Author

Aziz Matta

1999, مقالات, نشرة رعيتي

جسد واحد/ الأحد 2 أيار 1999 / العدد 18

خاطب السيد تلاميذه في خطبة الوداع بقوله لهم: “أنا الكرمة وانتم الأغصان” (يوحنا 15: 5) أي كل منا مع الآخر وكلّنا معًا نجيء من المسيح. وبعد القيامة “كان الجميع معًا” (أعمال 2: 1). كذلك “وجميع الذين آمنوا كانوا معًا” (أعمال 2: 44). ليس أحد منا وحده أو منفصلاً عن الآخرين. وفي العلية كان الإثنا عشر والنساء ومريم معًا لمّا حلّ الروح القدس عليهم.

فالمؤمن يسند المؤمن بالصلاة, ويعبّر المؤمنون عن وحدتهم في الصلاة المشتركة. المسيحية عرفت منذ البدء صلاة الجماعة يوم الأحد. وفي قداس يوم الأحد كان المؤمنون يصيرون جسد المسيح بمعنى أنه كان يجعلهم “أُمّة مقدّسة” (1 بطرس 2: 9). فإذا كانوا أمّة فليسوا منقسمين أو مفصولين أحدهم عن الآخر. الكنيسة هي الأمة المقدسة. وبعد أن يكون الفرد قد انضمّ إلى الكنيسة بالمعمودية لا يبقى وحده. إنه مع الجماعة كلها.

يؤكد هذا بولس بقوله: “لأننا جميعًا بروح واحد أيضا اعتمدنا إلى جسد واحد” (1 كورنثوس 12: 13), ويريد بذلك إننا ألفنا جسدًا واحدًا هو إيّاه جسد المسيح. ولكي يحررهم بولس من فكرة الواحد قائم بنفسه أو وحيدًا قال: “إن الجسد ليس عضوًا واحدًا بل أعضاء كثيرة”. ولكي يزداد فهمهم لهذا السر أوضح: “إن قالت الرِجْل لأني لستُ يدًا لستُ من الجسد, أفلَم تكن لذلك من الجسد؟”. أجل أعضاء كثيرة لكل منها كرامته. فالأعضاء تنتمي إلى الجسد الواحد “لكي لا يكون انشقاق في الجسد بل تهتم الأعضاء اهتمامًا واحدًا بعضها لبعض”.

وكي لا يبقى غموض في هذا التعليم أضاف الرسول: “إن كان عضو واحد يتألم فجميع الأعضاء تتألم معه… وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا”.

عاد بولس إلى هذه المعاني في رسالته إلى أهل أفسس وقال عن اليهود والأمم الذين آمنوا إنهم صاروا “إنسانًا واحدًا جديدًا” (2: 15). هنا أيضا نجد فكرة الجسد الواحد. ويخاطب الرسول جماعة أفسس هكذا: “أنتم متاصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا أن تُدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو” (3: 18). وقصده في ذلك أنكم إذا بلغتم المحبة تبلغون الفهم ولكن ليس كل منكم منفردًا ولكن إذا كنتم بعضكم مع بعض. وتجد صدى هذا التعليم في قول القداس الإلهي: “لنحب بعضنا بعضا لكيما بعزم واحد نعترف مُقِرّين بآبٍ وابنٍ وروحٍ قدسٍ ثالوثًا متساويًا في الجوهر وغير منفصل”.

في الرسالة إلى أهل رومية يؤكد بولس تعليمه عن الكنيسة جسدًا للمسيح: “نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح وأعضاء بعضًا لبعض كل واحد للآخر”. العنصر الجديد بالنسبة إلى الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس أن كل واحد منا عضو للآخر. ليس أن كل واحد عضو في الجسد المشترك ولا ارتباط لأحد منا مع الآخر ولكن الأعضاء مرتبط كل منها بالآخر والكل مرتبطون بالجسد الواحد.

هذا التعليم نجد صورته في بدن الإنسان. فنحن نعرف من علم الصحة أن الأعضاء الرئيسية إذا اختلّ أحدها فهذا يؤثر في أعضاء كثيرة. فهناك ضغوط ألم كما يقول الطب الصيني. والجهاز العصبي مترابط وكذلك الجهاز الهضمي وما إلى ذلك.

اجتماعيًا إذا ضعفت سلامة الوالد أو الوالدة أو الولد فهذا يؤثر في الحياة العائلية كلها.

وحدة الجسد لا تمنع مواهب كثيرة ومختلف. فهذا موهوب للتعليم لا ليفتخر بذلك ولكن لكي يقوي الجسد كله. كذلك من له هبة الوعظ أو هبة الخدمة أو هبة الرحمة فلكي يبني الجسد. ولكوننا ننتمي إلى جسد المسيح الواحد نقدر أن نقول جميعًا قولاً واحدًا وأن يكون لنا فكر واحد ورأي واحد وألا يكون بيننا انشقاق (راجع الرسالة الأولى إلى كورنثوس 1: 1 و11).

وظائف كثيرة في الكنيسة (رسل, أنبياء, معلّمون, صانعو عجائب) ولكن أعظم المواهب هي المحبة لأنها تقيم لحمة بين أصحاب المواهب كلها فتجمع الهبة إلى الهبة ويغتني هكذا جسد المسيح. ومن غنى هذا الجسد يصبح كل منا مليئا بالروح.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

نقد وتوصيات / الأحد 25 نيسان 1999 / العدد 17

اعذروني لو كررت بقالب جديد ما كتبته إليكم قبل اليوم. ذلك أني أريد لكم أجمل تصرف وأن نتقوى بالمحبة التي هي رباط الكمال. وأنا لا أعاتب أو ألوم إلا لكون بعض الأخوة بلغوا غيرة ولكنها بلا معرفة.

1) يبلغني من وقت إلى آخر قول نفرٍ أخذ –والحمد لله- بالتضاؤل يقول: نحن ندير شؤوننا محليا ولا علاقة للمطران بنا. لست أردّ على هذا بقول غليظ ولكنه قانوني: إن من عينكم له لأن يفصلكم وأنتم فقط مستشارون.  المطران يترك لمجلس الرعية القرار لكونه لا يستطيع أن يكون في كل مكان. ولكن في الحقيقة لا يصدر عن مجلس الرعية سوى توصيات يمكن للمطران نقضها إذا علم بها ورآها غير صالحة أو غير حكيمة. ليس أحد في اللاهوت الأرثوذكسي منفصلا عن المطران وليس للرعية المحلية استقلال عن الأبرشية ككل. الكنيسة هي الأبرشية ويرعاها واحد في المشورة والفهم وبما آتاه الله من محبة. فالتصور أن أحدا يمكنه أن يستقل عن المطران ويبقى في الكنيسة مردود أرثوذكسيا.

2) في هذا الخط يبلغني المرة تلو المرة قول بعضهم: أوقافنا لنا. ما شأن المطران فيها؟ الجواب أوقافكم ليست لأحد.  بنظر الدولة هي ملك للكنيسة الأرثوذكسية. بنظر الله هي لله. أنتم تستفيدون منها محليا (الكاهن, الفقراء, الإعمار…) ولكن يقرر فيها قرارا نهائيا واحد, ما عدا البيع والشراء, يقرر في شانهما البطريرك. ولذلك يدقق المطران في الحسابات وهو يقرر نسبة المال التي تعود إلى الكاهن وتلك التي تعود إلى الفقراء وما إلى ذلك. ومجلس الرعية لكونه يعرف الوضع يقدّم المشورة.

3) لرعية كلمة أساسية في موضوع الكاهن. إذا أجمع رأيها على رفضه أو كانت الأكثرية رافضة له لا يستطيع المطران فرضه على رعية رافضة. هذا في القوانين. وإذا نشب خلاف حول شخص الكاهن فالكلام الأول في الرعية للحكماء والأتقياء, والمسعى مسعى الصلح. ولكن ينقصنا كهنة وأخذ الجميع يتطلبون مستوى عاليا من التقوى والعلم في الكاهن. والتراث الأرثوذكسي لا يعرف نظام انتقال الكاهن من رعية إلى رعية إلا في حالات استثنائية جدا.  نحن نلتمس الآن نظام الاستيداع إذا بلغ الكاهن شيخوخة تعطل عليه العمل. ولكن هذا لا يمكن تحقيقه إلا بإيجاد مشروع مالي تساهمون فيه بسخاء كبير. والسخاء لم نبلغه إلا في رعايا قليلة جدا على رغم وجود بحبوحة هنا وهناك. يا ليتنا نصل إلى القناعة أن راتب الكاهن هو الأولية الأولى وأن المشاريع العمرانية تأتي بالدرجة الثانية بما في ذلك إقامة كنيسة جديدة. لا أحب أن أسمع كلاما كهذا:عندنا مشروع عمار, ولا نستطيع أن نزيد للكاهن راتبه. البناء الروحي ورعايتكم من قبل كاهن ورع أفضل من أي شيء آخر.

4) كثيرا ما يواجهنا سؤال حول تبديل الأشخاص في مجلس الرعية. الجواب هذا هو نص القانون الذي صدر عن المجمع لأن المجمع المقدس أراد أن يتمرن الجميع على إدارة شؤون الرعية. وليس أقرب إلى التواضع من أن يعرف أيّ مَن عمل في مجالس الرعايا أنه يمكن الاستغناء عنه. هذا من باب ترويضنا جميعا على أننا زائلون. فقد مات الرسل ومات الآباء الكبار الكبار ومات اللاهوتيون القدامى جميعا وبقيت الكنيسة. من يمنع أصحاب الخبرة والحنكة إسداء النصح للمجالس الجديدة؟

أما لماذا  لا يعيد المطران هذا وذاك إلى المجلس؟ هذا متعلق برؤيته للأمور. ثم كل مجلس خاضع للفحص. يمكن حله عند الضرورة بصورة كاملة أو جزئية ويمكن إضافة أعضاء جدد. هذه أشياء مرنة. نحن لا بيأس من رحمة الله ومن إمكان كل مؤمن على التحسن. “وطالب الولاية لا يُوَلّى”. نحن لا نهين إنسانا قلنا له أن انتدابه – بالمعنى الشكلي – انتهى. ذلك أن نصيحته مرحَّب بها دائما.

والأهم أن تتعاونوا بروح المحبة وأَلا تُغضبوا بعضكم بعضا وأَلا تشكّلوا كتلا ضمن كل مجلس لأنكم مجلس لكنيسة يسوع لا مجلس بلدي.

هذه الملاحظات ليست للجميع. فالحمد لله أننا صرنا أفضل بكثير من الماضي وأن كثيرا من المجالس جيدة. كلامي هو تنبيه للبعض كيلا يقعوا في حبائل إبليس وأن يلازموا المسيح.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

أحد توما / الأحد 18 نيسان 1999 /العدد 16

في مساء الفصح ظهر الرب للتلاميذ ولم يكن معهم توما. فعند عودته إلى العلية قالوا له: “إننا قد رأينا الرب”. هذا هو الفرح الأعظم. ماذا ينتظر المؤمن بعد هذا: “فقال لهم إن لم أعاين أثر المسامير في يديه وأَجعل إصبعي في موضع المسامير وأَضع يدي في جنبه لا أومن”.

توما كان يريد أن يفهم. كان حديثه إلى الرسل وكأنه يقول لهم: من قال لكم إن هذه الرؤية التي حصلت لكم هذا اليوم هي رؤية العلم نفسه الذي صُلب؟ لذلك أَصرّ على أن يرى أثر المسامير في جسد الرب.

بعد ثمانية أيام من الظهور الأول دخل السيد عليهم “والأبواب مغلقة ووقف في الوسط وقال السلام لكم. ثم قال لتوما هاتِ إصبعك إلى ههنا وعاين يدي, وهاتِ يدك وضعها في جنبي….”

توما هو الشاهد الأكبر إذ أثبت شيئا فريدا وهو أن الكائن الذي ظهر له ولرفاقه هو إياه الذي رُفع على الخشبة. كان الشك نافعا لنؤمن نحن. نحن إذاً أمام انبعاث حقيقي, أمام استمرارية بين الجسد المصلوب وإياه مُقاما.

إذا انتقلنا من هذا المشهد إلى فحص أنفسنا نرى أن الحياة خليط من الفرح والحزن, من الصحة والمرض. هذا في كل إنسان فرد. حياة الكنيسة في كل رعية, في كل أبرشية, في العالم. هناك نور وهناك ظلمة. هناك تعب شديد وهناك تعزيات. ترى ناسا ينمون أمامك بالمسيح, تتجدد قلوبهم, وترى غيرهم يسبّب لك الصدمات والخيبات. وتخرج من الخيبة بالرجاء ومن الشتيمة بالغفران ومن الضجر بمتابعة الجهد.

الإيمان يتطلب أن يتجاوز كل واحد عناده وانغلاقه على نفسه وتمسكه برأيه الخاص. لا شيء يقتل مثل الرأي الذي يتحجر به الإنسان ليرفض الآخرين. لا شيء أساسي فينا إلا الاعتقاد بأننا عابرون إلى الموت وإن كل واحد يُستغنى عنه في حياته ومماته وتبقى الأرض تدور حول الشمس والنبات ينبت والحيوان يعيش والإنسان يسمو.

لا شيء أساسي مثل قبولنا الآخر بجراحه, بنقائصه, ببهائه وسقوطه معا. لا شيء مهم مثل اعترافنا بحقه في الاختلاف. لا شيء مهم مثل المحبة. إنها هي القيامة الدائمة. المحبة وحدها تمكننا من تناول الرب كلمة وجسدا ودما وإن نتناول الأخ في سره.

أن تحب هو أن تمد المسيح في نفسك وفي نفس الآخرين. وإذا يسوع دخل إليهم – وأبواب النفس مغلقة – فإنه يكسر هذه الأبواب ويقيم هناك بالروح القدس.

الجهد الذي يطلبه إلينا السيد في موسم قيامته هو ألا تبقى بؤر بغض وحزازات وتشنجات هي خراب هذه الأبرشية حيثما هي خربة. هذه الأبرشية لم تقم بعد مع المسيح في كل مكان. مكسورة في كل رعية لأننا لا نقبل بعضنا بعضا. يُجبَر الكسر إذا نهض بعض بالمحبة. متى تأتي تعزيتنا بالمصالحة العامة لكون المسيح أحد أوصافه السلام؟

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الشعانين/ الأحد 4 نيسان 1999 / العدد 14

انتهي الصوم الأربعيني منذ يومين. مع سبت لعازر أمس دخلت أبعاد أخرى إلى جهادنا. انتقلنا من النسك والتعليم إلى سر الشكر, إلى القربان في انتظار العريس الإلهي. نزداد استعدادا للقاء العريس (“ها الخَتَن يأتي في نصف الليل…”, يجب تعريبها “ها العريس يأتي”). ويتم العرس سريا بموت الرب وقيامته لأن الموت هو اتحاد المخلّص بالكنيسة – العروس. طقسيا منذ يوم الجمعة الماضية لا يبقى ذكر للقديسين كما يخفف ذكر والدة الإله لنبقى متركزين على الآلام. يبقى شيء من ذكر التوبة في الأسبوع العظيم حتى يوم الأربعاء ولكن منذ الخميس العظيم ننخطف إلى سر المسيح كليا.

في آخر الصيام نجمع كل القوى التي كانت مبعثرة فينا. نكون قد وحّدنا الكيان بالصوم والتطهّر ونذهب للقاء المسيح حاملين صليبه ونمجّده بسعف الفضائل. “اليوم نعمة الروح القدس جَمَعَتْنا, وكلّنا نرفع صليبك ونقول: مبارك الآتي باسم الرب, أُوصَنّا في الأعالي”.

منذ اليوم ننتظر الصليب, هذا الذي من أجل اقتباله دخل يسوع إلى أورشليم. فرح الشعانين لا يختلف عن فرحنا بما سنرسمه بين الخميس العظيم وسبت النور. كذلك في صلوات الخَتَن الثلاث نرتجي العرس الذي سيعيشه المسيح معنا يوم الجمعة العظيمة بانتظار العرس المكمَّل في الملكوت.

غير أن أحد الشعانين بالذات مع كونه بداءة للأسبوع العظيم متّسم بذكرى إقامة اليعازر. في اليومين ننشد: أيها المسيح الإله لمّا أقمتَ لعازر من بين الأموات قبل آلامك…” سبت لعازر تأكيد للقيامة العامة في اليوم الأخير. غير أن هذه لا يمكن أن تصير إلا لكون السيد قد قام.

ينتهي الصوم وغاية الفضائل التي نكون قد استقيناها فيه تصب في المسيح الآتي وبه ينكسر الزمان الرديء ويبدأ زمان الأبدية ونبدأ حياتنا الجديدة في الثلاثية الفصحية (من الخميس إلى السبت العظيم) التي تؤلف مع الفصح حقيقة واحدة.

في الدارج يقولون عندنا إن الشعانين عيد الأطفال كأن القصة في مظاهر البهجة, في ثياب الأطفال. غير أن الكتاب لا يقول إن الأولاد وحدهم استقبلوه. متى يذكر إن الصبيان كانوا يصيحون في الهيكل ويقولون “أوُصَنّا لابن داود…”. إنه تحجيم للعيد أن نجعله عيدا للصغار أو كأننا نحن البالغين نستقيل من استقبال المعلّم. أيضا فولكلور الأطفال يغزونا كما يغزونا في الميلاد.

تحية الشعب للسيد كانت “هوشَعْنا” أي يا الله أعطِ السلام (مأخوذة من المزامير). لانعدام بعض الحروف العربية في الأبجدية اليونانية صارت في العهد الجديد أُوصَنّا. ونلفظها هكذا في القداس نقلا عن اليونانية. كذلك “مبارك الأتي باسم الرب” مأخوذة من المزامير. الشعب أضاف “ملك إسرائيل” أي ماسيّا المرتجى في شعب اليهود منقذا سياسيا. نحن إذا قلناها اليوم نفهم إنه ليس كذلك, إنه المخلّص. أما قول الإنجيل: “لا تخافي يا ابنةَ صهيون” فمأخوذة من زكريا النبي (9: 9). هذا الدخول المتواضع كان صورة عن دخول السيد إلى ملكوته وإلى القلوب بتواضع الموت. ليس لنا طريق آخر.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

الحب المذبوح / الأحد 11 نيسان 1999 / العدد 15

“روح أفواهنا مسيح الرب”, “الذبيح قبل إنشاء العالم” حبّا, الذي زاملنا في اللحم والدم وغدا عريس الكون, ساقه حبه وحده إلى الصليب كي لا يبقى محبّوه مسمَّرين على خطاياهم. فإذا أحبّوه انعتقوا من أنانيتهم وضيق صدرهم والأحقاد التي هي وكر الأفاعي التي تأكل قلوبهم.

هذا الموسم الطيب يقول لنا: “كل من يعمل الخطيئة هو عبد للخطيئة. والعبد لا يبقى في البيت إلى الأبد. أما الابن فيبقى إلى الأبد. فإنْ حرَّركم الابن بالحقيقة تكونون أحراراً” ( يوحنا 8: 34-36 ). الفصح الذي يكشف لنا نصر المسيح وتحرير المسيح إيانا تكمن كل معانيه بين الخميس العظيم وسبت النور. في هذه الثلاثية نلتمس القربى, والقربى يعطيها هو إذ يقول لنا دمُه المراق أننا بعد أن كنا عبيدا بتنا أبناء وإننا مدعوون إلى أن نجالس السيد عن يمين الآب ونحن في الأرض لأن أفكارنا صارت تنزل علينا من السماء.

هذا جعله الله الآب ممكنا لأن المسيح وهبنا مجانا, ونحن فجّار, أن نتكئ على صدره وأن نتناوله خبزاً سماويا وحياة دائمة فينا. لقد تمتم الله بالأنبياء قديما أنه معنا وأنه أبونا. ولكن لم نذق معيّة الرب حقا إلا لمّا رأينا المسيح يمشي على أرضنا ويشفي مرضانا ويحتضننا أية كانت معاصينا. الله لا نراه بعيدا أو فوقيا كالشعوب القديمة وليس فزاعة لأحد ولكنه بات في صميمنا, قلب كل قلب ونفحة كل حياة وتعزية لكل حزين ولحمة كل مكسور.

ونحن لم نستحق َ ذلك إذ لم نصنع شيئا حَسَنا على الأرض وليس في هذا الطين أي بر. غير أنه لما سيق إلى الذبح مثل شاةٍ, عَرَفْنا أنه قادر على إحيائنا من موت, وفهمنا أن سر الوجود هو المحبة التي أحبَّنا بها. هذه هي التي تبعثنا من القبور لأن من أحب َّ بالحب الذي وضعه فيه يسوع لن يموت إلى الأبد ولن يتسلط عليه الموت.

نحن صرنا فيه وبه فصحيين أي عابرين كل يوم الهوّة التي تفصلنا خطأةً عن الذي لا أثر فيه للعيب. هذا الذي ذاق من أجلنا مرارة خطيئة لم يرتكبها يذيقنا اليوم حلاوته ويجعلنا قائمين كل يوم وليس فقط في اليوم الأخير. ذلك أننا دُفنّا معه بالمعمودية لنصير إلى موته حتى كما أقُيم هو من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضا في حياة جديدة ( رومية 6: 4 ).

هذه دعوة النصر ودعوة الفرح. ولكنها أيضا دعوة اليقظة حتى لا نعود نُستعبَد للخطيئة. لا يبطل الجهد بالفصح ولا نضعف في محاربتنا للشيطان. الفرح لا يعني إهمال الوعي. الفصح عيد الوعي بامتياز. المسيح قام. رجاؤنا إليه أن يجعلنا في كل حين مغتسلين بضيائه.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

أمّنا البارة مريم المصرية /الأحد 28 آذار 1999 / العدد 13

ما من سيرة تحرّكني مثل سيرة هذه المرأة التي نقيم اليوم ذكراها. هي صورة التوبة الكبرى حتى إذا بلغناها وتسمّرنا عليها نقدر على ولوج الأسبوع العظيم. السيرة كما رواها صفررونيوس الاورشليمي تُبرز لنا فتاة عاصفة  في فسق بلا حدود تتحول فجأة إلى تائبة بلا حدود. فسق من النوع الذي لا يشبع. لم تكن لتتعاطى هذا من أجل المال. كان هذا في الإسكندرية, مدينة الترف العظيم. الصبية مسيحية المولد, وتدل السيرة إنها لم تكن منقطعة عن الكنيسة إذ أَحبت أن تحجّ إلى أورشليم. نفسها خليط عجيب بين انتمائها “المسيحي” وشقاء سلوكها.

لم تفكر وهي في مصر أن تًُنهي الفصام هذا الذي كانت تعانيه. ترتّب في عقلها أنه يمكنها أن تحج إلى الديار المقدسة وأن تبيع جسدها في السفينة (مع الحجّاج) لتدفع ثمن السفر. لا تحسّ فقط بالفصام. تنفذّه.

عند بلوغها المدينة المقدسة, سارت مع الجماهير إلى كنيسة القيامة. عند بلوغها عتبة الكنيسة, لم تتمكن من الدخول. حاولت هذا مرّات ولم تستطع. أدركت أن دنَس حياتها حال بينها وبين تقبيلها خشبة الصليب الذي كان المؤمنون يقبّلونه. إذ ذاك صلّت لوالدة الإله ووعدتها, إذا قدرت على الدخول, أن تترك العالم وملذاته.

عند خروجها من الكنيسة, استدلّت على الطريق المؤدية إلى الأردن, ووصلت عند المساء إلى كنيسة القديس يوحنا المعمدان. اغتسلت في الأردن. تناولت جسد الرب. وفي اليوم التالي عبرت النهر, وعاشت في الصحراء 47 سنة لا ترى فيها أحدا.

طبعا سقطت عنها ثيابها. ذاقت الحرّ في النهار والبرد في الليل. أكلت ما تيسّر من الأعشاب وشروش الشجر. كانت تعاودها صُوَر من حياتها الماضية. ضربتها جميعا, وحوّلت نار الرغبات الجسدية إلى نار الحب الإلهي. صارت قامة من نور.

بعد سنين, كان شيخ يدعى زوسيما يجول في البرية لقضاء الصوم الكبير فيها. تراءى له شبح من بعيد اسودّ جسده من الشمس وابيضّ شعره. اخذ يسير إلى القديسة التي تراءت له وهي تهرب, فطلب منها البركة وكلام خلاص. ولما أَدركها قالت له إنها امرأة, ورَجَتْهُ أن يرمي عليها رداءه لتستر به عريها.

طلبت إليه أن يعود السنة القادمة يوم الخميس العظيم مع الأسرار المقدسة. تناولت في الموعد, وأطلقت زوسيما ليعود إليها في السنة التي بعدها.

عند عودته رأى القديسة ملقاة على الأرض مكتوفة الذراعين ووجهها إلى الشرق. كانت قد توفيت في الليل التي تناولت من الراهب جسد الرب. لها عيد خاص في أول نيسان إلى جانب هذه الذكرى.

من بعد إنخطاف قلبها إلى يسوع في كنيسة القيامة لم ترَ وجه خطاياها. صارت عيناها إلى السيد فقط. صارت أيقونته, ضياءه.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

القديس يوحنا السلَّمي/ الأحد 21 آذار 1999/العدد 12

الآحاد الثلاثة الأولى من الصوم ركزت على العقيدة (أحد استقامة الرأي, أحد غريغوريوس بالاماس, أحد الصليب).  في المرحلة الثانية تركيز على النسك. الأحد الأول فيها نقيم ذكرى القديس يوحنا المدعو السلَّمي لأنه وضع كتابا في النسك عنوانه “سلَّم الفضائل”. وُلد غالبا بعد منتصف القرن السادس وعاش في سيناء راهبا ثم رئيسا لديره.

مثّل الطريق َإلى الله سلَّما صاعدة مؤلفة من درجات يعلو المؤمن إحداها فوق الأخرى حتى يصل إلى حضرة المسيح. الأيقونات الكثيرة التي ترسم هذه السَّلم تبيِّن أن بعضا يتسلقون بعض درجات, ويصل آخرون تقريبا إلى فوق ولكنهم يسقطون. يحس كل قارئ لهذا الكتاب – وهو منشور بالعربية – أن الكاتب يتكلم عن فضائل مارسَها. إنه إذاً لمن الواصلين. الجهاد, كما يقول, نتابعه “يوما بعد يوم، نارا على نار, ورعا على ورع, رغبة على رغبة وغيرة على غيرة”. لا يقول كلمات كهذه إلا مَن أحسها.

صلى أربعين عاما متواصلة تتأكله المحبة الإلهية محاولا أن يحصر – كما يقول – “ما كان غير جسديّ في الجسد” كان يعرف – وهذا في كتابه – أن من كسر ختم طهارته واغترب عن التعزيات الإلهية وخالف عهده مع الله وحزن عن كل ذلك قادر أن يُميت نفسه تَقويا بالنسك لو بقيت له شرارة من المحبة ومخافة الرب.

الكنيسة عارفة, في وضعها هذا النموذج النسكي نَصب أعيننا, أن الرهبان قلة نادرة. نحن قادرون أن نتشبه بيوحنا السلّمي, كل منّا في داره وأعماله. فالجمالات الروحية ليست مرتبطة برتبة أو سلك. عندنا أن العلمانيّ, في حياته العائلية وتجارته وكل أعمال الدنيا, قادر على كل قداسة. الجهادات الأساسية الرامية إلى الطهارة في كل تعابيرها وعلى العفة والوداعة واللطف والتواضع يمكن أن يقوم بها الإنسان أيا كان شكله أو جنسه أو درجة تحصيله. ويجاهد في تعبه وراحته, في السلم والحرب والفقر والغنى لأن المسيح واحد يوحي لهذا ويوحي لذاك ويُعنى بالكل ويعطي كلا منا النعمة حسب الحاجة لأنه يريد الكل أن يَخلصوا وأن يُقبلوا إلى معرفة الحق. لذلك ليس لأحد عذر.

لا يمكنه أن يتخذ من كثرة ماله ذريعة للكبرياء وقسوة القلب, أو من جاهه ذريعة للاستعلاء واحتقار الاخوة. لذلك يلح علينا يوحنا السلَّمي أن نضرب رذيلة بعد رذيلة, وأن نقتني فضيلة على فضيلة ونحن في الفرح. نلتهب بنار فوق نار وحماسة تلو حماسة. لعل الفرح العلامة المثلى لحلول الله في القلب. وأما من فقد الحماسة في سبيل يسوع وإنجيله, أو من فتر عند لقائه الفقير, فهذا قد انطفأت النار فيه وصار رمادا باردا.

لذلك قيل لنا في إنجيل اليوم: “إن استطعت أن تؤمن فكل شيء مستطاع للمؤمن”. أن تؤمن هو أن تجعل كل قلبك مدى للرب فلا تُشْرِك به أحدا. ولئلا تظن أن هذا أمر سهل، قال السيد المبارك:”إن هذا الجنس لا يمكن أن يخرج إلا بالصلاة والصوم”. حركة الله إليك الإيمان فإنه نازل من عنده. حركتك إلى الله الصلاة تحفظ فيك الإيمان وأمام عينيك طريقك إلى المصلوب الذي تعانقه في آخر الصوم بأشد حرارة.

Continue reading
1999, جريدة النهار, مقالات

الفقراء / السبت 20 آذار 1999

لا يقال الفقر ضد الغنى كما لا تقال الشمس ضد العتمات. ليس الفقر عدماً ليقايس. لا يحكى الا الوجود. عنيت الفقر لأن سيدي أحبه فانوجدت والوجود لا يعتذر. الفقير عارف لأنه يرى مثل الناصري الشريد. الفقير قتيل. لذلك يعلو. يعلو هنا. الملكوت دشنه صاحبه هنا على ضفاف بحيرة طبرية. ولما فتح فاه قال: «طوباكم ايها الفقراء»، يا جميع الجياع بين الهند والحبشة، المشلوحة أولادهم على أرصفة العواصم. في رواية لوقا وحدها “طوباكم ايها الفقراء لأن لكم ملكوت الله”. حدة لم تبلغها قولة متى: “طوبى للمساكين بالروح”. والمفسرون يقولون لنا ان الكلام الاكثر حدة هو ما صدر عن فم السيد. ويقول الذهبي الفم ان المسكنة بالروح هي التواضع. وقد تشمل كل طبقات الناس. لماذا الطوبى للمحرومين على الصعيد المادي عند لوقا الانجيلي؟ انه هو القائل ايضاً في الله: “ملأ الجياع من الخيرات والأغنياء ارسلهم فارغين”، الانجيل الثالث انجيل فقري اذاً. يبدو ان الدعوة تتضمن مناصرة للفقراء من حيث هم. لمجرد حرمانهم وكأنه يقول انهم انصاره. انا لست بلائم أحداً منهم اذا سعى الى المال. لعل هذا من تعلقه باولاده وعلمهم وصحتهم. أنا لست بقائل ان هذا من الخطأ ولعلي اذا كتبت عن بلد لا أريده متخلفا بالمعايير المتعارف عليها اليوم. كذلك أطلب العدالة واناضل من اجلها. واكره من نادى في سبيل ذلك بقتل الاثرياء وأنا لا أكره واحداً منهم بل لبعض منهم عندي مودات. ما هذا ببحثنا ليوم. وانا في هذه اللحظة لا أكتب عن العطاء وعن المعطي بتهليل كما يدعو الى ذلك بولس. هذه المرة لا أعظ أحداً ولا افاضل بين ناس وناس . اعلن فقط بناء على الكلمة الالهية ان الهي لصيق بالفقراء وانه لما اتخذ هيئة بشرية اقام مع المستضعفين، في حيهم وبدا واحداً منهم كي لا يشعروا ان بين الله وبينهم هوة.

أريد ان اقول للفقراء (لو استطاعوا ان يشتروا جريدة) ان الخطر المحدق بهم – في سعيهم – ان يشتهوا المال. الجهد في سبيله ليس الطمع به. كيف يفهمونني لو قلت لهم ان وضعهم مبارك وان فيه نعمة. انا ما قلت ان يثبتوا في حالهم ولكني ادعوهم ان يثبتوا في قلوبهم لأن الله كنزهم وان عرفوا ان يشتهوه يتنزهون عن كل خطيئة. هناك مصطلحات أوجدتها الامم المتحدة لما نحتت افهومة التنمية في الخمسينات فتعلمت الدول ان تتكلم عن حد الفقر وان ثمة من كان دونه. انا لا أنفي شيئاً مما تقوله الامم المتحدة ومتفرعاتها الاقتصادية وأكره المتحذلقين الذين سيتهمونني بالطوباوية. انا لا ابني نظرية. اعتقد ان هناك مرتبة من الوجود يستطيع فيها المتأمل ان يخرج نفسه من حيز كل هذه اللغة الانمائية. هناك مرتبة الوجود لا علاقة لها بالاقتصاد السياسي وهي مرتبة ذلك الذي وحد المسيح نفسه به لما قال: “كنت جائعاً فأطعمتموني”. انا أفهم ان هذا كلام مرسل الى الحافظين انفسهم بمالهم وانه دعوة لخلاص هؤلاء. ما يهمني اليوم من كلام السيد قوله: “كنت جائعاً” بمعنى انه واحد مع هذا الذي لا يقتني شيئاً وان هذا له ان يفخر بأنه يعيش في مقام مع المسيح فيما هو في هذا المقام أي فيما هو لا يشتهي ما ليس هو عليه. اذا اقام خارج هذا المقام اعطى المحتاج ليس عندنا وعد بأن المسيح معه. ندخل، اذ ذاك، في معالجة اخرى. الفقير – فيما هو على حاله – حبيب المسيح وحسبه. من اعطاه شيئا بلا استعلاء ولا منة ولكن حباً ومشاركة يحبه السيد ايضاً. انه يشتري نفسه. اما لصيق التراب والذل فمن حيث هو جعل الناصري حليفه. ومن اراد ان يقترب من الناصري يقترب هو منه. بلا هذا الدنو من الضعاف ليس لأحد صلة مع فقير الناصرة. ليس لي ان أعلمك سبل الدنو. الحب يعلم كل شيء.

ان تكون جليس المسيح وانت على الارض كرامة لا بعدها كرامة. هذه ليست ملهاة عن الجهد الدؤوب الذي اذا لم نبذله في سبيل المحرومين نكون قد شاركنا في استمرار العوز عندهم وكل المخاطر الناجمة عن العوز. انا لست أؤمن ان لنا فردوساً على الارض نأكل فيه ونشرب ولو آمنت انه لا يسوغ لنا ان نخلف موعدنا مع العدالة. اردت فقط ان أشهد ان للمسيح اخوة جالسين منذ الآن في ضيائه وانهم عنده المصطفون ولك انت ان تتبين طريقك اليهم لتعرف طريقك اليه. ??? قد يختار الفقير ان يلازم فقره اذا رأى في نفسه خطراً ان ينتقل الى حال اخرى. قد يختار الغني الفقر اذا أحب. ولهذا سميت عندنا الرهبانية الفقر الاختياري. قد يرى الانسان انه اذا بات على القليل يقترب الى الله. هذا خيار صعب لكنه ممكن. لا يفرض على احد. ولكن من رأى ان الفقر سبيله الى الله فهذا يحسب له براً وليس لأحد منا تدخل بين النفس وخالقها. قد يؤثر احدنا ان يموت فقيراً اذا تغلب على الخوف، اذا عرف مخاطر الامتلاك. قد يرى نفسه حراً في عدم الاقتناء أو قلة الاقتناء. هو لا يمنع احداً من التغلب على الحاجة. هو له ان يعتنق الحاجة سبيلاً الى الحرية. الا يحتاج الى احد ولا يتحسر في حاجته فهذا شأنه خصوصاً ان عرف ان قبوله الهبة انما يرتضي معها في كثرة الاحيان المنة. “الفقراء معكم في كل حين” قولة ليسوع ليست فقط ملاحظة وجود. في حسي انها دعوة لمن قدر على قبولها. وليس في هذا الموقف ادانة لأحد فليس عند من ارتضى فقره استعلاء فضيلة. انه الشوق لمجالسة اكيدة للسيد، شوق من لا يسعى الى مكافأة في الارض، حب للمكوث في الملكوت منذ الآن، اكتفاء بالكنز الوحيد الذي القلب موضعه. هذا يقدر ان يقول لله مع الحلاج: “مكانك في القلب القلب كله”. هذا هو الغنى بالذات اذ من يستطيع ان يغنى بغير الله او من يزيد على الله شيئا؟ انا اعرف ان هذا لا يحل المشاكل الاقتصادية في العالم. ربما لا يملك احد صيغة لهذا الحل. الوجود كله تجربة ومحاولة. لكن العالم مرض، برؤية البنى وتحليلها واصلاحها او الثورة عليها. الفكر الغربي يرى دائماً الى البنى، الى العام وعبقريته عبقرية القانون. وهو يحلم بالتطور ولا بد من احلام. لكن التطور ليس بحد نفسه التحسين. واذا اتخذنا الانسان بكل تركيبه وتعقيده فليس ما يدل على ان التقدم هو بالضرورة السير الى الاجمل والابهى بالمعنى الانساني الشامل. والسؤال الاكبر هو من اين نبدأ. انبدأ من الهيكليات الاقتصادية والسياسية لنصل الى الانسان في عمقه وسره أم نبدأ من الشخص البشري الراقي روحيا لندرك ما امكن ادراكه من تعمير الارض؟ وهل علينا ان نختار بين هذه المسيرة وتلك ام نشرع فيهما معاً على الرجاء؟ العقل الاوروبي لم يوصلنا الى القلب. وفي الواقع صدرت كل الاحلام الكبرى والطموحات الكبرى من الاحساس الوجداني. وهذا انسكب طموحات وانظمة أي قانوناً. وعالم القانون قائم ليضع حداً للجنون لكنه لا يشفي الجنون.والقانون قائم بسبب الخطيئة ولا يستطيع ان يحارب الخطيئة. انه ينقذ فقط من بعض البادي منها. المشكلة الحقيقية قائمة حتى النهاية في النفس البشرية. الويل لمن جهلها في تشعباتها، في آلامها، في فرادتها، في عزلتها، في انكسارها. النفس عالم الخاص. يبقى عالم العام الذي له مجاله ولكن لا يكفي وحده لحل مشكلة الانسان الوحيد في اوجاعه. عندنا عالمان يلتقيان أو يتقاطعان ولا يلتقيان دائماً. جل ما اردته في هذه العجالة ان الذين هم في عمق الالم لهم استقلال كبير او يمكن ان يكون لهم استقلال كبير عن العام ومحاولاته. ذلك ان هؤلاء قادرون على الا يتخذوا كيانهم الا من الله الواقف فوق على البنى وعلى النفس البشرية معاً. انهم في تحديهم الكبير لوطأة الهيكليات عليهم يشهدون انهم جعلوا الله مأكلهم ومشربهم وانهم – فيما يسعى الآخرون الى افضل يبنوه – يسعى هؤلاء الى ان يقيموا منذ الآن في المجد الالهي.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

الأحد الثالث من الصوم/ الأحد 14 آذار 1999 / العدد 11

يوم الأربعاء بعد هذا الأحد يكون الصوم قد وصل إلى انتصافه (الأسبوع العظيم يُعتبر طقسا صياما آخر). الخدمة في هذا اليوم للصليب إذ أحسّت الكنيسة باختبار الكثيرين أن قوة الصائمين قد تخور وأن الملل من الجهاد قد يعتريهم.

يُعتبر هذا العيد تكملة لعيد ارتفاع الصليب. وربما جاء هذا التكريم بمناسبة نقل جزء من الصليب الكريم من أورشليم إلى أَفاميا.ما يميز الخدمة هو الطواف بالصليب موضوعا على الرياحين وسط شموع ثلاث للدلالة على أن آلام ابن الله كانت في مقاصد الثالوث منذ الأَزل, وعند الوصول إلى وسط الكنيسة في آخر السَحَر نرتل: “لصليبكَ يا سيدنا نجسد, ولقيامتك المقدسة نمجد”. العيد يدل إذاً على آلام السيد واحدة مع القيامة. العيد هذا بعض من الفصح.

الصليب هو الأيقونة بامتياز إذ يتجلى فيها حب المسيح لنا. عندما نعلّقه في أعناقنا, نحن لا نعتقد أن في هذا الرمز قوة تحرسنا, ولكنّا نريد – كلما نظرنا إليه أو أحسسنا به – إننا نؤمن بالخلاص الذي أتمّه يسوع من أجلنا هذا ما عناه بولس عندما قال: “حاشا لي أن افتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح”.

كذلك, إذا ذُكر اسم “الآب والابن والروح القدس”, نرسم الصليب على وجوهنا لأننا فهمنا أن “المسيح ذبيحة قبل إنشاء العالم”. نحن لا نقوم بهذه الإيشارة آليا, ولكنا نقرنها بذكر الثالوث المقدس. هي إيماننا مرسوما علينا.

هذا الإيمان يقودنا إلى قول السيد في إنجيل اليوم: “من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. أنت مدعو إلى اتباع السيد. هو وحده قائدك إلى الآب. أنت لست قائدا لنفسك بعقلك ومجرد جهادك. شرط سيرك وراءه أنْ تتجرد من حب الذات, أنْ ترمي كل شهوة ضارة. هذا هو الحمْل الحقيقي للصليب. حولك وفيك مشقات وموانع تَحولُ دون لرؤيتك يسوع.

إذا تخليت عن كل عائق بينك وبينه ترى نفسك متكئا على صدره وتسير إلى حيث يشاء. تسير إلى جراحه, إلى حبه. بدون هذا لا قيامة لك من الخطيئة.

عند ذاك تربح نفسك. “ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه” إذا كسبت كل أموال الدنيا وبعت نفسك للشيطان, يبقى بين يديك مال وتكون قد أهدرت نفسك. بعد المال يمكن أن تتسلط على ناس كثيرين. تستعبدهم ويعرفون أنك تحتقرهم وتذلّهم. في الظاهر هم لك, وفي الحقيقة أنك وحدك. في الواقع لا تكون محبا لأحد ولا تكون محبوبا. تكون قد خسرت نفسك.

ما من سبيل إلى ربح نفسك إلا إذا تخلى قلبك عن كل شيء. تحب الناس بلا تسلط. تستعمل الأشياء استعمالا ولا تشتهيها كما يشتهيها المحروم. لأنك عبد لما تشتهي. كل شهوةٍ دوار (أي دوخة). عقلك لا يمكن أن يسود الأشياء إذا لم يَسُدْهُ المسيح. المحبة مصلوبية, وفي المصلوبية الحرية.

Continue reading