Category

2008

2008, جريدة النهار, مقالات

حق المخطئين / السبت 18 تشرين الأوّل 2008

إن قلت إنّ المخطئ يجب أن يزول أعطيت نفسك حق قتله. لا يقوم العدل اي الحياة للكل الا اذا قلت ان العدل يساوي بين المصيب والمخطئ في الحياة. الحياة هبة بقوة واحدة لمن اختار الفضيلة واختار الرذيلة لأن الإنسان ولو وُجد من أجل الخير إنّما لا يوجد قسرًا. فإن انتصار الحق ينفي استعمال السيف لنصرة الحق لأن هذه النصرة هي دعوة والدعوة تفترض عطاءها بالحرية وتقبّلها بالحرية ليكون القلب لله او للحقيقة.

الدولة اي المجتمع المنظّم بالقوّة هو الذي يؤمّن حريّة الخيار للحق وحريّة الخيار للباطل اي التلاقي السلمي بين أهل الحق والباطل بحيث لا يضطرّك أحد في الحكم او في خارج الحكم لاقتبال اي خيار الا خيار ان تذهب مذهبك في الصواب او الخطأ. وليس المجتمع السياسي ولا جزء منه مفوضا لاضطرارك على اي نحو تنحوه في الاجتماع البشري الا في ما هو السلام. فوظيفة الحكم الأولى هي تأمين السلام في ما يعني حقّك في اختيار ما شئت من دين وفكر وتأمين رغبتك في الدعوة الى اي ما لا يخلّ بالنظام العام والأخلاق حسب المصطلح عليه في تاريخ الفلسفة السياسيّة عند أفلاطون حتى الفارابي.

هناك دعوات تقوّض الانتظام الاجتماعي مثل حريّة القتل لأي سبب كان مثل إبادة أهل دين آخر أو حجز حريّاتهم وهناك الدعوة الى الزيجات المثليّة على ما يقوم اليوم في بعض البلدان وكذلك حرية الإجهاض والموت الهنيء. وتبقى حرية البحث بما فيها حرية الإلحاد.

أعترف ان ثمّة مسائل خلافيّة على صعيد الأخلاق ولكنّها قليلة في هذا البلد فليس من بلد يقبل بحرية الدعارة او بالتحرّش الجنسي بالأطفال او بالخيانة الزوجيّة وهنا تدخل القوّة الدوليّة القسريّة. ولكن ليس للحكم او لفريق من المواطنين تكفير احد حتى موته وإن جاز له أن يناقش أمور اللاهوت الى الأبد.

مؤخّرًا زارني عالم مسلم كبير غير عربيّ وتباحثنا في أمر الحوار الإسلامي المسيحي وسألني عن تصوّري له. قلت له ليس من حوار صادق بين الأمّتين الا اذا اتفقتا اولا على الا تتذابحا. الا تكون حياة احد منّا بيد الاخر، ان تكون أعزل وأنا مسلّح او العكس يبطل الشرط الأوّل للحوار اي السلام. هذا كلام سابق للمحبة. اما المحبّة فتقضي بألّا تخلط الدين بالسياسة اي الا يكون شرط حوارنا ان تسودني او أن أسودك في الانتظام السياسي. والا يكون لأحد على آخر امتياز في الاجتماع المدني لأن ذلك يبطل صدق الحوار.

# #

#

أعرف أن العلماء من الديانتين تساجلوا في العصر العباسي في حرية كاملة ولكن في عصر المماليك وبعده لم تبقَ المحادثة السلامية قائمة. الحريّة الكاملة في دولة ديموقراطيّة شرط للمقابلة الكلاميّة: في البلدان التي ليس فيها الدين قسريا الصداقات تعاش ولكن اللسان مكموم.

في هذا المنطق لا بد من سماء منقشعة وهدوء قلوب وصدق معاملة لتنفتح النفوس بعضها على بعض بين المذاهب في الدين الواحد او بين التيار والتيار ولا بد من الاعتقاد بأن أحدًا لا يحمل تفويضًا إلهيًا لهدر دم اي انسان لأن الله ليس إله الدم بل إله الحب بين البشر كائنا ما كان معتقدهم وهو يفصل بينهم في اليوم الآخر. افهم ما يقوله توما الأكويني العظيم من أن الخطر لا يحق له أن يبقى ولكن توما لم يفرّق بين الخطأ والخاطئ لأن الخاطئ يرحمه الله في هذه الدنيا وأحترم حياته انا ان كنت لله.

لست أريد أن أتأمّل في خلط المواقف الدينيّة والظرف السياسي في لبنان. أتحسّر على ذلك وأبكي وأنا موقن أن الرب لا يريد ان يودع المخطئون السجون لأن السجن للقتلة وليس لمن أعمى الله بصائرهم. “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” (سورة الكهف، الآية 29).

# #

#

تحدّث اباؤنا القديسون الأوائل عن كون الرب خلقنا على صورته ومثاله. أحدهم قال إنّ صورة الله فينا هي الحريّة. هذه يريدها الخالق فينا شرطا للخلاص لأنه لو جعلنا نطيعه بآليات وضعها وننسخ مشيئته فينا نسخا لما كنا على صورته. أخلص من هذا الى القول ان الله يريد لنا حريّتنا نحكم المدينة فيها اي انه يريد ان يكون الحاكم ايضا على صورته فلا يخيف الناس بالاستبداد فيتصرّف ضد منح البشر حريّتهم ليكونوا آلات في خدمة مطامعه.

واذا اعتبرنا عيشهم فيما بينهم لا يكونون احرارًا الا اذا كان كل فريق منهم يعترف بكرامة الفريق الآخر واذا تجادلوا فلكي يقتبس كلّ قسم منهم رأي الآخر يصدر عنه بلا وجل ولا خوف فتتكامل الحريات. وهذا هو العيش الواحد. لا وحدة بلا تنوّع ولا تقابل. ليست الوحدة صبا، انها كالبستان الذي تتعدّد فيه الأزهار وتختلف وجمالها بانسجامها وأنت، مالك عقار، يسجل البستان على اسمك ولكنّه متعة لأصدقائك وضيوفك. وفي نهاية النهايات، كما يقول الروس، انتم مجتمعون وأصدقاء بسبب من هذه المتعة المشتركة.

يؤسفني، كقارئ تاريخ، ان ألاحظ ان التشديد على الحريّة انبثق من الثورتين الأميركيّة والفرنسيّة في القرن الثامن عشر بعد أن عرفت ان قولة المسيح: »تعرفون الحق والحق يحرّركم« لم تنفذ حقا في التاريخ الديني ولكن نفّذها حكّام ابتعدوا عن الكنيسة. أعرف ان الحريّة العميقة، حريّة النفس لا يقدر مستبدّ عليها والدولة المستبدّة لا تقدر على من حرّر الله نفوسهم. ومع ذلك، أتت الحريّة من الأنظمة العلمانيّة ولو كان لها جذور في الأديان على اختلافها هي عطيّة الله. نستمتع بها من حيث جاءت كائنة ما كانت النصوص التي تزكّيها.

انا يهمّني ان تكون، ان ترعى المدينة. لعلّ ارنسان يذهب من هذه الحريّة السياسيّة الى حريّة أعماقه فيتربّى على ألّا تتحكم به شهواته ولعلّ الحرّ ساعده على الكيان الإنساني الحر.

أعرف أن كل هذا حلم وأننا سنناضل الى الأبد او قبل الأبد بقليل لنجعل للملكوت صورة في الحضور السياسي أفي الوطن كان هذا ام في العالم. ليس لأحد سيادة على عالم فيه مَن كان على الصواب وفيه مَن كان على خطأ وهؤلاء كلّهم عيال الله. متى ينتهي العتف؟ متى تنتهي كل أشكال العنف حتى نشتهي ملكوت الوداعة؟

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

سوريا ولبنان / السبت 11 تشرين الأول 2008

نشأ لبنان الحاضر حلما عند أهله في خطفة من الزمن بين إصرار فرنسا على سوريا الواحدة. نشأ سريعا جدا اذ لم يذكره اتفاق سايكس بيكو ولا معاهدة فرساي ولكنه نشأ وكان المخاض عسيرا ولكنه نشأ من بطن هذه الأرض ليسكن سماء القيم وأفراح الحضارات المتلاقية هنا منذ سومر وبابل وكنعان والعرب ممسوحا بزيت البهجة ومسلمًا لله ليقول كلمات ما قيلت معا قبل هذه الولادة الغريبة التكون، هذا المرسل الى العرب ليقيموا في الدنيا ومع الدنيا.

ما أعظمه تحديا للمتخاصمين على هذا الكوكب اذ يقول على طريقته انه يمكنه ان يجتمعوا وان يغنوا معا أنشودة الحب الإنساني الممدود في الأقطار بعد ان نصب الله بنفسه الأرز على جبالنا كما يقول المزمور 103. كيف تنقض ما رفعه الله ليخترق السحاب ويطمح في السماء؟

ما الغرابة في ذلك فليس من وطن مرسومة حدوده امام عرش الله! كل الأوطان مصنوعة. كلها ضم وفرز بعد ابتلاع. ما فرنسا سوى تحقيق لشراسة سيد النطاق الباريسي بكسر الأقاليم وإزالة اللغات المحليّة. ما ألمانيا سوى قرار من بسمارك. ما الباكستان سوى تقسيم بريطانيا العظمى للهند؟ هل من فرق تكويني من مسلمي الهند وهم مئة مليون ومسلمي الباكستان وبنغلادش؟ بلجيكا دولة مركبة من عنصرين كلاهما كاثوليكي ويشتهيان الانفصال.

شاء الموارنة هذا البلد منذ غورو ويوسف الحويك والأرثوذكس والمسلمون آنذاك ما شاؤوه حتى ارتضاه الجميع على مراحل انتهت بالطائف والدستور الجديد. أرادوه لهم جميعًا وهم متّفقون على حدوده الآن وعلمه وتنوعهم وتعدّدهم واختلافهم في ايلافهم هذا الحليف او ذاك او هذا السند او ذاك واتفاقهم على ان يقولوا لا لإسرائيل فيفكروا من جديد بشأن البلد اذا وقعت مع اسرائيل سوريا معاهدة سلم.

قال لي رجل دولة كبير من عندنا في مقابلة له مع المغفور له حافظ الأسد ان هذا قال له بعد ان تنضم موريتانيا الي سوريا سوف أفكّر بضمّ لبنان. الضم مُرجأ وكأنّ الحب عذري. هذه وديعة حافظ الأسد ونحن له شاكرون. هذه وحدها كافية لتمطر عليه الرحمات. لذلك لا أفهم قول اي لبنان نريد. فحكم الدول ان تدول والأحلاف أن تتبدّل. قال لي فلسطيني مسيحي كبير: ستزول اسرائيل لأنها ستنفجر من الداخل. «لست نبيا ولا ابن نبي». وكتب المناضل الفلسطيني العظيم ادوارد سعيد المدفون قرب بيتي في برمانا: انا أتمنى ان تصير فلسطين دولة واحدة لليهود والعرب. هنا ايضا لست أعلم ولكني أعلم كما يعلم المؤمن اننا لن نترك القدس لأن قلوبنا هناك. سترحل اميركاعن العراق بعيد الانتخابات الأميركيّة الآتية. هل بدأ الغزل بين فرنسا والشقيقة الجارة ام غدا حبا شرعيا؟

# #
#

هل الحلم اذا رعاه الله يبقى تحرّك قلوب ام هو وعد بأننا قادرون على استنزال البركات؟ يهمّنا جميعا ان ترتاح سوريا الى قوّتها ودعوتها الأبدية وهي مذكورة على الأقل مرتين في العهد الجديد ونحن مذكورون أكثر من سبعين مرة في العهدين بما كان فينا من عظمة وما كان من هوان.

لم يبقَ بعد ان تقادم الزمان علينا وعلى الجارة ان تخشى مما اعتبرته في عقود غابرات منا تهديدا على لأمنها. وحتى يطمئن قلبها أقول ليست لنا قدرة على أصغر موآمرة. غير اننا نؤمن ان الحب يستدل عليه او يبرهن عليه بعد ان تنشب خلافات بين زوجين او حتى اختلاف.

ليس لنا من مطلب الا ان تعترف سوريا صادقة اننا وطن نهائي وهي فد رعت الطائف. أمانينا أن تعترف بأن لبنان العميق يحبها والحدود ان رسمت علامة على ان الانسجام لم يبقَ هزيلا. لست أظن انها تشتهينا في احضانها فالاحتضان خطر او حزين. نؤثر ان نكون في قلبها لأنه أطهر من الحضن. الحدود المرسومة طمأنينة ولكن حدود القلوب غير مرسومة لأن القلوب لا تعرف الخرائط. والقلب لا ينثلم اذا تحقق الإخلاص.

وفي دستورنا كلام على الأمة اللبنانية. انا لا أتحدّث عن قوميّة ولكني أتحدّث عن مسحة عربيّة، عن ثقافة عربيّة، عن لغة لنا ليس لسحرها مثيل. هذا يكفي للشعور والتعاون والاستقامة في التعامل من اجل خيرك وخير الجار بحيث تشتهي له ما تشتهيه لنفسك واذا كنت طيبا تؤثره على نفسك ولكن في حريته وحريتك لأن الحرية لا تنقسم. وهذه البقعة من الهلال الخصيب انطلقت منها القضيّة العربية وهي باتت عليها وتغذيها وتذكّر بها وتقدّمها غذاء للعالمين.

وبعد أن برهنت أوربا الغربيّة على قدرتها على التلاحم بقي شيئان التلاحم والسيادات الوطنيّة او القوميّة (قولوا ما شئتم). وغدت الحروب عندهم غير معقولة في الحساب البشري وزالت أحلام الضمّ. وانت تموت حبّا بلا ضم. واذا نزل كلامي على الأرض فأشياؤنا الأرضيّة كثيرة ونتبادلها وندخل مسعى التبادل في كل شيء ما عدا الكرامة التي هي اعتراف بنفسك ومواجهة ومواجهة وهي في اللغة ان يكون الوجه الى الوجه حتى اقتراب القبلة وبعد القبلات يأتي تنظيم العيش في ما وهبنا الله من رزقه وفي ما تتبادل العقول النيرة والمتواضعة بآن. ولبنان مرغم على التواضع ولا يستطيع ان يستكبر ومن لا يستكبر لا يطمع الى ان يرتب الله شعوبه ترتيبا يوافقها وتتوافق الشعوب ان هي شفت.

عندنا كلمتان في الفلسفة اليونانيّة تدلان على العقل . عندنا كلمة إدراك وهو يتعلّق بشؤون الدنيا وعندنا كلمة تعني الإلهي فينا وهو أعلى ذروة في الفهم فاذا منحك الله الاثنين تصير انسانا سماويا لا يعلوه الا الملائكة التي لا تعرف الغرائز ولا أطماع فيها. متى يصير لبنان وسوريا ملاكين يتغنيان بالله!

هل تساعدنا سوريا على إطفاء نار الفتن المتأججة عندنا؟ هل تقف دون انهيار الهيكل اللبناني فخرابه خطر على الجميع. انا عشت زمانا كان وطننا هيكلا نعبد فيه الله ونجلّ الإنسان. في سلك الحقوق الذي انتظمت فيه ردها من الزمن كان لنا قضاء نزيه وعالم. كانت تصدر من محاكمنا أحكام ليست دون محاكم فرنسا جلال وحكمة ومعرفة. نحن عرفنا الطهارة او الكثير منها في كل قطاعات حياتنا الوطنيّة. ورأيت الاستقامة في اعمالنا التجارية والصدق في التلاقي. لم يكن لبنان فاسدا في الإدارة بصورة مريعة. كان في البلد بذور الإخلاص. وما كنا نصدّق ان مجالاته كلها محكوم عليها بالفساد.

لبنان له من ربه وعد بالقيامات.كذلك عرفت سوريا تمارس فيها الديموقرطية ممارسة مرضية وبلدا يعج فيه الفكر الخلاق وكنا نحن واختنا الكبرى متشابهين كثيرا. فلماذا البرقع الذي يحول دون رؤيتك الوجه الوضاء؟ اكشفوا عن الوجوه الأقنعة واستلذوها حتى لا يغرى احد بالأجنبي. «وتعرفون الحق والحق يحرركم». لماذا لا نصبح امّتين بارّتين لندخل من هنا باب السماء معا؟ الاتهمنا سماء نحيا بركاتها على هذه الأرض؟ نحن ننتظر ومن انتظر لا ييأس ويبحر الى أقاصي الأرض ليعلم البشريّة الحرف الذي انبثق في اوغاريت شمالي اللاذقية وتبنيناه وصدّرته جبيل. والأبجدية هجأناها في البلدين في القرن الخامس عشر قبل الميلاد. وبحروفنا أبدعت اليونان الفلسفة.

نحن قادرون ان نتفلسف ونبدع ونطعم العالم من عقلنا المتأله ونتلاقى بالعمل وكل نوع من أنواع الخلق وراء حدود مرسومة على الخرائط والأرض وبلا حدود محفورة في القلوب.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

البلد العظيم / السبت ٤ تشرين الأول ٢٠٠٨

الإثنين الماضي صباحًا كانت سيارة متجهة من طرابلس الى محلة البحصاص فيها رجل وامرأته وثلاثة أطفال أكبرهم عمره ست سنوات قاصدين مدرسة الأولاد في الكورة. ولي مع هؤلاء نسب حميمي. كانت المتفجّرة قد تفجّرت ورأى هؤلاء أنفسهم أمام الدخان المتصاعد منها. اي انهم لو وصلوا الى المكان دقيقتين او ثلاثا قبل الانفجار لماتت العائلة كلها.

          لا تعرف من أين يأتيك الموت في لبنان ولا تعرف من قتلك. نحن بتنا جزءًا من لعبة تحتاج الى مجرم والى قتيل والى خبر في الصحف. كل منا يذهب الى موضع عمله ولا يعلم ان كان يعود. القدر الأعمى كتب علينا هذا. من يستطيع ان يتذاكى على القدر او يتفلّت من قبضته؟ هل في هذا البلد سحر يجعلك تلازمه ولا تخشى الخطر؟

          كان تحت بيتي الى جانب الطريق مربض للجيش في الحرب تطلق مدافعه قذائفها على الجبل المعادي والجبل يطلق علينا حممه. واللعبة تجري أمامي ونافذتي المطلّة على المربض عرضها أربعة أمتار ونيّف. وانا اكتب اثناء رقصة القذائف مقالاتي للنهار او ما ينفع المؤمنين وذلك بلا خوف إطلاقا. تربينا خلال سنين طولى على الاستسلام. هكذا عشنا بلا فكر، بلا رجاء استثنائي كما النهر يجري في واديه تدفعه الطبيعة الى حيث يجب ان يصبّ. اذا ذكرت اللافكر الذي ذقته أشعر انه غمرني غمرا لا يوصف. مرة دعاني الرئيس أمين الجميّل الى القصر فناديت سائقي ان يغادر بيته ليلتحق بي في الجبل. فلما وصل الى مقري أخبرته اني أريد منه ان يسوق بي الى الرئيس. قال الإذاعة تبث ان الطريق من هنا الى بعبدا تتساقط عليها القذائف. قلت له اذا طلبني الرئيس فلكي يبلغني شيئا او نتذاكر بأمر. سلّمت نفسي الى الله وسرنا. وحده ربّك في لبنان يحفظك وليس للدولة دور في بقائك حيا. انت تنال وجودك نعمة.

          انا لست أعرف من فجّر المتفجّرة في البحصاص ولكن ليس مقبولا ان تقلب السلطات كل الاحتمالات ونجعل هذا حديث صالونات لأن الموت بات مألوفًا. سألني أحد الأصدقاء اليوم لماذا تكتب كثيرا في هذه الفترة عن الموت. أجبت بت في هذه السن أليفه. ولكن هَب أن أقربائي الأطفال كانوا في السيّارة وبقي واحد منهم كيف تفسّر له ان القتل يحبّه قوم عندنا. كيف تفسّرللطفل ان القتل شيء عبثي فالطفل يلعب مع الطفل بكل حب. لماذا لبنان ليس مملكة الفرح؟ لماذا يحمل الطفل الدمية ودمية البالغ سلاح يلغيك. لا يفهم الولد لماذا كانت القاعدة ان يلغي القوي من لا يستقوي بأحد. أتصوّر أقربائي الصغار كانوا يغنون وكثيرا ما أسمع غناءهم ويفهمون اللغة التي يستعملون في الغناء. ولكن ما هو الفهم الذي يحرّك القاتل؟

#                       #

#

          المنفّذ عمليّة الإبادة لن يقرأني وقد لا يقرأني باعثوه واذا فهم فله منطق آخر. والأصل الفلسفي لكلمة منطق يوناني ويعني العقل او الفهم. وهذا الذي يريد إلغاءنا يلغي الحياة في مطلقها لأنه لا يعرف هويّتنا اذا أتى القتل عشوائيّا.

          لأذهب اذًا في منطق الآمر بقتل الجنود في البحصاص. هو ليس خاليا من العقل المنظّم وربّما من الذكاء. ولكون الاعتداء على الجند ليس المرة الأولى فبلا ذكاء مفرط لنا ان نتبيّن الخيوط التي تربط كل الجرائم ضد العسكر. واذا افترضنا ان المبعث ليس واحدا فالفلسفة التي ألهمت كل الجرائم السابقة وجريمة البحصاص واحدة. لا لزوم اذًا الى بحث كبير وتدقيق عظيم لمعرفة الجناة.

          هذا يوضح ان ثمّة من يريد الانتقام من الجيش. ولكن هذا أضعف الإيمان. ما يتضح من تراكم الجنايات وتتابعها وكثرتها ان ثمّة عداءً للجيش واننا لسنا امام عمليات صغيرة رمزيّة. هناك تصميم على كسر الجيش وربما دعوة الى تفتيته لأنه يحمي المصالحات الوطنيّة. من المستفيد  من هذا التفتيت؟

          ولكن الهدف الأخير هو القضاء على لبنان ومحوه من الخريطة. وممكن ان تثمر المصالحات ولا تنتهي خطة تقويض البلد. هل يُراد تخريب لبنان عن طريق الإخلال بأمن طرابلس وجعلها تيأس من قدرة الدولة على أمن المدينة؟ لقد آمنت عاصمة الشمال بلبنانيّتها منذ تولي المغفور له عبد الحميد كرامي رئاسة الحكومة بصورة واضحة او من بعد انكفائه عن الدعوة الى الوحدة السورية في السنة الـ ١٩٣٦ ولم نشهد بعد ذلك ما جعل الناس يشككون بلبنانيّة المدينة. فالقول بأنها أمست بؤرة للأصوليّة الإسلاميّة لا يأتي تاليا من أهاليها. هل هناك بؤر دخلت اليها خلسة. هذا لا يعسر على الدولة معرفته ولا يعسر  عليها تاليا حفظ كرامة الطرابلسيين وتعقّب أعداء طرابلس اذا كانوا متغللين فيها.

          وكما ضرب الجيش أعداء الوطن في نهر البارد لا يصعب عليه ضرب من يماثلهم او يشبههم في أحياء المدينة اذا كانوا قابعين فيها. ولعلّ من أهداف إحداث تفجير في البحصاص خطة تقسيميّة تعزل الكورة عن طرابلس ومئات التلامذة الذين يذهبون كل يوم من المدينة الى الكورة وان ينعزل في الكورة اهاليها تسهيلا لمهمة الذين يهوون عزل الكورة بسبب مذهبي او غير مذهبي. هناك تشابك او أسباب مفترضة كان لها جذور في الماضي وتؤول جميعا الى برعايةا الشمال او احتضان الشمال من غير القوى اللبنانيّة.

#                        #

#

          ان تصير الدولة دولة هو المواجهة لكل الافتراضات والجواب عن كل الأسئلة. الوطن كله تهدده هزالة كبيرة أقوى من كل المصالحات وبحث قانون الانتخابات والاستعداد لها. من ضمن تقوية الجيش من كل جوانب القوّة بحيث يخشاه المتسترون وراء قوى نجهلها والمتغذية منها. اسرائيل هي العدو الوحيد؟ هل هي وراء الاغتيالات والانفجارات؟ بانتظار معرفة ذلك تقديري ان عدوّي من يقتل أهلي وجيشي. انا أواجه اسرائيل باستقراري اولا اي بقمع المجرمين في الداخل ولا أحد يقنعني ان الدولة عاجزة عن معرفتهم وتاليا عن إدانتهم في مراجع القضاء بعدالة كاملة لأن الدولة جسم لا ينتقم من احد. أريد ان يصل الولد الى مدرسته وان يعود منها والمواطن العادي ان يذهب صباحا الى عمله ويعود وان يتنزّه الناس في الشوارع عند المساء.

          كل التأويلات المتعلّقة بالمذهبيّة تزول حتما اذا عاشت كل المناطق بسلام فلا يشك أحد بالآخر على هذا الأساس ونتقابل ونتلاحم. كل تشهير بكتله اخرى يسقط على نفسه اذا تعايشنا بسلام وما اقتنعنا ان هذا البلد مكتوب عليه الموت الى مدة طويلة جدا. الحلول لا تنزل علينا آليا من الجو. تقرأها السلطات وتتابع تنفيذها. وعند الهدوء يقتنع الجميع ان البلد ليس بحاجة الا ان يرعى نفسه فينصرف الى العيش المنتج والتقدم على كل صعد الوجود ويثبت لمن يهمّه الأمر او لا يهمّه انه قادر على  قامته ان يصبح بلدًا عظيمًا.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الموارنة / السبت 27 أيلول 2008

ليس في الدنيا حياد. لأن الدنيا قراءة للسياسة والسياسة، منذ أفلاطون، قراءة للإنسان الحر. العبد عنده خارج المدينة. بعده اي في الأزمنة القريبة أدخلنا المرأة الى المدينة وربما ساعدتها اذا ادخلتها الى مجلس الأمة ولطفت رجاله. ويَدخل القوم المجلس أفواجا وأديانا، في ظلال الأرز الذي الله ناصبه كما يقول المزمور. وتعلم في كل ذلك انك لا تستطيع التنطح الى الألوهة. هذا ما فعله آدم فعوقِب في الخروج من الفردوس. والمبتغى العودة الى الفردوس ومنه السياسة الحكيمة.

الرشد السياسي بدا انه نزل على المسلمين والعقل نزل على الموحّدين الدروز ومرشدهم الروحي يدعى شيخ العقل. وحدهم الزعماء الموارنة الذين يتأبّطون في ظهورهم الكلامي بقية المسيحيّين في حاجة الى أن يؤمنوا بجوهر ديانتهم او بكل ديانتهم أعني المحبة. ولكنّّم في حالة انتظار حتى يأتي الترياق من العراق.

لماذا سميت الزعماء الموارنة؟ لأن دنيانا الصغيرة لبنان قائمة على الزعامات او لأن المسيحيين الآخرين ليس فيهم زعماء او لا يريدون هذا النمط من القيادة او لا يستطيعون ولأن القليل اذا عيرته بقلّته او لم تعيّره مضطر على الإنزواء في بلد التوازنات المستحيلة او قد يجد نفسه على غير صعيد ولكن هذا لا يرى في الطاحون السياسي الذي «اسمع فيه جعجعة ولا أرى طحينا».

لنقل اذًا الموارنة لأنهم الوحيدون في الميدان حتى تأتي الإنتخابات بالموارنة الجدد. حرجي في هذه الأسطر اني أسقف أرثوذكسي واني لا ألقّن درسا خارج نطاقي ما يضطرني الى كلام متواضع ولست مدعوا بحكم هويّتي ان التزم احدًا او ألازم أحدا من الإخوة الموارنة وان ضممتهم جميعا الى صدري بحكم كأس الخلاص الواحدة التي نتناولها في القداس. انا تعلّمت على مقاعد اللاهوت انك ان اكلت جسد المسيح وشربت دمه فلكي تأخذهما معك الى خارج الكنيسة اي الى سياسة المدينة. اللاهوت الكاثوليكي يعلّم انه يجوز لك في الدنيا ان تختلف مع اخيك المسيحي لأن للسياسة قواعدها وللكنيسة قواعدها. وهناك طرق للاختلاف ولكن ليس هناك طريق للخلاف ولا للإنشقاق لأنك ان دخلت هذا تكون في الكنيسة قد شربت دينونة لك فيما كنت تحسب انك شربت دم المخلّص. الحاجة اذًا الى منطق، الى ان يستوي الجميع على آرائك الحب.

هناك عبارة تتكرّر «المسيحيون ولا سيّما الموارنة». لماذا «لا سيّما» والموارنة وحدهم يصنعون السياسة ويقولون انها سياسة للمسيحيين جميعا. يخطئون وحدهم لأنهم وحدهم في المواجهة ويوقعون المسيحيين الآخرين في الجب الذي حفره الماروني للماروني ويتألّم الجميع ويضطَهدون في أزمنة الفواجع حين لم يخطئ الجميع.
# #
#
كتب مرة القديس يوحنا الدمشقي منذ ألف ومئتي سنة تقريبا في المجال اللاهوتي «لانمورنن» ولكنه كتب باللغة اليونانيّة التي ألصقت بالأرثوذكسيين. اما في المجال السياسي بعد انقضاء كل هذا الزمان فالمارونية السياسيّة وحدها قائمة ويقع على قادة الكنيسة المارونية ومؤمنيها ان يصحّحوها لأن تجربة الحرب بيّنت انها باطلة وانها أسهمت في اندحار المسيحيين وعلى تهميشهم فالمسيحيون قاسوا جميعا نتائج الغلطة التي يرتكبونها. وحان حين التوبة والاستغفار الصادق وهما وحدهما ينقذان الموارنة وفي الإنقاذ نحن واحد وما كنا واحدا في الغلط.

اذًا «تعالوا الى كلمة سواء» وعندنا نحن اتباع الناصري هي كلمة محبة اي كلمة التلاقي في الحياة الوطنيّة. انا كتبت غير مرّْة اني لا احب التكتل المسيحي لأنه يناقض التكتل الوطني. في الشأن الكنسي الوضع آخر حيث كل المسيحيين واحد. اما في امر دنياكم فالمسلمون والمسيحيون واحد كما قال جبران تويني. ولكن بعد التفسّخ العميم بتنا مضطرين الى تلاقي الموارنة بعضهم الى بعض وفي المبدأ ليس لأحد ان يعلّمهم درسا في المحبة ولكن في الواقع أشكر الله انه جمع السنة والشيعة كما يبدو وجمع الموحّدين الدروز ويبقى ان يجتمع اهل المسيح في هذا العالم المجتزئ لنتساوى في الإخاء الوطني.

ما من شك عندي ان الشعب الماروني الطيب يريد الخلاص في الاتحاد وان يصبح زعماؤه الحاليون دعاة الاتحاد وهذا ليس إزاء المجموعات الأخرى ولكن تأكيدًا لمحبة الماروني للماروني ومحبة الماروني للمسيحي الآخر على طريق المصالحة التي تتضمّن المصارحة بين اللبنانيين جميعا. متى يصيرون واحدا في الوطن كما هم واحد في المسيح؟

هذه دعوة انسان متألّم من الفرقة. فهذا بلد غير معقول بلا موارنته لا في نشأته ولا في آتيه. متــى يعقل الموارنة هذا بلا افتخار ولكن بروح الخدمة التي دعوا اليها ليكونوا مع الجميع بلدا واحدا؟

رجوعا الى الزعامات وهي لا تبدو كثيرة. نريد بينها تلاقيا كبيرا في قواسم مشتركة. انا لا افهم الكثير في السياسة أولست منخرطًا فيها. ان انكفاء الزعامات في المارونية عن التوحد المعقول يؤذن بخرابها وخرابنا جميعا. التضحيات مطلوبة ولست أقول بلا فكر ولا نقاش. هناك تلاحم بالقلب يؤتي التلاحم بالعقل. هذا ما يقوله اللاهوت الأرثوذكسي الذي أجيء منه. فالقلب المستنير يسقط نوره على العقل حتى يتلاحما. لا يفتكرنّ أحد بالاستغناء عن الموارنة. انهم أركان ولكن لا يفتكرن الموارنة بالاستغناء عن أنفسهم. فاذا سقطوا في هذه الخطيئة يموتون ويموت البلد معهم.

أنا لا أعرف الآلية التي يتّخذها الإخوة الموارنة ليصلوا الى الصلح فيما بينهم. هم يعرفون بعضهم بعضا وفن المحادثة عندهم. ولكني استنجد بطريركهم ليجمع كل طاقاته الحيّة ليعود الى ندائهم وجمعهم، ليطهرهم من داء الافتراق والى وحدة فيهم خلاقة. ناشدته في هذه الزاوية مرّة ان يناديهم امام المذبح المقدس اذ لا يبقى له أبوّة ان رفضوا هم بنوتهم له ويفقدونها ان لم يوحدوا قدسيّة كنيستهم الى قدسيّة لبنانيّتهم. انه يستطيع بروح النبؤة ان يتذكّر قول الكتاب: «اضطرهم على الدخول» الى بيت الصدق والعطاء والى التأمّل في حاجة لبنان اليهم. «اليوم، اليوم وليس غدًا» يا سيّدي. اليوم قادة الموارنة السياسيّون يجب ان يتّقوا الله من أجل نفوسهم ومن أجلنا حتى يصير البلد معافى. وبعد توحّد كل اللبنانيين كل في عشيرته لكل حادث حديث. والوحدة إن تمّت تولد الوحدة.

وأنا أصلّي، وأبناء كنيستي يسمعون صوتي على ما أحسب. بقيت وحدتكم يا أحبّتي الموارنة شرطا لنهوضنا جميعا في ظلال الأرز.


Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الذين غابوا / السبت 20 ايلول 2008

الأحياء اذا غابوا عنك وهم لا يزالون على قيد الحياة لا يموتون. يجعلونك تذوق بعض موت. ولكن الحياة كلّها غربة حتى يخطفك الله الى ملكوت الحياة التي لا تنصرم وهو القائل عنك لمن غيّبك: »أعطني هذا الغريب« لأنه يريد أن يجعلك رفيقه.

وقد تكون سببا لهذا الاغتراب او يكون صديقك او كلاكما كذلك حتى نعود الى الوطن السماوي حيث يجلو الملكوت وتغني مع الملائكة الإله الذي ارتضى بدم ابنه ان يجعلك له حبيبا. كل تواصل في الدنيا نسبي فمن اخترته لك قريبا قد تكتشف بعده عنك او بعدك عنه وترمى في الصحراء وتعطش فيما تتبدى على رجاء الواحات. ولكنّ الواحة قد تتفجّر او لا تتفجّر واذا أنقذك ربّك من البادية يبدو حولك جنات ما كنت تتوقّعها. ولعل الوجود كله يقذفك بين العطش والارتواء حتى ترتوي في اليوم الأخير بما أعدّّ الله من ماء الحياة الذي لا خيبة فيه. وهذا ليس لك فيه اختيار. ولعل كل الناس موتى عطش حتى يحييهم ربهم برحمته عليهم بالخيرات.

وتقضي وقتك وأصدقاؤك ما عرفوك. رسموا لأنفسهم صورة عنك وقد ينقضي معظم زمانك لقاء صور بحيث تغدو غريبا لمن حسب انك لصيق.

اما الذين ارتحلوا من موت فهم ألصق بك لأن الموت لا فراق به ولو بدأ لوعة لأن اللوعة مواجهة لا خصب فيها والموت فراق العيون لا الوجود عن الوجود ولاسيما اذا كان الذي ذهب قامة من نور فهو يضيئك والحي يطفئك احيانا او انت طافئه اي ان واحدا منك لا يقتبل الضياء الذي هو وحده الحياة كما يقول يوحنا في مطلع إنجيله. ولا ندرك كيف تنزل عليك من الذين ارتحلوا مودات ولكن هذا يقع في أعماق النفس. وتتقبل هذا المطل عليك من فوق وترنو اليه في الضيق لتتعزى عن الآخرين او عن نفسك ويساقط هذا عليك ثمار السماء واذا نزلت عليك مائدة من السماء تكون لك وله عيدا ويكون الحزن قد انقطع.

واذا أدركت الشيخوخة ورأيت انهم يذهبون الواحد تلو الآخر لا ترى نفسك، بالضرورة، وحيدا لأن الفراق ليس مقاطعة وربما كان اللصوق بالسماويين أقوى من ذاك الذي على الأرض لأن الله مشيئته فيك وفي هذا الذي صار عندك أقوى في الرفقة وأقوى في النسابة وعلى الأرض ليس من نسابة حقيقيّة الا التي لا تظهر.

هنا كل شيء من عالم المحسوس اما اذا انقضى الجسد فتذهب معه احاسيسه وينشأ فيك وفي من رحل إحساس لا يسجّل في بدنك ولكنه جقيقي أكثر من البدن الذي انت فيه الان.
# #
#
كثيرون ممن عاصرت وعايشت وأحببت منذ وعيي اي قبل سبعين سنة ونيّف ارتحلوا فاصدقائي من الأطفال والكهول والشيوخ يقيمون في الرحمة. انا بعضي هناك. نحن نعيش على هذه الأرض وفي الحقيقة اننا نحيا فوق على رجاء امحاء خطايانا وكسب الرأفة الإلهيّة. غير انه لا يسوغ القول ان من ذهب من الأحبة يحيا فيّ. ويسوغ القول انه يحيا معي اذ ليس من عشق بيننا وبين الأموات. فالتحرّك نفسي بمعنى التواد اللاهب للنفس ليس له مكان هنا. ولذلك لا نعيش في التوجّع وبعد مدة من الفراق يزول الحزن ايضا. »لا تحزنوا كما يحزن باقي الناس الذين لا رجاء لهم«.ويجوز لنا ان نفرح للأحبّة الذين غابوا لأنهم في مطرح أرحب من قلوبنا وأهم. وهم يعيشون مع أمثالهم الأبرار ويشدونا ليس الى أنفسهم ولكن الى ربهم.

واذا ذكرناهم في الدعاء ففي الحقيقة نطلب لهم الرحمة لأنهم قادرون ان يذوقوها. ذلك ان التراب لا يدوسهم ولو غطّى أجسادهم. ان اجسادهم في رعاية الروح القدوس وهو جامعها منذ الآن الى الله على رجاء القيامة والحياة الأبديّة. الشيء المشترك الواحد بيننا وبينهم هو الرجاء.

لما تأمّلت في هذه الأمورمنذ فترة قصيرة وفي عودة الى دستور الإيمان عندنا لفتني فيه قولنا »اؤمن بإله واحد« وبالابن والروح القدس وعندما نصل الى القيامة نقول: »وأترجى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي« وذلك لنؤكّد اننا مشدودون اليها اي لأنها وعد. لماذا لا نقول فيامتي ولكن قيامة الموتى. ذلك اننا واحد معهم وان الجماعة التي تكوّنت هنا هي اياها التي تقوم مجتمعة بالحب الإلهي الذي ينزل عليها لتستيقظ من رقاد الموت. ويزول، عند ذاك، سر الموت اذ بديله سر القيامة.

انا احيا تاليا مع أصدقائي القياميين ولذلك يعطونني الآن ما كان أعظم وأجمل من الذين كانوا يعطونني لما كانوا معي على هذه الأرض الزائلة. كل بذل هنا بين حبيب وحبيب انما يشوبه الضعف البشري. وإحساسي ان ما آخذه اليوم من الراقدين ليس فيه انثلام الأنا التي كانت للصديق ولي. انا الآن أبذل نفسي عنهم بالعطاء وهم يبذلون لي ما يستمدونه من الحضرة. ولذلك بات ما نتبادله أنقى بكثير مما كنا نتبادله هنا حتى يرفعنا ربّنا الواحد الى الكنيسة الظافرة في يوم حكمته.

لذلك وجب علينا ان نساعد المدنفين على لقاء ربهم وهذا بات علما اليوم وله مؤسساته وفيه نباهة النفس ورأفة كبيرة حتى لا يخشى احد الموت بل يستقبله باىمان واتكال على ما ينزل عليه من الحنان الإلهي وقد يلمس ان حنونا مستقى من الحنو الإلهي فيشكر ويسلم لربه بفرح او بعض فرح مع خشية طبيعيّة وقد يبكي لخروجه من حضن هذه الأرض التي كثيرا ما كانت حبيبة. وربما تجلى الله لكل من دنا أجله لعله يتراءى له شيء من الأنوار الإلهيّة قبل ان يغمض عينيه. هذا الجسد فيه اقتبال للأنوار لأنه مثل جسد المسيح. ربما زال عنه شيء من الفساد قبل ان يفارق ولاسيما اذا فارق في غبطة القديسين.

# #
#
في هذه الحال هل غابوا؟ انا يحزنني ان يقول بعض اننا لا نستطيع ان نقول شيئا قبل ان تأتي الدينونة اذ ليس عندنا في الإنجيل ما هو قبل القيامة. جوابي كيف تقبلون كلمة الرب: »الله ليس إله أموات بل إله أحياء«. هنا ايضا لست في مقام سجال ولكني في مقام الحب. هؤلاء الأعزة التي حدثتكم عنهم هم معي وانا معهم وانا اعرف ان الأمر أمر لقاء دائم وليس تخيلا. هناك أربعة او خمسة من الناس أذكرهم دائما وأذكر واحدا كل يوم لأنه كان عملاقا روحيًا وعالمًا لاهوتيًا كبيرا. ليس للخيال مكان في ذكرى عظيمةة كهذه. والى شهادتي كخاطئ يصلّي هناك ايضًا خبرة القديسين الذين اناجيهم ويناجونني واكتب واتكلّم عند املائهم واذا كانوا لا يستكتبوني فأنا أتفه المخلوقات. انا اعرف انهم أنقذوني من محن كثيرة أدعوتهم صراحة ام لا أدعُ. هذه أبعاد في الوجود لا يعرفها الا الذائقون.

لذلك أكرر الا تبكوا على الأحبة اذا توفاهم ربهم اذ تكونون تبكون على مشاعركم الأرضية وتحبون الا تنقطع دموعكم التي هي من الأرض بل افرحوا لمن بلغ السلام ولمن يستطيع ان يستنزل عليكم راحة هي من التعزيات العلوية. »افرحوا في كل حين واقول ايضًا افرحوا«. اذكروا انكم فصحيون وان هذا الفصح قادر ان يستقر فيكم. لم يفنَ شيء فالمصاحبة قائمة فوق وهنا وأجواق الملائكة والبشر تنشد معا واذا اجتاز الكاهن عندنا درجات الهيكل عند الدخول بالإنجيل يقول لله: »اجعل دخولنا مقرونا بدخول ملائكة قديسين«. واذا كانت الكنيسة مطرحا للسماء فالفرق بين الذين دعاهم الله اليه والذين استبقاهم ان المستبقين لا يزالون على الخطيئة واولئك بانتظار المجد الأخير.

كلنا توّاق الى هذا المجد بعض في هوان وبعض في قوّة حتى يزول الهوان.


Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

عيد رفع الصليب / السبت 13 ايلول 2008

مرة سألني واحد من شهود يهوى: لماذا تكرّمون الصليب، هل تكرم ام قتل ولدها بمدفع العدو هذا المدفع؟ أجبت: عند المسيح أداة موته هي اياها اداة حياته. وغدًا الذي هو تذكار رفع الصليب يحمل الكاهن في كنيستي الصليب على صينيّة مليئة بالرياحين او الزهور ويطوف به بين المؤمنين خمس مرات ويسجدون حتى تلمس جباههم الأرض اي يلتحمون بها كما يلتحم الميت بالتراب ثم يقومون كما قام المخلّص وفيما هم ينتصبون يقول الجوق: يا رب ارحم ويتصاعد النغم ما صعدوا.

وبعد السجدات يقبّلون المصلوب ويدفع اليهم الكاهن ريحانة او زهرة حتى تزهر حياتهم من سر المصلوبيّة التي ارتضاها السيد لخلاص العالم.

هذا الوصف يوحي اليك ان الكنائس التقليديّة تستعمل الرموز لتتكلّم. هي لا تكتفي بالتلاوة ولكنها تجعل مؤمنيها يتحرّكون استجابة للنعمة التي تنزل على لسانهم وجسدهم. ماذا يعني ان يقبّلوا الصليب؟ لا يمكن ان يعني الا انهم يقبّلون المصلوب تأسيسًا على هذا المحسوس عند جميع الشعوب التي فيها شِعرٌ ولحن ورموز اي تعبير. هذا هو أساس الأيقونة القائمة على ان ثمّة قفزة لعيني المؤمن من الصورة الى المصوّر عليها، من الأرض الى السماء. هذا يجري في النفس التي تحس المعنى وظاهره معا. اما الذين حاربوا الأيقونة ليس فقط في امبراطوريّة الروم بين القرن الثامن والقرن التاسع وكل محاربي الصور في الدنيا المسيحية وربما في الحضارات الأخرى توقفوا عند الكلمة المقولة باعتبارها الأيقونة الأخيرة اي المطهر الأخير لذاتها.

واذا قلّدنا الطفل عند معموديّته صليبًا معلقًا في سلسلة فليس لأنه يحمل في ذاته قوّة شفاء او تقديس ولكنه مكان تخاطب بينك وبين المسيح اما اذا كان يحمل بحدّ نفسه قوّة فاعلة يكون تعاملك وإياه سحرا.

يوم الخميس العظميم مساء وقت للطواف بالصليب وهذا بعد قراءة إنجيل وعندما نضعه في وسط الكنيسة نقول: “نسجد لآلامك ايها المسيح فأرنا قيامتك المجيدة”. فكيف يقول بعض: اننا عبّاد صليب او خشبة؟ آسف ان حرب الأيقونات جعلتنا نتعلّق بالصورة لغة. من يكفّرنا بسبب من استعمالنا الأيقونة يقف عند ألوهيّة المسيح دون العبور الى بشريّته والى اعتبارها مملوءة من الألوهة. الصليب عندنا أيقونة اي صعود الى السماء بالفكر والقلب قبل القيامة العامة.

الصلب عندنا كشف لله على وجه مسيحه ونصر لله في عذاب مسيحه.

# #
#

اما كان لله كشف قبل مجيء السيّد؟ ما من شك ان الرب كشف عن ذاته بالأنبياء، بكلمات هي من عنده. ولكن اذا سمّى الإنجيل يسوع الناصري كلمة فمعنى هذا ان الكلمات القديمة انصبّت فيه. مع ذلك نلجأ اليها لأنها كتبت عنه وهيّأت له. وعندنا انه مطرح الله الأخير وتجلّيه الكامل فيه. عندنا ان الله سكن بشريّة الناصري سكنى كاملة وانتهى بذلك النهج النبوي وفي المسيح انتهت الوساطة بين الله والبشر. ما كان الأنبياء الا مرسَلين. صحّ ان المسيح يقول ان الله أرسله ولكن معنى ذلك انه أرسله في البشرة وانتهت بذلك السيرة النبويّة ليحلّ محلّها الإعلان الكامل عن الله. ذلك ان المسيح هو كلمة الله. والكلمة قائم بقيام الله. اي لم تكن لحظة في الكيان الإلهي بلا كلمة في هذا الكيان. من هذه الزاوية نقول ان المسيح من حيث كونه كلمة أزلي.

به اذًا تغير المنهج النبوي ليحلّ محلّه نهج بلا مرسلين، نهج كلمة الله فيه بابنه مباشرة وان استعمل بولس هذه العبارة ليدلّ بها على بشريّة السيّد وتحققها الكامل بالخلاص.

قضيّة الصلب في كل أبعادها هي هذه: هل الله بشّر قديمًا بالخلاص الجامع الشامل لكل من آمن به؟ نظرة الأنبياء القدامى ان ثمّة مشروع خلاص أعدّه الله لكل الذين يحبّونه اي انه مشروع تكافل في الحب بين الله وعبيده او تناجي حب وليس فقط وعدا بالغفران لكل من تاب. هذا الغفران عندنا نحن هديّة إلهيّة لكل الجنس البشري مجتمعا. هي علاقة الله بالإنسانيّة وليست فقط علاقة عمودية بينه وبين كل فرد يتوب. الحقيقة هي ان الله مخلّص او ينتدب مخلّصا للقيام بعمل يمسّ البشر جميعا. هل الخلاص هو للبشريّة المفتداة بدم يسوع اي بحب يسوع للناس جميعا ويكتسبه بنوع خاص- وما قلت بنوع حصري- من آمن بهذا الحب؟ هل هذا تلاقٍ بين الخالق والخليقة كلّها في زوال الشر والخطيئة والموت وانت تدخل في هذا المشروع بانتمائك الى الجماعة التي وُعدت بالنجاة؟

ما هو أسبق اذًا من حادثة الصلب هو الإيمان ان هذا الصلب اذا حدث فإنّما هو ينبوع الخلاص وتلقي الخلاص. اذًا لا بدّ لنا ان ننتقل من حادثة الخلاص الى فكرة الخلاص. والى الايمان بمحبوبيّتنا عند الله.

في اعتقادنا ان تعريفنا عن الله ينتج عنه تعريفنا للإنسان الذي أصبح وجه الله بعد ان رسم يسوع معالم وجهه المنور على كل وجه.وبهذا المعنى نصبح سماء ونندمج بأزليّة المسيح وأبديّته.

# #
#

عيد رفع الصليب لا ينحصر بأن هرقل قد أعاده الى القدس من بلاد فارس بعد ان وضع الملك خسرو يده عليه وبعد ان غزا اورشليم في العام 614 وعاد به الى عاصمة المدائن حتى تمكّن قيصر الروم هرقل من استرداده وإعادته الى كنيسة القيامة.

المسألة لا تنتهي بهذه الحادثة. فالأعياد عندنا وان استندت الى وقائع الا انها اعياد فكر. الفصح فكر القيامة والباقي يتفرّع عنها. والفكر تنقية قلب تشارك العقيدة. واذا شهدنا لصلب يسوع نكون قد دخلنا عهد حبّه. وكل من أحبّ فهو شهيد ويحمل في نفسه المصلوبيّة. وهذا يعني ان عيد غد دعوة الى التطهّر ومن مكوناتها ان تتنقى من الرذائل وان تتسربل البهاء الإلهي لكي تقيم في الحياة الأبدية، لكي تصبح انسان الملكوت ولو كنت تعدو على الأرض. فاذا تأمّلت في علامة الصليب حيثما حللت يقيم الله بينك وبينه رباطا وقفك رتباطك بمعاصيك وبذا تصبح انسانا جديدا اي عبدا للبر بعد ان كنت عبدا للخطيئة.

تلك هي طريق الحياة. لذلك أخطأ الصليبيّون الإفرنج لما أراد هؤلاء قتل اهل هذه البلاد اذ كانوا على دين آخر او مذهب آخر. الصليبيّة كانت الشرخ بين الغرب والشرق، كل الشرق في منطقتنا. لذلك لم تكن لنا علاقة نحن المسيحيين الشرقيّين بهؤلاء الغزاة ولم يكن للصليب علاقة بهم. جاؤوا ليجعلونا مصلوبين.كنا عائشين في السلام مع أهلنا الآخرين وفرقنا هؤلاء المحاربون باسم علامة المحبة. وبهذه العلامة الطيّبة فتحوا القسطنطينيّة السنة الـ1204. لماذا وجهوا الحملة الصليبيّة الرابعة الى عاصمة المسيحيّة الشرقيّة ولماذا دنّسوا كاتدرائيّة الحكمة المقدسة.

نحن نسينا وغفرنا ورئاستهم الروحيّة اعتذرت مؤخرا عن هذه الفاجعة. في هذا الشرق نحن نقدّم لسكان بلادنا صليب وداعة لا تقتل احدا. اذكروا ان الصليب نسميه شجرة كما في الطقس البيزنطي يوم هذا العيد ممتدة الى السماء عموديا والى الآفاق جميعا. علامة لا نرذل بها احدا ولكنا نعانق من كان مستعدا لمعانقتنا. نحن نصلب شهواتنا لنكون مؤهّلين للعناق الكوني ومنه يفيض النور.

عيد رفع الصليب بات اذًا تهليلنا بالكونيّة ووعدا بلقاء المحبّين من كل صوب. نحن نقدّم مصلوبيّتنا ولا نقدّم صالبيّة. نحن نُمات كل يوم لنحيا ويحيا الجميع، لنبقى هكذا شهداء للرب ويصبح كل انسان على طريقته شهيدا. ليس في عقيدتنا مضمون غير الحب. فمن رفضه رفض ربّه، هذا الذي نقول في لغّتنا انه ابو الناس جميعا.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

القداسة / السبت 6 أيلول 2008

القداسة ابتغاؤنا. كل شيء عظيم بعد نفحات النعمة ينشأ بالجهد. النعمة يجب ان تحبّها وتتلقاها وتعمل على إثمارها لأنك أنت التربة. وهذا ممكن لأن الله يحبك ولأنك قادر على طاعته، الطاعة حتى شهادة الدم إن طلبها الرب.

عندما ندعو أحدا الى القداسة كثيرا ما يقول: «شو أنا المسيح؟» المضمون في هذا الاعتراض أن القداسة استثنائيّة او هي لنخبة نادرة وبخاصة جماعة الرهبان. ربما لأن أكثر المطوبين منهم ما خلا الشهداء ولكن عندنا في التقويم مجموعة من المتزوّجين منهم ملوك وعسكر وفلاحون اذ المسيحيّة ليست كمّ الصلوات لكن طهارة القلب واستقامة المعتقد والبساطة والتواضع والغفران والمحبة. فالفضيلة ليست حكرا على أهل الأديار وخدام الكنيسة. انها نوعية وجود بقهر الشهوة الضارة والبقاء على الرغبات الشرعيّة وان تصير النفس والنيّة انجيلا حيا فحيثما يتجلّى المسيح في انسان بالكلمة والسلوك فهناك رسالة لله غير مكتوبة.

هؤلاء المرتبطون بالسيّد والمتعلّقون به منذ نشأة المسيحيّة حتى اليوم هم الكنيسة. هؤلاء كان الروح القدس معلّمهم لما كان كاهنهم تافها او مؤذيا. الكثيرون من الناس في الكنيسة نفايات بشر والقلّة التي تنقت رباها الله من السماء. قامت بالممارسات التي كان القيّمون عليها يتممونها بلا روح، بلا فهم، بلا قناعة ولكن مضمونها، ملفوظًا، ينزل في القلوب بدفع إلهيّ.

هذا لا يعني اننا نستغني عن البشر- القدوة. فهناك تشبه بالذين هم للمسيح الذي يرتسم فينا سلوكهم. الفضيلة فيها جانب تقليدها من جيل الى جيل وكل الرهبانية قائمة على أن المبتدئ في نسكه يتربى على يد أب روحي وهذا ينشئ المسيح فيك. وابن الكنيسة البار المنتمي الى مصف العوام (يسمونهم اليوم علمانيين) يتخذ ايضا لنفسه أبا روحيا من المتقدمين في معرفة للنصح وتقويم السيرة بالمجاهدة وكفاح الخطيئة. غير انه ليس كل كاهن أبا روحيا. نعت الأب الروحي معطى للكاهن قائم في كتبنا الطقوسية ولكنه كثيرا ما كان تجاوزا للواقع اذ ليس كل كاهن يلدك في المسيح. غير ان القديس نيل المتنسك في برية سورا الروسية يقول ان لم تجد ابا روحيا فاتخذ الكتاب المقدس ابا وفيه من الإرشاد ما يكفي. ولكن هذا يفترض ان يجعلك الرب مبتلعا لكلماته، ممتصًا اياها في جوف كيانك لتصيرها.

هكذا ينشأ الراغبون في القداسة على القابض على تراث البر او تطول قامتهم الروحية بكلمة الله المباشرة.


# #
#

»إرادة الله قداستكم» (1تسالونيكي 4: 3). هذا كلام مرسَل الى جميع الناس وليس فقط الى طغمة معيّنة ذات مناصب او مسؤوليات معيّنة في الكنيسة. ذلك ان الله قال ايضا: «كونوا قديسين كما اني انا قدوس» (1بطرس 1: 16). وهذا ليس المقصود فيه القديسين المطوّبين. فغير القديسين في السماء لم تعلن الكنيسة قداستهم. والقديسون على الأرض كثر ويتعاطون جميع الأعمال في دنيانا. والقداسة مطلوبة من جميع الأعمار والأجيال. وليس صحيحا ان الأبرار فقط من الكهول والشيوخ اذ القداسة ليس لها عمر ومداخلة الله في كل القلوب ممكنة حسب مقدار الطاعة. ذلك ان الجهد يريد الله كل أبنائه ان يبذلوه. والطهارة ممكن تقبّلها في اية سن.

القداسة ليست نزاهة عن كل ضعف او سقطة لأن القيام ممكن بعد كل وقعة. ولكن المهم الا يستسلم المرء الى أهوائه ورغباته الساقطة وان يؤمن ان قيامة النفس من الخطيئة ممكنة ابدا. ان الذين اطّلعوا على تاريخ آبائنا القديسين يعلمون انهم عانوا التجارب وان هذا او ذاك منهم لم يتمجّدوا طوال حياتهم على خط مستقيم وقيامات مطردة. هناك سقوط وهناك قيام. المهم ان يعرف المؤمن قواعد القيام وان يتوب في عمق وان يصمم على استضافة الله في قلبه بعد كل إغراء أصابه. المهم الا يصالح الانسان خطيئة وقع فيها وان يكرهها كليّا. المهم ان يحب معايشة الرب. «ما أحلى الرجوع اليه». المهم ان يجد فرحه في المسيح وان تتمزّق أحشاؤه ان هو أخطأ. المبتغى ان يسعى الى ان يكون انسانا فصحيا لا مكانة فيه للاستلذاذ بالشر وان يبغض الخطيئة في كل انسان آخر حتى نخرج جميعا الى القيامة لأن القيامة هي الحرية.

وحيث الحرية فهناك روح الرب ونصبح، اذ ذاك، روحًا واحدًا معه. عند ذاك لا مجال لعبوديّتنا للشر. ليس من الحقيقة ان الانسان ميال الى الشر بالدرجة الأولى. هناك عشاق للخير وغلابون للميول الفاسدة فبهم. هناك من تلألأ بالحب الإلهي وجعله صبغته الدائمة كائنة ما كانت الجهود لحفاظه على البر. ذلك ان البر مكلف والتدثر به تعزية لا توصف. نظهر اننا ندوس غبار هذه الدنيا ولكننا معلقون حقا في السماء. ورأسنا يصل كل يوم الى عتباتها حتى يخطفنا الملكوت في فرح يفوق بلا تصوّر لذات الدنيا.


# #
# لم يمنعنا الرب عن اللذت الشرعيّة في دنيانا ولكنه لا يريد ان تدخل الى قلوبنا. هو حريص على ان يسكن وحده القلب البشري. والدنيا نستعملها ولا تستعملنا. نستعبد الأشياء التي في حوزتنا لأن من ساده الله يسود هو كل شيء. والدنيا تترجَم مالا وحذّرنا يسوع ان نعبده عبادة لأن الله واحد ولا يقبل الشرك. نتزوج وزوجتنا اخت ورفيقة درب ولكنها مشاركة ايانا في محبة الرب. الطريق الى الرب تستعمل كل الطرق المؤدية اليه. الله هو المحبوب الوحيد والأخير وان كانت لنا مودات اباحها الخالق وأباحها الفداء واذا كان لنا جسد فلا نطلبنّ ان نكون ملائكة ولكن نسعى الى ان نتخلق بأخلاق الرب وان نتأله بالنعمة.

هكذا نكون واحدا مع جميع القديسين الذين في السماء والذين على الأرض. نناجيهم ويناجونا ويكتمل فرحنا بهم. هذا ما نسمّيه مشاركة القديسين. وهؤلاء هم أهل الله وهكذا ننجو من العذاب ولو أصابنا المرض وكثرة من العذابات. وهذا هو الصليب الذي لا يبلغ احد بدونه القيامة وهو نفسه بدء القيامة هنا. فالمسيح هو مركز وجودنا أكنّا أصحاء او مرضى، مثقفين كنا ام غير مثقفين. فاذا استنار القلب بالروح القدس يكون للعقل سلامة الله ولا يبقى العقل معقدًا او مرتبكًا او شاكًا اذا كان فيه ما سماه بولس «فكر المسيح».

وبه نترك كل فكر مناقض ونعقل كل الوجود كما يعقله الله. بذا نصبح عشراء الله ومن لحم المسيح وعظامه اي كل من المقدسين يصير مسيحا بدوره كما تعلّم كتبنا. العقل، اذ ذاك، يتمسحن وكذلك القلب ونغدو كيانات من نور وتزول عنا الترابيّة فنغدو في الأخير نورًا محضًا ويرانا الله من ضيائه. وفي اليوم الأخير بسبب من تنوّر البشر يصير الكون المادي كله نورا كما يعلّم مكسيموس المعترف ونورنا يتعرّف الى نور الكون. وهذا النور المعمّم يصبح مسكن الله.

تلك هي القداسة التي نعرفها من الكتب الإلهيّة ومن تراث الطاهرين. ويلحّ الله علينا ان نتسربل هذا النور كما هو متسربله. نحن مدينون فقط لهذا العطاء النوراني ولا نستطيع ان نرتضي شيئًا دونه اذ لا تبقى رغبة الا فيه.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الطفولة / السبت 30 آب 2008

لا تأمّل في موضوع كهذا الا بقدر ما يهم الله. ولقد قادني سبحانه الى رؤية وجه الطفل منذ سنين قليلة بعد ان كان محجوبا عني. ولست أعلم ان كانت شيخوختي سببا لهذا الالتفات. ربما لأن اقتراب الأجل يجعلك أقرب الى البدايات.

هذا يذكّرني بقول المزامير »ما أعظم اعمالك يا رب، كلها بحكمة صنعت«. المشهد اننا نمو »في الحكمة والنعمة والقامة« كما يقول لوقا. لماذا النموّ الساطع المحضون في الذبول المتوقع؟ لماذا يتبع السقوط النمو اذا كان الجسد مكان الحالتين؟ هنا ايضا يصدعني السر. هنا لم أكتشف شيئا لأني لست بباحث. ولكني أنقب بعدما تتبين لي الرؤية.

لا أعرف شيئًا يذكر عن الرضيع الذي فيه كلمات ولكنه لا ينطق بها. غير ان الأم تعرف ولها معه تواصل خفي يأتيها من حدس واستساغة للوليد. اما بعد هذه السن فتبدأ تمتمة تنتهي الى كلام يزداد وضوحا فترة بعد فترة. النظريات المتعلّقة بالكلمات وبربطها وتركيبها كثيرة ولست أغوص عليها لعدم اختصاصي ولكني أحاول انتهاك السر بعقل هو غير عقل الطفل وكأننا ننتمي الى عالمين لم يلتقيا بعد وكأن بعضا منا يبقى طفلا او شبه طفل ولو كبر سنا لأن من الناس من لا يبلغ الرشد.

أرى كثيرا أربعة أطفال من أنسبائي. لماذا واحد وله من العمر أربع سنوات متفوّق تفوّقا مذهلا وكأنه يعيش في أعماق لا أفهم وجودها في هذه الطفولة المبكرة والآخرون على ذكاء بيّن حتى أدركت أن الوليد المتفوّق يسهر عليه ذووه لتمرين دماغه تمرينا حادا وكأنه يبتلع شيئًا من الحكمة. هل كان آينشتين عند تكوّنه في البطن هو اياه ما صاره عالما؟ أميل الى الاعتقاد اليوم ان النشوء هو كل شيء لا تزيد عليه التربية الا القليل ما عدا هذه الأعجوبة التي نسمّيها التوبة التي تجعل منك خليقة جديدة. كنت أنتظر من البرفسور فيليب سالم عن تهيوء جينة او اكثر للسرطان في كلام الناس الأحد الماضي ولكنه لم يفعل وكلّمنا على أسباب كنت أجهلها في نطاق الالتهابات. هل هناك جينات ذكاء او جينات فضيلة؟ لما كنت أدرس الحقوق الجنائيّة تعرّضنا الى نظريّة لومبروزو القائل بأن الجريمة مسجّلة في الجسم ودحضها أستاذنا ولكن لماذا تجد طفلا شرسًا، ضرابا وغالبا ما يبقى كذلك وتجد طفلا وديعا غالبا ما يبقى كذلك. نحن من جديد في عالم سر لا يٌكتنه. لماذا يقرأ علماء الفلك في السماء في سهولة كبيرة وعلماء النفس والمربون والأطباء اي المتعاطون الإناسة ليسوا مطّلعين بهذا المقدار. هل الإنسان وحده سر الأسرار لكونه ذا نفس معرفتها أصعب من معرفة الأشياء الفيزيائيّة وهل لأن التركيبة النفسيّة- الجسدية psychosomatique  معقدة الى حد ان العلماء يتمتمونها ولا يبلغون في شأنها الا القليل؟

لا تقنعني النظرية القائلة ان الانسان ابن مجتمعه. افهم ان هذا يصقله الى حد، يحسنه ويفسده الى حد. ولكن لماذا يصمد الكثيرون امام الإغراءات ويسقط الأكثرون؟ افهم ان ذويك يقودونك الى الله من حيث انك تأتي اليه اذا هما أتيا اليك وقد أثبت ذلك الدكتور كوستي بندلي في الأطروحة التي قدّمها لجامعة ليون. ولكن هذا ترجيح وليس حتما. كان عندي صديق نشأ مثل أخته على طهارة كبيرة ولطف شديد ولم أعثر عنده على اي خبث او لؤم او ضغينة. كان وردة فواحة وكذلك باتت شقيقته. عرفت بعض الطاهرين وتحسّرت كثيرا على غيابهم. في حسي ان هؤلاء كانوا يصنعون الرجاء ويصنعون الفرح ويعزونك عن الصدمات التي تأتيك من كل صوب ولا سيما اذا كنت تتعاطى شأن الناس.

# #

#

تنطوي اذًا الطفولة. واذا اعتبرتها براءة فعند بعض لا تنطوي. تحسرت كثيرا على ارتحال صديق آخر روسي مهجري هو من أعظم مؤرّخي الآباء القديسين وتاريخ الكنيسة. اذكره كل يوم ولكن السرطان أكله في بضعة أيام. ظل طفلا كما عرفته منذ ستين سنة، طريئا. ما بدت لي خطيئة في مسالكه. هؤلاء يأخذونني ليس فقط الى الأحلام ولكن الى السعادة. أهي شهوتنا لافاق السماء التي لا يسكنها الا أعزة الله المقربون الذين لم يجذبهم الا وجهه الكريم.

ظننت اني أخصص هذا المقال كله للأطفال واذا بأماني العميقة تأخذني الى من كانوا أطفالا. انهم رشدوا عقليًا وحافظوا على قلب الأطفال. أليس هذا ما قصده يسوع الناصري بقوله: »دعوا الأطفال يأتون اليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات؟« (متى 19: 14) .لم يقل لا تنمو فأبوه وضع قاعدة النمو ولكنه أراد: لا تعرف قلوبكم الشيخوخة المملوءة بالأعراض الجسدية والنفسيّة. لا تمرضوا في العمق. اذهبوا ما شئتم في حب الآخرين وفي إيثارهم عليكم لأنكم في هذا تجدون أنفسكم ويضعكم الرب في ذاته وفي تعليم آبائنا انكم تصيرون كأنكم مثله لا بدء لكم ولا نهاية. الله يراكم مثله ولا تعلمون انتم ذلك لئلا يجرح تواضعكم. انتم تنظرون الى الحقيقة وتعرفون انها تنجيكم ولكنكم لا تعرفون كيف ان الطفل لا يعرف ذاته ولا يعرف انه يخطئ. يكسر الصحون ولا يدرك انه أخطأ. هذا لأنه لم يعرف بعد ان يميّز بين الشرّ والخير وينمو هكذا أمام الشمس او يقف كالعذراء مريم على القمر ولا يفهم اذا قالوا له انه جميل اذ لم يعرف القباحة ليقارن. لم يأكل بعد من شجرة معرفة الخير والشر ولم يصر كإله. لذلك لا يؤدبه الله ولكنه يرعاه في حياده عن الخير والشر متمايزين. لذلك يقيم الطفل في السماء ونحن نظن انه بيننا ونحسب اننا نرعاه وفي الحقيقة ان الله راعيه وكثيرا ما يحيد به أهله عن الرعاية الإلهية هذه.

والطفل ليس مثلنا مرتبك الفكر ولو تململ لكون أمه حرمته قطعة من الحلوى ونحن ابدا في تذمر من الحياة وفي ضجر. هو يطمع ولكن أمه تعالجه بالحب وكثيرا ما لم يعالجنا احد وكثيرا ما لا بفهمنا اكثر الناس وان لم نطلب مديحا ولا شكورا. الناس معظمهم محجور عليهم في عزلتهم والطفل يرى حوله كل العائلة ويقيم عيد مولده ويدعو أترابه اليه ويحب عالم الطفولة ومعظمنا يحزن على إدراكه الكهولة والشيخوخة لكوننا نخشى الموت وان نبقى مظلومين. ونموت احيانا مظلومين الى ان يحق الله الحق في يوم الدينونة العادلة.

وليس عند الطفل غريب الا اذا اعتدى عليه ونحن كثيرا ما نعيش في عالم الغربة عند هذا وذاك في حين كنا نظنّ ان الصديق لا يدين ولا يحرمك من حرارة وجدها. وكان أرسطو يقول: »يا أصدقائي ليس من صديق«. انا لا أذهب الى الحد الذي وصل اليه المعلّم الأول ولكني أعرف ان الوحدة انسانية نادرة وان الله وحده هو الصديق لأنه »ليس عنده محاباة للوجوه« ولأنه يحن عليك لأنك ابن أحشائه وكل قربى في هذه الدنيا محاولة لكي تستطيع في هذا الجسد ان تهجئ علاقتك مع خالقك وفاديك. اما الأطفال فهم عالم الصداقة لأنهم يتلاعبون صادقين واما نحن فنتذاكى اي اننا نستكبر ونستكبر لأننا نستعلي ونستعلي لأننا نظن أنفسنا شيئا ولايعرف أحدنا انه كالسقط كما رأى بولس الرسول نفسه.

# #

#

كيف تصبح راشدا في العقل وتظل طفلا في القلب. بولس يقول ايضًا: »بالنعمة انتم مخلَّصون«. يجب ان ينزل الله عليك لتحافظ على طراوة الطفولة وان يتشبه عقلك بعقل الله. واذا لم تطمح الى ان تتخلق يخلق الله تصبح مسخًا آكلا للبشر قاضيا عليهم بالكبرياء، منشئًا لنفسك زعامة سيئة فمسيئة، ترمي الناس في عزلة وسأم، غير قادر على المحبة اي مرميّا في الجحيم التي ترمي نفسك فيها وانت في دنياك. والله وحده يعيدك الى طراوة الطفولة.واليها تسعى فقط بالتوبة والمعجزة قد تحصل. ربما ينقذك اخفاق نفسك وحزنها. واذا افتقدك الرب بنعمته تخرج من نفسك المنغلقة ويجعل الله روحه فيك فتصير بشرا سريا ويستقيم عقلك وترى شجرة معرفة الخير والشر ولكنك لا تقطف ثمرة الشر. فلإدراك بساطة الله لا بد لك من إحجام فتجد في نسكك الفرح كما يفرح الطفل بأصغر هدية. وهدية الله اليك هداه وقرباه وأبوته حتي لا تتحير وأبوته حتى لا تتحير بين البر والمعصية ويبيت، اذ ذاك، فيك الملكوت. وتصاحب الملكوتيين وان اشفقت على العصاة بشفقة الله لأنهم هم ايضًا أبناؤه ولا تستعلي عليهم كابن الانسان الذي كان يعاشر الزواني والعشّارين فترحمهم كما كان هو يرحمهم وتعتبرهم إخوة بسبب من الأبوة الإلهية الواحدة. فتضمّّهم الى الملكوت الذي انت فيه وتقيم معهم السماء على الأرض.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

المسمّون معوقين / السبت 23 آب 2008

المعوّق هو الناقص جسديا او عقليًا، المبتورة ساقه او يده، المفلوج، الضرير، الجالس على كرسيّ أبدًا او المتوكئ على عكاز، الذي يسمّيه المجتمع معوّقًا لأن الناس معيارهم سلامة العقل او الجسد وهم وضعوا قاعدة السلامة قائلين: “العقل السليم في الجسم السليم”. من البداهة القول انّ من أصيب بعاهة يمكن ان يكون أستاذا جامعيا.

كلّنا في الحقيقة معوق بصورة او بأخرى. المرض المستعصي لون من ألوان التعب او الانهيار احيانا ويحسب نفسه مرشحا للموت قريبا وقد يخطئ الأطباء. ولكن الناس تعتبر علم الأطباء لا يخالطه سوء تقدير اذ لا بد ان تتّكل على من يكاشف في حالتك الصحيّة وتماشي الأطباء على الرجاء اذ تأمل أحيانا ان يكونوا مخطئين وان قوة عليا تنجيك. مرة سألت طبيبا كبيرا: “هل الطب علم ا هو فن؟” أجابني: “انه فن وأخلاق”.

وعلى رغم سلامة العقل عند هذه الفئة من البشر لا نزال نتحسّر على من نعتبره ناقصًا لكوننا نعتبر ان الكمال كمال الجسد. في الحقيقة ان ليس من إنسان غير مصاب قليلا او كثيرا. كل امرئ يحمل أذى في جسده وليس الذكاء نصيب كل مخلوق عاقل. أصحاب العقول الوضّاءة قلّة في الدنيا.

أبدأ بالأمراض العقليّة بما فيها الجنون المطبق كما كان يسمّى. غير أن الأخصائيين يقولون لي ليس من جنون مطبق. المجنون هو الذي اصطنع عالمًا غير الذي نعيشه، له قواعده ولكنه لا يلتئم مع قواعدنا نحن المدعوين أصحّاء. ثم قد يعود المختل الى عالمنا الحقيقي فيرصف بين العقلاء. ولكن بعد اكتشاف فرويد العقل الباطن صار كلّ منّا موضوع الأطباء النفسانيين. اي ليس في العقل الباطن او اللاواعي من إنسان سليم. ولكن قد يجهل معظم الناس هذا ولا يطلبون علاجا لئلا يتهموا بالخلل العقلي. الجنون عالم قائم بذاته، سرّ كبير مهما تصدّى له المعالِجون. والمجانين اخوة لنا كذلك المصابون بعصاب.ونحن نصبح وإياهم دنيا واحدة اذا حكمتها المحبّة.

مرّة فيما كنت أدرس اللغة الألمانية في ألمانيا وهذا قبل أربعين سنة ونيّف رأى أساتذتي لأتمرّن على اللغة أن أساكن عائلة قائمة في قرية كبيرة مخصّصة لمعالجة داء الصرع واطّلع على أحوال المرضى وأخاطب الذين لم يبلغوا في المرض مبلغا كبيرا. رأيت حالات مروّعة تتراوح بين الجنون الكامل والقدرة على الصناعات اليدويّة وكان الكلام مع هؤلاء ممكنًا. ما تاريخ هذه الضيعة؟ قس إنجيلي رأى فيما كان يتأمّل في هذا المرض ان المصابين به في حاجة الى ان يحبّهم واحد واعتقد ان لاشفاء الا بالمحبّة. ولما أدركت هذه القرية رأيت فيها عائلات تطوّعت لمرافقة المصروعين بمشاركة حياتهم فتأسست مدرسة ثانوية لصبيانهم ومدرسة للإناث وكلية للمرضات ووجدت كلية لاهوت لإعداد القسس للخدمة الروحية لهؤلاء المرضى. كان يجب ان يعتني احد بهم، ان يعنى بهم إنسانيا وليس فقط على صعيد الاستشفاء.

# #

#

اما على الصعيد الجسدي فأخذت الإنسانية المعاصرة تفكّر بأنه ليس من إنسان ساقط من الاجتماع البشري وان ليس ممن أصيب جسديا لا يصلح لشيء وفهمنا ان كل واحد من هؤلاء قادر أن يستعيد قواه بالعمل لأن العمل هو التأهيل اي الدعوة الى اندماج المريض بالصحيح اذ ليس من إنسان لا قدرة له على العطاء فالعطاءات تجمعنا وتؤلّف منا جماعة موحّدة متراصّة فلا نتيه في تقديس للجمال الجسدي.

ثم هل من جمال او قباحة الا في النفس؟ هناك أعضاء ناقصة او وظائف ناقصة لا فرق وتعوّض عن الناقص بفضائل عظيمة والانسانية تقوم بالإنسان الطاهر لا بالإنسان الجميل. وخارج الأنقياء القلوب ليس من وجود.

لي صديق كبير لبناني ضرير يعلّم في احدى الجامعات الأميركية له مؤلّفات في المادة التي بدرّسها. يذهلني بمعرفته للأديان التوحيديّة وغير التوحيديّة. كيف جمع علمه وكيف يعطيه بدقة علميّة كبيرة؟ صاحب نظرية التفجر الكوني Big Stephen Hawkins Bang مفلوج ولا يتكلّم ويعطي دروسه بإشارة الأصابع وأعطى للعلم الحديث ما لم يعطه الكثيرون. انه اذًا لموجود وفاعل مع ان إعاقته ذروة الإعاقات. المهم ان نقول لهؤلاء ايضًا انهم اخوة وانهم ذوو قدرات وأن المعطوب في كثير من الأحوال هو كالسليم لكونه مثله معطاء ولكون حياته قائمة على ما في داخله من بهاء.

مرة، يوم أحد، كنت اصلّي في طرابلس وعرفت ان صديقًا قديمًا لي فقد بصره وبترت له ساق بسبب من مرض السكري. فبعد القداس ذهبت اليه لعيادته وأخذت في الطريق أركّب الجمل التي عزمت قولها لتعزيته. فلما وصلت اليه أخذ هو يكلّمني عن الرب فلمست سلاما فيه وهدوءًا أغناني عن إرشاده وكان هو مرشدي.

# #
#

الإعاقة تحديدا هي ما يعطل الحركة في بعض من جوانبها وما لا خلاص منه. انها وضع تتأقلم معه بلا حسرة لأن الحسرة تقتل وتكون قد زدت على النقص نقصًا. المهم ان تقتنع انك كامل الإنسانية لأن الإنسانية ليست بالجسد ولا تبقى أسير محدوديّته وتبذل ما استطعت وبهذا تتحد بالإنسانية المسمّاة سليمة وقد لا تكون كذلك الا بالظاهر. نحن كلنا متآزرون في سلامة نفوسنا. فاذا بقي معوق نفسيا تحت وطأة إعاقته نعمل ما نستطيع لخدمته وتوجيه ما له من طاقات حتى لا يقع في الحزن وتاليا في إهمال واجبه نحو الجماعة البشرية مصابة كانت ام غير مصابة فيتم التلاقي بيننا بالرجاء وجمع قوانا لإنهاض الكل.

واذا كان لا بد من الاختيار لعمل معيّن بين المعوّق والسليم في انتاج القدرة نفسها فاختيارنا يذهب الى المعوق حتى لا يبقى هذا عاطلا عن عمل يقدر ان يقوم به ويتحرر من رواسب الأسف في نفسه او اليأس فنبرهن له واقع الحياة المشتركة. اننا نرحب به ترحيبا كاملا فلا يتحسّر عن النقص اذ هو في نفسه مؤهل بحبنا له.

# #
# كان لي صديق لبناني في احد البلدان الأوربية معطل الساقين دعاني الى زيارته وظننت اني سأستأجر سيارة للذهاب اليه واذ بي أرى انه يسوق سيارة مصنوعة خصيصًا لهذه الفئة من المعوقين. سمعت منه فيما كنا قاصدين منزله لهجة حسرة على وضعه. قلت له انك دكتور في الفلسفة وتكتب بثلاث لغات وتلقي دروسا في الجامعة. وكنت حليف المسيح في بلدنا وهنا ومستواك العلمي مثل مستواي او أعلى فممّ تشكو؟ وهذا الشاب يتلقّى من زوجته حبا عظيما وقد اقترنا وهي عالمة بوضعه اذ كان فائقًا على الصعيد الروحي وعلى رقة نادرة وراعيا لجاليتنا هناك ويعد كتبًا في الفكر العربي والإسلامي.
فاذا كان المعوّق مع الله فالله يعوض له بحضوره فيه ما يحسبه الناس نقصانًا. الرب مكمّل وجودنا منتقصًا كان الجسم ام كاملا وليس من كيان كامل من هذا المنظار ام ذاك فكل جسم مضروب بمقدار والنفس لها ان تكون كاملة او شبه كاملة حتى يردّنا الله الى سلامة الملكوت. في هذا الوجود الأرضي لنا أن نتلقّى الكلمة التي تنزلب علينا من فوق.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الموت / السبت 16 آب 2008

لا مرد للموت منذ بدء الخليقة. تتجاوز كل حادث بالرجاء ما عدا هذا وان كنت تترجى «قيامة الموتى والحياة الأبدية». اذا وضعت رأسك على الوسادة لا تعلم ان كنت تفيق غدا او لا تفيق. اذ ذاك تدعو أن كنت من المؤنين. السؤال الذي يطرح نفسه هو ان «الله يميت ويحيي» كما جاء في الكتاب بمعنى ان الله سبب الفراق او سبب البقاء. لا نجد ان الآية هذه تتكرّر في العهد الجديد غير ان أفصح قولة فيه أن «أجرة الخطيئة هي موت» (رومية 6: 21). هنا يتكلّم الرسول على الموت بمعنى مزدوج: الموت الجسدي والموت الروحي. دليل ذلك انه بما تبقى من الآية وهو قوله: «وأمّا هبة الله فهي حياة أبدية».

في آيات عدة من القرآن جاء ان الرب يحيي ويميت. هل يعني هذا ان الله هو السبب المباشر لموت كل فرد ام ان سببية الله قول عام يتعلّق بالبشريّة جمعاء من حيث ان الموت ناموس. ولكن ما معنى ااية الـ 42 في سورة الزمر: «الله يتوفّى الأنفس حين موتها». في تفسير الإمام الرازي ان الله يتوفاها عند الموت اي يمسكها ولا يردّها الى البدن اي ان هذا المفسّر الكبير لا يقيم فرقا بين التوفّي والموت. هنا اتخذ المفسّر الواو بمعنى عطف الشيء على مرادفه ولكن جاءت الواو بمعنى التخيير كقولهم «نأت فاخترلها الصبر والبكاء» اي أحدهما. من هذه الزاوية لا شيء يمنع لغويا ان يكون التوفي عمل الله والموت حدثا بيولوجيا في الإنسان. ولكني أفهم ان الرازي لم يستطع ان يخرج من السببية الإلهيّة.

من الواضح ان الخطاب الإلهي لا يتعرض للمقابلة بين البيولوجي والإلهي. واذا تمسّكنا بالناموس الطبيعي لا يمنع ذلك قول المسيحيين: خُلق الإنسان للخلود وان الموت قصاص. كذلك ليس من شيء يلغي الحقيقة التي أعلنها الله على لسان بولس. «ان أجرة الخطيئة موت». لذلك يقول المسيحيون الأرثوذكسيون ان الناموس الطبيعي جاء من بعد الخطيئة وهذا نظام يرعاه الله. وتاليا لا شيء يمنع من الزاوية الإهية ان يموت الجسد بسبب من هذا الخلل الذي دخل هذا المختبر الخيميائي الذي هو الجسم.

اجل الله يمد بعمر هذا وذاك بسبب من مقاصد له ويحسّن وظائفه البيولوجيّة كما يشاء وانا موقن كل اليقين ان هذا التحسن فرصة لتوبة المسنين. وبهذا المعنى يرعى الله الجزئيات لأن الدعوة هي الى الحياة الأبدية. وأما ان نقول مع العامة ان عمر هذا الإنسان او ذاك مسجّل في الأبدية عند الله ويبعث بالأمراض حتى يحين الحين فهذا ما لا أراه. مؤكّدا في الكتاب الذي أدين به.

وضع بشري والتفاتة إلهيّة لكي يموت الإنسان على البركات وفي الرضاء والتأهّب للفراق هذا ما يبدو لي توفيقا معقولا بين ما هو في السماء وما هو على الأرض.

#   #   #

لا يصح عند عامة المسيحيين ان تقول ان الله صالحنا مع الموت اذ يقول بولس: «آخر عدو يبطل هو الموت» (1كورنثوس 15: 26). لقد صالحنا المسيح مع الله بموته هو لا بموتنا. وتتم المصالحة الأخيرة عند انبعاثنا من بين الأموات. ذلك ان موت المسيح حياة لنا. وهذه هي المفارقة انه كان لا بد من موت آدم الثاني لتفعل حياته فينا.

اما لماذا نهرب من الفناء الجسدي بالطعام والرياضة والدواء؟ ذلك لأن الحياة على هذه الأرض مسؤوليّة ورعاية لمن هم حولنا اذ «كل إنسان راعٍ» كما قال الإمام علي بن أبي طالب. والخدمة التي نقوم بها لنا وللآخرين هي تحقيق لهذه المسؤولية. ليس محرما ان تطلب الموت ولكن الحرام اليأس من صعوبات الوجود. فقد يريدك الله مريضا او عاجزًا ومكسورًا. فهذا ليس شأنك وعليك ان تعالج نفسك كأنك تعيش ابدا اذا توفرت لك وسائل العيش. اما ان تستسلم للفقر والمرض والكسل ان كان باستطاعتك تجاوزها فتلك هي مشيئة الله.

لقد وهبنا الله الحياة ودعانا الى ان نحفظها ونحافظ عليها وذلك بكل جدية فينا وإخلاص له وللأحبة الذين نوليهم انتباها خاصا.

نحن مدعوون الى مكافحة الموت ما استطعنا الى ذلك سبيلا حتى نشهد ان الله حي وبغيته ان نحيا حتى تحين ظروف انتقالنا اليه فنسلّم النفس بالرضاء لعلمنا انه مهيمن على الدنيا ويريد إنقاذنا من العذاب. والرضاء يستجيب له الخالق بالرحمة لأن الرحمة هي باب الملكوت الأوحد وهناك نلتقي من حررهم ربهم من وطأة هذه الدنيا وملأ قلوبهم من حنانه. وهذا هو الفرح الكامل.

#   #   #

واذا كان أمرنا مع الله كذلك لا محال للتفجّع لإن هذا إقرار مبطن بأننا نؤثر للميت بقاء في الأرض والحق اننا نأسف على الحب البشريّ والتعزية البشريّة اي نؤثر وجهًا مكشوفًا على وجه حجبته الرحمة عن أنظارنا.

تبقى الأحزان الطبيعيّة التي لا يرفضها الرب وقد دمع يسوع على صديقه لعازر. المهم الا نقطع علاقاتنا مع أحد ونكمل الخدمة ونقوم بالصدقات والتلاوات المقدسة حتى تنزل علينا السلامة. والسلامة هي رباطنا مع الذي أُخذ عنا الى مساكن القديسين ونحن كلّنا رجاء من أجل خلاصه وتحرّره النهائي من وطأة هذاالعالم. الوحدة بيننا وبين الذين توفاهم ربهم هي السلام.

الى هذا نرث فضائل الذين انتقلوا عنّا بمعنى اننا قد نراها اليوم وكانت محجوبة. بهذا المعنى نتقدّس بالأموات. هناك ذكرى الحسنات التي نقيمها في العبادات. ففي الذكرى العبادية يتم التواصل الى أن يجمعنا ربّنا في اليوم الأخير.

لا نعيش هذه الذكرى بالانفعال ولكن بالدعاء والتمثّل بأخلاق الذين واراهم ربّهم عن اأنظار. لا تعيش مع الراقدين بالرب الا بالسلامة الواحدة التي يغدقها عليهم وعلينا. بهذا المعنى لم ينفصلوا.

الى هذا الجانب الثقافي الذي يجعلك وريث الأدباء والمفكّرين والعلماء الذين يمدك تراثهم بما وصلوا اليه بالتنقيب والشعر والأدب ومختلف أنواع الفنون. من هذا المنظار لك ان تقول ان المتنبي وشكسبير ودوستويفسكي وبتهوفن وأمثالهم ما ماتوا. لهم تعبيرهم في الملكوت وامتداد تعبيرهم في الأرض.

مرة فيما كنت سائرا مع صديق كبير عارف بالموسيقى. سألني ماذا يبقى من السمفونية التاسعة؟ قلت يذهب الرنين ويبقى الجوهر.

هذه مظاهر مختلفة لتقبل الرب في الحياة الدنيا على رجاء لقائه في السموات. هنا يهون الموت ويقوى لصوقك بالرب العزيز. واذا كانت نفسك عروسًا لله فهي والروح يقولان لله تعال. اذ ذاك تزول فيك مملكة الموت.

Continue reading