن اللبناني ليس فردًا ولكنه عضو في قبيلة. انه انسان ملتصق بالجماعة اكثر منه شخصا مستقلا. اذ ذاك زعيمه مصدر فكره فيغضب اذا غضب ويهدأ اذا ذاك هدأ وتتحدّد علاقاته مثلما يُملى عليه.

                      لا تقوى هذه النزعة الحادة في الظاهر عند الحزبيين اذ المفروض ان عندهم ثقافة سياسية ولكن هل عندنا أحزاب حقا؟ لست مؤهّلا للجواب المسؤول عن السؤال ولكن انطباعي ان بعض الأحزاب لا تأتي قراراتها او توجيهاتها من مجلس شورى او لجنة مركزية عن طريق التصويت بعد مناقشة مستفيضة بمقدار ما تأتي من سلطان الرئيس الموهوب «الكاريزمي». ففي الحقيقة ان مجلس الشورى يبتلع الأعضاء وان رئيس الحزب او شخصا آخر قويا يبتلع مجلس الشورى وان الحزب في كثير من الأحوال مُشخصَن. وهذا ورد عند احزاب كثيرة قوية في اوربا فكان الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي لينين حتى وفاته او مرضه الأخير ثم كان ستالين. والحزب النازي كان هتلر حصرا. ونكون، اذ ذاك، في ما يظهر حزبا وهو في الحقيقة قبيلة.

                      تحصل مناقشات بالتأكيد ولكن شعوري ان الأول يخشاه الآخرون ويؤثرون الانسجام بالأكثرية او يتركون الحزب. المناقشة هي للوصول الى الحقيقة لأن السياسة تحتمل وجوها كثيرة وليست الحقيقة في ما يقوله هذا او ذاك. ليس في معظم الأحزاب لين ولست داعيا الى الاسترخاء كما لست أدعو الى الاستبداد الذي كثيرا ما نجده في اللعبة السياسية.

                      البلدان الصغيرة دائما أشد فظاظة واختلافا في المجال السياسي. وحيثما تجد حزبين فقط كما في انكلترة والولايات المتحدة قلما تعثر على إنسان يكلمك بالسياسة. ربما هم يثقون بمندوبيهم الى البرلمان. هذا قليل في لبنان. فالصلة بين النائب عندنا «عائلية»، «صداقية»، انتظار وظيفة او اجراء معاملة ولكن ليست محاسبة او تواصلا او نقاشا بين النائب وكتلة من الذين انتدبوه. من هذا المنظار نجد اللبناني ولو فهم أشياء في السياستين الخارجية والداخلية لا يؤثر في قرارات نائبه.

                      على اللبناني ان يسلك في السياسة سلوكًا حضاريًا على غرار الدول الأولى في العالم. بكلام بسيط لا تسييس الا في الوعي الشخصي ولو كان لا بد من التكتل فيه.

#                  #

#

                      الأمر الآخر عندنا في التسيس يطرح مسألة تبني رجال الدين الذين ينطلقون بشرا من بشريتهم وانت تنتظر منهم روحية تأتي من معتقدهم. هنا لا بد لي ان أفرّق بين القادة الروحيين في الإسلام والمسيحية. فالإسلام له مع الفكر السياسي تماس من بعد نيلنا الاستقلال. ذلك ان الإسلام دين ودنيا اذا كنت فاهما له مع ان بعض العلماء يقولون منذ العشرينات في مصر ان الإسلام لا يتضمّن وجوده في دولة او مع دولة ولا سيما انه في عصره الذهبي كما في العهد العباسي كان العلماء شيئا والخليفة شيئا آخر. هذا ما أكّده دائما رضوان السيّد في أدبيّاته وما هو أساسي في الإسلام ان ليس فيه اكليروس ولا رجال دين ولكن فيه علماء. ولذلك لا يصح نظريا ان ننسب حديث العلماء الى بنية إسلامية ملزمة للمؤمنين. وليس للعلماء المسلمين قدسية تمنع المؤمنين من الاختلاف معهم.

                      اما في المسيحية فرجل الدين له قدسيته بسبب من وضعه الكنسي. مع ذلك هو لا يملي على رعيته خطابا سياسيا مرتبطا بمقامه. ولكنه رجل محب للبلد، يتألّم من أجله ويعتقد ان له الحق ان يوجّه المؤمنين بخاصة والمواطنين بعامة. أنا أرفض قول الإيديولوجيات التي تقول يجب ابعاد رجال الدين عن الخطاب السياسي. اولا هذا احتقار لرجل له كل صفات المواطنة. يلام ديموقراطيا اذا وقع في القدح والذم. ومن قال لك ان خلاص الوطن لا يأتي عن طريق هذا الإنسان. ان سويسرا وضع تنظيمها وروح ديموقراطيتها راهب أنقذها من الحروب الداخلية. ما أرفضه من داخل الكنيسة أن تتحوّل هذه الى حزب او تتحيّز في زمن الأزمات. المشكلة ليست في ان يتكلّم او لا يتكلّم. المبتغى ان يتكلّم صحيحا.

                      السؤال ليس في حضوره في العرين السياسي او غيابه عنه. السؤال هو في طهارته وصدقه ومن داخل الإيمان نقول ان الكاهن او من علاه مقامًا ليس له ان يقود نضالًا سياسيا لئلا ينسب الى الكنيسة ما يقوله وهو ملهِم فيها لأن الكاهن او الأسقف يتماهى في لبنان شاء أو أبى وطائفته وهذا يقتضي من قبله حذرا في التعبير وهدوءًا في المضمون واللهجة معا وهذا يتطلّب الاعتدال الذي هو طريق من طرق السلام. وبسبب من الدقة في التعامل بين الطوائف يحسن ان تتبلور المواقف في الشورى فلا يحسب على الجماعة ما يقوله فرد. وليس من الضروري ان يجمع الأحسنون في اية طائفة على موقف منها. غير ان التشاور أقوى في الإنقاذ والأبعد عن الخطأ الفردي لكون القداسة ليست متوفرة على درجة عالية ولا الحكمة متوفّرة كثيرا وليس من معصوم.

                      وفيما أعمق من كل هذا أن الكنيسة مكان للتطهّر وأسلوبها الأساسي التعليم والوعظ وتقديس النفوس وليس إصلاح الخطاب السياسي. هي شيء مختلف ليس فقط عن الدولة ولكن عن الوطن ايضًا. فالدولة حاكمة فقسرية والكنيسة لا تحكم ولكنها تراقب الوطن. وفي لبنان تراقبه مع المسلمين. ولو كنت أعتقد ان الإنجيل مصدر لكل تصرف في دنيانا الا انه بالدرجة الاولى دعوة. اجل، يحمل الإنجيل هواجس الوطن ولكن ليس في الكنيسة سلاح ولا يخرج منها أحزاب تعمل باسم المسيح. الوطن وحده يدعو الى حمل السلاح دفاعا عن الكل بواسطة الجيش والقوى الأمنية الأخرى.

                      الى هذا هناك واقعية تكشف لنا ان الخطاب المسيحي قلما يؤثر في مجرى الأمور وسلامة المسيحيين من اجل استمرارهم في هذا البلد تقضي عليهم بألا يقعوا مجددا بغلطة التأسيس لميليشيات  فإن فعلوا ديسوا. واذا تمزّقوا في ما بينهم ينتهون جسديا او يضطرون الى هجرة قاسية. السلام هو الضرورة الوحيدة لأداء الشهادة الإنجيلية التي أكسبتهم وجودهم في كل بلد أقاموا فيه. لست أعتقد أن هناك خيارا مسيحيا في اي ظرف وزمان. كان يقال في الحرب الأهلية ليتوحد المسيحيون ثم يحاورون المسلمين. كنت دائما أقاوم هذه الفكرة لأنهم قد يُجمعون على خطر. هل بعد ذلك يعرضون الخطأ على الآخرين؟

                      وكان دائما يزين لي ان التشديد على «سياسة مسيحية» هو الأخذ بالطائفية المسيحية. المسيح لم يدخل في سياسة أبناء جنسه المقاوِمة للرومان. لم يرفض سلطة وما تبنى سلطة. قال للوالي «مملكتي ليست من هذا العالم».

                      لا يفهمنّ أحد من هذا الكلام أني أتمنّى الا يخطب اكليريكي في شؤون الوطن باسم المسيح. انا قلت قبل سطور: رجل الدين مواطن. فاذا أراد أن يتّخذ موقفًا سياسيا فله ان يتوقع ان لأهل السياسة الحق في أن يجادلوه او يساجلوه لأنه يكون قد جعل نفسه رجل سياسة. الى هذا كيف لا يمتزج في عقله الموضوع السياسي والموضوع الروحي؟ من يؤكّد لنا انه لا ينطق عن هوى؟ من يقول لنا انه مرجعية في مجال لم يدرسه وهو درس اللاهوت، والسياسة علم آخر وله تقنياته.

                      هو قد يؤمن بأنه يدافع عن الوطن ولا سيما في هبوطه ولكن ما الحدود بين الكلام السياسي والكلام الوطني؟ افهم اننا لسنا جميعا أخصائيين في هذه الأمور ولا سيّما ان المواطنية أرض يعيش عليها كل الناس وان الاكليريكي يمكن ان يتمتع بحصافة لا يملكها السياسيون الذين الأخلاق ليست اختصاصهم وان الأخلاق كثيرا ما ألهمت انسانا ذكيا من عامة الناس.

                      الى هذا ايضا وايضا ما يسميه المسيحيون الرعاية يؤخذ من رعاتهم كل وقتهم. وهم عن طريقها ينفذون الى الخطاب السياسي الوطني اذا اضطروا ان يخوضوه. ولكن ان ينتقد هذا المنحى او ذاك، هذه الوزارة او تلك حتى بلا انفعال فهذا يعني ان الذين يدخلون هذا الحقل محّصوا كل الملفات. وهذا لا يتوفّر لعدم الاختصاص او هذا سياسة مبتورة. بربكم ارعوا النفوس الموكلة اليكم رعاية دؤوبة والباقي شورى بينكم وبين المواطنين الفهماء. اوكلتم خلاص النفوس بالوسائل المعروفة في الكنيسة. قد تنزل عليكم رؤى او التماعات ذكاء. انا لست انكر ذلك. ولكن هذا هامشي في عملكم. واذا كان هذا كذلك يسودكم العدل ولا يسودكم التحير او التنقّل بين موقف وموقف. القضية قضية معرفة ما في ذلك ريب ولكنها ايضا قضية روحية. طوعوا كل شيء لكلمة الله التي هي دائما هادئة. ثم طوعوا كل شيء للصبر الذي يمكن ان يقترن بالشجاعة والحماسة. واذا هدأت النفس لكم ان تختاروا عباراتكم بالتأني والرأفة بجميع الناس، اذ ذاك، ينزل عليكم الهدى الإلهي.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الفصح / السبت ٢٦ نيسان ٢٠٠٨

يلفتني في الفصح العظيم ان المسيح وحده قام من بين الأموات وانه تاليا كان يحمل الحياة في ذاته. يجيء فقط أزليا من الله بلا واسطة امرأة وتاريخيا من امرأة بلا وساطة أب. ونحن على هزالتنا نجيء بكثافة منه ان فهمنا سر الحفاظ على وصاياه اي نجيء من النور الذي كانه ويبدد عتماتنا ان استقبلناه بحب وما ذلك من الدنيا. المسيحيون معظمهم من الدنيا ان لم يفهموا ذلك كانوا في اورشليم ولا يكترثون لأورشليم. صاروا الى رومية وقتلتهم رومية. والخيار الذي تركهم لهم ربهم ان يشهدوا له. ان يموتوا وان يحيوا شيء لا يهمّهم. كيف يجعلون هذا هاجسهم الوحيد. والآلام قسطهم لأنها شرط قيامتهم في هذه الدنيا وفي الآخرة. لا يطلبون ان تظهر عظمتهم الدنيوية بل ان يشع نورهم الداخلي.

          ان كان غيرهم يطلب مجدًا فليعترفوا له بالمجد ان ظنه اساسا لوجوده. لن يسقط مجدهم هم لأنه من نوع آخر. قد يريد الآخر سلاما على طريقته. هم يريدون ايضا سلاما مع الحرية لهم وللآخرين. اي شكل سياسي تتخذ الحرية لست اعلم. فلنبدأ بالدعوة اليها وفق القوانين الدستورية بدءًا من افلاطون حتى الفارابي اي تكون الحكمة واحترام الآخرين كما هم على أساس العدالة. والعدالة ليس صعبًا تحديدها حاملها هو المواطن. والمسيحي مواطن بمعنى ان هذه صفته في المجتمع والآخر مواطن اذا أراد. وهكذا تقول الدول او معظمها صادقة ام غير صادقة. ولكن ان تقول ان الآخر مثلك وانك مثله يعني ان ليس لواحد منكما صفة اخرى في الوطن.

          والوطن لا يعني فقط ارضا اخترت حدودها ولكنه يعني اولا الناس الذين هم عليها وتعني انكم تديرون وحدكم شؤونها اذا استطعتم. ولكن هناك وراء الحدود القريب او البعيد الذي يطبع توجيهك وأفهم انك تؤثر الجارالقريب او الجار البعيد حسب تركيبتك السيكولوجية وتركيبات اخرى.

#                   #

#

          افهم ان الدول تحب التمدد حسب منافعها وليس عندها معيار الآخر. هذا لك ان تأخذه بعين الاعتبار بلا استسلام. والبلد الصغير مثل بلدنا معرّض منذ القديم الى تأثير أشور ومصر القديمة وكنا نحاول ان نتملّص من وطأة الغريب ما استطعنا ولكن كان لنا شوق ألا نقع في أحضان هذا وذاك وكل حضن يختلف عن الآخر دفء.

          والوطن الصغير جذاب بما فيه من خدمات يستغلها الغريب ومن متع تعاش فيه. يقضمه دائما هذا وذاك ولو حافظوا على ارضه لأن هذه لا تتزعزع وربما حافظوا على علمه ضمن مشروع القضم الذي يريدونه. هذه كلها وصايات تتفاوت حدتها وقد تجتمع الوصايات علينا في اتفاقات بينها يوم يظهر تقارب الوصايات بلد تتقاسمه الشهوات وتتآكله وعندنا من هو شغوف بها اذ ينتفخ بها او تكثر بها ثروته او يستكبر على اهل بلده وتنشأ داخليا مودات تختلف في صدقها وتتفاوت المودات  حتى النحر. وعندئذ  لا يبقى التذمّر وحده من الأجنبي استكبارا والاستكبار الداخلي فيه نحر مميت على شيء من الدوام وينفرط البلد داخليا والأجنبي اذا ساءت احواله تخف وطأته عليك فاللبناني اقرب اليك من الوافد لأنك تستطيع ان تتدبر أمره اذا حاول ان يرفع عن عاتقك النير الموضوع عليه ليأمن مواطنه فيسعى الى رؤية ان مكونات بلده ضرورية لبقائه.

          واذا منّ الله علينا ببركاته لنا ان نبلغ إرادة التواصل بيننا وان نحيي هذه الإرادة بالحب والحب ينشأ وتربيه بالبنية التي تراها نافعة لبلدك حتى اذا ما استقامت مؤسساته وأجمعت على زواج لا ينفعك بينك وبين إخوتك تندفع الى رفع السطوة من عنقك وتحاول الاستقلال ما أمكن لأنه محاولة دائمة والسياسة كلها فن المحاولة وكل بلد هشّ كما الدنيا هشة الى ان يرث الله الدنيا وما عليها. مع ذلك العزلة قتّالة ومستحيلة. ولكن إرادة الحرية بأهمية المشاركة الوطنية في كل شيء حتى تعيش كل مكونات البلد بلا سيطرة الواحدة على الأخرى لتتحقق المواطنة الصادقة.

          البلد الذي يغذّي شهوات المكونات ليس ببلد. هذا شريعة الغاب قوامه. لذلك لا بد من دستور يُراعى وقوانين تُطبّق والحكم للكل مجتمعين ومتحابين. قلت متحابين لأن القانون وحده بلا قلب جاف وتشتد فيه التدابير القسرية وتعود اذ ذاك فيه الاستفزازات ويعود الى انقساماته الداخلية فيتزعزع من الداخل. وهذا يعني تربية على التوحد الوطني الذي ينفي حارة النصارى بمعناها السياسي وحارة المسلمين بمعناها السياسي ويتنافى فيه التحزّب لهذا الأجنبي وذاك.

          وثمرة كل ذلك ان نكون وطنا واحدًا يدبّر شؤونه بالمعطيات التي بُني عليها تاريخيًا دون أن تتآكله المعطيات الداخلية، هذا إذا أدرك ان التطلّع هو تطلّع الى المستقبلات أكثر من التسمّر على الخصوصيات لهذا التكوين او ذاك. اما كيف يكون الجمع بين الماضي والآتي فهذا عمل الكبار في الأخلاق لأن لبنان أخلاق في السياسة كما هو أخلاق عند الأفراد.

          هذا هو فصح لبنان. هي تسمية رمزية لأقول ان الآلام الحاضرة قد تكون مرحلة على ما يرجو الجميع حتى نستيقظ من الموت الحال فينا اليوم لنصبح وطنًا ممكن العيش فيه ومرجو العيش فيه لأن الموت ليس للأوطان. واذا سمح لي استعارة لفظة الفصح لنا جميعا فاللبنانيون كلهم فصحيون لأنهم أبناء القيامة. الله نرجو ان يوصلنا الى هذا الفصح الجماعي حتى لا نفقد القيامة. والى حد كبير ستكون القيامة بنعمة إلهية عملنا المشترك بعد ان توافقنا على أن لبنان وطننا جميعا. واذا كانت مشيئة الله ان نبقى سوف تهدأ العواصف فينا ومن حولنا لكوننا نستحق الحياة. غير ان إرادة الحياة تأتي من المحبة والنسك الذي تقتنيه اي من طهارة الأفراد والجماعة. ليمسح الله كل دمعة من عيوننا ونحيا حياة واحدة لا ذل فيه ولا رق لإيماننا ان أحدا لا يستحبّ العبودية بعد ان أمسى بعد ظلمات رهيبة عاشقًا للفصح.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

سبت لعازر / السبت ١٩ نيسان ٢٠٠٨

هذا هو اليوم الذي نحن فيه والحديث فيه عن بعث يسوع لصديق له اسمه لعازر اي الله عون او أزر وكان له أختان مرثا ومريم  ورد ذكرهما في غير موضع في الإنجيل. ويخيّل اليّ أن هؤلاء الثلاثة من حلقة الأتباع الواسعة المنتشرة في فلسطين الى جانب التلاميذ الاثني عشر. إصحاح (او فصل) كامل يخصّصه يوحنا الإنجيلي لهذه الحادثة ما يعني انها باتت جزءًا من لاهوته كبيرا.

         وفي هذا يتبع اسلوبه المألوف أن سردًا ما يكون صورة عن سرد سيأتي أكثر كثافة وأعمق معنى.

         جرت الحادثة في ضاحية من ضواحي أورشليم تسمّى بيت عنيا وهي معروفة اليوم باسم العازارية. أرسلت الأختان تقولان ليسوع وهو في طريقه الى اليهودية ليدخل اورشليم في اليوم التالي: «يا سيّد هو الذي تحبّه مريض». وهذه العائلة نعرف شغفها بالمعلّم وما كانت الأختان في حاجة ان تسميا أخاهما باسمه. غير ان المعلّم ما لبّى رغبتهما توًّا. وحاول التلاميذ ان يقنعوه بعدم الذهاب الى تلك المنطقة بسبب من عداء اليهود له. لعلّ يسوع استخف بعداوة اليهود اذ رآهم في الظلام فقال: «ان كان أحد يمشي في النهار لا يعثر لأنه ينظر نور العالم» كلمة نور واردة كثيرًا في الإنجيل الرابع ومنذ فاتحته تدل على شخصيّة المسيح. هنا قال يسوع: «لعازر حبيبنا قد نام». استخدم هذه العبارة ليدلّ على أن لعازر مات. وعبارة الراقد في المسيح واردة في كل الأدب الإنجيلي ولكن التلاميذ لم يفهموها حتى قال لهم المعلّم علانية «لعازر قد مات». بعد هذا مشوا الى بيت عنيا.

         «فلما سمعت مرثا ان يسوع آت لاقته فقالت له: «يا سيّد لو كنت ههنا لم يمت أخي»». عتاب لطيف مليء بمعرفتها لقدرة يسوع. «قال لها يسوع سيقوم أخوك» فظنّت أنه كان يتكلّم عن القيامة في اليوم الأخير فقال لها يسوع: «أنا هو القيامة والحياة. مَن آمن بي ولو مات فسيحيا وكل من كان حيا وآمن بي فلن يموت الى الأبد».

         قبل هذه الحادثة أوضح يسوع في إنجيل يوحنا نفسه أن البشر سيقومون في اليوم الأخير وسمّى ذلك قيامة حياة للأبرار وقيامة دينونة للأشرار. هنا يبدو أنه يدخل مفهومًا للقيامة جديدًا وهو انه هو القيامة للذين يؤمنون به. لم يلغِ الاعتقاد بقيامة الأموات ولكنه علّم هنا أنك إن كنت معه وله ففي حياتك على الأرض انت قائم من الموت الروحي وحياة الله بواسطة المسيح هي فيك. أظن أن القولة الركيزة في معجزة إقامة لعازر هي قولته لمرثا: «أنا القيامة والحياة». على هذا تأتي المسيحيّة كلّها تعلّقًا بالمسيح وليست هي كتابا الا بمقدار ما يقوّي هذا الكتاب عشقنا للمسيح. لا بد من كتب ولا بد من عبادات وطقوس وما نسمّيه أسرارا إلهيّة كالمعمودية وتناول القرابين. ولا بد من معابد وقانون ينظم حياة الجماعة. ولكن هذه كلها ما هي الا وسائل تقوّي الحب ليسوع ولقاءنا شخصه في كل حين عملا بقول بولس: «لست أنا أحيا بل المسيح يحيا فيّ».

         قد لا نكون كاملين في هذا لأن الخطيئة تحجب المسيح عن أبصارنا ولكن جهد التطهّر الذي نبذله هو أن نبيد فينا الغشاوة لتنظر عيوننا بنور المعلّم فنشاركه آلامه ونقوم معه فلا نموت الى الأبد واذا تبنا تتجدّد حياة السيّد فينا. ومَن أحبّ يسوع بلا تردّد ولا تساؤل أيّا كان مذهبه يكون معمّدًا بروحه لأنه يبثّ روحه عند القابلين اياه ويجعلهم أبوه جبلة جديدة.

         أجل الحب يقوى اذا قوّيته اي اذا شئت انت وشاء هو فيصبح هو فيك وتصبح انت منه اي أخًا له وجالسًا معه في السماويات فيما تعدو قدماك على الأض ويزول المدى بين السماء والأرض.

         وبعد ان قال يسوع لمرثا هذا القول سألها: «أتؤمنين بهذا؟» وكان لعازر لم يقم بعد. وما كان لها برهان حسّي على قدرته على نطاق الموت «قالت له نعم يا سيّد. لقد آمنت أنك انت المسيح ابن الله الآتي الى العالم». وبعد هذا مضت «المعلّم حضر وهو يدعوك». وهو لم يقل ادعي أختك ولكنها أرادت أن تشاركها الإيمان به كل هذا قبل بعث لعازر فقامت «مريم سريعا وجاءت اليه» ونعرف من الاصحاح الثاني عشر الذي يلي انها «أخذت منا من طيب ناردين خالص كثير الثمن ودهنت قدمي يسوع ومسحت قدميه بشعرها». حب كبير عند هذه التي كانت تريد دائما أن تسمع كلامه ولا ترتبك كمريم بأمور هذه الحياة. فلما رأته كان لا يزال خارج القرية قالت له مثل أختها «يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخي». هنا أرادت أن تؤكّد قدرته على غلبة الموت او على منعه. فلما رآها يسوع تبكي «انزعج بالروح واضطرب». ربما أراد الإنجيلي ان يؤكّد بشريّة يسوع في مشاركته آلامنا. ولنا ان ترى في هذا إشارة الى آلامه التي ستكتمل بعد ايام قليلة.

         بعد هذا قال المعلّم اين وضعتموه فأروه القبر. اذ ذاك يقول الإنجيل: «بكى يسوع». والواضح هنا ان يوحنا الرسول الذي ملأ كتابه من الحديث عن ألوهية السيّد أراد أن يؤكّد ناسوته ربما ليدلّ على أن يسوع سوف يموت بناسوته كما ترضى ألوهيّته ان يموت. وفهم اليهود بعد بكاء المخلّص انه كان يحب لعازر ثم قالوا: «ألم يقدر هذا الذي فتح عيني الأعمى أن يجعل هذا ايضًا لا يموت. فانزعج يسوع ايضًا في نفسه وجاء الى القبر وكان مغارة قد وضع عليها حجر». هكذا سيوضع الرب في مغارة يسدها حجر. لعلّ يوحنا لمح أن السيّد ايضًا سيوضع في قبر بابه من حجر. اذ ذاك قال يسوع: «ارفعوا الحجر» فقالت مرثا «يا سيّد قد أنتن لأن له أربعة أيام» كانت تعرف قوة يسوع ولكنها لم تفهم مع ذلك ان النتانة يمكن بإرادة الله الا تحصل. قال لها يسوع وهو في حالة الاضطراب والبكاء: «ألم أقل لك أن آمنت ترين مجد الله»، هذا المجد الحال عليّ والساطع بي وبعملي. «فرفعوا الحجر». عند قبر يسوع رفعت قوة الله ممثلة بملاك الحجر عن قبره.

         صلّى يسوع للآب وطلب اليه ان يوحي للجموع ان يؤمنوا بأنه هو الذي أرسله. وما قال هذا في معجزات أخرى مع انه كان يريد في غير معجزة أن يؤمنوا. «ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم لعازر هلم خارجًا«. فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطات بأقمطة ووجهه ملفوف بمنديل. فقال لهم يسوع حلّوه ودعوه يذهب».

         بعد هذا لا نعلم الى اين ذهب. نقرأ فقط في الإصحاح الذي يلي ان العائلة صنعت عشاء للسيد وكان لعازر أحد المتكئين. ثم جاء في تراث الكنيسة انه عاش هنا او هناك وصار أسقفًا ومات لأن جسده بقي جسدا بشريا قابلا للموت بخلاف جسد يسوع الممجّد الذي لم يتسلّط عليه الموت بعد قيامته.

         وتكتمل الرواية في الحديث عن رؤساء الكهنة والفريسيين الذين عقدوا مجمعًا ليتشاوروا بالمصير الذي كانوا يعدّونه للمسيح خاشين ان يؤمن به الجميع وخافوا على انه اذا كان هذا هو المسيح الحق الذي سيحرّر فلسطين من الاستعمار الروماني ويأتي هكذا باستقلالهم عن الاستعمار، خافوا ان يصطدموا بالمستعمر فقال قيافا رئيس الكهنة في تلك السنة: انه خير لنا ان يموت انسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها. ويؤكّد يوحنا الإنجيلي ان كبير الأحبار هذا «تنبأ ان يسوع مزمع ان يموت عن الأمة كلها وليس عن الشعب فقط بل ليجمع ابناء الله المتفرقين (اي البشر كلهم) الى واحد فمن ذاك اليوم تشاوروا ليقتلوه». بعث لعازر كان في رؤية يوحنا البشير سببا من أسباب قتل المسيح الى جانب الأسباب الأخرى التي ذكرت في محاكمته.

         ان الإنجيل أراد أن يبيّن في إقامة حبيبه لعازر ان يسوع له سيادة على الحياة والموت. وقالت العبادة التي نقيمها في كنيستي اليوم: «ايها الموت ان المسيح قد سباك الآن بواسطة لعازر» وتابعت من اجل منفعة كل مؤمن: «أتوسّل اليك ايها المحب البشر ان تنهضني انا الميت بالأهواء».

         سيعبر المسيح الموت. وقد جعل بعث لعازر بموته صورة عن موته هو وعن قيامته. ولذلك كان لا بد له ان يدخل اورشليم في احد الشعانين الذي نقيم ذكراه غدًا.

         لقد ألّف المسيحيون العرب خارجا عن العبادات الطقوسيّة أناشيد شعبيّة عن إقامة لعازر يرتلونها في بيوتهم فجاءت نشائد فرح اذ المسيحيون لا يتفجّعون عند موت المخلّص نفسه بل يغيرون التحيّة العادية التي نحيي بها بعضنا بعضا كل صباح ومساء فنقول المسيح قام ويجيب من نحييه: حقا قام وينتظرون خلال الأسبوع العظيم فرح القيامة موقنين انهم لا يموتون الى الأبد.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الوجع / السبت ١٢ نيسان ٢٠٠٨

ما من تساؤل موجع كالتساؤل عن الألم، عن أسبابه، عن غايته، عن مكانته في الكيان، عن طبيعته. صاحبه يقرأه او اشياء تمنعه من القراءة. الآخرون يتفرّجون او يشرحون وجلّ ما يعطونه الحنان. ولكن لا يمكنه ان يقيم في جسد يتألّم او نفس تعاني اذ لا يمكنه ان يحمل اوجاعه ولا سيّما اذا قال المصاب مع صاحب المزامير: «ووجعي مقابلي في كل حين».

                      هناك ناس أعرفم حملوا غير ضربة عشرات السنين بعضهم كل يوم وبعضهم في فترات. من الناس من يُساكن آلامه طول الحياة وهذا من النوع الذي يسميه الطب عجزا كأوجاع العظام ويقول له الأطباء للتهدئة أو الواقعية: هذا ستحمله الى القبر وفي هذا قال أشعياء: «امتلأت حقواي وجعًا وأخذني مخاض كمخاض الوالدة. تلويت حتى لا أسمع» (21: 3).

                      هذا كثيرا ما رافقه الحزن والحزن يصل بك احيانا الى الأنين الداخلي والى حدود اليأس.

                      الى هذا الهمّ والقلق والاضطراب والتشنج. هذه الآلام المعنوية الى جانب الجسدية يكشف لنا ان في شعور الناس هذه التغيّرات في الإنسان التي تعني له ان القاعدة هي السلامة. هذا اذا نظرت الى غاية الخلق والى وضع الإنسان قبل ان يخطئ. ولكن المرئي الحاضر والذي يصل اليك باللمس والجس والسمع هي ان كل مخلوق عاقل في مرحلة من مراحل حياته او جلها او كلها مضروب الجسد او النفس او كليهما. انت لا تختبر قاعدة الخلق ولكن خلله ولا تعطى السلامة الا في اليوم الأخير.

                      انت على هذه الأرض ترجو ويتدبر المحبون جرح نفسك وأهل الاختصاص جرح جسدك. قبل ذلك كل بدنك وقلبك ونفسك ساقط قليلًا او كثيرًا ولكن لا تنشأ او لا تنمو على السلامة. هذا في الطبيعة غير معروف. ولكن في اللاهوت الأرثوذكسي نعرف ان الغاية من الجهاد الروحي ان تصل الى الهدوء اي التحرّر الكامل من الشهوات وتاليا التحرّر من وطأة الألم معنويًا عليك ولو أحسست أن في جسدك خللًا. والقوم الذين بلغوا هذه الحرية نسميهم هدوئيين. فاذا بت مستقلا عما فيك من وطأة الآلام مع انك مصلوب عليها تعود الى القاعدة الأولى التي خُلقت عليها وكأنك في الفردوس قبل سقوط آدم او في الملكوت الآتي، او كأنك مشاهد المسيح. هناك قوم حل الخلاص عليهم منذ هذا العالم. هذا لا يعني انهم لا يعرفون التجارب بعد هذا التجلي ولكن اذا عادوا الى التجليات يصبحون ملكوتيين من جديد.

                      ندرك الهدوء من بعد الموت اذ لا مجال، اذ ذاك، للسقوط وتلفتنا الرحمة الإلهية في حناياها. اما هنا فيبقى الهادئ ويبقى المضطرب الى ان ينسكب عليه الحب الإلهي مدرارا. اجل هناك نعمة الصبر والتدرّب عليه فيما نتابع المعالجة وتهذيب النفس حتى لا نؤذي أحدًا بالتذمّر. لا شكوى الا للمقربين اليك لأنهم قادرون على مشاركتك الحس ولو كان الله وحده هو الشافي.

#                   #

#

                      ليس من محتوم بمعنى أن نهاية الحياة ليست في يدك. اجل، كلنا يخشى الموت والكثيرون يعرفون انه قريب ولكن لا جزم للموعد عند أحد بصورة عامة. ذلك أن الموت سر لا يخترقه أحد. هناك حالة قريبة مني حيث قرر الأطباء ان مصابًا بالسرطان يعالجونه قرروا ان له من الحياة ثلاثة او أربعة ايام. ومرّ على هذا التقرير الطبي حتى اليوم خمسة عشر عاما والرجل لا يزال حيًا. هل أخطأ الأطباء؟ هل حدثت أعجوبة؟ هل يحرر الله الإنسان من نواميس الطبيعة؟

                      ما معنى ناموس الطبيعة؟ في كنيستي نعتقد ان ما يسمى كذلك هو الترتيب الذي وضعه الله بعد السقطة الأولى للبشرية ويسوس به طبيعتنا الساقطة ولكنه يحرر هذا وذاك من هذا القانون اذا شاء اي ينقله بحنانه الى الوضع البشري السابق للسقوط وكأنه أمسى انسانًا فردوسيًا. هذه البشرية حقل مزروع حنطة وزؤانا معًا والله يفرق بينهما في اليوم الأخير. القلب البشري يقوم على هذا الاختلاط الا عندما تاب صحيحًا.

                      السؤال الذي يتدحرج على ألسنة المصابين هو لماذا انا مضروب؟ ماذا فعلت لله؟ اذ يعيشون الألم كعقاب وهو ليس بعقاب واذا كان الله لا يعرف الكره والغضب والعداء فلا يقيمك في جحيم الألم. في القرآن ما عثرت على عبارة «عذاب أليم» او «عتاب أليم» لا فيما يفيد عذاب النار. وتاليا لا يعرف الله التشفي.

                      لا مانع ان تقول مع العهد القديم ان الله يؤدّب بالألم. ولكن هذا رسالة الى المتوجّع ولا يسوغ لك ان تقرأ أوجاع الآخرين تأديبيًا. هذا يكون منك تشفيًا او كراهية. ولا يجوز لك ان تقول ان خطيئة هذا انتقلت الى ابنه تأديبيًا. وهنا يقول حزقيال: «ما لكم ان تضربوا هذا المثل على أرض اسرائيل قائلين الآباء أكلوا الحصرم وأسنان الأولاد ضرست… النفس التي تخطئ هي تموت». (18: 2 و4).

                      هل يعني هذا ان الموت دخل الى الطبيعة البشرية نتيجة للخطيئة؟ هنا يذكر بولس «ان أجرة الخطيئة هي الموت» (رومية 6: 23). ذلك ان الكتاب يقول ان كل انسان خاطئ وتاليا هو تائب. طبعا نحن لا نعرف الإنسان الا بعد سقوط الإنسانية الأولى. لا نستطيع أن نؤمن ان الله عند الخلق أعد الإنسان للموت. ربّ معترض يقول ان المسألة مسألة بوتاسيوم وملح وأمراض كثيرة او قليلة. ولكن غير المرضى والمرضى يموت دماغهم ثم يموت قلبهم ويبقى الموت سرًا على الجميع. في الحقيقة ان سياق كلام بولس «لأن أجرة الخطيئة هي موت» جاءت في سياق عن القداسة اذ يقول: «اذ أُعتقتم من الخطيئة وصرتم عبيدًا لله فلكم ثمركم للقداسة والنهاية حياة ابدية لأن أجرة الخطيئة هي موت. واما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا» (رومية 6: 21-23). فلم يكن هاجس الرسول ان يتحدى الحركة البيولوجية فينا بربطها بالخطيئة ولكن همّه كان أن يتحدّى الخطيئة بالحياة الجديدة في المسيح.

#                   #

#

                      في مسألة الشر ليس عند المسيحيين فلسفة له. نحن لا نعرّفه الا نقصًا في الخير. لا نفسره ولا نفلسفه. جلّ ما نقول ان الشر هنا ونقطة مسيرته الأخيرة هي الموت. لذلك نزل المسيح الى منطقة الموت وبات فيها ثلاثة أيام ووطئ الموت بالموت. ولما دخلت الحياة الإلهية التي في المسيح نطاق الموت وضع في هذا النطاق تلك الحياة الأبدية. موقفتا -اذا شئتم- ليس فلسفيا ولكنه جهادي بمعنى انك إن كنت صديق المسيح بالتوبة يُنزل قدرته الإلهية عليك ويُقيمك من الموت ويكون قد عفا عن خطيئتك. نحن فقط نؤكّد ان «الموت لا يكون في ما بعد ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع» (رؤيا 21: 4).

                      مشكلة الوجع عندنا محلولة عند الرؤية الأخيرة وكما ابتلع المسيح الموت بالغلبة هكذا يبتلع موتك اليوم وفي الحنان الأخير في القيامة. لذلك كان عليك في آلام الجسد والنفس هنا ان تكون عيناك الى الذي غلب الموت نهائيًا ويغلبه فيك لتصبح جسدًا ممجّدًا كما غدا هو جسدًا ممجّدًا فتدخل في المسيح.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

المدينة / السبت ٥ نيسان ٢٠٠٨

في العصور الوسطى وما قبلها المدينة هي ذلك التجمّع المدني المحصّن. في لبنان وجواره المدينة أوسع من القرية وهو تصنيف يختلف بين بلد وبلد. في طفولتي كنا نقول مدن لبنان: بيروت، طرابلس، صيدا وزحلة. اليوم اتّسعت القرى كثيرًا والفرق بين المدينة والقرية تابع لرؤيتك المساحة. فاذا لازمنا الأفهوم القديم للمدينة فيحيط بها السور المحصن وبالسور تُغلق المدينة والسور ذو أبواب فتقول باب ادريس في بيروت مثلا وباب الرمل وباب التبانة في طرابلس والمدينة داخل هذه الأبواب. أما وقد اندثر كل هذا ولم يبقَ من حصن فلا تعريف حقيقيًا للمدينة الا الاتساع ووظائف الأسواق. وموضوع تنوع الأسواق استخرجه ماسينيون في كتابته عن المدينة الإسلامية.

          لماذا عندك سوق لمهنة واحدة (سوق الصاغة، سوق النحاسين، سوق النجارين) وما اليها؟ لأن السوق لا تقوم على التنافس ولكن على التعاون. رُوي لي انك اذا قصدت محلا في سوق معيّنة في زحلة قد يقول لك صاحب المحل: اذهب الى جاري الذي لم يبع اليوم وانا قد بعت ما فيه الكفاية. التجارة نفسها اذًا ليست للربح المفرط ولكن للعيش الكريم مع الزملاء. وقد يُبنى هذا التعاون كثيرا على النسابة. كنت ترى مثلا في طرابلس في الثلاثينات مجموعات أقرباء في سوق الصاغة ومن الطبيعي الا يكون بينهم تنافس الا على مستوى الجمال. وفرة المال لم تكن هي الغاية بل الحذق في المهنة.

          المدينة لم تكن فقط مجموعة مهنيين ولكن مجموعة محال وبيوت. فترى العائلة فوق الدكان او المخزن فيعمل الرجل في الطابق الأرضي وعائلته فوقه اي في رعايته. في طور آخر انفصل المسكن عن مكان العمل. ترى هذا ايضًا او كنت تراه في القرى اللبنانية.

          الأصل في الاجتماع تنوّع المهن في الأسواق وتكامل المهن من أجل حياة واحدة تؤمّنها المدينة. فلا تجد في المدينة كما في القرية دكان عطار يبيع ورقا وخيوطا ومسامير. المهنة الواحدة في مكان واحد هي ما يميّز المدينة عن القرية والمهن تُباعد بين الناس من حيث المعرفة والاختصاص وتقرّب بينهم بسبب من التكامل. فعندك اذًا تفرّد المهن وتوافق بسبب من التفرّد. التكامل والتعدد يضعفان الحزازات والروحية القبلية. ليس لأن المدينة خالية من روحية العشائر ولكن العشائرية فيها قائمة على الافتراق بسبب من تباين الثروات والتباعد بين العائلات الثرية.

#                      #

#

          المدينة هي اذًا التجمّع الأكمل والمتكامل. وليس خلاف ملحوظ بين العائلات اذ الناس يتعاطون حياة اقتصادية مختلفة وليس من تناقض في العيش بين الحداد والتاجر او بين المحامي والطبيب. والتصادم نشأ في العالم كله بين الجماعات الدينية وضعف كثيرا حيث التشريع ينص على فصل المؤسسات الدينية عن الدولة. وبنوع أخص منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى اليوم في أوربا نشأ صراع العقائديات السياسية التي اخترقت وحدة المدينة فلم يبقَ لها استقلال اذ باتت بسبب الأحزاب جزءًا من البلد. السياسة الإيديولوجية بعد الثورة الفرنسية وحيثما حلت فلسفتها خلقت اليمين واليسار والوسط وصرت أنت أقرب الى فئة من خارج مدينتك او واحدا معها وبات أهل المدينة تراكم أجساد ولم تبقَ جماعات تتلاقى في العيش الواحد الهنيء. ولما ضربت العقائديات السياسية وحدة المدينة ووحدة البلد وعى الناس ان هذا الاختلاف حاصل وحي وانه ينبغي خلق نظام يجعل القوم لا يتذابحون ولو اختلفوا وهذا ما سموه الديموقراطية.

          ومع الديموقراطية في اوربا ومع التكامل الاقتصادي بين المدن نشأت البلدان. ففي الماضي السحيق لم يكن بلد يسمى فينيقية بل كانت صور وصيداء وبيروت وجبيل والبترون وأرواد وأوغاريت كلها تتصارع وكل مدينة يحكمها ملك والمصريون يحكمون الكل والاحتلال جعل رؤية واحدة لهذة المجموعة ودلتنا حفريات تل العمارنة في مصر على التصادم بين هؤلاء الملوك الصغار وذلك في القرن الخامس عشر قبل الميلاد. والبلدان الأخرى تجمّعت كذلك فخلق بسمارك المانيا السنة الـ ١٨٧٠ ونشأت فرنسا بامتداد سيد باريس وضواحيها وكان لا بد من خنق اللغات القومية وهي لم تكن لهجات من الفرنسية. ولكن في الأصل كانت المدينة. وخارجا عنها كانت الوحوش ولذلك كانت تُغلق البوابات في الليالي وكان البرابرة ولذلك كانت الحصون التي تحمي أهل المدينة.

          ويعرف أهل الداخل اذا كانوا متعددي الدين ان كل جماعة تستلهم إلهها او دينها لتبني المدينة بالعيش الواحد لأن العيش يقتضي إنتاج الخبز والأطعمة الأخرى والكساء والمسكن. وهذا لا بد له من تعاون. والله لازم لهذه الحياة الواحدة وما كان يخطر على بال أحد ان لا إله. تسمي إلهك كما شئت وتنعته بما شئت ولكن تستنزله على الأرض لتسالم الجماعة الأخرى والسلام كان هو القصد.

          ببركات هذا السلام اكتشف الإنسان فوق مدينته مدينة أخرى ينزل عليها نور الله. هكذا رأيت غير حاج مسلم يتوب ويجدّد علاقته بالله. كيف وصل الى العمق؟ انا الذي ما كان مأخوذا بالحج عند المسيحيين زرت القدس للمرة الأولى السنة الـ ١٩٤٧ اي في آخر سنة للانتداب البريطاني ولما رأيتها عن بعيد صلّبت وجهي وعندما أدركتها جثوت على الأرض وقبّلت ترابها. لا أذكر اذا كان ما اختلج في قلبي ان المسيح مشى على هذه الطرقات ولم يكن لي سبيل لتقبيل قدميه الا هذا السبيل. وكنت أعرف أن العهد الجديد تكلّم على أورشليم السماوية النازلة من عند الله في اليوم الأخير. ولم أفهم حتى اليوم لماذا لا يسمعنا أحد في الغرب عندما نقول مسيحيين ومسلمين معا، اننا نريد ان يسكن بعضنا قرب المسجد الأقصى وبعض الى كنيسة القيامة وان الله يسري بعبده ليلا -أنّى سكن- من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى. ولعل الله يقود روحيا بعضا منا الى كنيسة القيامة لنذوق آلام المخلص.

#                   #

#

           كل شيء في هذا السياق عمارة. الإنسان مدينة فيه من أبنية روحية اذا لم تدمّره خطيئة واذا اقتبل زرع الله فيه. وهو مدينة حسبما ينتسب لأن فيه حصنا يطرد الوحوش والبرابرة ويعرف -اذا تحضر- انه يحب الإخوة اذ يتكامل واياهم لإقامة انسان جديد يرتقي بالتواضع والتقوى الى وجه الله.

          وعليك -ان كنت من الفاهمين- ان تأخذ الحجارة المبعثرة التي فيك وتبنيها صرحًا جميلا واذا بكل الناس قصور. البهاء الروحي وحده يجعلنا جماعة اي مدينة تنتظر القيامة من بين الأموات ليس فقط في اليوم الأخير ولكن كل يوم اذا أحبّت. والغالبون الموت لا يطردون أحدا من المدينة لأن أحدا اذا أُخرج منها تموت المدينة بعدم الحب.

          هل يصير لبناننا مدينة الله اي هل يصير موطن العطاء الكبير؟ هذا سيتمّ إن نحن أردناه. ماذا يفعل الإنسان لو ربح وجاهة في الدنيا وخسر مدينته في قلبه؟ هل الذين منّ عليهم ربهم بهذه النزعة يتواثقون حتى لا يُقصى أحد من نعمة العطاء؟ هل تصبح المدينة او الوطن مسكنا لله في كل من توطن؟ تعالوا نبني مدينة الله اليوم وهنا. هذا شرط دخولنا الى السماء.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الحرية / السبت ٢٩ آذار ٢٠٠٨

                      أنت لا تحبني ما لم تترك لي حريّتي. لا أقول حريتي منك اذ بهذا أخفي المحبة ولكن حريتي من بعض أقوالك ومن كل نزواتك لأني ان قبلتها أكون عبدًا لك والمبتغى أن أكون حرا بك ومعك. وبهذا المعنى قال يسوع الناصري: «وتعرفون الحق والحق يحرّركم». أجل لكم ان تعرفوا السيئات وخبرتكم إياها فيكم وفي الآخرين وقد يقودكم هذا الى الحق وخبرته. دخوله اليكم يجعل نفسكم صافية غير خاضعة لمعاصيها وعيوبها.

                      ولن تصل الى الحق ما لم تقبل المصلوبية. استعرت هذا الرمز لأقول ان إبادة معاصيك فيك تجعلك متقبلا لنزول النور اليك وهذه هي القيامة على صورة المسيح الحر من الموت.

                      الأصل ان تحاول التحرر من نفسك الطاغية فالنزوات والهفوات تكبّلك تكبيلا فأنت فيك ما يسميه العهد الجديد الإنسان العتيق والإنسان الجديد المخلوق على صورة النقاوة الإلهية، وهذان يتصارعان في الداخل وليست الحرية في ان تختار بين الخير الذي تتوق اليه والشر الذي تلمسه فيك. انت لك فقط حرية الحق وهي تنزل عليك من فوق وتطلبها بصلاتك والدعاء لتنقي نفسك بالنعمة وهي مصدرك للتنقية. معنى ذلك ان تتقبّل كلمة الله وتجعلها كلمتك فتنقل بها الحق الى الآخرين.

                      الحق بلوري وعليك ان تحافظ على هذه البلورية ليعبر الى الآخرين ويصيروا حاملينه وتصبح الدنيا كلها بلورا حتى لا يختلط الأحرار بالعبيد. لقد رأى الإغريق القدامى ان المدينة مؤلّفة من أحرار فقط وخطيئتهم انهم حافظوا على نظام العبيد. وأخذت الحرية قرونًا عديدة لتظهر واقعا سياسيا ويسمّي الحر نفسه مواطنا اي معتقا من مملوكيته للملك وملازمًا الأرض التي هو عليها وسمّاها الوطن. غير ان العبودية على رغم زوالها من القانون بقيت تربط الضعيف بالقوي والفقير بالغني والمجتمع بالدولة القامعة، ذلك لأن القوة صعب ان تمارسها بلا شر فيك. تبدو الحياة اختلاطا بين الناس على أساس السوية، غير ان الواقع الحي هو ان ثمّّة من يطغى ليكسب مالا او نفوذا وهو يأتي بالمال. في الحقيقة الأقوياء واحد او قد يكونون كذلك اذا افادوا بعضهم من بعض والرقيق واحد لكنهم مقموعين معا. ويعيش الناس منقسمين أكان هذا منظورًا، محسوسًا او غير منظور. كيف نسعى الى حرية العبيد بلا كراهية منهم لأسيادهم؟ كيف نسعى الى تحرير الأحرار من طغيانهم حتى يزول القهر، تلك هي المسألة، حتى لا يسيء الحر الى الرقيق ولا يزيد الرقيق الحر استعبادا بكراهية لأصاغر القوم.

                      هل يعني هذا إنشاء مجتمع بلا طبقيّة؟ هل هذا ممكن ام ان القضيّة تقتصر على جهاد روحي لا يدخل فيه قهر أحد لأحد ونصبح فيه جميعًا إخوة على رغم تفاوت الثروة بين الناس. هل يمكن إقامة جماعة بشريّة لا كبرياء فيها مقوننة على أساس الثروة والطغيان؟ اذا كنا نؤمن بأن الناس سواسية وان قيمتهم في الله وليس في ما يملكون نقوم بهذا المسعى الخيّر ليتحرّر الأغنياء من شهوة مالهم والفقراء من حزنهم على الفقر ولو جاهدوا في سبيل العدل. لعل كلمة عدل هي الكلمة المفتاح للحريّة وليست تعني بالضرورة ان توزّع كل ما لك على المساكين ولكن تعطي الكثير منه لئلا تشتهي ما عندك او ما تعطيه ولكن عطاء ما يحرّرك من الشهوة ويقرّبك من الله. محبّتنا لله هي في الآخر طريقنا الى العدل.

#                  #

#

                      الحرية تُعاش في مجتمع سياسي يقوم على الزكاة في الإسلام وهي صورة عن الميزان فيزول -اذا طُبقت- الشرخ الكبير بين المؤمنين، وفي المجتمعات الأخرى صورة العدل هي الضريبة بمعناها القسري لكونها قانونا هذا اذا كان أهل السياسة مسلّحين بالطهارة السياسيّة واذا أقاموا الرقابة الحقيقيّة على المحاسبة وعلى قيام مجلس الأمة رقيبًا على الحكم واذا ذكّر اهل الفكر أهل السياسة على أنهم خادمون للأمة وليسوا عليها برؤساء خاضعين لنزواتهم. والدولة أصلا عادلة لأن وزارة المال ليس لها مال لذاتها ولكنها تستعمله في سبيل الجماعة. المجتمع يجب ان يكون غنيا بخدمة الدولة له فما الدولة الا آلية غايتها رفع المستوى الاقتصادي اتقاء لتخمة البعض وجوع البعض الآخر. والدولة رهبانية بطبيعتها تستخدم الأشياء في سبيل المواطنين وتحافظ على ثرواتهم لهم وليس لها. هي تقوم بتكليف واذا أمرت فلنفع من فُوِّضت حراستهم وتنقيتهم لتستغني الأمة ولا يبقى مجال للتذمّر، ويجب ان تعي الدولة انها آلة وانها آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر لتبقى خادمة ويعيش الناس ويحيا الموظف فيها بقدر خدمته فلا استغلال ولا استعلاء ولا طبقة موظفين فالخادم ليس من طبقة ولكنه مأجور ليعلو ويقوى فهو حر اذا خدم وعبد اذا استثمر.

                      هنا الكفاءة العلمية لا تكفي. ولكن هل نفتح للمرشحين للوظائف مدرسة في التقوى حتى يتقن المواطن ان كل معاملة له يقوم بها ناس يتّقون الله ويصير فحص في التقوى كما يصير فحص في الكفاءة. التوظيف عمل نقاوة لا شهوة فيه والموظّفون ليسوا طغمة ولكنهم رهبان ساعون الى حرية قلوبهم وحرية المواطنين من إغراء الشهوة.

                      واذا وظفت فاختر الأنقياء خوفا على مال الدولة ومال المواطنين وحريتهم من عبودية المال. وهذه الحرية تقود الى كل حرية أخرى، الى الحرية من الخوف وتاليا الى الحرية من الموت. ومَن تحرّر من هذه يتحرّر من كل معصية ويجبه الأقوياء كما يجبه الضعفاء. لا مفر من التفاوت بين ما تملك وما يملك سواك اذا كنتما متساويين بالحب الذي هو حركة الله في نفسه وإسقاط هذه المحبة على البشر.

                      عند ذاك يبقى لك لتعرف وتفهم وتتثقّف ويكون هذا همّك الأساسي ومجتمع العارفين هو مجتمع المتساوين والمتنافسين على اقتناء الحق وتاليا على تنقية ذواتهم بالمعرفة والمشاركة. والمشاركة ليست طلبا للأخذ. انها طلب للعطاء. وانت تطلب الشريك العارف والقادر ان يطهّرك. اجل يتفاوت الناس في الفضيلة. هذه هي المنافسة في الحسنى كما يقول الإنجيل وهذا كله لمجد الله لأن الصالحين لا يطلبون مجدهم بعضهم من بعض لئلا يفنى إيمانهم. اذ ذاك، يعلي أحدنا الآخر على نفسه لأن التواضع اقتناء الحق فلا يحسد احدنا الآخر اذا فاقه في الروعات الروحية ولكنه يغتبط للجمالات التي يوزّعها الله على الناس لأن الأصل في كل علاقاتنا تمجيد الله ومنه وبه ننال المجد الذي أعدّه للذين يحبونه وينالون الإكليل في هذه الدنيا قبل البهاء الذي سينالونه  في الآخرة. ينالون الرؤى التي هي تعابير عن رؤية الله.

                      كل قصة الحرية الداخلية في هذا العالم ان نجعل هذه الدنيا سماء والا كانت دنيا تعقيدات لا تنتهي وخصومات تدمّر الواحد الآخر اي حروبا معلَنة او مضمَرة. «ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه او ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟» (متى 16: 26) . الحرية كلها ان تربح نفسك وخلاصك وقد يقتضي هذا ان ترمي الكثير مما بين يديك. ان تكون انت في المجد الإلهي هنا هو كل شيء وهذا هو فرحك وغبطتك في اليوم الأخير. ولا ينفعك شيء آخر.

#                 #

#

                      الى هذا ان يكون بلدك مستقلا عن  كل بلد آخر قد لا يكون شرطًا لحريتك الداخلية ولكن ينفعها لتعيش في محبة أهل بلدك وتعمل معهم لتزداد أواصركم متانة  وتحسوا بأنكم قادرون ان تعيشوا معا بحرية هي واحدة لكل واحد. طبعا البلدان متشابكة كثيرا ورغبة الطغيان لن تنتهي من هذا العالم ولك ان تقنع الغريب بأن حريتك نافعة له وان المشاركة في التبادل مفيدة للجميع عسى تصير الأمصار كلها مسرحا للحرية التي يريدها الله لكل قطر.

                      انا عارف بأننا لم نصل بعد في السياسة الى ملكوت الله ولكنه مسعى ينبغي ان نسعاه حتى نحب كل الشعوب ويحبونا وننتج معا بتبادل السلع والأفكار والثقافات. ان حرية كل بلد تنمو بحرية البلدان الأخرى وهكذا تزداد العلاقات مودة وفي هذا قربى لله.

                      الحرية الشخصية والحرية المجتمعيّة والحرية الدولية أشياء متماسة. هي حلم لنا جميعا حتى تزول العبودية من وجه الأرض ويكون الله الكل في الكل.

Continue reading