Category

2008

2008, جريدة النهار, مقالات

لا تقتل / السبت 9 آب 2008

من الوصايا العشر لا تقتل (خروج 20: 13). لماذا؟ لأن الرب وحده سيّد الحياة والموت. فمن قتل اتّخذ سلطان الله على الحياة والموت. في بدء البشريّة «قام قايين على هابيل أخيه وقتله» (تكوين 4: 8). إزاء ذلك لم يسمح الله بقتل القاتل. وكانت إبادة الأخ لأخيه نتيجة الغضب. لذلك قال يسوع في موعظة الجبل: «قدسمعتم انه قيل للقدماء لا تقتل. ومن قتل يكون مستوجب الحكم. واما انا فأقول لكم ان كلّ من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجب الحكم» (متى 5: 21 و22). الغضب اذًا سبب لإزالة الحياة ممن تغضب انت عليه. مليء التاريخ من هذا ومليء الكتاب في عهديه من التحريم.

لماذا لا يحاور القاتل من يريد قتله؟ لماذا لا يحلّان معا الخلاف الذي يوءّي الى الموت؟ لماذا لا يتحرّر الإنسان من هذه الشهوة؟ من ليس الله وروحه فيه لا يرى ان الله وروحه هما في الآخر. الجريمة هي في النيّة كفر بأن الله خالق ويمدّ بالحياة من شاء. من تعدّى على الآخر لا يعترف بحق الله مهيمنا على الوجود ومالئا الوجود بنعمته. انها الأنا المتضخّمة الناكرة لكيان الآخر ولعبادة الله معًا. لذلك جاء في القرآن: «إن انت بسطت يدك لتقتلني ما أنا باسط يدي لأقتلك. انّي أخاف الله ربّ العالمين» (لمائدة، الآية 28). أن اؤكّد أناي وحدها هو إعلان سلطاني على كل الوجود. ان اعترف بك وبحقك في الوجود هو ان أقرّ ان هذا الوجود مشترك، ان الإنسانية واحدة وان الأرض تتّسع للجميع.

ايّة مشكلة تحلّها الجريمة؟ هي تنشئ في المجرم حزنا ومرارة يعسر عليه التخلّص منهما عندما يفهم فظاعة إثمه وجسامته. ويبدو ان الكثر ممن أجرم تلاحقه خطيئته مدى الحياة ويستمر على إثمه ولا ينهض منه حتى يعتقد ان الله ليس بغفور. يميت نفسه روحيا طوال حياته ويموت في عزلته ان لم يعدمه القضاء. انه لقد وضع نفسه في عزلة لا تُطاق ويدرك انه كان بإمكانه الا يرتكب هذه الفعلة. كانت هناك مشكلة وحسب انه يحلّها واذا به يصبح مشكلة لنفسه وعقدة فيها ما لم يتب. ولو تاب يرافقه الحزن الى الأبد وهذا هو موت الروح. انه يقيم جهنّم في ذاته في هذه الدنيا لأنه لم يرَ ان وجه الآخر قائم للفرح. انه لقد أبطل المواجهة فزال وجهان واحتجب وجه الله عنه اذ لم يكن يرى هذا الوجه.

# #

#

من أسباب القتل عندنا وفي قلّة من أماكن أخرى في العالم الثأر وهذا ناتج من الذهنيّة القبليّة تعبيرا عن العدالة في قوم لا يؤمنون بالدولة. ولا فرق في هذا بين متعلّم وجاهل. واذا قالت التوراة: «العين بالعين والسن بالسن» ثم جاء هذا ايضا في القرآن فليس لتبرير الثأر ولكن لكي لا يأخذ به أهل المغدور حتى النهاية وفق تفسير الفيلسوف هنري برغسون لما قال: «هل تساوي العين كل عين والسن كل سن؟» ومن الطبيعي ان المرء لا يقدر ان يكون حكما وفريقا بآن ولذلك كان اللجوء الى القضاء المفروض انه لا يتحيّز لقبيلة. واذا مات واحد فيها فما الضرورة ان يموت آخر؟ انت تعف لأن العفو عند المقدرة كما يقول المسلمون ومعناه انك لا تستعمل قوّتك وانت قادر على الغفران.

في الحياة غير القبليّة كان أهل الغرب ينتقمون للشرف اذا مُسّ (بضمّ الميم) وزال هذا عندهم الآن. فإذا خان أحد الزوجين رفيقه يذهب به الى المحكمة او يغفر له ولهما الطلاق المدني ان لم يتمكّن أحدهما من الاستمرار مع الآخر.

في المسيحية الأولى كانت الحروب ممنوعة على المجنّدين لأن الكنيسة رددت قول كتابها: «من أخذ بالسيف بالسيف يؤخذ» (متى 26: 52). ليس المجال هنا لأبحث في شرعيّة الجيوش. غير ان المغبوط أغسطينس لم يبارك كل الجيوش وتكلّم على الحرب الشرعيّة. طبعا بعد تشكّل دول مسيحية كانت كالأمم الوثنيّة تحتاج الى الدفاع عن نفسها.

على صعيد آخر لا تزال الكنيسة الشرقية تمنع الإكليروس والرهبان من الدفاع عن النفس وأباحته فقط للعلمانيين. ولكن هذا المنع عن فئة من الدفاع عن النفس دلّ على اتجاهها الأساسي انها ضد سفك الدماء. ولا تزال الكنيسة في حقها القانوني تمنع من الاستمرار في الكهنوت كاهنا قتل بغير عمد كما في حالة التسبب بموت في قيادته للسيارة. هذه قدسيّة الحياة في المسيحيّة.

التمنّع عن إبادة آخر منصوص عنه ايضًا في الإسلام. «من قتل نفسًا بغير نفس او فساد في الأرض كأنّما قتل الناس جميعا» (المائدة، 32).

هذا يطرح السؤال عن تشريع السلاح الفردي. هذا يذكّرني بحادثة. مرة مرّ أمام مكتبي ما نسمّيه القوّاس اي حارس الأسقف او القنصل في بيروت حسب التشريع العثماني وبدا تحت سترته شيء نافر وكأنه يحمل مسدسا. قلت له: ما هذا؟ قال يا سيدنا هذا مسدس ولكنه مرخّص. قلت له لا أريد سلاحًا مرخّصًا او غير مرخّص فإذا اعتدى عليّ أحد يفعل ما يشاء. فحياتي ليست أثمن من حياته. انا رجل عازب فلا مانع من أن أموت. أمّا موته هو فمؤذٍ لعائلته. وجرّدت الحارس من السلاح.

# #

#

لبنان بلد مسلّح الكثير من أبنائه ولو بسلاح خفيف. هذا يقود الى القتل في حالة الفتنة. ولست مقتنعًا من قول ضعيف الإذاعات ان هذا معروف من زمان. المألوف لا يشرح ذهاب التحزّب الأهلي الى إبادة الآخرين. القلّة تضبط نفسها والآلة الحربيّة أداة للغضب. مرة قرأت ان معظم سواقي سياراتهم يغضبون واحيانا يشتمون من كان قريبًا من ان يحدث حادثة. الآلات غضباء. انها تثير الأعصاب ما لم يتروّض الإنسان روحيّا. قال لي مرّة أحد الأجانب: انتم اللبنانيين تطلقون الرصاص في الأعراس وتطلقونه في المآتم. ما معنى الرصاص عندكم. لم أجبه ولكني فكّرت ان كلّ القصّة ان نُظهر أنفسنا موجودين. ولا وجود لنا في أعيننا الا عن طريق الضجّة. مرّة لم أستطع أن أنام الا عند الفجر بسبب من موسيقى صاخبة في عرس. لماذا يجب ان أتعب بسبب من زواج. لماذا لا نجعل القلب مركزا للابتهاج ونحتاج الى تعكير الصفو عند الجيران؟

يبدو اننا نحن سكّان بلاد الشام ليس لنا وسيلة أخرى لتثبيت أنفسنا وذلك في أعين الآخر. ولكن ان تكون قائما فقط في حضرة الله فهذا لا يكفي الأكثرين. وأقصى تثبيت للذات محو الذات الأخرى. مرة قلت لواحد على شيء من الامتعاض: هل تعرف لماذا اللبنانيون عرب اقحاح؟ قلت انهم أعراب لأنهم بدّلوا الخيمة بفيلا والجمل بكاديلاك. هذه بداوتنا الأبدية حتى يحرّرنا الرب من الجاهليّة الأولى كما يسمّيها القرآن. هذا هو لون تبرجنا الأبدي حتى يقنعنا بأنه وحده سرورنا.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

المسيحية ام وحدة المسيحيين؟ / السبت 2 آب 2008

يندب المسيحيون وعقلاء المسلمين انتقاص المسيحيين في بعض من بلدان الشرق. أضحوا 2 في المئة فقط في فلسطين ولا أحد قادر ان يتكهّن عن عودة المسيحيين الى العراق بعد ان هجرها الأكثرون. وأظنّ ان احدًا لا إحصاء عنده دقيقًا لمن غادر منهم لبنان. ولهم قدرة على التأقلم في الخارج على ما يبدو فيسكنون الى الأمم الثابتة او شبه الثابتة اقتصاديا في الغرب والعودة هي من افريقيا اكيدة بسبب من إرادة الأفارقة ان يحكموا هم بلدانهم. وهي أكيدة كليا من جزيرة العرب ونضج المحللين السياسيين في الخليج مسرّ ما يعني ان العرب في مستقبل قريب لن يحتاجوا الى ذوي الاختصاص من اللبنانيين. هناك عودة الى الوطن جزئية وقيل لي مؤخّرا ان الذين استقروا في الغرب يرجعون فترة من السنة ليعلّموا أولادهم عندنا.


غير ان هذه القضيّة تحتاج الى عناية من قبل الدولة كبيرة وعلميّة للوصول الى صيغة او مجموعة صيغ بحيث لا نخسر قسما من شعبنا كبيرا ونبقى مع ذلك مواجهين لموضوع ارتزاق المغتربين وحفظ كرامتهم من الفقر. اي ان القصّة لا يحلّها حب وطن بات غيراخضر وحكمه غير منظم وأخلاقه (رشوة وما الى ذلك) ضعيفة. انت في حاجة الى وطن قادر ان يستوعب بنيه بحضارة له حقيقيّة تترجم اولا في نظام الدولة وانتظام المجموعات الطائفيّة بعضها ببعض على اساس تسامح لا نفاق فيه وعلى اساس اكتمال الكل بالكل في المعرفة والقدرة وإلغاء الطائفية كاملة في الإدارة العليا فأنا الأسقف الأرثوذكسي أرفض مثلا ان يعيّن أرثوذكسي تافه جاهل في منصب يستحقه مسلم او مسيحي من انتماء آخر.


لست أعلم على وجه الدقّة ان من اغترب يخشى تصاعد الأصوليّة الإسلامية. لا شك ان هناك اصطفافا إسلاميا كبيرا في الحياة وفي الدوائر. لا شيءعندي ضده ان كان الناس مستحقين ولكن المسلمين لا يزكي اصطفافهم شيء. فالمسيحيون اذا بقوا لا يخيفون أحدًا وكذلك المسلمون من حيث انهم مواطنون أمر مبتغى وقد يتطلّب هذا اندراجهم (واندراج المسيحيين) في الحداثة. قد يتطلّب هذا فتح باب الاجتهاد وتطورا في التفسير وعلم الكلام والفقه وفي هذا لا يستطيع المسيحي ان يشاركهم فيه. ولكن هذا التطوّر هو خلفية الحضارة المتجدّدة المدعوّة ان تندمج في العالم وتواجهه بآن. لن يقيض نجاح للمواقف الاعتذارية التي يبرر الانسان بها جموده والمحافظة المتشددة في كل حقول الفكر. هل نكرر الى الأبد ما قاله الأسلاف الذين لم يواجهوا اكتشافاتنا الحديثة والفكر الكثير التنوّع في اوربا.


طرح عليّ هذا السؤال مذيع خليجي كسبب ممكن لهجرة المسيحيين قلت له لا يكفي ان يقول أبرار المسلمين نريد المسيحيين ان يبقوا. المشكلة هي هذه: الفكر الاسلامي لتروا فيه قبولا للمسيحيين عميقا، ما يجذبني كثيرا عند المحللين الخليجيين او بعضهم انك تشهد تحت الجلابية والكوفية والعقال منطقا اوكسفورديا ولا تلمس هذا دائما عند ضيوف على الإذاعات اللبنانية مرتدين الثياب الإفرنجيّة.


في المنحى نفسه السؤال الكبير هو ان المغترب المسيحي اذا عاد اية مسيحية يحمل. هل هذه هي المسيحية الخرافيّة، المتحجّرة، المبغضة (وهي موجودة) بعد محافظته على لهجة القرية في اوستراليا وعدائه للقبائل المسيحية الأخرى والكنائس الأخرى. هل نحن نريد عودة المسيحية الى لبنان لتلقحه بحرارة الوجد وسحر المحبة والرقي الحضاري وروح التقارب والود بين الكنائس. بأية مسيحية نملأ لبنان فيتم عند ذاك لقاء الإنجيل الصافي بالإسلام الصافي الذاهب الى عمق أعماقه. تراكم مسيحيين ومسلمين لا يعطي شيئا وهو قادر على تصفية حسابات قديمة. ثلاث حروب أهلية في القرن التاسع عشر وصدامات توالت منذ الـ 1975 ولم تنته. عندما أقول للأجانب: نحن شعب لطيف وبلد جميل ومتلاقون في الحياة اليومية يواجهونني بهذه الأحداث.


مرة كنت استضفت الدكتور مانوكيان النائب السابق ورئيس مستشفى العصفورية اي الاختصاصي بالأمراض العقلية. قال لي: لبنان عنده أعظم نسبة مجانين في العالم. قلت لماذا. قال لي: البلدان الراقية فيها مستوصفات وعيادات للأمراض العقلية يتابع الأطباء فيها من كان مجنونا وظن القوم انه شفي مثلما عندنا نحن مستوصفات للأمراض غير العقليّة. من يدمّر عصفورية لبنان الشاملة؟ ما علاقة هذا بحروبنا. انا من وقت الى آخر آخذ حبوبا تتعلّق بالأعصاب ومع ذلك أكتب في «النهار» مقالات معقولة وتبدو جملها مترابطة.

هذا يقودني الى السؤال: أية مسيحية تهيء كنائس لبنان لأبنائها اذا عادوا؟ هل هي تفكّر بإعداد دروب القداسة والمعرفة ومحبتهم غيرالمشروطة للمسلمين بلا تخوّف من تعصّب او أصوليّة لأنّ المحبة الإنجيلية تذيب الأصولية. الشيء الثاني: هل للكنيسة قدرة أن تجنّد الأغنياء والموسرين تجندا كبيرا ليحبوا فقراء المسيحيين ويخدموهم في مشاريع منتجة؟ في القرن السادس عشر في القسم الأثوذكسي من بولونيا عندما كانت الأرثوذكسيّة مهدّدة بالانقراض بسبب من انقضاض إرساليات «مسيحية» عليها طلب كل أغنياء الروم الاجتماع الى المجمع المقدس وقالوا له: نحن قررنا ان نفتقر كليّا فجئنا بثرواتنا نضعها عند أقدامكم لمساندة الفقراء الذين كان الآخر يغزوهم.

هل للكنائس مجتمعة او منفردة سياسة لدعم المغتربين الفقراء في اي مجال من مجالات العيش وان تدخل في طور التنظيم العصري في سبيل الطعام والطبابة والتدريس؟ وقبل ان يغترب من له رغبة في ذلك هل للكنائس إرادة انشاء لجمهور مسيحي كريم لأنه يسد حاجاته او بعض حاجاته من كنيسة تحبّه بعد ان تكون تخلّت عن كل نشاط سياسي فلا يتشرذم أبناؤنا بسبب من جعل هذا المسؤول الديني مفكرا سياسيا فيتحزّب بالضرورة وتنقسم بسببه الرعية.


الرب لا يريد جبهة مسيحية ولا تراصا مسيحيًا وخصوصا لا يريد خوفا مسيحيا. مشكلة الاغتراب حلها بالتشرق اي بالعودة الى شرق راقٍ اعتنق الحضارة وقَبِل صادقًا التعدد الديني الذي كان عندنا وترتيب هذا التعدد بالفهم والعدالة اي بقبول للآخر حقيقي، بالدفاع عن الآخر من أجل حريته وحريتنا تمجيدا لله وتقوية للإنسان وإيلاد اللبناني السوي ومتابعة نقاوة له كرؤوس جبل لبنان الذي كانت تذهب منه عرائس يوم كتب نشيد الأناشيد.

هل يصبح لبنان نشيد الشرق؟

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الوداعة والتواضع / السبت 26 تموز ٢٠٠٨

التحرّر من الشهوات يسمّى في التصوف الأرثوذكسي هدوءًا حيث الروح الإلهي فاعل وانت متقبّل اي ان آخر ينشئ الوداعة فيك. واذا كتب يوحنا صاحب سلّم الفضائل الناسك الكبير في صحراء سيناء عن الهدوء يقول انه اللاهوى ويحدّد هذا على انه الكمال المتشبّه بالله والسماء الأرضيّة وقيامة النفس قبل القيامة العامة. لا كلام بعد هذا الكلام لأنك ان بلغت هذا العلى لا تبقى في حاجةالى تعبير لساني.

          ويوضح القديس يوحنا هذا في المقالة الثامنة ان الوداعة هي بسكون النفس وتقبّلها للإهانات والكرامات بحال واحد على السواءا. ويتوسّع في الكلام على الرذيلة المناقضة وهي عنده الغضب وكما عرف الوداعة بالهدوء يعرّف الغضب بالاضطراب. عند الشتيمة تسكت. هذه درجة اولى من الخير. اما الدرجة الثانية فتحزن من اجل شاتمك والدرجة العليا ان تتصور الضرر الذي احدثه الشتم في الشاتم  وان تبكي على خطيئته بكاءً حارًا.

          لعل أهم ما في فضائلنا الاعتراف بالآخر. الوداعة فضيلة ثالوثية بامتياز لأنك انت لا تلقى الآخر على انه آخر الا لاعترافك  بأن الله يوجدك لأنه يوجده. ان يوجده الله هو ان يوجد شخصيّته. وانت بدورك تحافظ عليها لأن الرب أرادها كذلك. انت تقيم في الرقة اي في ذلك التخلي عن الصدام الذي لا تندم عليه الا لانتفاضك.

          الغضب ومشتقاته هي ثنائيّة التقابل في الظاهر وفي الحقيقة هي وحدانية الإبادة. اما الرقّة فهي إلغاؤك انت لأناك ليقوم الآخر ليس في أناه ولكن امام الله الذي يوجده بنعمته من جهة وبالرقّة التي سكبتها عليه النعمة.

#                           #

#

          ليست الرقة فقط اعترافا بالآخر. انها قابليّة على تكوينه لأن الفظاظة قتله. عندما تصبح الرقة وداعة انجيليّة تنفي العنف في النفس. غير انها ليس لها وعد بخلاص الآخر حتمي اذ الودعاء يُقتلون (بضم الياء). هم مرشّحون للموت بصورة او بأخرى لأنهم مسحاء الله وفي كل حال هم نسيٌ منسيٌ لأن القداسة لا تكتب التاريخ. انها تكتب الملكوت. الأشرار يكتبون الأزمنة الى أن يحل الله في الأخير مملكة الوداعة.

          في حياتنا اليومية ليس مثل الرقة يوحد الأجيال. انت تتذمّر من ولدك لكونه يضج عليك. دعه يضج لتفرح بنموه. مرة شكت لي أم وليدها لأنه يكسر الصحون. قلت لها: هكذا يكبر ولدك. فقولي لزوجك ان يضع في ميزانيته مبلغا من المال لشراء التي يحطمها ابنه. وليس مثل الوداعة يوحد الأزواج الذين كثيرا ما يصرخون فاذا أحسست بالاضطهاد بسبب الصراخ فمن العسير عليك ان تعود الى الوحدة او هي وحدة هشّة.

          الغضوب مجنون بحيث انه يختلق عالما غير العالم الحلو الذي هو مناخ معايشتنا الطبيعيّة. وهذا الجنون تحديدا ان تعيش في دنيا تصطنعها ومتى تحصل على الهدوء لا بدّ لك ان تبتهل من اجل ذاك الذي يثير فيك الاضطراب «ابتهالا خالصًا» كما يقول السلّمي وانت في حال الهدوء. وهكذا تتروّض على الصبر وعلى تنقية النفس والغفران. فلينصب دعاؤك على الذين يغيظونك علّهم يعقلون وفي هذا قال أشعياء: «الى من أنظر الا الى الوديع الهادئ»؟

          اذا ذهبت الى انسان وديع تعرف قبل المقابلة انه لن يفترسك وانك مقبول بدءًا وان حظك في الاقناع ممكن او قوي لأن الآخر سيصغي اليك.واذا كان كل الناس ودعاء فالبشريّة انسان واحد اذ لا يكسر وحدة الناس الا الغضب. الدعوة الى الوحدة هي وحدة في الطهارة والثقة لأن المحبة تثق. ولكون الدول لا تثق بعضها ببعض تكتب معاهدات. وبسبب الخطيئة يكتب المدين للدائن سندا «يستوفيه بالمحكمة» اي بخوف القوة لضياع الرقة يحتاج المجتمع الى التدابير القسريّة.هذا التأمّل يقودنا الى تأمّل آخر يمليه علينا قول المسيح: «تعلّموا مني اني وديع ومتواضع القلب» (متى 12: 29) لماذا هذا التلازم؟ يزيّن لي ان ما يجمع بين الكلمتين هو ان الرقة والتواضع كلاهما موت عن الأنا ويدعم قول بولس: «من ظنّ انه شيء فهو ليس بشيء» (غلاطية 6: 3). التواضع ان تنزل الى قاع الوجود بل تعتبر نفسك انك غير موجود وان كل ما تعمله من صلاح انما الله عامله فيك وبك. الله يمربك لوصولك الى الآخر ولا تصل اليه الا اذا محوت الأنا فيك. وفي هذا قال بولس: «اختار الله جهّال العالم ليخزي الحكماء. واختار ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء. واختار الله أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود» (١كورنثوس 1: 27 و28) ومعنى العبارة الأخيرة كما أفهمها ان الله اختار من ظنّ نفسه غير موجود ليبطل من ظنّ نفسه موجودًا.

          انت لا وجود لك الا بمحو نفسك امام الله وامام الآخرين وبهذا جاء في انجيل في انجيل لوقا: «أنزل (الله) الأعزّاء عن الكراسي ورفع المتواضعين )لوقا 1: 52) والمعنى ان الأعزاء هم من اعتبروا أنفسهم كذلك. هؤلاء يلغيهم ربهم من أمام عينيه ويرى فقط الذين لا يحسبون انفسهم كبارًا فينوجدوا في عينيه. في هذا المنحى كتب احد أمراء مولدافيا في القرن الرابع عشر لولي عهده: لا تشته ان تكون رئيس دير ولا اسقفا ولا اميرا (وهو المزمع بحكم الإرث ان يصيره) لأن كل هذا من مجد العالم». ذلك ان مجد الله فيك ـ اي الفضائل ـ مجد الله وحده المجد. وانت لا تعيه ولكن ربك يظهره. ما كان مجدًا باطلا يلغيه الله في مسيرتنا الى الملكوت. هذا ناتج من ان الظلمة (اي المجد الباطل) والنور (اي مجد الله) لا يلتقيان في الإنسان المعاصر.

          اجل يجب ان تعي النعمة التي نزلت عليك كما يأمرنا بذلك القديس سمعان الاهوتي الحديث ولكن تنسب في وعيك هذه النعمة الى الله وتدرك انها تمر بك ولكن لست انت منشئها. انت مجرد ممر لك لتوزّعها على الآخرين. القديس لا يعرف نفسه كذلك وجهله لهذا يرفعه الى مرتبة القداسة. وهذا حاصل لمن عرف نفسه خادما مؤتمنا على النعمة وليس بمالكها لأن الله وحده مالك الوجود والنعمة هي إشعاعه وحده.

          رقة اولا وتواضع ثانيا يتم بينهما التلاقي ليصير بهما ملتقيين الإنسان سويا. وهذا ممكن للفقراء والأغنياء والشابعين والجياع، للمواطن العادي ومن يمثّله في الحكم. ليس من وضع بشري تستحيل فيه الرقة ويستحيل معه التواضع والعلى مكتوب فقط لمن نزلت عليهم الوداعة والتواضع لأنّ هؤلاء وحدهم اهل الله.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الحكم والشعب / السبت 19 تموز 2008

لن أكتم هذه المرة حبي للبنان مع ان هذه الصفحة زاوية إلهيات. ذلك اني موجع وراجٍ معًا. ما انا بمداح وان كانت قلة من الوزراء من أصدقائي وعصبة أخرى أقدّرها وبعض منها على الامتياز. هل تكون الحكومة في نطاق رجائنا وعلى الفهم الشائع في أفراد منها ليصير هذا الفهم فاعلا في تقواها فتحمل حكم الله بين يديها فتفرض علينا إجلالها وتنمو أملا في «الباقيات الصالحات» في فكرها وإجرائها.

تعبت من اتهام الحكام لأن هذا يوقعنا في اليأس. والاتهام كما أسمعه أحايين قد يكون تعميما ظالما فكيف نستعمل نصحنا حتى نرشد مَن مال الى الاسترشاد. الا يسمع من له أذنان للسمع؟ الا يلتقط العطاء الإلهي مَن حرّك قلبه لتلقّي العطاء؟ مَن كان في حاجة الى التوبة فقد حان حينه. ونرجو للجميع جلاء النفس وصفاء النيّة وقوّة العزم لتبقى وديعة البلد سالمة في الأشهر القليلة القادمة.

وقد يعزّينا ما سمعناه من الرئيس في خطاب القسم وفي هذا التصريح او ذاك وراقنا شعور الرقي الذي صدر عنه ما يفرحنا في هذا الزمن الرديء. وأظن انه يصلح لي أن أقول للإخوة ان الإنسان فوق النصوص لا لأنه يتخطاها ولكن لأن النصوص لا تحييك الا اذا رجوت الى الله ان يُنعم على الذين يقرأونها بصدق ليعيش البلد. اظن ان الامام الغزالي هو القائل: «من الناس من يعرفون الحق بالرجال ومنهم من يعرفون الرجال بالحق». اسأل الله المبارك ان يعرفنا بما هو عليه الرجال بالحق الذي يحمله هو.

المبتغى الثاني الا ترجئ هذه الحكومة أي أمر الى غد. نحن نطلب منه فكرا وعملا وطهارة. وهذه كلّها ليست من المستحيلات اذا شاء من شاء. قيل: الحكم ملح الأرض بمعنى انه يحفظ البلد ويعطيه نكهته ويوطّد العزائم اذا خارت. ذلك انه اذا وجد جبابرة روحانيون يستغنون عن كل متاع الدنيا الا ان معظم البشر في حاجة الى من يخدمهم فيقويهم. الناس يتشددون بالناس فاذا فسد الحكم ييأس الكثيرون من إمكان الفضيلة. سمعت مرة اسقفًا يقول عن كاهن عنده: «ان الله لا يهمه» ثم أردف اذًا أخطأ العنوان، كان خيرا له ان يكون بقالا اذ عنده من معرفة البقالة الكثير. اتمنى أن يعرف وزراؤنا جوهر الحكم وأن يتقنوه على قدر ما نعاونهم ونعمل ما يطلبه التعايش المدني.

قلت غير مرة في «النهار» ان من البلدان ما يصنع الحكم اذ الحكم فيها يطلع من القاعدة ومن البلدان. ما يتكوّن فيها الحكم من المجتمع. أظنّ ان أهلنا في لبنان من يتطبّع بالحكم وأخلاق حامليه. الحاكم الرشيد فوق العامة. انه من الخاصة او من خاصة الخاصة كما يقول الغزالي ايضا. غير اننا بتنا من الوضع الذي نحن فيه ورجائي ان يلهم الله الوزير العادي ان ينتمي روحيا الى الخاصة او خاصة الخاصة ولا سيما ان الحكومة مجتمعة تقرر. قال بولس الرسول: «تنافسوا في الحُسنى» حتى تخرج من حزن عميق وانتظار طويل ونشدّ أزر بعضنا البعض لإنقاذ البلد.

# #
#
هذا يقودنا الى تأمّل نظام البلد. انا مع السيّد البطريرك نصر الله صفير لما قال هذه البداهة: ان ثمّة أغلبية وثمّة أقليّة.وهو على ما أعرفه عنه وعن تقواه ان هذا هو الأصل وتلك هي الديموقراطية وانت لا تستطيع ان تنشئ ديموقراطية غير تلك التي تحدّث عنها افلاطون والفارابي ومونتسكيو. واما الديموقراطية à la libanaise  فأكذوبة الأكاذيب. واذا تكلّم عن التوافقيّة فهذا كان حلا لأزمة مستعصية وهذا ليس بالأصل وليس ما يحرّك عجلة الحكم.

عند تنوّع الأطياف والطوائف والساسة والأفراد الأصل الاختلاف. في الدول الراقية جدا الأصل الاختلاف. في الأديان نفسها على وحدة العقيدة الأصل الاختلاف في التفسير والاجتهاد والنزعات والمواهب. عندنا تقدم الحكومة مشاريع قوانين يقبلها المجلس او لا يقبلها. فاذا كانت الحكومة واحدة المشروع فالمجلس يناقشه واكثريّته تقرر. واذا احببنا ان نقرأ مشاعر دينيّة او طائفيّة من النوع التاريخي فكل الطوائف الصغيرة في لبنان لا قرار لها مجتمعة في الشأن السياسي. واذا أخذنا الطوائف الكبرى المتقاربة العدد وافترضنا وحدة القرار في كل طائفة ماذا يمنع ان تكون هذه الطائفة غالبة او مغلوبة ثم يأتي دورها بالتداول.

لماذا لا نتعلّم ان نختلف ونحب؟ لماذا الفكر يجب ان يشطب الفكر؟ افهم اننا في وضع متأزّم أصررنا ان ننتخب رئيس جمهورية توافقيا صلاحيّاته الدستورية قليلة ولكن أنّى يكون التوافق في مجموعات كثيرة كمجلس الوزراء ومجلس الأمّة؟ كيف يتمّ توافق بين طوائف ثلاث هي السنة والشيعة والمارونية وهي الأهم عددا وقدرة؟ انا لا أفهم التوافقيّة الا ترسيخا للمواجهة الطائفيّة؟ ماذا نعمل بالدستور الذي يتحدّث عن الغاء الطائفية الدستورية وما فائدة مجلس الشيوخ عند ذاك؟ ماذا يبقى له اذا توافق الجميع؟ أليست وظيفته إدخال عنصر التوازن؟

ولماذا هذا الادعاء اللبناني اننا دولة فريدة في العالم والديموقراطيات الوحيدة في العالم هي الديموقراطيات الغربية بعد سقوط الديموقراطيات الاشتراكية وانضمام ما تبقى منها الى النموذج الغربي حتى الالتحاق او شبه الالتحاق بالديموقراطية الأميركية؟

يبقى التدرّب على الذهنية الديموقراطية وقبول التنافس نموذجا حيا للتعامل بين الأغلبية والأقليّة.
# #
#
ماذا عن الشعب؟ هذا شعب يجب ان يأكل وان يتأمّن له الأمن ما يحتّم على الحكومة الحاضرة اذا ما نالت الثقة ان تنصرف اولا الى هذين الأمرين اللذين عند انتفائهما لا يبقى مبرّر لوجود أيّة حكومة. شعبنا أكثره فقير والأعاجيب فقط تحول دون جوعه.وكل الحديث عن هجرته مرتبط بهذه الواقعة وانعدام الأمن او هشاشته وقوّة التعصّب الديني الذي يسمّى تهذيبا تواترا طائفيًا.

الى هذا شعبنا يحتاج الى ثقافة روحية اولا والى مدنية ثانيا لتنبثق عنه ديموقراطية فاعلة في الحكم. ومسؤولية ذلك واقعة بالدرجة الأولى على وزارة التربية ورفع مستوى المدارس وعلى وزارة الثقافة المنوط بها تثقيف كل الأمة اللبنانية.

مواطنونا انتقلوا من دور القبائل الى شكل دولة لا الى عقل دولة. والدولة تعني جباية ضرائب وجيشا نظاميا كبيرا وكهرباء ومياه وطرقات ومدارس وطبابة وزراعة وصناعة. وهذا كله يشكّل نقصًا كبيرًا. من يقيمنا من هذا الجب؟ لا أشك في ان بعض المسوولين أطهار ويحبّون البلد واذا أظهروا ذلك فنحن متمسّكون بهم.

هناك تفاعل أساسي خلاق بين الحاكم والرعية.ولن تستقيم أخلاق الناس ما لم نشرع بهذا. هل تقوم حركات تطويعية لتثقيف الناس على القيم الكبرى وعلى محبة الوطن والسعي الجماعي. ليس من موآنسة ممكنة بين محبة الشخص لذاته ومحبته للمجموعة الوطنية. ما من مجتمع مستقيم بلا دولة قادرة ومستقيمة. وما من مجتمع سليم اذا لم تطوعه دولة قوية تستعمل الوسائل القسريّة لإحقاق الحق والقصاص بحق المجرمين وبلا ايماننا الكلي بأن القانون يربينا. الهروب من القانون هو الهروب الى المنفعة الشخصية اي الى كسر الدولة.

المواطن غير القادر ان يحب الوطن لا بد من ضبطه. أرقى شعوب الأرض لا حياة لها الا بالقصاص وهذا يعني استقلال القضاء الكامل عن السلطة التفيذية التي تستهويها السلطة أحيانا بما فيه الاستيزار وشهوة جمع الناخبين بالباطل احيانا.

نحن في حاجة الى ثورة بيضاء يقوم بها الناس وتقوم بها الدولة. واذا كان علينا ان نختار بين الحق والحاكم فلا مجال الا اختيار الحق. نحن قبل كل شيء ينبغي ان نتعلّم اللاعنف وان نسوّي أمورنا بالسلام ولكن هذا يقتضي احيانا الخشية من العقاب. لابد من حماية المواطنين من المجرمين بما فيهم من يسرق الدولة. ومن سرقها لا تحق له الضريبة. في أقصى الحدود يكون العصيان المدني هو الكي. ولكن وقانا الله من الكي لحل خلافاتنا بالسبل السلميّة التي هي غير ممكنة الا بالتعليم والإرشاد الدائم والندوات الفكرية ومساهمة الأديان بالإرشاد الى حكم صالح والى طاعة القانون الذي يحمينا من خطايا كثيرة. فاذا أخطأت الى القانون الحق فأنت مخطئ الى الله. الدين ليس فقط عقيدة وعبادات. هو قبل كل شيء طاعة لله ومحبة لمن تعايشهم اي لتنتظم بينك وبينهم علاقات سلميّة وسلامية.

قد يقتضي هذا عقودا من السنين ولكن لنبدأ على الرجاء في جدية كاملة والله موفقنا الى مشيئته ومن مشيئته الحفاظ على الدولة من قبل مستلميها والمواطنين. هكذا يتجلّى الله في وطننا الذي لن يكون جميلا الا بأهله.


Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الأم / السبت 12 تموز 2008

في اللغات التي أعرفها اوأطلّ عليها كلمة الأم تتضمّن ميما. نجد هذا في اليونانية القديمة وألسنة اوربا الغربية وتلك المشتقة من السلافي كالروسية ومثيلاتها. الكرجية تخرج عن هذه القاعدة. هذه الميمية الشائعة تبدو آتية من ان اول صوت يتلفّظ به الرضيع هو صوت الميم.

وحتى لا أوغل في التفلسف واضح من السلوك ان حبل السرّة ولو قُطع جراحيا الا انه يظلّ قائمًا نفسانيا بمعنى ان الوليد ولو كبر يبقى على علاقة عضوية بأمه وما لم تكن بالغة النضج تتصرف تجاهه على انه لا يزال في حاجة اليها. لا ألجأ هنا الى فرويد الذي يميّز بين علاقة الصبي وعلاقة الإبنة مع الوالدة على أساس الجنس. وقبل فرويد وبالاستقلال عنه نرى الفتاة معجبة بوالدها وبقوّته. ربما هيّأتها الطبيعة لإعجابها بعدالبلوغ بمن تحب.

البحث العميق الدقيق يتطلّب معارف لست أملكها. اني آتي أساسا من الاختبار ومن بنوتي. الواقع يقول اننا كنا أجنّة اي قائمين في بطن امرأة. تتغذّى مباشرة تسعة أشهر من امرأة وتتكيّف من الحشا بكثير من جوانبها البيولوجية وان كنا قائمين منذ البدء من لقاء رجل وامرأة ويستمر فينا اذًا عطاء الوالد. غير ان الجنين على رغم تكوّنه الأول ينمو بما يأخذ من والدته ويتطبّع بأحوالها المتقلّبة. الى هذا تنشئ الرضاعة علاقة مميّزة تؤثّر ليس فقط على الوليد ولكن في الأم ايضًا. يبدو ان الرضاعة ليست مجرد انسكاب لبن في جوف الطفل ولكن أحاسيس ذات طابع شعوري وتغيّرات تحدث في الأمّ وعلى رأسها الضم الى الصدر وما ينتجه من ارتباط بين الأم والوليد.

شيء من حميمية خاصة تجعل الأب عميق العاطفة اذا أخذ ولده كيثرا على صدره. شيء قريب من انضمام الولد الى أمه.

بعد الوالدية في طورها الأول اي قبل انتهاء الخامسة كل شيءممكن في هذه العلاقة. هناك تعلّق مرضي عند الولد بذويه وتعلّق مرضي بالذرية ما يخل بالعلاقة الى الأبد. بهذا المعنى ليست الأبوّة الصالحة او الأمومة الصالحة هي القاعدة التي تجرف الجميع. الخطأ يأتي أساسًا من التربية كما يأتي من رفض أبوة او أمومة ذميمة. أظن ان الشعراء الذين مجّدوا الأم كالشاعر القروي عندنا عمموا الحكم اذ جاؤوا هم من اهل طيّبين.

# #
#

في التكوين البيولوجي تطبيع او تطويع استهللنا به هذه الأسطر ولكنه قد يقود على طريق السهولة فتحسب الأم ان حنانها ينسال من نفسها الى المولود – وهذاواضح عند الحيوان- لأن الحيوان غير قابل للفساد «صلاحه» اذا صح التعبير منطبع فيه ولكن الحنو الكبير لا يأتي من الفطرة. هذا واجب صقله وواجبة تغذيته بما ليس من هذا الجسد وهذه الأعصاب. الإنسان نتاج عناصر متعدّدة المصادر لأنه حيوان اجتماعي كما يعرفه أرسطو. تنصبّ فيه روافد الأرض وروافد التاريخ. وبسبب من ذلك «حيوانية» ما في الأم في مرحلة الطفولة الأولى ليست سيئة الا اذا طغت طغيانا كثيرا.

هناك لا بد اذًا من ان تتثقّف المرأة كثيرا فتؤتي الولد العلم بمعناه الواضح. واذا كانت مرتبطة بالله تصلح ما اعوجّ في طبائعها وسلوكيّاتها لتنقل الألوهية التي حلّت فيها كما نقول في المصطلح المسيحي او اذا تخلّقت بأخلاق الله كما نقول في الإسلام. هذا ما يسمّيه انجيل يوحنا الولادة من الروح وطبعا يريد الروح الإلهي. كذلك يقول يوحنا اننا نولد ثانية من فوق. لهذا كان العلامة الاسكندري اوريجانس يكره تعييد الانسان لمولده. كان يعتبر ذلك أمرًا وثنيا لإيمانه ان الإنسان يولد من ماء المعمودية والروح القدس.

في الخلق الأول المستمر في الحبل والمولد تولد انت من لحم ودم. ولكن «اللحم والدم لا يرثان ملكوت الله». يبعثك في اليوم الأخير الروح القدس الذي يرعى الى النهاية العظام الرميم.

غير ان هذا السمو الروحي الذي أشرت اليه لا يحول دون القربى الجسدية التي تشير الى القربى الروحية التي يجب ان ترعاها انت حسب القاعدة الذهبيّة الثانية: «أحبب قريبك كنفسك». ومع ان الكتاب لا يتحدّث هنا عن النسابة الا ان ذويك يشيخون او يفتقرون او يمرضون ومن طاعة الله اذًا ان ترعاهم ولهم أوّلية في رعاية تعزيهم فيما العمر يطويهم. هنا تنشئ انت قربى جديدة تدل على طاعتك الله ويؤسفني ان ألاحظ ان الجمعيات الأهلية او الخيرية فقط في لبنان تهتمّ بالمسنين وان المجتمع الوطني ممثلا بالدولة لم يقم ازاء مسؤولية عن «الرياضة والشباب» مسؤولية مماثلة تجاه المسنين او ضمانا للشيخوخة وفي ذلك تكلّم كثيرا الرئيس اميل لحود غير ان شيئا لم تحققه الحكومات على هذا الصعيد.


# #
#

لا بد في تكويننا التنافسي ان نتمرّد بطريقة ظاهرة او غير ظاهرة على الأهل والحياة تقضي الا تفهم دائما في فتوّتك ما أخذت عن ذويك. وأنّي أحمد الله على ان الاستنساخ المعنوي غير صحيح فهناك من كان اكثر استقلال او اقل استقلالا عن اهله. ولكن في طور من أطوار حياتك يختلف بين الناس تفهم انك تجيء من حسنات ومن سيئات ذويك ثم يغرقك الحب في جلاء رؤيتك لهم والأهم في هذه الرؤية ان تقرأ النعمة الإلهية التي حلّت عليهم فتستعيد بالذكرى وتاليا بشيء من السلوك ما ارتسم فيها من جمالات الله.

وفي هذا تنتصب مريم نموذجا لمن ولدنا بالروح. هي ليست مثال المرأة. انها مثال الجميع برعاية نقيّة للمسيح. المسيح مولود امرأة لا رجل لها. هل ان ما يربطنا بالسيّد ينشئ عندنا روحا مريميّة. وهل اننا نسقط طهارة مريم على أمّهاتنا ونرفض بالرغم من العقل الفاحص كل كلام ملوّث عن أمّهاتنا. وجد رجل واحد في التاريخ المسيحي هو القديس مكسيموس المعترف قال: ان من ولد المسيح في الآخرين (في البشارة او التعليم) هو مريم ثانية.

بطريقة او بأخرى تتراوح بين الوضوح والغموض نريد ان نجعل امنا على مثال مريم في عطاء الذات والنقاوة غير المنثلمة ربما في حضارات اخرى شيء يشبه ذلك. ولكني لست أعلم. غير ان ما اعرفه ان الأم هيّأتها الطبيعة اولا ثم تهيئها الرحمة الإلهية على إمكان ان تصير كائنا عظيمًا يسهم كثيرا واحيانا -وليس في كل حين بالضرورة- يُسهم في خلاصنا وتقديمنا الى الرب آيات مذهلة.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الجسد / السبت 5 تموز 2008

الجسد للإنسان دون غيره من الأحياء. وهو في الفكر العبري جزء أساسي من الكيان البشري. وبهذا ليس مجرّد مادة. وهو يحتوي العقل والروح. لذلك يجب أن نرى الارتباط بين كل مكوّنات الإنسان حتى نتمكّن من التحدّث عنه. هذا يقودنا الى الصحة والرياضة البدنيّة او الظاهرة كذلك والى مسابقات الجمال.

الصحة وديعة إلهيّة ونحن مسؤولون على الحفاظ عليها وتنميتها: «ليس أحد يبغض جسده قط بل يربّيه ويقوّيه» (أفسس 5: 29). كل شيء من الله وكالة. فالجسد لله ونحن نرعاه من اجل الله صاحبه. نحن لسنا أصحابه لنفرط به. عهده الرب الينا لكي نحضره له سليما، معافى. لذلك لما رأى باسيليوس الكبير بعض الرهبان يهملونه كتب اليهم انهم مدعوون لاستخدام الأطباء قائلا ان إهماله بادّعاء ان الله يرعاه مباشرة يشبه من يزرع زهرة ولا يسقيها. اجل لا يتنازل الله عن رعايته ولكنك مسؤول عن تغذيته.

طبعا هذا يطرح مسائل عديدة لم يتفق علماء أخلاق الحياة عليها. هل تهمل العناية الطبية الملحّة اذا كنت قريبًا من الموت؟ لا أحد يعرف ساعة الموت وأنا أميل الى ما يسمّى عند الفرنسيين acharnemet médical  الا في حالة اليأس الشديد من الشفاء. هذا لا ليس انتحارًا ولكن يجب التأكّد من ان الوضع البدني أدرك حالة اللارجوع الى الصحة هذا يقرّره الطبيب لا المريض اذ المريض لا يستطيع ان يشخّص حالة اللارجوع.

هذا يطرح ايضًا سؤال الموت الهنيء حيث نقرّر قتل النفس بسبب من الأوجاع الكثيرة التي يعسر علينا احتمالها. كل علماء الأخلاق متّفقون على نبذ الموت الهنيء الذي هو في حقيقته افتعال الموت اي الانتحار. ذلك ان الألم مهما اشتدّ يحتمل إمكان الشفاء من جهة ولأن النفس البشرية في هذه الأحوال الصعبة لها حياتها الخاصة، فيها فكر وتواصل وصلاة. والوقت الباقي للإنسان المتوجّع وقت يمكن قضاؤه لقول أقوال عظيمة وللتوبة. وهذا الوقت متروك لله يملأه بأجمل ما عنده من نِعَم. ليس البدن الغارق في الآلام يملي علينا إنهاء الوجود. لو كان البدن شيئا محضا لا علاقة له بكياننا الروحي او هو فقط ملتصق به آليا لأبحنا هذا النوع من الانتحار ولكن الإنسان وحدة متكاملة يتفاعل فيها الجسد والنفس وهي الذات الداخلية لقلنا اننا أسياد على إفنائه ولكن قد تؤذى به النفس العاقلة والمحبة ونكون قد اتخذنا قرارا عن الله في وديعته.

أن تدع نفسك في المرض دون استشفاء خطيئة لا ريب في ذلك. بسبب خطأ الإهمال هذا قد نعرض الذات للانهيار او الموت ولا نبقى أمناء للوديعة. المهم الا تعالج نفسك بنفسك والا تشخّص الداء فقد لا يكون الرشح مجرّد رشح ولكن إصابة رهيبة في الرئتين. لا تعالج قياسًا على داء شبيه حلّ بك ولا تصف لنفسك دواء ولا تشتر دواء بلا وصفة من طبيب. كل هذا إهمال وانتحال صفة. وبخاصة لا تداوِ نفسك بما يسمّى الطب العربي او على كلام متواتر من الأجيال السابقة. هذا كله فيه تهوّر.

الى هذا فالصحة تقتضي غير الأدوية. هناك حالات كالفالج او الفالج النصفي او عجز في العظام او ضعف في العضلات كبير تحتاج فيه الى علاج فيزياء ومنه التدليك واستعمال بعض الأشعة وكثيرا ما كانت منقذة.

من الصحة الرياضة البدنية وأهمّ ما فيها المشي والسباحة وهما كفيلان في أحيان كثيرة بدعم للعافية قوي بما لهما من تأثير مباشر على قوة العضل والدورة الدموية والنشاط وما الى ذلك. واذا كان لديك وقت فهناك ألعاب ككرة القدم وكرة السلة مفيدة جدا والا فالمشي والسباحة كافيان بتقديم صحة قوية لك جسديا ونفسيا.

عند الشيوخ التمارين البدنية نتخذها باعتدال اذ لا يجوز عند المسنين التحرك العنيف. وفي مجال الرياضة بعامة الإفراط مضرّ. الا ان ثمّة احترافًا للرياضة بمعنى ان الدولة او الأندية الرياضية تخصص شبابا براتب لا يتعاطى مهنة أخرى ويكثر من التروض كل يوم.

سواء كنت محترفًا أم لم تكن الخطيئة الا تجعل الرياضة شغفا يشبه التدين. فلا تعبد جسدك ولا جسد الأقوياء. التظاهر بالقوة والجمال الذي تعطيه وثنية ولو كانت مهنتك الرياضة لتمثيل بلدك.
# #
#

غير ان البدن ليس فقط بدنا محضا في حقل الجراحة التجميلية التي تُجرى للنساء بامتياز. عمليات الأنف كثيرة اذا كان ضخما. لماذا لا يكون ضخمًا. عمليات الشفاه وأعضاء أخرى معروفة لماذا لا تبقى كما جاءت من حشا الأم؟ وقد لا يناسب ان أتكلّم على مواضع في الجسد اخرى. التدخل الجراحي أراه فيها شيئًا تافهًا: ما القصد من كل ذلك سوى إذكاء الشهوة عندالرجل وكأن المرأة المتزوّجة قائمة لإشباع رغباته او كأنها تعترف بأن كيانها الروحي والفكري والثقافي غير كاف للاحتفاظ بالرجل. او كأنها تفتش عن عرض الجمال غواية.

قد تقول المرأة انها تقوم بذلك لإرضاء نفسها بالجمال لكونها لا تتقبل ان تبقى على شيء من القبح. السؤال هو لماذا لا تتصالح والقبح او بعض منه. لماذا القبح قبيحًا؟ الشخصية الرائعة روحيا او فكريا لا تحتاج الى غير البهاء الداخلي الذي هو قوة جاذبية تؤثر في الرجل السويّ تأثيرا أعظم. المرأة التي شذ أنفها او غير أنفها عن المألوف كائن كامل. والقبح والجمال في الرجل والمرأة واحد عند الله. قيل لي ان بعضًا من الرجال يُقبلون أيضا على عمليات تجميل. هؤلاء أشدّ من النساء سخافة. مَن لا رجولة في فكره وقلبه ليس عنده رجولة. ومهما يكن من أمر لا يقدر امرؤ ان يطهّر نفسه ليكون بل الله مظهره والجمال الحق أعني جمال الكيان الإنساني العميق ينزل عليك من فوق. غير هذا باطل وباطل الأباطيل.
# #
#
أخيرا أجيء الى مسابقات ملكات الجمال. هو تمييز بين اللواتي يتقدمن الى الامتحان. وهذا فوز واحدة على المتسابقات وليس على كل صبايا البلد. ولست اعلم في المستوى العالمي ان كان النفوذ او السياسة لهما دور في الاختيار. أعرف ان هناك مقاييس دخول، عرض، أناقة، فهم وما أشبه ذلك وما من شك عندي ان الجمال هو الغالب في الاختيار.

ما معنى ان تتباهى الملكة بتفوّقها؟ ما تأثير ذلك على تواضعها وتواريها؟ كل امرأة سليمة العقل، طاهرة، كاملة عند الرب. لماذا اذًا الانحصار في الجمال لتبيان الفضل؟ في الأخير ما فضل الجميلة على القبيحة في الحيّز القيمي وكل المسابقة تقوم على أمور رقمية في البدن. ما البدن وحده؟ هذا انزال الذات الى اللحم ويخدع المتفرجون بسؤال واحد في الذكاء قد يرجح منزلة احدى المتفوقات.

مسابقات الجمال طبعا صنع الرجال الساعين الى جسد المرأة ولو كانت لجنة الحكم مختلطة بين الرجال والنساء. كذلك خياطة الازياء العليا haute couture كما يسمونها صنع الرجال ما عدا استثناءات قليلة مستجدّة. «باطل الأباطيل، كل شيء باطل» وأوّل الباطل في هذا الحقل، الأزياء.

لست أريد أن أستفيض في موضوع الزي. لقد زالت الحشمة من بلادنا ومن غيرها. التعرّي او شبه التعري يطرح سؤالا على المرأة. اذا كان على الأرض جسدك لغة بينك وبين زوجك فلماذا تخاطبين به رجلا آخر. واذا كان موضع حب وارتقاء بشري في زوجيّة مقدّسة ألست تقيمين زوجية غير مقدّسة؟ واذا قلت ان هذا العري يحلو لك، أسألك بدوري لماذا يحلو ولا يحلو التستّر. انا وايّاك مختلفان اذًا على القيم وليس على البحث في الطول والقصر.

تقولين ما فكّرت في الإثارة. أخذت هذا عن مجلات الأزياء. وانكِ لم تفكّري بالسوء. مأخذي عليك انه كان يجب ان تفكّري. هل عقلت أن الجسد ليس قيمة مطلقة وان الإنسان بكماله قيمة مطلقة وان الفكر أعظم من البدن والروح المقدسة أعلى من الفكر.

للجسد قداسة ينبغي أن نكتشفها لئلا نصبح خلائق بلا فكر، بلا قلب، بلا روح.


Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الجمال / السبت 28 حزيران 2008

أنطلق من أفلاطون القائل: «الجمال هو سطوع الحقيقة». ذلك ان الإغريق سعوا أصلا الى الحقيقة. وما فرّقوا بينها وبين الخير ولست أذكر أنهم بنوا رأيهم في الجمال على أعمال النحت العظيمة او الهندسة المعمارية وما فاقهم بها أحد في العهود القديمة. كذلك لا نعثر على فلسفة الجماليات في الأيقونة عند البيزنطيين الذين كانوا يقولون انهم يكتبون الأيقونة وكانوا ينظرون الى استعمالها الطقوسي مع انهم كانوا يتقيّدون بالرسم وقواعد التلوين ولكنهم كانوا يسعون الى التأثير الروحي في المؤمنين. تحاور الفن والجقيقة عندهم ولم يختلطا وغدا همهم تمجيد الله بما أُحس انهم اعتبروه صناعة اي انهم رأوا الى أنفسهم على أنهم طقوسيون اولا كالمرنمين في العبادة.

كذلك الخط عند المسلمين كانت غايته تمجيد الخالق وملء الفراغات المسطحة بالآيات القرآنية او بالشعر. ما كانوا يسعون الى الجمال المحض ولكن الى وظيفته في المساجد والأضرحة. بكلام آخر البيزنطيون والمسلمون كانوا يسخرون الفنّ للدين لعلهم في هذا كانوا يطبّقون قول أفلاطون «ان الجمال سطوع الحقيقة».

وفي هذا لم يكونوا وحدهم. فالتمثال الغربي في القرون الوسطى هو ايضا كان خاضعا للرؤية الدينيّة ومعظم الرسم كان كذلك لأن الإنسانوية عندهم كانت مشتقة من الألوهية حتى عصر النهضة حيث استقلت البشرة عن الله لذلك اتخذت الطبيعة البشرية والجامدة واقعية أبعادها واكتشفت المنظور perspective  الذي تفرضه حركة الطبيعة. انت تمد اللوحة بالمنظور وتتابع عينك أبعد أفق. من هنا ان الجماليات في النهضة تبنّت فلسفة الوجود كما هو لا الوجود المرجو كما هي الحالة الدينيّة. في هذا السياق داخل الحقبات التاريخية من النهضة الى اليوم ان العري حقيقة.

اجل صعدت أصوات في الغرب احيانا لما رأى بعض الناس مبالغة في تصوير المعرى تصل أحيانا الى الإباحية. هذا لما كان الجسم البشري يظهر كما هو ولكن مع الفن التجريدي صار تحرر كبير من الوجه البشري وأجزاء أخرى من البدن بحيث لا تدرك أحيانا ان كنت أمام قامة بشرية او خطوط لا ضرورة في التقائها الى معقولية انسانية. المهم هو ما يجول في نفس الفنان ويحاول احيانا محاولة يائسة ليقدمها اليك فتسرك الخطوط والألوان وانسجامها. انه هذا الفن لا يمر بالفهم. من حدس الفنان ويحاول سكبه على احساساتك ولا يهمّه عقلك. أرادوا تأكيد بشريّتنا بدون إله وفي الحقيقة دون البشرية لإقامتك في الحواس على إطلاقها فرمونا في الدم.
# #
#
السؤال الذي يطرح نفسه من بعد قراءتنا لأفلاطون هو هل نصرّ على أن يحمل الفنّ قيمًا وهو ما سمّاه فيلسوفنا الحقيقة؟ بكلام آخر هل الفنّان مبشّرًا ولكن بطريقة أخرى؟ لقد ردّت الأوساط الدينية او الدعاة الى القيم على قول بعض الفنانين: «هناك الفنّ للفن» بحيث لا يلتزم قيمًا.

التبشير له أداته وقواعده وأمكنته بما هي كتب وإذاعات وله أمكنته ولكنه قد لا يستطيع ان يظهر كلامه بصورة جميلة. ولكن في أحيان كثيرة لا يستعمل المبشّر او الداعية تقنيّات الجمال أبالتعبير الكلامي كان هذا ام باللون والنغم لأنه لا يملك هذه التقنيّات وتأتي على عمق روحي كبير عارٍ من كل زخرف ويصل الى أعماق النفس. الكلمة الروحية ليست في حاجة الى غير حدتها او حرارتها. قد تقوم على مخاطبة القلب للقلب بكل بساطة. قد تكون على بساطة الأطفال. وعندي أن الموعظة الفاعلة هي التي تخاطب البالغين كما تخاطب الأولاد اذا كانوا على حدّ أدنى من فهم الكلمات.

الفنان الكبير لا يتعب ليفتّش عن الفن. ينبع منه تلقائىا على شيء من الصناعة. الذي لا يفيض من القلب لا يصل الى القلوب. مع ذلك لا يصل بلا أداة يكون قد تعلّمها. الانسان المبدع جمالا يكمن فيه هذا الجمال وينقله بوسائل تعلّمها قليلا او كثيرا. اي ان هناك صناعة يستعملها الفيض الداخلي. بلا هذا الفيض ليس من جمال يطلع ولا من مجال يصل. لا مضمون بلا تعبير ولا تعبير بلا مضمون والا نكون قد وقعنا في الهزالة الكاملة.
# #
#
اين الشكل في كل هذا، شكل الوجه؟ بأي معنى هو متصل بالحقيقة. اذا نظرت الى وجه يصعقك في بهائه الى أية حقيقة تسعى؟ يقول الكثيرون ان الوجه مرآة النفس. وما من شك ان نفسك تجمّلك او تترك مسحة من البهاء الروحي عليك ويقرأ الناس على عينيك وداعة او يقرأون لؤمًا وخبثًا. ولكن الخطوط والألوان هي قائمة شئت او أبيت. أليس هذا جمالا نحته الله على محيّاك قبل أن يستمدّه هذا المحيا من الداخل؟ هذا يطرح مسألة موضوعية الجمال. غابة الصنوبر التي عند بيتي لا يناقش اثنان في جمالها. قد يلتهب أحدنا برؤيتها وآخر لا يلتهب ولكنهما مُجمِعان على ان الجمال فيها وليس فقط في عينيك. قد تستسيغ امرأة وآخر لا يستسيغها لأن الأذواق تختلف ولأن ثمّة عناصر سيكولوجية عند من تنظر اليها. وهناك الحديث والقعود والوقوف والتهذيب. انتما تختلفان بتقدير نسبة الجمال الوصفي ولكنه اذا وجد لا تسميه قبحا. ولا تستطيع.

وقد لا تكون انسانا سليما في رؤية البشر، قد تكون منحرفًا في المقاربة. هذا لا يُقاس عليه ولكن كان واضحًا عند آباء الكنيسة الشرقية ان الجمال عند النساء أقوى مما هو عند الرجال. هل غالى آباؤنا في الدعوة الى الحذر من الجنس الآخر؟ ليس هذا بحثنا ولكن ما أريده من طرح السؤال ان ثمّة جمالا موضوعيا يراه الذائقون مع اختلاف قليل او تقدير مختلف لأقول ان الله واضع الجمال في الانسان والطبيعة مما دعا بعض القديسين ان يقولوا ان رأيت الجمال فسيح الله. كانوا يعتقدون ان الطبيعة لا تُنشئ شيئا لا يطلب في تكوينه الإله او هي موجهة الى الله في هندسة الكون. يعود الى قدرة التقشف عندك ان تهرب من اللهو.

الى الجمال الشكلي جمال غير شكلي هو نور القديسين المرتسم على وجوههم. كنت أعرف أسقفًا روسيا عيناه غائرتان تحت عظم الحاجبين ويوصف حسب القواعد بأنه هو وجه قبيح ولكنه لما كان يقيم القداس الإلهي عندنا في معهد اللاهوت ويرفع رأسه الى الله حاملا الشموع كنت أراه يتجلّى. هذا اذًآ جمال آخر. هكذا قال أشعياء عن المسيح المصلوب: «لا صورة له ولا بهاء فتنظر اليه ولا منظر فتشتهيه» (51: 2). وفسّر هذا الكلام القديس غريغوريوس اللاهوتي بقوله: «الوجه الوحيد الكامل المحقق في جماله معطى لنا بملئه في المسيح المشوّه على الجلجلة والمتجلّي على الجبل فجرًا للنور الفصحي».

في الدنيا جمال الشكل الذي يدعو الى الله عند الروحانيين وقباحة الشكل التي يملأها الله من جماله. ليس المهم، اذ ذاك، الجمال او القبح. المهم ان تستطيع قراءة الله في خليقته.


Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

فرج أو انفراج / السبت 21 حزيران 2008

ليس من شيء يُسمّى في الحقيقة انفراجًا لأن الكلمة تعني تغيرا سيكولوجيا حدث من ذاته او بسبب من ظرف خارجي قلب الوضع النفسي. ليس هناك آلة سيكولوجية او ضربة تحدث تغييرا في النفس لا يقع تحت تفسير العقل وكأن القوى النفسية تسيل فينا من ذاتها فتنصب فيما بينها لإحداث انقلاب داخلي.

الانسان لا يتفرّج على داخل ذاته متوقّعا انفراجًا بعد محنة او حزن او ضيق أعمق يصل الى حد التفجّع. ميل الناس ان ينهوا أحزانهم باللهو بما فيه الرياضة البدنية او قراءة الصحف والكتب او الاستماع الى الموسيقى ولا سيّما الى غناء الطرب في بلادنا. هذا ارجاء لحل العقدة او تعتيم عليها لأننا لا نريد ان نفحص قلوبنا. الفحص متعب ويتطلّب جدية كبيرة وتخليا عن موقف او تبديلا لقناعة. لذلك نقف امام العقدة ونحجبها على عين النفس الفاحصة، خوفا من الحقيقة.

الحقيقة تعرّينا وهذا ما سيفعله الرب في اليوم الأخير. تلك هي الدينونة. ليس اننا لا نعرف خطايانا. ولكنا اذا وقفنا في حضرة الله يخيفنا الاعتراف وهو يصرّ على ان يجعلنا امام الحقيقة التي قضينا كل حياتنا نتجاهلها. الانسان يحب ذاته بصورة مرضيّة ويكره نقدها امام مرآة الحقيقة. يلهو الإنسان لينسى ولا يريد ان يقتنع بأنه لا يستطيع ان ينسى. فالحزن يحزّ في نفسه وهو لا يكرهه بالضرورة. لذلك يهرب منه باللهو الذي هو تغطية أنانية لما يوجعنا. يقنع نفسه بأنّه اذا حاد عن وجعه باللهو ينفرج ولا شيء فيه ينفرج لأن ذاته هي ذاته واللهو يأتي هو به من خارج النطاق المضيء في نفسه.

الحزن نتيجة الصدمة. موت عزيز صادم لأنك تكره الفراق اذ الطبيعة لا مكان فيها للفراغ. الطبيعة تلاحم، وحدة، قران داخلي مع من تحب. «ويكون الاثنان جسدًا واحدًا» اي كيانا واحد بالتعبير العصري. هذا قيل عن اتحاد الرجل والمرأة ولكن يصح في العلاقة بين صديق وصديق. وتحل فيك محنة كبيرة اذا افترق عنك الصديق او الحبيب ولا سيّما لسبب لا تعرفه ويرميك في العزلة والعزلة ليست من طبيعة البشر. ويشتدّ الحزن اذا كان الشوق شديدا. أصعب الأشياء أن يكون الآخر رماك بعزل لا تفهم سببه. واذا فهمت تغدو أقرب الى الغفران والى لحمة تجعلها في نفسه وإن رفض الآخر اللحمة تعيش وحدك صداقة مكسورة. وكل إنسان مكسور.

# #

#

والأصعب من كل ذلك تنقّل الآخر بين المودّة والانفصال ولا تفهم لماذا هذا فيه وانت لم تعطِ الا الحب وفي هذا تأويل كبير. العزلة الكبرى ان تبقى في اللافهم لرغبة الآخر في تحطيمك. وعليك، اذ ذاك، ان تقبل وتضرع الى الله حتى يرشد ذاك الذي أحزنك. وترجو سلامًا فيه ليعود الى نفسه وانت لا تطلب عشقًا ولكنك تطلب للآخر راحة تعود عليك براحة. وقد تموت او يموت الآخر وهو منفصل وليس لك الا الرأفة به بعد ان غادر هذا الوجود. وربما لقيته الرحمة فوق. وقد يفهم في الفردوس ما لم يستطع فهمه على هذه الأرض.

الحياة كلّها انقطاعات ودم غير منظور ويؤذيك ان الآخر لا يفهمك وقد تكون محبة كاملة ولكنه على كل المصادر الروحية التي قرأها الآخر لا تنزل الى أعماقه ولا تنزل الى حقيقة سلوكه لأنه لم يفهم او تحجّر حتى لا يفهم لكونه آثر موقفه المؤذي على إمكان انفتاحه ولا يضمّك اليه بلا شرط.

# #

#

هناك قوم يعيشون بلا حب يتدفقون به وإن كانوا يطلبون ان يكونوا هم موضوع الحب. الحب يؤخذ او يعطى بقرار وهكذا الكراهية. هناك نفوس تعيش على الكراهية لأنها ضعيفة، هشّة ويوسوس لها الشيطان بأن تتلحّف بكرهها ظنّا منها أنها به تتحصّن. من ابتغى هذا التحصّن المصطنع ليس عنده قدرة على الانفتاح اي على قبول الآخر على انه الحصن الحقيقي.

الراسي عليهم البغض يطلبون الانفراج اي انهم يتكلّمون على صدفة ترفع عنهم وطأة البغضاء. ولكن ليس في مسرى حياتنا صدفة. كل أشياء النفس لها قواعدها واللهو لا يريح. انه يرجئ حل العقد وهي لا تنحلّ من عامل خارجيّ. النفس هي المكان الوحيد الذي تحلّ فيه العُقَد. والعقدة لا تزول من ذاتها.

وهنا وددت أن أقول أن التحليل النفسي يكشف لك أسباب الانغلاق ولكنه ما ادّعى يوما انه يجعلك انسانا صالحا. هو يبيّن لك وضعك وعليك انت ان عرفته ان تتخلّى عن المحزنات التي تسبّبها لنفسك وللآخر وهذا قرار نسمّيه التوبة اي الرجوع الى وجه الله الذي فيك لأن الطب النفساني يحلل فقط ولكنه لا يعطيك الدواء. يبيّن لك فقط ان الدواء ممكن ويتركك لنفسك لتقبل شفاء ليس هو كامنا فيها ولكنه يأتي من آخر. لذلك قلت ان ليس من انفراج في ذات النفس ولكن هناك فرج ينزل عليك من فوق. فرج اذًا لا انفراج. الانفراج ثمرة لتدخّل الله فيك.

اللهو اذًا ليس بشيء. الفرج النازل عليك من نعمة الرب يجعلك وحده قابلا للخروج من حزنك لاقتبال الفرح الذي الله مصدره. الحزن يزول اذا قبلت ان تعطى فرحًا إلهيا يترجم نفسه فيك راحة وسلامًا. لك ان تلهو قليلا عن الضغوط النفسية ولكن الضغوط قد تتراكم. ذلك ان الرب وحده اذا تحنن عليك يعطيك شيئا من ذاته اذا كانت نفسك منحنية تحت الأحزان او اذا كرهت. ولا حرية من الكراهية الا اذا حلّت محلّها المحبّة التي ليس الإنسان أصلها. يجب ان ترى الله فهو يراك دائما وينعطف ولك ان تتقبّل هذا العطف لعلمك بضعفك من جهة ومن قوّة الله من جهة. لا، ليس من انفراج. هناك الفرج الذي يحدثه الخالق فيك وهو الذي يجعلك وحده خليقة جديدة في بساطة إحساسك بما يتدفّق عليم من السماء.

النفس اذا بقيت على حدودها وبشريّتها ليس فيها شيء. الله العليم بالوطأة التي عليك يرحمك ويجعل فيك منزلا له اذ هو يكشف لك انك حبيبه وحسبك. وقد تبقى مع الله وحده وحسبك هذا. وهو الذي يدفعك الى اقتبال من أغضبك اذ يعيّنك طبيبًا له. وهذا لا تؤتاه بالعتاب ولكنك تؤتاه بالمحبة المجّانية اي تلك التي لا تطلب شيئا لنفسها وتطلب كل شيء للآخرين ليكونوا في سلام.

مع ذلك قد تبقى وحيدًا وانت مع كل الناس لأنهم فيك بالمحبّة التي تحبهم بها والمحبة التي تغدقها على الآخر هي مبدئىا نار تضعها على رؤوسهم فيهتدوا ولكنهم قد لا يهتدون لأنهم أصرّوا على الانفصال وعليك ان تقبل هذا ولا يزيد حزنك وتسلّم الناس الى ربّهم وتسترحمه لأجلهم مهما فعلوا بك. لا تفحص ما يجري في قلوبهم لأن ثمّة ما يسمّيه بولس سرّ الإثم والإثم قد يقلق الخطأة الى الأبد ويظنّون أنهم يحيون به وهم قد ماتوا وقد لا تعطى انت ان تقيم نفوسهم من الموت. تسلّمهم الى الله والى حنانه الذي يدبرهم من فوق. وانت تقيمهم في دعاء لهم موصول حتى يروا ما أنت راءٍ فيقيمنا ربّك جميعًا من وطأة الموت.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

المطران بولس (بندلي) / السبت ١٤ حزيران ٢٠٠٨

انتقل الى حنان الله الأسبوع الماضي مطران عكار الأرثوذكسي بولس بن اسكندر بندلي وأحسسنا ان النور الإلهي كان مرتسمًا على وجهه. أعرف الرجل منذ يفاعه متربّيا على أم بارة وفهيمة ومجاهدة، أخا لثلاثة أطباء ولدكتور في الفلسفة وهو مجاز في الفيزياء وكان مدير المدرسة الأرثوذكسية في ميناء طرابلس وملتزما بشأن الرب ومخافته في حركة تجدد روحي هي حركة الشبيبة الأرثوذكسية. هذا كان إطاره في علمانيته ثم جُعل كاهنًا في بشمزين الكورة اثنتين وعشرين سنة ومبشّرًا جوالا في قرى الشمال الى انتخابه مطرانا على أبرشية عكار الأعظم امتدادا في الكرسي الإنطاكي الأرثوذكسي. أن تكون مطرانا ليس ان تكون بالدرجة الأولى إداريا ولكن أن تكون أبا روحيا لكثيرين. وهذا ما كانه على خير وجه. وعلى عمق روحانيّته بنى في الحجر ما استطاعه.

                     غير أن اللافت فيه هو أخلاقه التي عزّ مثيلها. فقد كان هادئًا، كامل الهدوء لم يُسمع له صراخ في مجالسته الكهنة وغيرهم من الناس. وكلمة الله تخرج من فمه حلوة، دسمة في مواعظه وكتاباته وتعليمه اللاهوتي في البلمند. وهذا الهدوء لم يحل دون صلابته وتمسّكه بما كان يعتقده رأيا سليمًا. سره في هذا انه كان يشتهي الا يجرح احدًا ولا يصدم أحدًا مجانا. كانت سلطته في هيبته، في السلطان الإلهي الذي لم يحد عنه يوما والناس يتوقعون من الأسقف كلمة الله لا كلمات شهواته.

                     حاد عن السياسة كليا ولو اضطر أبويا أن يحضر هذا المهرجان او ذاك. وأنا ما كنت أعرف ان له فكرًا سياسيا واضحًا ولم أكلّمه في هذا الأمر لأني كنت أسعى الى تلك الكلمات التي كانت تصدر عنه لتربينا جميعا. لم يكن توجيه أبناء أبرشيّته سهلا بين يديه لأن التوجيه يتطلّب حوارًا حقيقيا بين المعلّم والمتعلّم اذ تكون بينهما لغة واحدة. هو كان الإنجيل مرجعيّته اي تعود اليه اذا تكلّمت وتفترض أن مكلّمك يعود اليه والذين يستلهمون حكمة الله ليسوا دائما مسلّمين بحكمة هذا العالم. وهاتان حكمتان تتصادمان في معظم الأحوال. ابن هذا الدهر يعتزل ابن الدهر الآتي لأن ابن هذا الدهر لا يريد ان تداخله حكمة الله اذ هو مرتاح الى المنافع التي يجنيها في هذه الدنيا التي هي مجال سلطانه. كل التاريخ مجال صدام بين الخير الذي تحمله قلّة وبين الشر الذي يحمله الأكثرون وليس من لقاء الا بهذا الشيء النادر الذي يسميه الكتاب التوبة.

#                      #

#

                     بهذا كان المطران بولس انجيليًا خالصًا يغتذي من الكتاب ببساطة ليحيا. ثم يوزّع كلمات هذا الإنجيل على العارفين والبسطاء فيصل الى القلوب المتعطّشة الى الله. غير ان الكثيرين الذين لم يقرأوا شيئا قالوا لنا انهم يعيشون من سلوكه اذ كان يجود على الجميع باحترام كامل إكبارًا في القوم كانوا ام موظفين عنده. لهم جميعًا توقير واحد ووداعة واحدة يسكب المسيح فيها على القوم جميعا.

                     والوداعة من أصعب الفضائل. تلتبس عند بعض مع الضعف حتى يروا فضيلة التواضع التي على خفرها تنكشف للجميع. والوداعة والتواضع اجتمعا في هذا الإنسان النادر. ولو طلب التواضع الإمّحاء الا انه يرفع الإنسان أمام وجه الله ووجوه الصالحين في هذا الوجود. والسر في المتواضع انه لا يعرف نفسه هكذا لأنه لا يزن نفسه بميزان ويدع الدينونة لله ويضع نفسه حتى في هذا العالم تحت الدينونة ولا يستطيع ان يرى نفسه شيئا اذ لا ينظر الى نفسه ولا يتمتّع الا بالنعمة اذا نزلت عليه ووعاها. وعندنا نحن الأرثوذكسيين انه يجب عليك ان تعي النعمة وان تشكر. المؤمن عيناه الى المقامات الإلهية التي منها يأتي عونه فهو أبدًا مخطوف وينزل الى الدنيا اذا أرسلته اليها النعمة. الأبرار عالم بحد نفسه له فهم خاص وقانون خاص ومن كان عن كل هذا غافلا لا يرى أعماق الأشياء لا في دينه ولا في دنياه.

#                    #

#

                     كان المطران بولس فقيرًا حتى العدم لأنه قرأ عند آبائنا ان مال الكنيسة ليس له ولكنه المؤتمن عليه فقط وانه حكما للمحتاجين ولم يكن له دخل شخصي ولا يتقاضى راتبًا ولا يأخذ هدية شخصية من المال وكل ما كان يُتبرع له كان يضعه في مؤسساته التربوية او الاستشفائية.

                     لا يكل ولا يتعب. يلبي كل حاجات المؤمنين على صعيد الأسرار المقدسة وهذا يتطلّب منه أحيانا كثيرة ان يعبر الحدود السورية اللبنانية غير مرة في اليوم ليقوم بالخدمات الروحية المطلوبة منه حتى لا يصدّ أحدًا ولا يُحزِن أحدًا. وكان يرحل من مطرانيّته أحيانًا كثيرة في تعزية يمكن إرجاؤها وذلك بسبب من الأبوة التي كان يحسّ بها لتبيان الود الذي ينفع دائما. من هنا وفي الموازنة بين طاقاته أقول انه كان بالدرجة الأولى رجل قلب والقلوب تأخذ بعضها من بعض والمشكلة أن عامة الناس يريدون ان يكون رئيس الكهنة قويا في الدولة، لصيقًا بالنافذين اي ان يكون في خدمة دنيوياته وغالبا ما لا ينتظرون منه الانسحاق لأن الانسحاق يناقضه الجبروت. ومن المعروف ان الجماعة الروحية القليلة العدد في البلد يعتم عليها وعلى أبنائها لأن الدولة دولة العدد. والأعزل او الفقير لا يفرض نفسه على ذوي المقامات ولو فرض نفسه على النفوس العطشى الى البرّ.

                     الكبار الكبار لا يخلفهم أحد لأنهم يقيمون في النفوس أجيالا تتوالى. لذلك لا ندفن الأسقف اليوم جالسا على كرسي كما في السابق. نمحوه في تابوت عادي. وعند اقترابنا من القبر ننزع عن رأسه التاج لأن الله بات وحده تاجه. ونضع على وجهه ستر القرابين بسبب تلك المحبة التي تجعلنا نشعر انه أمسى قربانا لله.

                     دُفن المطران بولس في كنيسة صغيرة إزاء دار المطرانية بعد أن قبّل الكثيرون يده وتبرّكوا هكذا بجثمانه الطاهر وهنا لا بد من أن أودع قارئي برواية حادثة سيارة كنا فيها معا. كنت تركت سيارتي في باحة المطرانية لنذهب معا الى صافيتا ونقيم قداسا وجنازا لأحد الأصدقاء. وعند عودتنا الى دارته أردت ان أعود بسيارتي الى بيتي في برمانا وأن اودّعه عند منزله. فأصرّ من اجل تهذيب فائق أن يرافقني الى طرابلس في سيّارته وعند اقترابنا من المنية في قضاء طرابلس عارضتنا شاحنة مخالفة الاتجاه وقد تضرّر هو من هذا الاصطدام كثيرا وأُجريت له غير عملية جراحية. لماذا كل هذا الود الذي كنت أعتقد انه لا فائدة من إظهاره؟ لماذا كل هذا اللطف او هذا الذوبان في اللطف الذي كنت أعرفه فيه. الروحانيون الكبار عندهم منطق خاص بهم.

                     وبعد أن ودّعناه قال الكثيرون هنا وفي الخارج ان لنا اليوم قديسا يشفع في هذه الكنيسة التي تبقى حاجتها الكبرى القداسة.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الشيخوخة / السبت 7 حزيران 2008

ليست الشيخوخة نهاية الا في الظاهر. قد تكون بدءًا جديدًا او بدءًا مجدّدًا هذا اذا اقتنعنا ان الجسم بعض من الإنسان وما هو كل الإنسان. الى ذلك فهناك نشاط ممكن تمهد له الرياضة البدنيّة والرياضة العقليّة قد تكون قويّة. للإنسان أن يفكّر أن رؤية الحقيقة ورؤية النور ممكنة في كل سن. لا ينبغي ان تصبح الشيخوخة انتظارًا للموت. فاستعدادنا له أمر إلهي في كل مرحلة من مراحل العمر.

كل عمر له بهاؤه فاذا كان الشباب زمن التوثب والرجاء الكبير فالرجاء ليس محصورًا في الفتوّة. واذا كانت الكهولة مرحلة النضج فالشيخوخة زمن الغفران وسعة الصدر وتخفف من كثير من الشهوات واعتبار الفانيات لأن الباقيات الصالحات تطل علينا بالمرحلة الأخيرة وهي تقبّل للنعمة وقدرة على المحبة والمحبة اسم الله بالذات كما يقول يوحنا الإنجيلي وتاليا هي ملامسة للسماء ودعاء لنيل بركاتها.

في البدء الشيخوخة تجمع خبرات وإفادة روحية منها اي تصفية لكل ما يعيق النعمة ان تسكن فينا. اجل هناك خطر الأحزان وخطر التحمّل للأعباء وان ينوء الإنسان تحت ثقلها ولكن للجسد ان ينهض اذ يستنهضه الله متى شاء ويجدده احيانا بالآمال كما يجدّد بها الشبيبة.

المراحل ليست منفصلة فالشيخ كثيرا ما يحمل التوثّب وانتظار سنوات غير معدودة فيها الحسنات التي كانت في الفتوة والكهولة بمعنى ان ليس مرحلة من العمر تنتهي فضائلها معها ولذلك كان الإنسان مدى في الزمان ويحيا على رجاء ولا ينقطع بالضرورة بالمرض والمرض له ان يكون مدة تطهير وسكينة وانطلاقة مجددة الى الله. والله يمدّنا بالعمر اذا حلا له ذلك ويستردّنا اليه لعلمه ان مساكن السماء مليئة بالفرح لأن «من مات قد تبرأ من الخطيئة» (رومية 6: 7).

يكسرنا الله أحيانا على مستوي البدن حتى يربينا بهذا الانكسار ويجعلنا بلوريين بسبب من الشفافية التي ينعم بها علينا واذا بالناس لا يرون هبوط البدن ولكنهم يرون البلور. والبلور في السماء يسمّى نورًا وهو يلامس النور الإلهي ويكاد يختلط به فيتكوّن النور الإلهي من مصدره اي الله وممن يشع عليهم فتكاد لا تميّز الرب عن الذين أحبوه.

#              #

#

الى هذا يحب الشيوخ ان نحبهم لكي تزداد حيويّتهم ويسعى الشباب الى حكمة الشيوخ وينكمشون بها فتخلط الأعمار بالمحبة المبدعة حتى نصبح إنسانية واحدة تقوم على وثبات تختلف أنواعها ولكن لا يختلف جنسها وهو المحبة.

اما اذا جاء الأجل وكان المسن صافيا فيستعد للقاء ربّه بالإيمان ان الأحسن ينتظره وانه ينتقل الى المجد. ليس هذا نهاية. هذه رياضة اخرى فيها النصر الأخير والمسن لا يحسّ بالانقطاع عن المكافأة التي تنتظره فهو عارف أن قلبه سيفعمه الحب الإلهي وان هذه العظام لا بد لها ان تقوم في اليوم الأخير. المؤمن انسان السفر ليس الى بعيد لأن السماء ليست بعيدة. انها قد حلّت في قلبه وأقامته في العزاء وهو في العمق ينتقل من نفسه الى نفسه التي سيحل فيها وجود أعظم يجدّدها.

لا شيء ينقطع فاذا كنت مسكن الله هنا سيكون هو مسكنك هناك اي اذا كنت واحدًا مع ربّك في دنياك ستظل واحدًا معه عنده وواحدا مع جماعة المخلَّصين. وتقيم هناك في الخيرات التي لا تُحصى ولا تُوصف. وهناك تكتمل اذا اقتربت هنا من الكمال اي اذا تقت اليه فامتلأت منه وعلّمت الناس ان يشتاقوا اليه.

الحياة هي الشوق الى الله وغالبا ما يقوى الشوق اذا اقتربنا من نهاية دنيانا. والشوق عيش ورغد. واذا حلّ فينا حقًا سيستجيب لنا الله ويعطف وينقلنا اليه بالرحمة قبل الموت ونعرف ان أحبتنا سيسترحمون فإن الذين هم فوق واحد مع الذين استبقوا في دنياهم لأن الوحدة ليست في المدى ولكنها  في القلوب المتعاطفة بسكنى الله فيها.

الشيخوخة نعمة على الكبار في الروح وربما كانت ايضًا نعمة على الذين يحافظون على عقولهم صافية، عادلة بعيدة عن الأحقاد بعد ان زال شبق الحقد ودخلنا الصفاء عظيمًا كبيرًا. لعل مشيئة الله الذي يحفظ المسنين ان يبعدهم عن النزوات التي كانوا يجرونها معهم فيكبرون لا في السن ولكن في الراحة الحقيقيّة والسلام وليس بعد السلام شيء. وتأتي نهاية هي بداءة للسكون الكامل الذي ينتظرنا في الفردوس. واذا حللنا فيه نصبح في ما يقرأه الله فينا على فتوة القلب التي فيها يمسح الله عن عيوننا كل دمعة.

#              #

#

علاقاتنا بالشيوخ من حيث إقامتهم، حسب كبار الخبراء في العالم، ان يبقوا في بيوتهم لا ان يُذهب بهم الى مأوى عجزة لأنهم فيه منعزلون وهم يريدون ان يقضوا بقيّة ايام حياتهم في تلقّي العاطفة من ذويهم. اعرف ان هذا قد يتطلّب عناية فائقة وسهرا على صحّتهم وقد لا يبقى أحد في البيت اذا ذهب الرجل والمرأة الى عملها. وقد يكون المأوى ـ أيا كان اسمه ـ الحل الأبسط للعناية. ولكن ما من شك ان العيش في المأوى يولّد الحزن والشعور بالعزلة. في الحقيقة اذا كانت العائلة ميسورة الأفضل ان يبقى احد الزوجين في البيت ليحيا المسن في سلام وفرح لا يجدهما في المأوى. اما اذا كان لا بد من المأوى زيارة أهل المسن له ينبغي ان تكون منتظمة لا يهمل وحده بلا الشعور العائلي الذي نحتاج اليه. هذا مستحيل  اذا كان المأوى بعيد عن البيت او في مدينة اخرى. المهم ان يجهد الأهل لكي يخففوا عن لمس الشعور بالعزلة.

المهم الا يحس الشيخ بالإهمال من قبل الإدارة.

الى هذا هناك في أوربا مؤسسات لمساعدة الشيوخ او المرضى الذين هم في حالة الخطر على اجتياز ما تبقّى لهم من عمر وذلك بتعزيتهم والحديث اليهم بلغة دينية او غير دينية. هذا ليس بمستشفى ولكنه بيت مريح أشبه بفندق حيث يرتاح المسن او المريض الى ذلك الإنسان المدرّب على تهيئة هذا المعوز لقبول انتهاء حياته بالسلام. لست أعرف ان كان عندنا مؤسسات كهذه في لبنان ولكنها أساسيّة حتى لا يقع المحتاج الى هذه العنايات بالحزن واليأس.

لا بد لإنسانيّتنا ان تضمّ المسنّ اليها بفرح. انه لم يغادر الحياة بعد وهو قابل لعيش كريم ليس فقط في مجال الصحة الجسديّة ولكن في مجال الصحة النفسيّة والعافية الروحيّة.

سوف يكثر الشيوخ في السنوات المقبلة والعبء اذ ذاك، عظيم. لذلك هذا همّ المجتمع كلّه. وقد نكون في حاجة الى استنباط وسائل حديثة لكي لا يفهم المسنّ انه مقلق للأصحاء او عالة على المجتمع.

المسنّون أحباء الله. وعلى هذه القاعدة نتعامل وإيّاهم.

Continue reading