Category

2008

2008, جريدة النهار, مقالات

الصمت / السبت ٢٣ آذار ٢٠٠٨

ان كانت الثرثرة تسرّك فانظر الى مساجلات التلفزيون والى أغانيه التافهة. فاذا تفهت كلمات الأغنية كما في أحايين كثيرة لا يبقى الا الجسد المتخلع الذي يقول أشياءه فقط لأنه غير مصحوب بالكلمة فينهيك ليس فقط عن الكلمات ولكن عن معانيك التي تسعى الى فهمها ولا تسمع الا ضجيجا.

                     الى هذا في المساجلات السياسية في كثرة من الأحيان يقول المناقش جملة ثم يكررها مرة او مرّتين ليؤكّدها. والجملة، مقولة مرة، تفيد المعنى ولا فائدة في تردادها ولكن في قوة معناها. وإحساسي ان الضعف هو الذي يدفعك الى التكرار. الأمر الآخر ان المتناقشين في كثرة الأحوال يصرخون ويقاطع أحدهم الاخر فلا تفهم شيئا وقد جلست امام الشاشة لتفهم. والكثير يلقون عليك أقوالا ولا تدرك حججهم وتذكر ان معظمهم في الحديث السياسي يطلق ما سجّله في دماغه فريقه فيأتي صدى للأذكياء من فريقه. وفي حسي ان المذيعين والمذيعات أوضح من الضيوف أحيانا اذ يطرحون سؤال العارفين ويكفوننا لو ألقوا هم الدعاوة التي يظنون في براءتهم انها ستخرج من أفواه المتكلّمين. وأنت تجلس متواضعا لتتلقّى دروسا في السياسة ولكنك تسمع ضجة الأعصاب.

                     ربما كان هذا في التلفاز او في الحياة اللبنانية العادية التي هي صورة عن الحضارة الألفاظية التي يتعاطاها العرب الذين يتقن شعراؤهم الهجاء او المديح الى جانب الغزل او الملاحم المزعومة. أظن ان العرب موالون لأنفسهم لأنهم لم يغيّروا الأنواع الأدبيّة التي سادت كلمتنا منذ الجاهلية.

                     نحن لسنا هنا لنخوض ونلعب. كونوا حريصين على عقول الناس وعلموهم تعليما وقصّوا عليهم أحسن القصص لئلا تقعوا أنتم واياهم في التفه. والا فالصمت أولى.

#                #

#

                     في البدء كان الصمت ونعني به صمت الآب ولم يخطئ يوحنا البشير لما استهلّ كتابه بقوله: «في البدء كان الكلمة» لأن الكلمة خرج من الصمت اي من المعنى المطلق الذي هو الآب وما قاله في هذه الدنيا لا تستطيع أن تحذف منه حرفا واحدا لأنه متدفق من المطلق. صمت الآب يجعل الابن يتكلّم ولا يقول شيئا بلسان متدحرج. يأخذ المعنى الكثيف من الله ويجعله كلمات غارقة في الأبد يتلفّظ بها هنا لسماع القلوب وتقدر القلوب ان تتصاعد بها اليه. يسوع لم تمسه حضارة الألفاظ ولم يضع كتابا. كان هو الكتاب وما دُوِّن في ما بعد إنجيلًا ولو كان تكليمًا باللفظ الا انه كان صورة عن المسيح.

                     هو الذي قال للأعمى والأصم والأعرج ومن اليهم: كن فكانوا. انى لله ان يقول لمسيحه: كن اذ، حسب يوحنا، في البدء كان ومن كان لا تقول له: كن. الكلمة كان قبل بدء الخليقة في حضن الآب الصامت وبدأ منه منذ الأزل في السماويات وفي كيانه البشري الذي كان عليه جاءت كلماته البشرية مما كانه في البدء وبسبب من تكليمه البشر استعار تعابيرهم ليوصلوه ويدخلوا المعنى الأبدي الذي اذا زادوا عليه شيئا يتحذلقون. ليس فيها عسر كما يظن البعض ولكنها تنزل بالرحمة الى الكلمة البشرية فتصبح هذه عند الأقدسين أيقونة لكلمات الله. وهذا ظاهر عند المتكلّمين بالإلهيات وهم عندنا ثلاثة: يوحنا الإنجيلي، غريغوريوس النزينزي، سمعان اللاهوتي الحديث الذين استنزلوا الى قلمهم المعنى الإلهي الكامل. باتوا اذًا في صمت الآب من حيث العمق ولو انتقلوا الى كلمات بدت بشريّة.

#             #

#

                     عندما قال بعض اليهود عن السيد: »لم يتكلّم انسان مثل هذا الإنسان« ما كانوا عالمين من أين أتى. هو كان يعلم ممن أخذ وماذا كان يعطي وأراد أن يصعد اليهود – حقا لا لفظًا – الى هذا الذي أرسله. وكانت الكلمات دليلا على هذا الإرسال. وما كان في استطاعتهم ان يفهموا ان وراء كلامه كان الصمت.

                     تشبيها بالله يجب على أصحاب الكلمة ان يتعرفوا على الصمت فاذا راعوه كثيرا ينفضون عن لسانهم او قلمهم كل كلمة بطالة. لقد صلّى القديس افرام السرياني ان يعتقه ربّه من الكلام البطّال وطلب ان يعرّفه ربّه عيوبه وذنوبه اذ من فضلة القلب يتكلّم اللسان. فاذا كان قلبه ناشئا على البذاءة تتدحرج هذه على لسانه وتأتي الشتيمة ويأتي الغضب وليس هو مستعد ليأخذ عن مخاصمه الفكر الحسن فيكون محاورا.

                     مرة قلت لأحد الناس: انت لم تسمعني قط لأني لو ربطت كل الجمل التي تفوهت انت بها أراها حديثا متصلًا فلم يكن همّك اذا ان تسمعني وتتأثر بما قلته لك فتصحّح رأيك. فالحوار يقتضي اذا تقبّلت كلامي ان تغير بعضا من كلامك. فاذا نطقت عليك بالحق واستمعته تنطق علي بالحق ولا تستكبر بإصرارك على كلام  بيّنت لك انه خطأ ولا تأتي بظن ان عرفت ان ما قلته لك هو حق لئلا يقول لك ربك في يوم الدين انك كنت ثرثارا فتشكر النعمة التي نزلت عليك بفمي فتترك الفضل لله وتصبح من العالمين.

                     لا إملاء في الحوار وليس من سياسة مطلقة الحق. اما اذا كانت قناعتك ان الآخر ليس فيه حق فلماذا تحاوره؟  واعرف ان تتخلّى عن رفقائك او على دقائق ما يقولون. ان استحببت الحق فلا بد ان تتجلّى والنور الذي يكون الله قذفه عليك يعلّمك كل شيء وتكون من أبناء النور.

                     ولكن انضبط اولا بالصمت واذا أملى عليك صمتك كلاما حلالا فقله اذ هو مشاركة واذ ذاك تصل مع الآخر الى كلمة سواء. وتصبح انت للآخر حاملا هدى ورحمة وقد تصير له غلى اختلافك حبيبا وهو لك حبيب. ايها القوم تعالوا الى عبرة الصمت ثم الى مبرات الكلام يرضَ الله عنكم وعنا ونكون معا من المفلحين.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الصيام الأرثوذكسي / السبت ١٥ آذار ٢٠٠٨

لماذا هذا العنوان؟ لأن الصيام في كنيستي يتبع من حيث الإمساك القواعد التي وضعها المجمع الخامس-السادس في أواخر القرن السابع ونحن بها متمسكون لكونها مبنية على وحدة الجسد والنفس في الكيان البشري ولأنك لا تستطيع ان تملأ بطنك طعاما وتبقى نفسك حرة من الشهوة. ولكني لست اعرف صوامين جهلاء يمتنعون عن الزفر الا اذا ضموا نفوسهم الى هذه الشهادة.

                      المسيحية ترفض ثنائية الجسد والروح وتجعل الكيان البشري المتكامل تحت إشراف الروح القدس. الجسد كما النفس مشدودان إلى إيثار الله على كل شيء. هذه البنية البشرية كلها ينبغي ان تتحرك بالتقشف الى ان نصل الى رؤية الرب بالمحبة. بلا هذه المحبة ليس من صوم.

                      كل حديث عن تخلية الجسد من النسك في سبيل حصره بالنفس وهم سيكولوجي لا علاقة له بالحياة الروحية.

                      من الثابت طبعا ان ثمّة ظروفا شخصية وجماعية تدخل عندنا شيئا من التغيير في تفاصيل النظام. على الصعيد الشخصي القانون نفسه ينص على ان المريض لا يصوم وفي الجماعات أباحت كنيسة القسطنطينية في القرون الوسطى للشعب اليوناني ان يأكل من ثمار البحر لأن النبات كان قليلا في بلادهم واليوم تغض الكنيسة الروسية النظر عن أكل المؤمنين السمك لكون مناطقهم فقيرة جدا في النبات.

                      اللجنة المهيئة للمجمع الأرثوذكسي العالمي طرحت مسألة الصوم ولكن هذا المجمع لم ينعقد حتى اليوم.

                      الإنجيليون ليس عندهم صوم إلزامي في الزمن السابق للفصح وربما صام بعض منهم في مجرى حريتهم.

                      هذا ما أراه ولكن المشكلة غير واردة في الحوار الكاثوليكي- الأرثوذكسي لأن الطريقة التي نتبعها عاديا الا نناقش في مسألة الممارسات الطقوسية عند الأخ الآخر علما بأن الليتورجيا كثيرًا ما تحمل مضامين عقائدية (مثل استدعاء الروح القدس في القداس وقضايا أخرى تتعلّق بالأسرار المقدسة). على هذا الأساس اعتبر ان المناولة من الكأس شيء عقائدي بسبب من النص الإنجيلي.

                      نحن مع الصائمين من كل أمة لأن هنا قربى الى الله. عندنا ليس هذا أمرا منعزلا ولكنه انضباط كنسي على ما أوصى به السيّد: «ان هذا الجنس (الشيطان) لا يخرج الا بالصلاة والصوم» (متى 17: 21). ولكن عندنا ان الجماعة اذا أجمعت على شيء صالح مقدّس يكون الرب قد ألهمها. لذلك ليس عندنا فسحة بين ما قاله الله وما تقوله الكنيسة لأن الله عندنا لا يدخل في ترتيب يتعلّق بالطعام والشراب والإمساك عن بعضها. من هنا حريتنا في ان نعدل التنظيم اذا كان فيه خير للإنسان.

#                #

#

                      عندنا ان الصيام ليس مجرد حمية وليس هو كذلك في اي دين ففي لغتنا نقول انه اتحاد بالله عن طريق مراقبة شهوة الطعام والتأكيد على الفضائل لاكتسابها من خلال ما نسميه أعمال الرحمة وهي الاقتراب من الانسان ثمرة للاقتراب من الله. هو اذًا عملية شاملة يصعد فيها الكيان من فضيلة الى فضيلة وذلك بمكافحة الأنا المتقوقعة، المنغلقة.

                      أصوم ليس لأصبح «قديسا» عظيما. لأن ليس ملكوت الله أكلًا وشرابا بل بِرّ وسلام وفرح في الروح القدس (رومية 14: 17). أنت تضع الطعام المباح وغير المباح في مكانه وتتدرج فوق هذا الى وجه الرب بالصلاة التي هي قرينة الإمساك. مرة سألني أحد الناس: كيف تقدرون انتم ان تظلّوا ساعات بلا طعام؟ كان جوابي نحن نأكل صلاة. وهي عندنا الصلاة الجماعية لمن استطاعها ومعظم الناس قادرون على أدائها لأنها مسائية في البيعة. والتعليم مكثّف فيها اذ ان معظم فحواها من المزامير وبعض الأفاشين (اي الصلوات) التي ألّفها آباؤنا.

                      وقد تستطيع قلّة ان تؤدي الصلوات الأخرى من الكنيسة. هناك دائما بعض القوم حول الكاهن والمرتل يطلبون الانتعاش. نتسلق درجات لمعرفة الرب. كل شيء منظّم لكي تتقبّل ـ إن اشتركت ـ دعوة الله إليك.

                      جوهر ذلك أن الصيام ليس فقط إمساكًا ولكنه فرح بالرب وفرح بالإخوة المحتاجين. الذين أكلوا عند جوعهم تصير معهم كنيسة واحدة. لذلك كتب أحد المدافعين عن الايمان الى الامبراطور في القرن الثاني ما مفاده ان العائلات الميسورة تصوم لتوزع ثمن الأطعمة على المحتاجين فكتب في القرن الرابع القديس يوحنا الذهبي الفم ان ليس في رومية بين المسيحيين والوثنيين عائلة واحدة لا تأكل عند جوعها. يوحنا هذا نفسه قال: بعد ان تقيم الذبيحة الإلهية في الكنيسة تذهب الى «مذبح الأخ» الذي هو أفضل. انه لقد جعل المشاركة هنا اكثر كرامة من القرابين الإلهية لأن القربان موجود ليوزّع ويوزّع الخبز الذي مثله.

                      السياق الحقيقي للصوم المسيحي انه صيام فصحي. نقرأ المقاطع الإنجيلية التي تقودنا معانيها الى الأسبوع العظيم او أسبوع الألم ويرافق هذه التلاوات الصلوات والتراتيل المرتبطة بالمعنى الإنجيلي او ما جاء به بولس. وفي كل يوم من أيام الأسبوع رجوع الى التلاوة التي قرئت حتى يسيطر الروح القدس على الفكر والسلوك ويمتلئ كل إنسان من بهاء الله.

                      واذا انت رحمت قريبك وأحببته في واقع الحياة واستغفرته وأنحنيت أمامه عشية الدخول في الصيام تكون ذاهبا الى الفصح الذي ليس ورقة علي التقويم بل فعل إلهي فيك وتغيير.

                      أما بعد، فالدعوة الى الصيام دعوة الى القيّمين على الدولة ليصبحوا صائمين عن مال الدولة ويتنزهوا عن شهوة السلطة ولو مارسوها. واذا كانت وجوههم الى ربّهم فيتوب اليهم ويتوبون اليه كي لا يضيع البلد. كان الروائي العظيم دوستويفسكي يقول: «يا ليت الدولة تصير كنيسة». في هذا البلد ان رؤساء الأمّة مدعوّون ان يكونوا  أحباء الله وخدّامه ويسهموا في ضبط لبنان في صوم دائم بحيث نتنزّه جميعا  عن شهوات العالم ونتدرّج الى الملائكة.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

أنوارعلى العقل / السبت ٨ آذار ٢٠٠٨

السؤال الذي يطرحه بسطاء ومثقفون هو هذا: اذا كان العقل سيدا فينا كيف نصل الى كل ما يقوله الوحي؟ ليس المجال هنا لأعود الى ابن سينا والفارابي وابن رشد عند المسلمين او الى توما الإكويني الذين انشغلوا بعلاقة الكتب المقدسة والفلسفة اذ الأجوبة كانت مختلفة عند هؤلاء. لذلك لن أطرح مسألة العلاقة بين الوحي والعقل. وفي المسيحية ليس الجواب واحدا بين المذاهب. فالكنيسة الكاثوليكية حددت في مجمع الفاتيكان الأول (١٨٧٠) ان العقل وحده يصل الى الله. والسعي الى العقل مستقلا عن اية قوة فينا ليس أمرا واردا في الكنيسة الأرثوذكسية. استقلالية العقل عن كل قوة أخرى فينا ليست واردة في فهمي للإيمان.

                      المشكّكون ينطلقون من ان لكل انسان ان يشاهد الحقيقة. اذا كان هذا صحيحا فلماذا يختلف البشر في كل شيء، لماذا يغير المرء رأيه بين فترة وفترة؟ الحقيقة قائمة في ذاتها وهي تبلغك بأدوات موضوعة فيك ولكن هل هناك وسيط واحد بينك وبين الحقيقة وهو العقل ام هو القلب ام تلاحما معا بحيث ينزل العقل الى القلب ليتطهّر فيه ثم يصعد الى مرتبته منقًى ويستطيع، اذ ذاك، ان يعرف.

                      محاولة جواب عن هذا البحث ان الله لما «نفخ في أنف الانسان نسمة حياة صار ادم نفسًا حية» (تكوين 2: 7). والنفس هي كل الكيان البشري الداخلي بما فيه الشعور والعقل والإرادة. واذا اتخذنا نظرية داروين عن نشوء الأجناس نرى ان ثمّة هوّة بين الحيوان والإنسان بحيث ان الروح البشرية في كل طاقاتها ليس ما يماثلها عند الحيوان. فالإنسان ناطق ليس بمعنى انه يقوم بالنطق او الكلام ولكن بمعنى ان كلامه موحد ويقدر على التواصل مع انسان آخر ويُعمل عقله وتتلاحم كل هذه القوى فيه لتعبر عن الإنسان تعبيرا واحدا. فليس هناك تعبير منطقي بحت او تعبير نفسي بحت ولكن كل هذه القوى تتفاعل وتتلقى العقل بمشاهدة النور وتنقل هذه المشاهدة كلامًا وسلوكًا ومواقف.

                      ورد عند بولس قوله: «صار آدم الإنسان الأول نفسا حية وآدم الأخير (اي المسيح) روحًا محييا. لكن ليس الروحاني اولا بل الحيوانيّ» (الترجمة الأميركية، البشري في الترجمة اليسوعية) وكلاهما خطأ. فاللفظ اليوناني Psychicos تعني النفسي او النفساني. آدم وُلد نفسيّا او نفسانيّا بمعنى الإنسان الطبيعي وروحانيّة الروح الإلهي تنزل عليه في ما بعد بالمسيح. لم يقل عاقلًا ولا ناطقًا بمعنى استعمال كلمات ملفوظة. تأكيد العهد الجديد اذًا هو ان القوّة الداخليّة التي تقابل الجسد ليست العقل ولكن النفس الحاوية العقل وأشياء أخرى معه (شعور، إرادة).

#               #

#

                      قال الإغريق قديمًا ان العقل البشري تشوهّه الشهوات. ليس هو اذًا ميزان لا يختل. الإنسان لا ينطق فقط عن عقل بلوري محض. ينطق عن هوى او عن غرض. في اللاهوت المسيحي الأرثوذكسي العقل ككل ملكاتنا الداخلية ضربته الخطيئة الجديّة (الجد الأول) فهو مصاب ككل طاقة أخرى في النفس. الإنسان ليس عقلا ولكنه ذو عقل ولكن أمكننا أن نقول انه نفس لأنه يسع كل طاقاتها.

                      مرة ألحّ صديق لي في محادثة لنا دينيّة الى العقل. أجبته هناك ألوف من الأشياء نعملها بلا عقل جامد مغلق دون طاقاتنا الأخرى ثم أردفت: هل كان زواجك نتيجة عملية عقليّة؟

                      اذا كان الحق (هنا اؤثره على كلمة حقيقة) هو النورالذي قذفه الله في القلب، يتحرر القلب من نزواته اي يقولب الله نفسك لتتمكّن من المشاهدة اذ لا بد ان تدنو نفسك من الداخل الإلهي لترى. فاذا قلت للمؤمن هاتِ برهانك العقلي، يمكن ان تحاول بعض الأشياء وهنا يسند عقلك الرؤية ولكن في كثرة الأحوال لا تستطيع ان تفسّر ما يجري فيك تفسيرًا كاملا.

                      في البدء كان تسليم القلب لله واذا آمنت تعقل ليس انك تعقل اولا ثم تؤمن. قال لي الناس غير مرة: اثبت لنا وجود الله. قلت لا أستطيع لأني أبدأ منه. هو دليلي. ولست أصل إليه بأدلة قاطعة. لا يحتاج الرب الى أدلّة ليكشف ذاته لك ولا تحتاج انت الى أدلة لتعانقه. هناك فهم داخلي تقول عنه المسيحية انه نعمة من لدن الخالق. والكتاب يقول: «الله يريد أن جميع الناس يخلصوا والى معرفة الحق يُقبلوا» (١كورنثوس 2: 4). هذا تأكيد كتابي على أن الله يُنزل نعمته على كل البشر وان ثمّة من يتقبّلها لأن نفسه في حالة التقبل للنور ونفس أخرى ليست في حالة التقبّل ولا أحد يختزن سرّ ذاته ولا سر الآخرين ولنا نحن المؤمنين ان نشهد فتصل الشهادة او لا تصل. انت رأيت وسمعت وتقبّلت فارتضيت وأطعت فعشت الحياة الجديدة فكأنك انتقلت منذ الآن الى وجه الله. وهناك من لا يزال في حاجة الى ان يلمس المخلّص عينيه لتنفتحا ويُبصر.

#              #

#

                      انت تسلم لله من شيء تحرك في نفسك وربك منشئه فيك. يقول القديس مكسيموس المعترف الذي عاش في فلسطين وغالبا ما كان عربيا انك تقرأ الله في الكون الذي كون كل شيء فيه بالكلمة الذي كان من البدء. فإن الكون كلمات. ويقول يوستينوس الفيلسوف الشهيد النابلسي (القرن الثاني) ان الله قبل العهد الجديد زرع كلماته في الخلق وفي الفلسفة اليونانية. كانت نوعا من التجسّدات الإلهية قبل ان يُتمّم الله تجسّد ابنه في الخلق. ويستنتج مكسيموس ان الروح القدس في كل مكان واذا حاولت إيضاح فكره يكون قد قال ان الروح الإلهي مبثوث في كل مكان. عليك اذًا ان تفتّش عليه في هذا او ذاك من البشر المسيحيين منهم وغير المسيحيين، ان تفتش عنه في الأفراد كائنين من كانوا. ومكسيموس شجب اليهودية من حيث هي نظام ديني ولكنه لم ينكر وجود الروح القدس في الأفراد اليهود.

                      لك ان تشاهد انت هذا الروح في كل البشر الذين حولك ان كانوا أتقياء وتراهم يتصاعدون الى الحق. لا يعني هذا ان يسوع الناصري يتجلّى لهم بإنجيله اذ هناك أساليب لله يتكشف بها لمن أحبّهم. وبهذا المعنى ليست الكنيسة محصورة بالمعمّدين ولكنها تمتدّ الى كل من اصطفاهم ربّهم برحمته ويمكن أن يكونوا من الموحّدين او من الهندوس والبوذيين ويوضح الله في اليوم الأخير من هم له وله كل من لمسهم بروحه ووضع فيهم كلمته حسب اختياره.

                      يبقى ان ثمة تبشيرا او دعوة اذا اعتقدت ان ما انت مؤمن به هو الطريق المستقيم على أساس ان الناس أحرار وانهم قد يرون ما أنت راءٍ على الّا تدين أحدا ولا تصدر أحكامك على الطرق الأخرى ولا على إنسان لا يدين بما انت تدين. لذلك لا تحكم انت على أحد في الطريقة التي يسلكها وتعايشه بالمحبة والسلام والمحبة هي ذروة الكشف والسلام يلازم الحرية.

                      هذا يشرط تعايش أهل الأديان. فلا تقتل أحدا ولا تقمع أحدا ولا تفرض عليه عيش او احكاما من عندك ولن يقول الله رأيه في دين أحد منا في اليوم الآخر ولكنه يدين الشخص من حيث هو شخص. ولا تحكم على أحد بالنار لأن الخالق لم يخوّلك بأن تصدر هذا الحكم وهو الذي يتراءى لكل مخلوق في اليوم الآخر وينتشله من العذاب ان لم يكن من المحكوم عليهم بالعذاب.

                      «لأنه الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس فهؤلاءاذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم» (رومية 2: 14). انت يحكمك ضميرك فإن كنت خالص المودّة لله يراك له ويقول لك هذا في اليوم الذي يدين الله سرائر كل إنسان. ومن بعدها يأتي هذا المجد.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

اللطف / السبت ١ اذار ٢٠٠٨

                     اللطف استقبال القلب للقلب. يتجاوز الحديث المهذب او الراقي اذ قد يكون نتيجة انضباط لا يدوم. وفن الحديث يكتسب ويصقل ولكن العمق في مكان آخر فأنت لا تولد لطيفًا من بطن أمك ولكن تولد من أحشاء الله على ما قاله بولس الرسول: في رسالته الى أهل غلاطية فبعد ان يكون عدّد «أعمال الجسد» بصورة الجمع يصل الى القول: «اما ثمر الروح فهو المحبة والفرح والسلام واللطف» اي ما هناك من هبات إلهيّة ولكنه استعمل صيغة المفرد «ثمر الروح» وكأنه يقول ان هذه الفضائل التي يذكر منها المحبة اولا إنّما هي واحدة، ويربطها جميعا بمصدرها وهو الله. لطيفا وٌلدتَ من مشيئة الله ورحمته.

                     ينسب الكتاب اللطف اولا الى الله واذا تكلّم على الإنسان يتبيّن ان لطفه آتٍ من فوق ويعطفه الكتاب على التواضع والوداعة وكأنهما مكونان او ينبوعان للطف. فإذا كان التواضع ان تعتبر نفسك لا شيء ولا تفتخر بعطاياك ولا تستعظمها فما ذلك الا لكونك ترى الانسان الآخر كل شيء. واذا كانت الوداعة ان تزيل كل نتوء منك في معاملة الآخر فإيحاء ذلك انك ترفض صدامه وتجريحه خشية ان يخسر رقته. تريده مثل نفسك اي مقتنعا انه هو ايضا يجب ان يفرح برقّتك ويأخذ منها وانت تعيها اذا وصلت اليه.

                     في القرآن الله هو اللطيف الخبير (الأنعام، 3). وتلازم هاتين الصفتين الإلهيّتين وارد في غير آية. اما عن الإنسان فلا يطلق عليه هذه الصفة بالاسم وان ورد معناها بمفردات أخرى.

                     اللطف لا يأتي من ميوعة او ضعف ولكنه يأتي من قوة داخلية لا يستكبر الإنسان بها لكون الاستكبار إلغاء للآخر وانت حريص على وجوده واستمراره لإيمانك بأن الإنسانية واحدة ولا تشفيها الا به. هو اذًا طلب للعافية الروحية عند الجميع. وهذه شرطها ان تكف عن الصراخ والغضب في كل حين لأنهما مناوءة للإنسان اية كانت نيّتك.

                     في هذا رأيت مشهدا لافتا منذ أيام حيث لم يرضِ كلام أحدنا أحد المجتمعين وانا أعرفه على تهذيب نادر فاذا به يعلي نبرته في الدفاع عن موقفه فأجابه واحد بصوت يكاد يُسمع فزال الصراخ. هذا لا ترد عليه بالصراخ لئلا يقع الآخر في الغضب فيجرحك ويجرح نفسه.

                     هذا لا يعني انه عليك ان تقمع الحماسة في كلامك ولا سيما في الخطابة. ولكن عليك السهر على صوتك لئلا تقودك الحماسة الى الغضب وتاليا الى ايذاء الآخر. والحماسة ان يتحكّم عقلك بما فيك من شهوة لئلا تقودك الشهوة الى البغض. فبين الحماسة والغضب خيط دقيق. والأفضل ان يصدر عنك صوت رتيب ولكنه مقنع اذ غاية الحديث ان تقنع لا ان تظهر حمسا. المضمون الكلامي الدسم والمليء بالمعنى يصل الى المستمع ومن شأنك ان تكسبه الى طرحك اذ هي غاية كل حديث. الصوت المرتفع حجر تضرب به الناس ولا يقبلون موقفك بسببه بل يرونك منفعلا ويضعف طرحك كثيرا. ان تتكلّم وكأنك تشتم فريقا آخر لا يقنع احدا بمنطقك.

                     طبعا هناك أسلوب كلام وتربية بالكلام ولكن ليس هناك ضرب لهذا الغائب الذي تصرخ في الكلام عليه وكأنك تريد القضاء عليه. هذا يذكر بأننا، تلاميذ، كنا نساق الى حفلة خطابية ضد وعد بلفور وهذا قبل ان يحتل اليهود فلسطين، فبتّ أعتقد اننا في الساحة التي كنا فيها قضي على مطامعهم. ويكرر الكلام كل سنة وما قال لنا خطيب من هو بلفور وما هي قدرات أهلنا في فلسطين ليمنعوا تحقيق هذا الوعد وكيف يجب ان نتربّى على حب فلسطين. اجتماع هادئ سلامي كان من شأنه ان يربينا على فهم الحق.

#                #

#

                     القاعدة هي هدوء العقل في كل خطاب او حديث لأن السبيل الوحيد الى خفض الاخر صوته وأن يستأصل شراسته واياه والآخر في مخاطبة العقل والعقل. انظر الى الطبيعة. كل عناصرها في انسجام فلا تضرب نجمة نجمة ولا تأكل  شجرة شجرة ولا تفترس بعضها بعضا الا الوحوش. واما الحيوانات المدجّنة اي التي فيها اثر  للإنسان فلا تفعل ذلك وقد درس الفلاسفة اليونانيون نظام الطبيعة وفهموا ان المواطنين اذا اجتمعوا فيؤلّفون المدينة ثم ادركوا ان تخاطبهم وتفاعلهم يكون بالعقل. وما كانت الآلهة تتنافس الا لأن شيئا من الحيوانية كان فيها حتى تأنسنت الآلهة كلها اذ كان الإله الواحد يجمعها.

                     الإنسان صورة هذا الكون البديع المتسالمة أجزاؤه فيجمع عقله الى قلبه المستنير بالله فيهدأ العقل ليتمكن من جمع أجزائه و يخرجها لمنفعة العقول الأخرى وهذا لا يتم الا بعد ان يكون العقل تطهّر بالقلب ويكون القلب قد استقام بالعقل وكأن الإنسانية جمعاء باتت عقلا واحدا. الحب طريق الى اتحاد العقول والعقل والقلب يتلاحمان للاعتراف بالحقيقة.

                     هنا أود ان أذكر حادثة جرت معي. كان المجمع المقدس عندنا برئاسة السيّد اغناطيوس الرابع وتغدينا بعد جلسة الصباح وذهبنا الى البهو لنتناول القهوة ونوافذ القاعة مشرعة وكان رجل مغترب جاء لزيارة الدير فسمع احد الأساقفة يتكلّم بصوت عالٍ فسأل عنه فقيل له هذا هو المطران خضر. ثم بعد يومين او ثلاثة اصطحبني هذا الرجل الى قريته لأزوّج ابنه. فقال لي اذا لفظت كلمة طريق بصوت عال او صوت منخفض هل يتغيّر المعنى؟ فقلت لا. ثم قال اذا لفظت كلمة سيارة بهذه الطريقة او تلك هل يتبدّل المعنى قلت لا. فقال لي: لماذا كنت تصرخ في حضرة المطارنة؟ فصمتّ واتخذت كلام هذا الرجل درسا الى الأبد. هذا الإنسان جعل فيّ عبرة اعتبرتها إلهية. وحاولت هدوء الصوت بعد ذلك.

                     اللطف لا يمنع التأديب لكونك حريصا على تقويم الآخر. ولكن للتأديب شروط وأداء. غير ان احدا لا يسلم اذا احس ان من شرع بتقويمه انما يقوم بعمل تقويم خالصة نيته لوجه الله وليس في الأمر شدّة وبأن لا بد ان نعلم ان تصحيح الخطأ لا تجوز فيه الدينونة. انه محاولة تصحيح من اجل الحقيقة وخلاص النفس ومن أحبّك يقوّمك.

                     هناك قواعد تربوية قائمة لا تنفصل عن القيمة المطلقة للإنسان الآخر. فالقسوة ليست قاعدة تربوية لأنها تتضمّن ما يبدو تمسكا بالفضيلة وحقيقتها انك تضرب الاخر ضربا شديدا ظنا منك انك تحفظ فضائله. السؤال الوجيه هو هل يصح لك ان تقوّم انسانا اذا كان شرط التقويم تجريحه ام انك تنتقل من النبرة الشديدة الى الحقيقة كمضمون في الوقت المطلوب للوم وذلك بلا رد الغضب بالغضب. اللطف   بالخاطئ هو تصحيحه لئلا تقع بالانتقام او ما يفهمه ذاك انتقاما.

                     طبعا يجب ان تحذر ان يفسّر الآخر هدوءك على انك لا تبالي بالخطيئة ولا تهمّك سلامته الروحية فتحيد عن كره الخطأ. هذا مؤذٍ كثيرا ويعني انك لا تبالي الا بنفسك او راحتك وكأنك بالصمت شريك بالمعصية او الأذى الذي ارتكب.

#                   #

#

                     اللطف إحساسنا ان الآخر كل شيء وانه هو الذي يجب ان يعظم ونتوارى نحن  وان لهذا روحانية وأساليب. الصوت هو الإنسان. كيف تنفذ الى الآخر بلا اقتحامه، تلك هي المسألة. اللطف هو إقرارك بوجود نفسك اذا انسكبت، بمقدار ما تنسكب. لفتني ان القرآن كثيرا ما يقرن اللطيف بالخبير اذا تكلّم على الله. هل يعني ذلك ان الرب لطيف بعباده لأنه يعرفهم ويعرف حاجتهم الى الحنان وجمال معونته؟

                     أظن اننا نستطيع ان نطبّق هذا الكلام عن الله على تعامل البشر فيما بينهم. فإن خبرتك للناس تجعلك حاسا بأنهم يحتاجون الى رحمتك والى احتضانك. وفي الحقيقة لست في حاجة ان تكون بهم خبيرا لأن أكثرهم ساقط وقررت انت ان تكون بهم لطيفا.

                     اللطف تشبّه بالله وبأخلاقه. هو عطف الله على قوم قليل. هو رفع من تلطف بهم الى رؤيته في صفاته، في أسمائه الحسنى حتى تردم الهوّة التي أقامها البشر بينهم وبين ربّهم. هذه هي صورة الله وحركة الى التمثّل به. هذا دخول القلب الى القلب لتمحى السيئات، لنرتفع الى السماء ونحن في هذه الدنيا. هذا معراجنا جميعا الى الملكوت حتى تبدو الدنيا قد دخلت الآخرة منذ اليوم الى ان يصير الله الكل في الكل فتتحقق، اذ ذاك، بنوّتنا له.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الكذب / السبت ٢٣ شباط ٢٠٠٨

الكذب كثير في البلاد المتخلّفة حيث الناس تخشى القوي القدير الذي يدعم العيش ويستقوي القوم به ويخشون عقابا منه او رفع حمايته عنهم. وفي هذه البلدان لا ترعاك دولة فحيث ترعاك هي سترك ازاء الأقوياء. عدلها درعك اذ القضاء يساوي بين الناس. اما اذا خشي القاضي نفسه الأقوياء فلا ملجأ لك سوى الكذب تحمي به نفسك.

                      اما البلد المتحضّر -اي القائم في الحضر وليس البداوة- فقائم على ان القوة محصورة في الحكم يرعى الناس جميعا ولا يخشى نافذًا. الحكم اذا قام حقا يهدد مَن سوّلت له نفسه الاعتداء فيردع او له قوة الردع ان لم يفسد.

                      غير ان الكذب ليس مرتبطا فقط بالبيئة وان أثارته. هو نتاج الضعف الشخصي امام القوة. فالتلميذ في المدرسة يخشى معلّمه ولا سيما اذا قسا والموظف يخشى مَن وظّفه او الإدارة الساهرة وفي العائلة خوف عند الفريق الضعيف رجلا كان ام امرأة. الكذوب يطمئن الى انه ينجي نفسه ولو الى حين ولكن الخوف يتكرر في ظرف آخر. يحسب ان الصدق يهدد وجوده او مصالحه ويختبئ في مخبأ هش لأن الكذب يجرّ الكذب فيصبح عادة متأصّلة في الكيان. يجب، اذ ذاك، ان يتغلّب على ضعفه بالتماس الصدق من الله. معنى ذلك ان هذه الآفة لا تقضي عليها الا النعمة النازلة من فوق. الطمأنينة الى الله تزيل الخوف عندما يقتنع الخائف ان ليس من إنسان قادرا على ان يلغيه او ان يؤذيه حقا.

                      هناك كذب بغير قول يخفي الحقيقة او يشوشها. فاذا قلت نصف الحقيقة تكون قد غششت الآخر. واذا وقفت موقفا يضلل الآخر مع ملازمتك الصمت فأنت مؤذٍ لمن تعامله عندما يكون له الحق بمعرفة موقفك الحقيقي. مثلا اذا شكت بك امرأتك وكنت خاطئا وسكت عن الجواب فأنت كاذب. اما اذا شك في هذا شخص آخر وليس له الحق بالمعرفة لك الا تجيب بشيء لك ان تخفي الواقع عن شخص ليس له الحق بمعرفته فمن حقك الصمت. ليس من كذب اذًا اذا حجبت الواقع عمّن ليس له الحق بمعرفته.

                      الحقيقة تتطلّب ان تكون مكشوفًا للذين من حقهم ان يعرفوا الحق وان تبيّن موقفك للذين لهم الحق بمعرفته. فاذا اعترفت للكاهن بخطاياك لا تستطيع ان تخفي حادثة او قولا او فكرا لأنه لا يستطيع أن يرشدك ما لم يعرف ما جرى في نفسك وما يعتريها من سقطات وان لم تكن مستعدا لذلك فالزم مكانك والتحف بأكاذيبك التي لن تنجيك يوما.

                      ماذا يقول الكتاب المقدس في هذا المجال؟ يقول السيد لليهود: «انتم من أب هو ابليس وشهوات ابيكم تريدون ان تعملوا. ذاك كان قتالا للناس من البدء ولم يثبت في الحق لأنه ليس فيه حق. متى تكلّم بالكذب فإنما يتكلّم مما له لأنه كذاب وابو الكذابين» (يوحنا 8: 44). هذا كلام شديد الوضوح اذ رأى الرب ان الانسان الكاذب على صلة صحيحة مع حامل الشر الذي هو ابليس وليس فيه حق وكأن يسوع يريد ان يقول ان الكذب يعطل كل فضيلة فينا لأن كل فضيلة صدق ونور. ويتكلّم في عهديه عن الأنبياء الكذية المدعين ان ما يقولونه هو من الله مع انهم يلفقون كلامهم تلفيقا. هذه هي الخطيئة الأعظم. ولكن أليس كل كاذب ينسب كلامه الى الحق اي الى الله الكامن في قلبه. هو ضمنا في حالة تجديف. لذلك يقول سفر الملوك الثاني (4: 16): «رجل الله لا يكذب». لذلك يقول بولس: «رجل الله لا يكذب» (كولوسي 3: 9) ويؤسس هذا على ان المؤمنين خلعوا الانسان العتيق اي ذاك الذي كان مملوءا بالشهوات. وبعد ان يكون اغتسل بالماء والروح يكون قد تعافى.

#                    #

#

                      تبيانا لكون الكذب ليس فقط مجرد كلام ولكنه تعطيل للكيان جاء عند يوحنا الانجيلي في رسالته الأولى الاولى الجامعة (1: 6) «نكذب ولا نعمل الحق». هنا تلتقي الآية مع ما قلناه ان ثمّة كذبا في الموقف وليس في الكلام وحسب. لذلك يشجب الرب القسم الكاذب.

                      ماذا في الإسلام؟ هناك آيات فريدة في معناها مثل قول القرآن: انظر كيف كذبوا على أنفسهم (الأنعام ٢٤) ومعنى آخر قوله هؤلاء الذين كذبوا على ربهم (هود، ١٨) ومثلها في آيات عديدة من افتروا على الله كذبا. وربما كان قريبا منها الذين كذبوا بالآيات اذا نزلت.

                      في القرآن فحص متعدد الجوانب والاتجاهات في الذين يكذبون وهناك ربط للكذب بالاستكبار. والعاقبة قوله: «قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله» (الأنعام ٣٤). وهنا يطيب لي بلا تأويل ان أقول ان لقاء الله الذي ينفيه الله على الكاذبين غير منحصر في اليوم الأخير اذ فيه يلقونه ولكني أحس ان الكتاب يعفي لقاء الكاذبين بربهم، في نفوسهم في الدنيا. ويلتقي الكلام الإلهي في الإسلام بالعهد الجديد اذ يربطان الكذب بالشهوات.

                      ولعل ذروة الكلام عن الكذب من الناحية الفنية لو سمح لي المسلمون بهذا النعت هو ما ورد في سورة الرحمان اذ يقول: «فبأي الأ ربكما تكذبان» والآية تأخذ القسم الأكبر من السورة. وفي مطلع سورة المنافقون يقيم ترادفا بينهم وبين الكاذبين. وبصرف النظر عن سبب النزول في هذه السورة وردت لفظة المنافقين في عدة سور ما يدلّ على كره الوحي للكذب وألوانه المختلفة.

                      اذا كان الكذب متعلّقا بالبيئة الى حد كبير، اذا كان متصلا بالفقر نسبيا فما من شك ان تطور البيئة الى الأفضل من حيث الثروة والتربية لا بد ان يصبح المواطنون أقرب الى الصدق. في البلاد الصناعية الكبرى انت تفترض ان الآخر صادق وتعامله على هذه القاعدة. من زمان ليس ببعيد عشته في مطلع شبابي هنا كان معظم الناس يثقون بالآخرين وكانوا يستدينون مبلغا كبيرا بالعملة الذهبية العثمانية بلا وثيقة ويدفعون ديونهم واللجوء الى المحاكم ما كان يطرأ على بالهم. البلد  كان مزدهرا الى حد بعيد وما من شك ان الإيمان الديني الذي كان قويا الى حد بعيد كان يساعدهم على قول الحق. وما من شك ان التضخم المالي وسقوط الليرة اللبنانية السنة الـ ١٩٣٦ قد زاد نسبة الانحراف الأخلاقي الذي نعرفه اليوم.

                      واذا أخذت المدرسة اذكر ان التلميذ كان يحس ان المعلّم يريد معاقبته على هفوة صغيرة وكان يترقّب العقاب ويخاف. هناك بيئات صغيرة كانت تغذي الكذب العام الذي أخذ يستشري في البلاد. هناك تغيير للعلاقة بين الأستاذ والتلميذ لا بد منه. علاقة الحنو والثقة يمكن دعمها. مشاركة ما لتلاميذ بمناقشة إدارة المدرسة شيء وتكلّم عليه غيرنا في اوربا وأعطى ثمارا.

                      يبقى ان التربية العائلية لها الفضل في تغذية الصدق عند الاولاد. كنت أعرف عائلات يُشار اليها بصدقها، لانعدام الكذب كليا فيها وهذه التربية تقاوم كل سوء يطرأ على الولد في مجتمعه المدرسي او غير المدرسي.

                      ثم ما أتمنّاه على المؤسسة الدينية هو التركيز على الفضائل وعدم الانحصار في الدعوة الى العبادات والتقاليد المرافقة لها. ينبغي ان يعرف المنتمي الى اي دين ان مراجعه المسؤولة صادقة كليا وان هذه المراجع يركن اليها في ما تقول.

#                         #

#

                      مرة سألت شابا في موقع ارشاد: هل أنت تكذب؟ اجاب نعم. ولكني لا اؤذي احدًا. قلت له: بل هناك واحد تؤذيه وهو انت لأنك تقزّم نفسك. هناك دائما في الكذب تحجيم للشخصية وارتعاد امام القوة الواقعة او المظنونة.

                      اجل هنا من وُلد ضعيف البنية او النفس. هؤلاء يميلون الى الانقباض والتواري ولكن الإنسان مدعو الى اتخاذ دوره وهو تأكيد الذات وتثبيتها وليس ادنى الى تثبيت الذات مثل تحدي من نعتبره ذا فعالية كالوالدين والمعلّم ومدير الشركة التي نعمل فيها والسلطات المدنية.

                      ربما كان من وجوه التحرر من الكذب الصمت والابتعاد عن الثرثرة والمزاح. ينفعك الا تتبجح بأكاذيبك وبعامة الا تظهر خطيئتك حتى لا تسيء الى السامعين. تحاشَ الرياء فإنه مصدر لتشويه الحقيقة. ابتعد عن مدح أصحاب المقامات فهذا يؤذيك ويؤذيهم معا. الانسان الصادق مرجع ومكان طمأنينة اذ يرتاح الناس الى قوله ويعرفون ان ينظّموا أمورهم بنصائحه لأنها لا تتغير.

                      الانسان الصادق شبيه بالمسيح الذي يقول عنه الكتاب انه الأمين اي الأمين الى كلامه الأبدي الذي لا يتبدل ونجد فيه راحة لأنفسنا.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

التواضع / السبت ١٦ شباط ٢٠٠٨

الناس المعجبون بنفسهم كثر. كل هؤلاء يرون في ذواتهم قيمًا نابعة من ذواتهم واذا كانوا كذلك دائما يفتخرون، يركّبون ذواتهم من مجموعة حسنات اذ يظنون انهم دون هذه الحسنات هم في العدم والإنسان لا يرغب في العدم. لذلك لا مفر من ان يكون معظم الناس الصورة التي اصطنعوها عن أنفسهم وغالبا ما يحسبون ان ليس مثلهم شيء. الانسان يخشى الموت المعنوي قبل خشيته الموت الجسدي. لذلك يحيا بهذه الجمالات التي تتراءى له فيه. هذا هو العُجب (بضم العين) الذي تليه الكبرياء التي يرى فيها الإنسان انه فوق القوم جميعا. هناك اذا عبادة ما للنفس. هناك دائما شرك محجوب عن صاحبه. فالكبرياء في ذروتها ازدراء للآخر وتحقيق وثناء مقول او غير مقول عن الذات.

                     وكثيرا ما تأتيك الكبرياء من المديح. ومن المديح يتولّد الغرور والطمع بالمقام الأول في هذا المجال او ذاك. جاء عند القديس يوحنا السلّمي: «عاتب شيخ احد الإخوة على تكبّره معاتبة روحية. فأجاب الأخ: اغفر لي يا أبي فإني لست متكبرا. فقال له الشيخ الكلي الحكمة: يا ولدي اي برهان تعطينا على تكبّرك أفضل من قولك «لست متكبّرًا»؟».

                     كل إنسان صريع الوهم. وينتج عن هذا ان المتكبر يزدري الودعاء. ان مقت هؤلاء مقت للأقربين الى الله لأن الله وداعة. لذلك لم يخطئ آباؤنا لما اعتقدوا ان الكبرياء أكبر الخطايا لأنها في التحرك الوجداني أن احدا ليس مثلك وانك انت صائر مثل الله كما اعتقد آدم.

                     مشكلة المستكبر انه في كثرة الأحيان لا يعرف نفسه كذلك وان لم تهبط عليه نعمة من فوق لا يعرف التمييز في نفسه ويظن نفسه فقط موهوبا ولا يرى انه منتفخ بمواهبه او ما ظنها كذلك. لذلك لا بد له من فضائل كالإحسان ليصلح نفسه اذا اعتبر ان الإحسان إلهام له من الله. وقد يُحْسِن أحيانا لأن هذا يزيده تعظما ولا يحس بأن من يحسن اليهم كثيرا ما يكونون أفضل منه على كل وجه. الجمالات الروحية يجب أن ترسو على التواضع والا كانت رذائل مبطّنة. هذا يرى نفسه مثلا لا يزني ولا يسرق ولا يكذب ولكن هذه المحظورات لا نفع فيها ان كانت تقوي استكباره. فقد علّمنا أهل القداسة انك ان عففت مثلا وبقيت غير محب فقد هتكت عفتك ولست بشيء. المحبة وحدها تضرب الكبرياء وتمزقها لأنها اعتراف بالآخر وهذا الاعتراف هو الذي يوجدك. كتابنا يبيّن لنا كيف نهرب من الزنا وبقيّة الخطايا وقد وضع آباؤنا قواعد لهتك الخطيئة ولكن الخطيئة تبقى مكانها ان انت حسبت انك صرت عفيفا لكونك تُمْسك. ليس الإمساك بشيء الا اذا جللته المحبة التي لا تنكسر عندها القلوب.

                     قد يظن بعض انك متكبّر لأن عندك أسلوب تعاطٍ لا يفهمونه او لا يذوقونه او انت حيي فيحسبون انك لا تخاطبهم لأنك استعليت. افحص نفسك عند كل قولة. المهم ما يراك الله عليه في اليوم الأخير او قبل انتقالك اليه. ولكنك في الأخير لا تعرف نفسك مقيما في الانتفاخ الا اذا وبّخك ضميرك على ذلك فالكبرياء تُكسر كسرا حتى يحل محلها الحب.

#                 #

#

                     مقابل هذا التضخيم للذات والعيش الدائم في الاستيهام يبدو التواضع انقباضا تصوريا للذات ولو كان المتواضع أعظم رجل في الدنيا. قد يرى في نفسه حسنات من الطبيعة كالجمال والذكاء وما الى ذلك ولكنها تبقى على حجمها من حيث انه لا يفتخر بها. فكل ما فينا من خيرات الطبيعة يأتي معنا بالخلق او نرثه من الصالحين الذين يتجهون الى تغيير الكون. انت تشكر لاقتناء او حرمان. كلاهما عطف إلهي ولو تغير الأسلوب.

                     المتواضع لا يقزّم نفسه اذ يحرّم الناس ما لهم حق فيه وبآن لا يدين نفسه ولا يجلدها. يأخذ بشكران ويفتقر بشكران. امام العطاء الإلهي ما من كلمة تبقى لك الا ان تقول مثل العشار في الإنجيل: «ارحمني يا رب أنا الخاطئ». حالتان مسجلتان فيك انك خاطئ وان ربك رحيم واذا ادركت رحمته تتبرأ من كل معصية مهما عظمت. فاذا رأى الخاطئ نعمة الرب نازلة عليه وتبتلع ذنبه كليا يرى نفسه لا شيء اذ يراها كل شيء. هذا هو الإنسان المتواضع.

                     عند المسيحيين نموذج الإنسان المتواضع هو يسوع القائل: «احملوا نيري عليكم وتعلّموا مني، لأي وديع ومتواضع القلب» (متى 11: 29). منذ سنين تتحداني هذه الآية اذ تسائلني لماذا لفت السيد فقط الى هاتين الفضيلتين فيه وله من المزايا ما لا يحصى. لعله رأى في التواضع الذروة اذ تستطيع ان تتدرج الى ما فوقها ولا تقدر ان تبلغها الا اذا دست كل الشهوات. وعلى الصعيد الفني في الكنيسة الأرثوذكسية هي أيقونة المسيح-العريس الذي يُرسم نازلا الى القبر عاريا ليختفي بالجسد كليا ويقوم من بين الأموات. المسيح العريس (او الخَتَن بالسريانية) عندما يقيم مشيئة الآب لا مشيئته البشرية ويتزوّج الانسانية كلها بموته.

                     وهاكم القديس العظيم إسحق السرياني المولود في قطر. «كل الكلام على التواضع هو الكلام على الله. انه وشاح الألوهة لأن الكلمة المتجسد تسربله وكلمنا عنه من خلال أجسادنا. فكل من يتسربله يتشبه حقا بذلك الذي انحدر من علوه وغطى فضيلة عظمته بالتواضع وستر مجده به».

                     ماذا يعني لنا هذا الكلام؟ انه يعني ان حياة الله خفية فينا ولم «يظهر بعد ماذا سنكون». عند هذا الخفاء لا يمكنك ان تظهر الله الا اذا أخفيت نفسك . الرب يظهر بك اذا أدركت درجة الخفاء أعني درجة اعتبارك لا شيء.

                     كان لي صديق سوري كبير مستقر في سويسرا وكنت قد نشأته في مطلع شبابه على الايمان الأرثوذكسي وكانت شبيبتنا ملتهبة بالروح. ثم صار صديقا لكبار العرب في كل ديارهم وكان يستضيف بعضا منهم في دارته. ومرة بعد وفاته دعتني بنت له الى مائدتها. وقالت لي: ان والدي كان يتعامل مع الخدم عندنا بالتهذيب والوقار اللذين كان يحيط بهما رؤساء الدول العربية.

                     غنيا كنت ام كبيرا بين المثقفين اذكر ما ورد في نشيد مريم حسب إنجيل لوقا: «حطّ المقتدرين عن الكراسي ورفع المتواضعين» (1: 52). اذا قلت: انا عزيز في قومي فقد أعطيت نفسك شهادة في الثقافة او الزعامة. الله يعلّيك وحده واذا استعليت على أحد تجرحه. ولذا أقرن يسوع في ما ذكرنا الوداعة والتواضع اذ الوداعة تصير في الآخر كعسل في فمه اذ هي فن الإزالة لكل نتوء بينك وبين الآخرين لكونها بنت التواضع او طريقا اليه. من هم قومك؟ «ان الشعب عشب حقًا. والعشب ييبس وزهره يذبل واما كلمة إلهنا فتثبت الى الأبد» (اشعياء 40: 7 و8).

                     لسان حال بعض مما حسب نفسه كبيرا انه يقول والآخر لا يقول. لأن من قال يصير شيئا والآخر في المنطلق ليس بشيء. الاستكبار إلغاء معنوي للآخر اي لون من ألوان الإبادة. انت، متكبر، تضع لنفسك عرشا لم ترثه وافرض انك ورثته. تبقى على ترابيّتك وعظمك ولحمك وكلها فانٍ الى ان يقيمك ربك من الموت الروحي هنا بالتوبة التي تعرف بها انك دون الناس جميعا.

                     كتب أمير مولدافيا في القرن الرابع عشر لولي عهده: «لا تشتهِ ان تصير أسقفا او رئيس دير ولا أميرا (والإمارة كانت مُعدَة له)، لا تشتهِ لأن كل هذا مجد العالم». المجد تُعطاه في اليوم الأخير إن صممت على ان تنأى عن أمجاد هذه الدنيا وقد يكسر الله العرش الذي أقامه لك خيالك فتصبح من الجائعين. جعْ الى اللّه ليجلسك على عرش له في السماويات.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الطمع / السبت ٩ شباط ٢٠٠٨

أنت تعيش بقوة الحيازة او الاستحواذ او الأخذ او الملك وهذا كله يبطن الطمع وهي شهوة لا حد لها ككل شهوة تطلق لها العنان او انت ملك الله ولا يهمّك ملك آخر في هذا العالم وعند ذاك يتملّك ما أنت مالك او انت لا يهمّك ما حزت عليه وأن يبقى او يذهب وأنت قائم بما أنت اي أنت وجودك ولا تعتبر ان ما في هذه الدنيا يصنع وجودك او يزيدك وجودا. فالصراع قائم بين كونك مالكا وبين كونك مملوك الله او عبده او ابنه.

          فإما ان يكون الوجود الخارجي الذي بين يديك شيئا او الوجود الذي فيك هو انت. ولك ان تختار بين ما تحوز وبين حضرتك الواقفة امام الله اي المستندة روحيا على فقرها. وقد يصل بك الاستغناء عن هذا العالم الى الاستغناء بالله فتصبح قيمتك آتية منه ولا أحد انسانا قيما ما لم يقل الله ما يراه فيه في اليوم الأخير.

          لا محاربة للطمع الا اذا اعتبر الانسان نفسه قائما بذاته وبالحري قائما برؤية الله له، واذا رآه غارقا في هذه الشهوة فيحزن الله.

          لا يتوهمنّ أحد اني أدعو الناس الى ان يبددوا المال الذي يكفيهم او الا يطمحوا بالأكثر. هناك عيال ويكفي الله من أراد. أما الذي يحب المساكين فليس لي أن أعلّمه وهو يعلّمني. نحن لا نعيش مع الأقل والأكثر، مع الوفرة العظيمة والفقر المدقع. نحن نعيش مع القلب. السؤال هو ماذا في قلبك او هل عندك قلب ليتّسع لله فقط. وحتى يستنزل قلبك الله يجب ان تعطي كثيرا لأن هذه الإمارة (العلامة) الوحيدة للحب. لا يدعو الى الفقر الذي نسمّيه اختياريا الا ربّك. دائما أخشى المال لكوني أخشى الافتخار. انت لست حرا مما تأخذ. أنت حر بما تعطي. ليس اذًا حديثنا عما تكسب وما تخسر ولكن حديثنا عمّا اذا اخترت بأن تحوز لتوجد او الا تحوز ليملك الله عليك.

          في هذه الجدلية يذهب بولس الى أبعد من هذا اذ يقول: «الطمع هو عبادة الأوثان» (كولوسي 3: 5) مع انه ذكر من قبل ومن بعد شهوات أخرى ولم يقل عنها انها عبادة وثن. كان يفكّر في اشتهاء الأموال لا ريب في ذلك، ويخشى ان يصير الإنسان ما يشتهي. كنت أسمع في طفولتي هذا السؤال: «شو بيسوا هيدا» وأفهم انه سؤال عن ثروته. قد لا يعني هذا ان قيمة الإنسان عند هؤلاء ان شخصيّته هي ما يملك ولكنها تُخفي اعتقادا بأن الله قوة وهذا صحيح. ولكن ما بالك بإنسان لا يسعى الى القوّة ولا الى نفوذ الا اذا كان حاملا دعوة من فوق أمره ربه بتبليغها وهذا لا يتطلّب نفوذًا من الأرض. الناس في كل حياتهم لا يحترمون القوي لمجرد كونه كذلك ولكنهم يحبون ان يقووا به وأن يكون مصدر نِعَم لهم. آمن الناس والساقطون منهم دوما ان قيمة الإنسان باستقامته وصدقه ومحبته، ويتحسسون انهم قد يصيرون أفضل بالاقتداء به وقد تصل القدوة اليهم. الانسان السيء الشرير يقول عن الآدمي انه آدمي ويأسف لكونه ليس مثله.

#                     #

#

          الناس يحبون ان تكون ذا طموح. هنا ايضا يجب ان نفرق بين الطموح البناء والطموح الذي يقوي عندك الطمع ان تتخذ مهنة لكونها مصدر ربح طامع. ان اتخذها لكي اخدم هذا طموح شرعي ومقدس. وهنا يفترق المبدع وغير المبدع وأتكلّم هنا فقط على الإبداع الروحي الذي هو الإخلاص. لا إبداع بلا حب فأنت مثلا تبغي ان تصير طبيبا كبيرا لأنك تريد معالجة الأمراض المستعصية وتساعد على الشفاء والمال يتبع هذا في معاييرنا البورجوازية. اما اذا زججت نفسك في دراسة تعرف انها تغنيك فقد تنجح علميًا او لا تنجح ولذلك يترك بعضهم مهنا حرة مهذّبة للنفس ومساندة للمعذّبين ليصيروا تجار عقارات وما الى ذلك. اذًا لم يتخذوها مهنتهم الاولى تعلقا منهم بالخير.

          هناك فنانون ماتوا جوعا. قلة من الشعراء يعيشون من إصدار كتبهم. هؤلاء ممسوحون بالقداسة. أنت تبغي الإنتاج العظيم او تلتمس مالا ولا جمع بين هذين الشيئين الا اذا تثقّف قوم كثيرون ليقرأوا. ولكن ان اشتهيت فلسًا واحدا قبل ان تضع قصيدة تأتي تافهة حتما. لا جمع ممكنا بين الطمع والقيم العظيمة لأن كل ما تطمع به أنت عابده.

#                  #

#

          من المؤكّد انك تحتاج الى الروح الإلهي فيك يفحص نياتك ويرشدك الى كونها جيدة او سيئة. الشر يغطي دائما نفسه برغبة الحسنات. لا تدع نفسك تغرق في هذا الوهم. اي ادع ربك ليعطيك ما نسمّيه في النسك المسيحي روح التمييز. اعرف اي تحرك داخلي يلهمك. هل هذا التحرك من الله؟ اثنان يرغبان في الاقتناء واحد لاستلذاذ الحياة هو وأولاده وآخر ليصير أكثر انصبابا على المساكين. هاتان حركتان في القلب مختلفتان كليا.

          كل الطمع هو تسطيح الوجود الحق. طبعا هذا يطرح مسائل لا نهاية لها. على سبيل المثال تبغي الزواج بامرأة فائقة الجمال. هذا طموح كله التباس. فأنت حوّلت كائنا بشريا الى سطح وجوده. في هذه الحال هذه رغبة شرعية ولكنها ليست كاملة الشرعية لأنها تجزئة اي اعرف انك اخترت نصف الواقع او أقل. هذا تشييء لا يعطيك انسانا كاملا واذا لم تجد مضمونا مرضيا في هذه المرأة قد تؤذي حياتك كلها. اذا مدحت امرأة على أناقتها مثلا الا تسمع منها كلاما ظاهره متواضع فتجيبك مثلا هذا صدفة… وواحدة من رفيقاتك دلتني على هذا الثوب فرأيته أنت كما رأيته اي انها على كذبها تتمنى ان تكون عالية الشأن روحيا او ذكاء وكأنها تريد ان تعرف عمق نفسها.

#              #

#

          ميل آخر أحب ان أشير اليه وهو الطمع السياسي في بلدنا. في البلدان الراقية يريد كل حزب ان يصل الى الحكم لكي يطبّق برنامجه والعضو العادي لا يشتهي ان يصل هو شخصيا الى الحكم ان لم يكن من اللامعين. الإنسان ينتمي الى حزب لكونه يؤمن بعقيدته التي يظن انها منقذة للبلاد واذا رأى أن الحزب فسد يتركه لأن الأعضاء الذين يسيطرون على المكتب السياسي يكونون قد حولوه لمصالحهم المحازبين. تكون العقيدة قد استخدمت في الطمع.

          ماذا عندنا نحن؟ انا لست أقول ان ليس عندنا شيء من هذا ولكن السائد ان الفرد الذي ليس خاليا من الأفكار يطمع بالحكم وهو عالم انه وحده لا يستطيع ان يغيّر شيئا وان ثلاثة او أربعة في كتلته لا يقدرون على الكثير. ماذا يدفع المرشّح اذًا الى النيابة؟ ماذا يريد ذاك الذي يعرف شيئا من التشريع او الذي لم يبلغ صعيدا علميا يوهله ان يفهم البيان الوزاري.

          هذه هي بدعة الثورة الفرنسية في شرعتها ان تقول ان كل مواطن مؤهل للترشيح. هنا الطمع بالوصول قد لا يكون مقرونا بحب المال اذ لا شك عندي ان بعضا من النواب طاهرون والبعض من الوزراء كذلك ولكن هذا طمع بالسلطة التي يرى الروحانيون انها أخطر شهوة من شهواتنا. ليس هذا الوضع الذي أناقش فيه أهمية الأحزاب وفاعليّتها. ولكن كثرتها لا تغني الأمة وتزيد في الصراعات وقد لا يكون بين بعضها فروق كثيرة لا في العقيدة ولا في أسلوب العمل. وأظن ان ما قاله غبطة البطريرك صفير في ان البلد يكفيه حزبان حسب احساساتنا الوطنيّة قول يحتاج الى تأمّل.

          في لبنان طمع طوائفي في الحكم. هذا يمكن تسميته الطمع الجماعي او الجمعي. وبعض الطوائف في ممارساتها الدنيوية  غدت أحزابا. كيف لا يكون متفرقا بلد يعترف دستوريا بضرورة انتمائك الى واحدة من ١٨ طائفة وكيف تلغي الطمع وتجعله عطاء؟ كيف تميز بين الانتساب الأرضي وانتسابك السماوي او الأخروي؟

          قال غير قوم من غير المسلمين ان طائفتهم دين ودنيا. السؤال الكبير هو ما معنى واو العطف. اي ميزان انتخابي او في ممارسة الحكم يجعلك تقول: «وللآخرة خير لك من الأولى» (الضحى، الآية 4) اي سياسي يسقط الآخرة على الأولى ويكيف هذه بما تقتضيه الآخرة؟

          أحببت الآخرة او ملكوت الله كما يقول الإنجيل فليست دنياك كلها سوى مرور  الى الملكوت الذي هو في دواخلنا كما يقول لوقا وتخرج انت الى استعمال الدنيا من داخلك وهكذا لا تكون طماعا بها ولكن تكون طامحا الى سيادة الله عليك اي فقيرا اليه ان كنت هنا فقيرا او غنيا او رئيسا او ملكا. اذ ذاك تعطى هذه الدنيا وتزاد وتبقى عاريا منها ومتسربلا النور.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الخبز / السبت ٢ شباط ٢٠٠٨

طلب أربعة اولاد من أبيهم أن يشتري لهم «لوبيا» ليأكلوها ظهرًا فحسب ان ثمنها ٢٨٠٠٠ ليرة فاعتذر واشترى لهم لحمًا. ثم أسمع كل يوم من معاونيّ في المطرانيّة كم تصاعد ثمن هذه المادة الزراعية او تلك بحيث أتصوّر ان الكثر من عائلاتنا تحت عتبة الفقر. كذلك سمعت على الشاشة خبرا يقول ان اية عائلة لا تستطيع ان تعيش بأقل من مليون ليرة حين أعلم ان بعضًا من أهلنا لا يصل معاشه الى نصف مليون ليرة.

حسابيا اذًا العدد الكبير او الأكبر من اللبنانيين في حالة الفقر المدقع وان مفردات مثل الديموقراطية والنور والحرية باتت أكاذيب بمعنى انها مفاهيم مجرّدة وأحلام تأملناها في المدارس او استكبرنا بها على العرب ونحن لسنا سوى بدو بدّلوا الخيمة بالفيلا والجمل بالكاديلاك. وهذه هي العلامة الفارقة لعروبتنا.

اذا سألت عن المسؤول الجواب هو الحكومة. هذا هو المتصالَح عليه في الديموقراطية الماسكة بزمام الأمر. لا مانع عندي ان تقول العرب مجتمعين لأنهم أشقاء وأنهم يرجى اليهم ان يبعثوا بشاحنات مواد طبيعية. هذا يعني تعريب الأزمة ربما. ولكن التعريب افضل من الجوع. واذا تبرّعت الدول الأجنبيّة بمقدار من الأطعمة تدول الأزمة. ولكن أولادي في حاجة الى طعام بتدويل او غير تدويل.

يذهلني اني لا أقرأ في السجال الحاصل في البلد موضوعًا اقتصاديًا والشعب لا يأكل سياسة. هل يقبل اي فريق من ان يحوّل النقاش السياسي الى نقاش اقتصادي؟ على الأقل هل أحد مهتم بالتوازي  بين هذين النقاشين؟لنفترض ان هناك أعجوبة دستورية لإجراء انتخابات نيابية بلا رئيس دولة. هذا يتطلّب  ما لا يقل عن شهرين إعدادًا وتنفيذًا. كيف يأكل في هذه الفترة من لا يأكل الآن؟ ان لم يكن من حلّ فأقلّه ان المتصارعين في هذه الحلبة الجماعية يقبلون ببلد مهدّم. مهدم بلا قتال بل بجوع. وعندئذ لا تبقى الا نخبة الفريقين التي عندها ما تأكل ويأخذ الحكم من لا يحتاج الى من يحكمهم. تكون أطروحته السياسيّة قد غلبت على الفريق الآخر ويكون قد امتلأ فخرًا وهو يبقى ويهاجر مَن يهاجر حتى لا تموت عياله جوعًا.

الا تستطيع الحكومة القائمة ان تجمع خبراء الاقتصاد وهم كثر لاقتراح تدابير إنقاذيّة؟ الا تقدر المقاومة ايضًا ان تجمع خبراءها ليجلسوا جميعا على طاولة معاشية ويكون بعض من حوار عائد لإطعام المساكين ويكون الفريقان قد أثبتا حقا حسن النيّة تجاه الشعب الفقير ويضمحلّ هذا النقاش (الثاني في المرتبة) حول شرعيّة المتولّين الحكم او عدم شرعيّته. وينتخبون رئيس جمهورية يعنى بإطعام من هم تحت عتبة الفقر.

«بدنل ناكل… جوعانين». قولوها حيث شئتم. اكتبوها حيث شئتم. أليس الرغيف أفضل من السياسة؟

#                  #

#

اذا أجمعنا على تجويع الناس او قصّرنا في مكافحته اسمحوا لي أن أشكّ في نيّات من ساهم بهذا. في السياسة لك الّا تشك وأن تعتبر الأمر لعبة ولكن اذا كان أطفالك في خطر حقيقي وتعذّر عليك شراء الحليب أعذرك إن شككت ولا يهمني ان يأتي الحليب من هذه الجغرافية او تلك. كنت أظن أن المحاور إلغاء. انت لا تلغيني ان ساهمت في إطعامي ولكن هناك أوقات تصبح فيها السياسة تفاهة او شيء من تفاهة لأنها لا تتعلّق او تتعلّق قليلا بالعيش وكثيرا ما كانت ايديولوجيا اي تنظيرًا وتجريدًا وفي ظلّها يموت من يموت ويعيش من يعيش. لماذا لا تقولون: تعالوا نعيش.

انا لا أعتقد ان أناسا اذكياء يحبون البلد بصدق عاجزون ان يتمموا فيما بينهم ميثاق القلب الى جانب المواثيق المكتوبة. هناك في الموضوع اذًا خطايا. انا بالتحليل الموثق المتجذّر كثيرا في المعرفة لي ان أشك. ولكن هذه الخطايا اذا وصلت الى حد تجويع الناس من أية فئة أتى أصير شاكا باللعبة السياسية كلها بحيث تصير اللعبة حقًا تلاعبًا بالبلد الى حد الخراب كما اني واثق من ان مَن لا يساعدنا على تجاوز الخراب وبقدره ان يفعل سيدمره الله تدميرا كبيرا. آسف ان الكثيرين لا يرون اننا امام الموت او جاورناه او لامسناه ونناقش أرقاما الشرعية هنا وهناك ونحن اذًا عائدون الى جعل السياسة في أول مقام عندما يصير الخبز في أول مقام. اين كلمة الله امام فقدان الخبز. السياسة لا تعوض عن غياب الخبز.

أفهم أن يكون في السياسة احتجاج ولكني افهم ان بين ما تعالجه الأجور وبأن الأغنياء هم في خدمة الفقراء وان ما هو خارج عن هذا الملف هدفه رفاهية العيش عند الجميع حتى يحب البلد أبناؤه ويعيشوا روحيا من هذا الحب. اذ ذاك، يصبح الطعام وسيلة للنمو الروحي وطريق اتحاد بين الشرائح المجتمعيّة اي انماء سبيل لتعزيز الروابط بين الكل. وفي هذا تعزيز للكرامة التي تحق بعدل لكل مواطن. ومن هنا ان السياسة الخارجية او الداخلية مرتبطة بالعز المرتبط بدوره بالشبع.

اذا أشبعتم الإنسان مجرد كلام سياسي يتقيأ وتمنعون عن أنفسكم نيل الحب من المواطنين. ويمكن امتداد الحب بين قوم كانوا متخاصمين لأنهم اذا افترقوا في الجزئيات فهم ليسوا مفترقين في محبة الله. لست أعلم بدقة مَن يحب لبنان ومَن لا يحبه. ولكني أعرف أن مَن أحبه يحييه ويحيي الآخرين.

البلد ليس مساحة جغرافية. هو الحب. وهذا يحيي اية فسحة في الأرض. ونصرّ على ان هذا البلد نهائي لأننا ننشئه نحن بحبّنا اياه. لذلك لا يحبّه من جعله تابعًا او نابتًا من شيء آخر. طبعا لا نهاية الا لله. لذلك اذا أحببنا البلد كما يحبه الرب لجعله تواقًا اولا لأبنائه الفقراء ثم الى كل أبنائه. فليمتحن كل منّا قلبه ليحس اذا كان يحس انه يحب البلد اي في أدنى مقام الا يزرع فيه بذار تفرقة تذهب الى حد خطر الفتنة. ولكن انتظروا ان يصرخ الجائع ولا تنتظروا أن يكون متسوّلا امام أبوابكم. الكرامة أهم من الخبز اجمعوهما عسى تكونون صادقين.

نحن لا نريد ان يصبح لبنان متكئا على بلد او مجموعة بلدان لأن الاتكاء هو التوكّل والتوكّل تواكل في اللغة البشرية اي كسل واتباع. ليس الأمر في أن تختار بين محور ومحور. الأمر كله ان نختار البلد او الا نختاره لأن الحب على الصعيد الوطني ليس فيه شرك.

ابتدئوا اذا مما تأكلون وتشربون وتلبسون ثم على أساس هذا اكملوا في التعاون على مستوى الإنتاج والحكومة تأتي نتيجة لمساعيكم لا مبدئا لها. ليست الحكومة كل الدنيا كما يظنّ اللبنانيون. وليست هي البلد وإن لم يستقم بلد بدونها. في هذا التلاقي بين الدولة والمجتمع تقف الحكومات والمؤسسات على أقدامها. المهم ان تعرفوا مقاييس الأشياء وتراتب الأشياء وهذه كلها تعابير للحق  والبلد هو الحق او يكون أكذوبة يجب محوها. نحن نؤمن ان لبنان قادر على الحق وقادر تاليًا على محبة أبنائه في بنيان شامل.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

بين الصداقة والمحبة / السبت 26 كانون الثاني 2008

الصداقة ارتباطك بآخر على وجه التخصيص وهي متبادلة في الصدق وموفورة المودة بلا منفعة في هذه الأرض. وهي سر اي لا تعرف كيف حلت وقد جاء في الأدب الفرنسي: هذا صديقي لأنه هو هو وأنا أنا. وهي متسعة للمحبة الإلهية عند الاثنين وليس الا شرط الفضيلة المستمرة عند الصديقين وما فيها الا الصدق فهي تحمل قوة ديمومتها. بهذا المعنى وان بدت ثنائية الا ان الله سميته ام لم تسمه هو في وسطها ويعززها ويغذيها حتى يبلغ الاثنان بلورية كاملة.

وهي قائمة في البشر لأن احدًا منا لا يعيش في العزلة لكونه يحتاج الى التكامل، الى مشاركة تقويه فيلحظ انه موجود ليس فقط بصفاته ولكن بصفات الآخر الذي يقويه. هي مشاركة حياة وتعاون. انت تحتاج الى ان يرعاك احد وان يقوّيك ويصفيك ويقيمك من الموت الروحي اذا انتابك. هي اذا قوّة قيامية بسبب من الفرح وذاك الذي تتقبّله. الفرح من الكيان الفصحي الكامن في كل إنسان.

والصدق فيه مكاشفة لكونك تلتمس المساعدة وان تتحرر وتعلو وليس فيها نكث لعهد العطاء حتى لا تتقوقع وتعود الى صحرائك ولا تقع في يأس. أرسطو القائل: «يا أصدقائي ليس من صديق». لا، هناك ناس صادقون يبغون إصلاح نفوسهم ويختارون الأعزة يرفعونهم. ما من شك ان الأصدقاء ليسوا على الود الواحد ولكن هناك من تحتاج اليه احتياجك الى الزوج والود درجات واما من طفح عندهم الود والطهارة معا فهم قلّة لأن الفضيلة قليلة وصعبة. واذا ضعفت في الآخر فتزول العلاقة ويكون اختيارك خاطئا.

اما اذا ثبتت الصداقة فيعني انها نازلة من السماء وما هي بمودة عابرة. وهنا يأتي الكلام عن المحبة التي ليس فيها تخصيص وهي تجمع الشمل كله او هدفها اي انسان أعطاك ام لم يعطك، رد لك خدمتك ام لم يردها. هي مجّانية إطلاقا اي قد لا تؤسس على مقابلة او مبادلة. وتحب فلانا لأنه يحتاج اليك او بالحري لأنه يحتاج الى العطاء الإلهي الذي فيك. وقد تخدمه وتذهب ولا تعود اليه الا اذا عرفت انه في حاجة اليك وانت له لأنه مجرد انسان يبكي او يتوجّع او هو معزول وأنت له مخلص لأن الله انتدبك لعمليّة خلاص في وقت مناسب ثم ينتدبك لإنقاذ غيره. تمشي انت في صحراء الوجود لتفتح يديك لإنسان متروك وانت تفتقر اليه اذا اعطيته وقد تفتقر ماديا بصورة كاملة او شبه كاملة لأن الوجود هو لذاك، عندك لأنك بهذا انت معطي الله او مقرضه كما يقول الكتاب. هذا هو العطاء الكامل لأنك تمحى وتقيم الاخر حتى هو لا يمحى في قساوة القلوب. وهنا لا فرق عندك بأن يكون على دينك او دين آخر او بين ان يكون مزينا بالبهاء الإلهي او بقباحة الشيطان لأنك قررت ان ترى الله فيه. العقائد مختلفة والمحبة واحدة لكل الناس لأنك بها جعلت نفسك صديق الله.

#         #

#

الهبة المجانية كثير الحديث عنها في الأناجيل. نقتطف من لوقا، مثل هذا قوله: «احبوا أعداءكم وأقرضوا غير راجين عوضا، فيكون أجركم عظيما وتكونوا أبناء العليّ، لأنه هو يلطف بناكري الجميل والأشرار» (6: 35). وهنا عندنا نقطة لاهوتية وهي ان العطاء المجاني يرفعكم من مرتبة العبيد الى مرتبة الأبناء. والنقطة التابعة لها ان الأشرار هم ايضا أبناء لأن التساوي في قيمة الناس هو في رؤية الله لهم ووضعهم كأبناء يأتي من مجّانيّته.

وقراءتي هذه راسخة في قوله توا بعد هذا الكلام: «كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم … ستعطَون في أحضانكم كيلا حسنا مركوما مهزهزا طافحا لأنه يكال لكم بما تكيلون». فإنكم ان أعطيتم يعطيكم الله بلا حساب. يعاملكم بما بما هو أفضل مما عاملتم الآخرين. الانجيل يضرب الحساب.

لذلك يصل الى القول: «الإنسان الطيب من الكنز الطيب في قلبه يخرج ما هو طيب». انت لا ترى اذًا بعيني الحكمة البشرية القائلة ان انظر الى ثروتك وأعطِ ما استطعت ليبقى لك شيء تقول الحكمة الإلهية فيك انظر الى قلبك المحب وأعطِ لكل ما يأمرك به القلب وليتدفّق قلبك اذًا واذا كنت غير متعلّق بدرهم واحد تدفعه الى الاخر وتعطي لتنجي قلبك من الموت الذي جانب من جوانبه البخل. والبخل هو الحفاظ ان كل ما عندك اساسي لك. غير ان لا شيء في الدنيا اساسي الا للآخر ويكافئ الله الحب بالحب واذا كنت في الأساس غير مخصوص بالحب الإلهي لأنك ابن ككل ابناء يخصك الله -ان أعطيت- بمحبة شخصيّة لك والله حرّ بأصدقائه. في هذا المعنى ليس الله معشوق عابديه الأكابر ولكنه عاشقهم بدونه وقد يصل محب الله الى درجة لا يراه الله فيها معشوقا وحسب ولكنه يراه جوهر العشق على ما قاله القديس أغناطيوس الأنطاكي (+117) عن المسيح: «ان عشقي مصلوب».

لقد استعار الكتاب المقدس لفظة رحمة ولفظة رحيم من رحم المرأة فالجذر واحد والمعقول يؤخذ من المحسوس فرحمة القلب هي السعة التي تنجب اولادا كثرا واذا كنا جميعا أبناء الله بعد ان اعتقنا من عبودية الخطيئة فنحن مرحومون بطبيعة الله بلا كيل ولا تفريق وبلا دينونة. ولذلك يقول آباؤنا النساك الذين جاهدوا جهادا حسنا موصولا متعبا يقولون جميعا انت لا تدخل الى السماء بجهدك ولكن برحمة الله اي انه هو الذي يتقبّلك بعطف منه لأنك صرت بالمحبوبيّة التي ناتها من عائلة الآب.

لذلك لا يعد الله عليك خطاياك ولكنك تعدها انت لتتوب اليه ولتخشى وترتدع. اذ ذاك لا تبقى انت بشريا محضا من تراب. الرب يعرف انه خلقك من تراب ولكنه لن ينظر الى ترابيّتك بل الى ما صدر منه اليك اي النور المخفي فيك والله يرى ما يريد ان يرى وعيناه عيناه. ويأتي يوم على طريق خلاصك ان تقول له: «بنورك نعاين النور».

#            #

#

أي سر كل هذا؟ الأناجيل تحدثت عن الرحمة واللطف الإلهي والتواضع والوداعة عند يسوع الناصري الذي هو وجه الله الينا. إنسان واحد وهو يوحنا الإنجيلي قال: «الله محبة» وكأنه يقول في قراءة اولى: ان كل صفاته تجمعها او تلخّصها المحبة في قراءة أخيرة عليا أقول ان الله في جوهره وليس فقط في صفاته هو محبة- هو محبة في ذاته او حركته في ذاته- وكل ما عندك انت من محبة للآخرين، للبعيد والقريب، مصب فيك لهذه المحبة وعند ذاك تكون متألها اي الهيا.

قبل ذلك ليس عليك هنا الا ان تحب. تضم الى صدرك عدوك وصديقك بالمحبة الإلهية الواحدة. تستنزل عليهما ربك ويستجيب لك اذ ليس عنده الا ما كان في جوهره ولا يبقى من فرق في قلبك بين السماء والأرض، أو بالحري جعلت ما كان في قلبك من هذه الأرض أي سماء ويكون ملكوت السموات قد دخلك وعند اعترافك بأن الخالق ملك عليك يمنّ هو عليك بالملك ويجعلك في نعمته جالسا عن يمينه على العرش لأن المسيح لم يجلس عن يمين الآب الا لتجالسه.

هذا يتطلّب منك طاعة ومن الرب حنانا. دعوة من هذا الحنان الى الطاعة ومن الطاعة الى الحنان.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

القوة والضعف / السبت ١٩ كانون الثاني ٢٠٠٨

              مفهومان كاملا الغموض لأن ما كان قوة او ضعفا عندك ليس كذلك في عيني. فقير سامي الفضيلة لا شيء عند معظم القوم بعد ان وضعوا قدرتهم في المال وثري يحقق شؤونا كبيرة في هذه الدنيا يدعى زعيما وهذه التسمية صحيحة اذ كثرة المال تستدعي كثرة القوة. ولا أحد يهتم للقوة الا لكونها طاقة الغلبة والغلبة في آخر تحليلها محو الآخر لأن السلطة في ارض محددة صورة الله في السماء وفي هذا الموقف قناعة انتزعت من الأمر الواحد بالطغيان على ما كان له قوة اصغر من السيّد الأقوى الذي صار يحمل الملك بانتقاص سلطة الذين كانوا يزاملونه.

              هناك عطش الى السلطة لأنها تؤمن القدرة الدائمة على النصر وعلى محق الآخرين وان قضت التقاليد بمصاحبة الأول لمن يبدو انه يقيمهم على شيء من الزمالة او التعاون. ولذلك يجب حفظًا لماء الوجه ان يكون عندهم بعض الأراضي لأن الشيء المحسوس هو وحده علامة من علامات الوجود. ولكن السلطة مخيفة اذ المتسلّط عليهم يمكن ان يتمردوا عليه حتى الثورة اي القتل ولذا كان لا بد من موازنة سياسيّة تعفي الأكبر من إبادة الأصغر معنويا او جسديا. فصار هاجس الجماعة ان تتحوّل الى دولة اي الى بنية قانونية فيها حاكم ومحكوم ومسؤولية عن الجماعة ومشاركة الجماعة كلها في سياسة البلد وهذا عن طريق مندوبين لا يرفضون القيادة الأولى ولكنهم يجعلون بينها وبين القيادات الأدنى نوعا من المعادلة او لونا من الموازنة يحس كل من موفدي الأمة موجود فيها ظاهريا كان ام فعليا وفي الحالتين يغذي كبرياء القوم ويحول عاديا دون سفك الدماء. هذه روح «الشرعة الكبرى» Magna Charta التي كانت اولى محاولات الديموقراطية في القرون الوسطى (سنة ١٢١٥) بعد ان اندثرت ديمقراطية اثينا على عهد أفلاطون وبعد ان انهار نظام الشورى في الإسلام او نظام المبايعة عند أهل السنة والشيعة. المشكلة الأساسية كانت دائما كيف نضع حدا لسفك الدماء. هيكليّة تعاون مقونن أكان هذا على صدق او غير صدق.

              قبل الثورة الفرنسية (١٧٨٩) وفي العهد الأموي كان هذا ملكا والملك في فرنسا كان يعني التملّك. كان هذا ايضا في لبنان في العصر العثماني اذ الأرض كلها للسلطان ويوزعها على الناس حسبما يشاء. ويسمّى هذا إقطاعا لأنه اقتطاع الأرض على من رضي عنه الحاكم.

              القوة اذا في السياسة ويستغلّها احيانا من كان له سلطة قانونية في الكنيسة مثلا او في شركة او مصرف او معلم في صف ثانوي. بكلمة اخرى يجب ان يسكت الناس لتبقى الدولة او المؤسسة لواحد.

#                #

#

              الى هذا القوة البدنية التي أسخف تعبير عنها: «هذا بيشيل جرن الكبة». إعجاب بالعضلات على تفاهتها يمزقني تمزيقًا لأن العضلات ليس فيها ميزة، لأن الإنسان كيان كامل ولا تستطيع تجزئته، لأن كل ذرة فكر في الدماغ وكل اختلاج قلب في الخير اعظم بكثير من كل لحمك وعظامك اذ ليس من مقارنة بين اية خلية فيك وحركة محبة في داخلك ومع ذلك ذهول مليارين او أكثر في العالم بسباق كرة القدم ولو كان اللاعبون من أغبى خلائق الله. الى هذا الجمال وهو من أتفه ما فينا. هو مجرد تناسق للخلايا الظاهرة على الوجه والقامة وهذا تابع لناموس الوراثة وليس لك فيه شيء. قد ينفعك وقد يضرك.

              ما الأفضل؟ إنسان خلاب حتى السكر ام انسان قبيح حتى انزعاج اذا كان هذا القبيح مكللا بالمجد الإلهي او أقلّه برجاحة العقل؟ فالجمال معطى والذكاء جذوره معطاة. فقط النعمة الإلهية لا تأتي من أبيك وأمك بل تنزل عليك بمجانية العطاء الإلهي. ما الفقر، ما الغنى، ما الجمال، ما القباحة، ما الذكاء او ضعفه كل هذا باطل الأباطيل حتى يضمّك الرب الى صدره وانت مفلوج او مقعد او سليم ولكنك طالع الى السماء على درجات التقديس وقد لا يعرفك أحد ويعرفك الله وليس عندك هاجس الطعام او الشراب اذ «ليس ملكوت الله طعاما او شرابا». وليست كارثة عند المفلوج الذي يتقدّس كل يوم بالكلمة ولا يعرف اذا كان يأكل عند المساء او في الغد.

               الا يكون لك طمع بشيء لأن كل الأشياء المخلوقة لا تؤلّهك، الا يكون لك اشتهاء للحياة لأنها قد تؤذيك، ولا يرتكز صميم حياتك على احد بما فيهم الأقربون وأن تمتلئ من الرب بأن هذا يجعلك انسانا حرا أسير محبة الله اياك فقط ومتلقيا قوتك من فوق. ان تقدر ان تصير من عائلة الآب غير مطرود منه، محبا للجميع ولكنك غير ملتصق بأحد هذا بدء حريتك.

              على هذا اقول انه كان لي صديق ممن أسسوا حركة الشبيبة الأرثوذكسية معنا منذ خمس وستين سنة وشكل البطريرك القائم آنذاك مني ومنه ومن ثالث بعثة روحية الـى اوربا للاشتراك بمؤتمرات دينية للشباب ولما انتهينا الى باريس اتصل هذا الصديق بالأديب الكبير فرنسوا مورياك وكنا نحن بفضل هذا الأخ نتأدب على قصص مورياك. فأعطى هذا رفيقنا موعدا في بيته الريفي في جنوبي فرنسا حيث كانت له كروم كثيرة وفيما كانا يتمشيان بينها ومورياك يسميها كان صديقنا هذا انطلاقا من اسم يعرف اين وردت ويتابع هو النصوص المقولة عنها. فسأل صديقنا مورياك: لماذا كل هذه الكروم فأجابه مورياك ان اردت ان تكون حرا فلا بد من ان تكون غنيا كبيرا او فقيرا كبيرا. تأمّلت في هذا الكلام طويلا واقتنعت ان خيار الفقر الكبير يمنحك حرية كبيرة اذ يجعلك حرا من كل سؤال ومن اي التماس لمحسوبية ومن اي هم للغد.

#                   #

#

              لا يقبل كل انسان الموت او المرض او الفقر برضاء. هذا يحتاج الى رحمة «تفوق الوصف والعقل». ولكن من قبل هذا كله انما يكون قد قال: انا احمل الله وحده وارتضيته لي خبزًا نازلا عليّ من السماء حتى اذا اكلته لا أموت ابدا. انت قادر ان تعيش سماويا في إطار ترابيتك.

              ربما الى معنى كهذا أشار بولس ان «لغة الصليب» (الصليب بمعناه الفكري) حماقة عند الذين في سبيل الهلاك. واما عند الذين في سبيل الخلاص، اي عندنا، فهو قدرة الله. والمعنى الظاهر للنص ان ما اعتبره اليهود والأمم ضعفا هو قوة. ثم واجه المعتبر قوة عند الناس وقال: «فقد ورد في الكتاب: سأبيد حكمة الحكماء وأزيل فهم الفهماء. فأين الحكيم واين عالم الشريعة (اليهودية) واين المامك في هذه الدنيا؟ ألم يجعل الله حكمة العالم حماقة؟ فلما كان العالم بحكمته لم يعرف الله بحكمة الله، حسن لدى الله ان يخلص المؤمنين. ثم يتابع منطقه حتى يقول ان المسيح ازاء الوثنيين واليهود فقدرة الله وحكمة الله لأن الحماقة من الله اكثر حكمة من الناس والضعف من الله اوفر قوة من الناس» (١كورنثوس 1: 18-٢٥).

              لست اساجل هنا احدا ولكني استشهدت بهذه الرسالة من بولس لأبيّن فقط ان ما يبدو ضعفا للناس جميعا قد يكون عند الله قوة. واتخذ بولس رمز الصليب صورة عن التناقض بين الفكر الإلهي والفكر البشري المحض والعطاء الإلهي والعطاء البشري.

              عندما تفتش عن القوة والضعف وكلنا في هذا التساؤل الصعب تذهب الى الكلمة وتسألها ما قالته وتحاول بعد ذلك بتواضع ان تطلب ما يسميه بولس «فكر المسيح» وتجد ان فكرك هو ان تمحو الأنا الفارغة بتقوقعها عملا بذلك الذي قرع باب الملكوت فسئل من الداخل من القارع فقال انا ولم يفتح له ثم سئل ثانية من القارع قال انا فلم يفتح له وسئل ثالثة من القارع فقال انت اي الله السائل موحدا قلبه بقلب الله وربما كان هذا مفلوجا او مقعدا او فقيرا ولكنه ادرك السلامة على عتبات السماء.

Continue reading