Author

Aziz Matta

1999, مقالات, نشرة رعيتي

المسيح في العائلة/ الأحد 11 تموز 1999/العدد 28

لماذا نقرأ في حفل الإكليل ذلك الفصل الإنجيلي الذي يتحدث عن عرس قانا الجليل؟ فالحديث عن العريس وارد في أكثر من موضع. السبب الرئيسي هو أنه جاء في هذا المقطع: «ودُعي يسوع وتلاميذه إلى العرس» (يوحنا 2: 2). الزواج الذي يريده السيد هو الذي يسكن هو فيه. فهل كل عائلة من عائلاتنا مسكن للمسيح؟

          كيف لا تكون العائلة مجرد تراكم بين الرجل والمرأة والأولاد؟ كيف تكون حية ومرضية للرب؟ متى لا يكون البيت خاليا من الروح، حرا من أنانية الزوج أو أنانية الزوجة أو مجتمع أنانيتين؟ الحكي الذي نسمعه أن كل واحد من الشخصين يجب أن يتنازل عن شيء من حقوقه أو بعض متطلباته وأن يغضّ النظر عن الأخطاء، يعني أن تقوم الحياة على تسوية. أجل هناك تفاصيل تافهة لا ينبغي التمسك بها. هناك إرضاء للآخر حسب قول الرسول: «ليس للمرأة تسلُّط على جسدها بل للرجل، وكذلك الرجل أيضا ليس له تسلُّط على جسده بل للمرأة» (1كورنثوس 7: 4). ما عدا هذا السلطان المتبادل في العلاقات الحميمية، يبقى لكل من الاثنين أن يصلح الآخر. لا يمكن أن تغضّ النظر عن خطأ أو خطر أو انحراف أو معصية. هنا يجب اللوم أو النصيحة لأنها تأديب في الحق، والتأديب المتبادل ممكن بالوداعة ولكن الحزم واجب فيه.

          إنه واجب عليك ألا تدع رفيق حياتك يزلّ. وأنت تثور ليس أنه أخطأ  إليك ولكن لأنه أخطأ إلى نفسه وأفسد نفسه. تثور من غيرتك عليه، من رغبتك في كماله. إذا كنت عاشقا للحقيقة وللكمال فأول مشتهاك أن تدعو قرينك إلى الحقيقة والكمال، وأن تريد أولادك فيهما. فالطهارة هي الجامع بينكم جميعا. أنتم لستم معا إذا قبلتم بأية رذيلة تسود عليكم.

          أن تكون أنت وامرأتك جسدا واحدا –وإلى ذلك دعتكما رسالة الإكليل– هو ألا يبقى فيك نتوء يخدش الآخر وألا يبقى فيك ما يجعلك شاردا عن البيت، ملتهيا عنه بملذاتك. أن تظل لك صديقات تستحيي بأن تعرّف امرأتك عليهن أو تحتفظ أنت بصداقتهن هو كسر لوحدة العائلة. أن تحتفظ المرأة بصديق لا ترغب أن تعرّف زوجها عليه فهذا إنذار خطر. العاطفة الحارة جدا خارج البيت ولا سيما إذا كانت لكائن من الجنس الآخر هي تشريد لأهل البيت جميعا. الثنائي يعيش معا صداقة للآخرين رجالا كانوا أم نساء. الصداقة الحق هي التي لا تُلهي عن المودة الأساسية القائمة بين زوج وزوجته.

          اللاحم لهذه المودة الزوجية هو المسيح. بلا مسيح بينكما أنتما على مصلحة دنيوية أو عشق هدّام. بلا مسيح أنتما في لعبة السلطة، في شهوة التحكم التي يفتش فيها الرجل على السيادة الرعناء، على سيادة يركزها على المال الذي يجني، وتركزها المرأة على رفض السيادة إذ تحسها مفروضة عليها فتحاول بدورها أن تسود بالوسائل التي تخوّلها إياها طبيعتها الأنثوية. هذا صراع جهنمي قائم على التشنج. العائلة تكون انهارت أساساتها ولو بقيت صورة الاتحاد. فالاتحاد صادق أو لا يكون.

          أما إذا كان الاتحاد قائما على المسيح، فإذا سلّم كل منكم أمره للمسيح يكون متواضعا تجاه الآخر ورقيقا ونبيها وخادما له. ولهذا طلب الرسول في الآية التي تسبق مباشرة رسالة الإكليل أن نكون خاضعين بعضنا للبعض (أفسس 5: 21). إذ ذاك ليس من سؤال حول من يكون الرأس. كل حكيم هو الرأس.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

راعي نفوسكم العظيم (1 بطرس2: 25)/الأحد 4 تموز 1999/ العدد 27

الله وحده هو الراعي الكامل، ومن نسمّيه راعيا في الكنيسة ليس سوى مترجم عمليا -وفي حدود ضعفه- الرعاية الإلهية. ان اهتمام الله الكامل بالإنسان جعل صاحب المزامير يقول: «الرب راعيّ فما من شيء يعوزني» (مزمور23: 1). الراحة، الهدى، الاطمئنان، السكن في بيت الرب، أي في رعايته، كل هذا يجب على الرعاة القيام به إذا أرادوا التشبه بالله.

          في حزقيال يقول الله: «أنا أرعى خرافي وأنا أربضها» (34: 15)، ثم سرعان ما يقول عن الرعية: «وأًُقيمُ عليها راعيا آخر ليرعاها، عبدي داود» (الآية23). كيف تكلم النبي على أن داود يرعاها وكان قد مات؟ يجيب عن هذا السؤال المسيح نفسه بقول: «أنا الراعي الصالح» (يوحنا10: 11)، وكأنه يقول ان هذا الذي ارتجاه حزقيال إنما هو أنا (لا داود إذًا بل ابن داود). ويورد السيد الصفة الأساسية للراعي بقوله: «الراعي الصالح يبذل نفسه في سبيل الخراف» في الجزء الثاني من الآية 11 نفسها، وكأنه يقول إني سأمارس هذه الرعاية بموتي على الصليب، بمعنى أن خرافي ستعرف آنذاك أنها محبوبة وأن رعايتي ليست سوى الخلاص الذي أتيتُها به.

          تؤكد هذا الرسالة إلى العبرانيين برؤيتها المسيح راعيا «بدمِ عهدٍ أبديّ» وبالقيامة (13: 20). وتستمر رعايته لنا في السماء: «لأن الحَمَل الذي في وسط العرش سيرعاهم» (رؤيا 7: 17). فالمسيح صار راعيا لكونه حَمَل اللهِ (بالموت على الخشبة).

          ينسحب هذا على وضع الكاهن الأرضيّ بحيث لا يستطيع أن يصبح راعيا الا إذا صار شبيهًا بحَمَل اللهِ الذبيح. بلا موت عن الرعية ليس من رعاية. أن نطالب الرعية بما نسمّيه حقوقنا حتى درجة الاحتدام والغضب فهذا ليس من الرعاية بشيء. أن نُصرّ على أن يحترمنا كل الناس بالكلام اللائق والتصرّف اللائق، أن نفرض هذا يعني في بعض الأحوال أن ليس عندنا هيبة ووقار تضطر الأكثرين على أن يقدموا لنا الاحترام.

          من خلال واجب التضحية في كل شيء، واستيضاحا عن صفات الراعي، لا بد لنا أن نقرأ الإصحاح الـ34 من حزقيال. «ويل لرعاة إسرائيل الذين يرعون أنفسهم… أنكم تأكلون الألبان وتلبسون الصوف… لكنكم لا ترعون الخراف… الضعاف لم تُقوّوها والمريضة لم تداووها والمكسورة لم تجبروها والشاردة لم تردّوها والضالة لم تبحثوا عنها، وانما تسلطتم عليها بقسوة وقهر».

          فصل نبويّ يفحص به الأسقف والكاهن وكل مرشد نفسه ليرى إن كان يهتمّ بنفسه أم يهتم بأن يجعل شعبه «رعية الله»، الكاهن خادمها لتنتمي للراعي الواحد الذي هو المخلّص. كل تدبير أو إرادة أو تعامل بالمال أو بناء كنيسة وأوقاف، كل هذا غايته الوحيدة أن نصبح «رعية مع القديسين».

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

قائد المئة/ الأحد 27 حزيران 1999/ العدد 26

إنجيل اليوم (متى 8: 5-13) يروي حادثة شفاءٍ لخادمِ ضابطٍ رومانيّ كان من قوى الأمن عند هيرودس أَنتيباس حاكم الجليل وابن هيرودس الكبير. هذا حسب رواية لوقا كان قد بنى مجمعا (كنيسًا) لليهود في كفرناحوم. أَظهرَتِ الحفريات في تل حوم (وهي غالبا كفرناحوم) مجمعا جميلا من القرن الثاني للميلاد لعلّه قام على أنقاض المجمع الذي بناه هذا الضابط.

          هذا يدل أنه احترم الإيمان اليهودي أو أقَلّه أنه قد اقترب روحيا من اليهود. حنّ في كل حال على خادم ليس من دينه ولا من جنسه كان مفلوجا ومُقعدا أو مصابا بداء عصبيّ شديد. فلمّا أَعلم هذا الرجلُ السيدَ بالأمر، قال له يسوع: أنا آتي وأَشفيه. ولما كانت اللغة اليونانية لا يمكن أن يَرِدَ فيها كتابة علامة استفهام أو تعجُّب، يمكن فهم كلام السيد هكذا: أتريدني أن أذهب إليك لأشفيه؟ فأجابه: «يا رب لستُ مستحقا أن تَدخُل تحت سقفِ بيتي ولكن قُلْ كلمة لا غير فيَبرأ فتاي».

          «لستُ مستحقا أن تَدخُل تحت سقفِ بيتي» يمكن أن تدلّ على عِلْمه بأن اليهود لا يدخلون بيوت الوثنيين، ولذلك أَكمل: يمكنك أن تَشفيه من بعيد. كان مؤمنا بقدرة يسوع. فكما أن الضبّاط يأمرون العسكر، يقدر يسوع أن يأمر الطبيعة ليُشفى الغلام.

          أُعجب السيد بإيمان هذا الرجل وصرّح أنه لم يجد إيمانا مثل هذا بين اليهود، وتنبأ على أن كثيرين يأتون من المشارق والمغارب ويَتّكئون في ملكوت السموات. هذا يشير إلى أن الأمم سترث الخلاص وتجلس إلى مائدة الملكوت. هذا ما سيُعلنه متى في آخر إنجيله عندما يقول: «اذهبوا وتلمِذوا جميعَ الأمم وعمِّدوهم…» (28: 19). خلاص الأمم الوثَنية إذا آمنَتْ بالمسيح سيكون تعليما أساسيا عند بولس. أما الذين يرفضون المسيح من اليهود (وكانوا أبناء الملكوت) فإنما يُلقَون في الظلمة البرّانية ويُقصد بها جهنّم.

          شُفي الغلام في تلك الساعة والسيدُ بعيد.

          التعلُّق بشخصِ يسوع والإيمان بقدرته ليس فقط على شفاء أمراضنا ولكن على شفائنا من خطايانا، هذا هو صميم الديانة المسيحية. أن نكون في حالة التواصل الدائم معه، هذا هو المبتغى وهو ليس ببعيد. يقول القديس نقولاوس كبازيلاس (بيزنطيّ من القرن الرابع عشر) إن المسيح أقرب إلينا من رأسنا لأن رأسنا يمكن أن يُقطع منا وعند ذاك يبقى المسيح معنا.

          نحن الذين عَرفْنا الحق وذُقنا كم طيّب هو الرب كيف نبقى غير منشَدّين إلى يسوع وغير حساسين لقرباه؟ كيف نعرف قدرتنا في العمل، في الفكر، في التجارة، في أبداننا ولم نتوصل إلى معرفة القوة التي في يسوع؟

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

العين الشريرة/ الأحد 20 حزيران 1999/ العدد 25

بدء إنجيل اليوم –وأقف عند البدء- قوله المبارك: «سراج الجسد العين، فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله نيّر. وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلمًا». ما أراده الإنجيل بالعين ليس ذلك العضو الذي في الوجه ولكن الرؤية الداخلية، رؤية النفس. في هذا يقول شكسبير في مسرحيته يوليوس قيصر: «الخطأ، أيها العزيز بروتس ليس في النجوم. إنه في أنفسنا». البصيرة التي فيك ماذا تبصر؟ فإما أن تبصر الله أمامك في كل حين فأنت سليم (أو بسيط)، أو بصيرتك باتجاه الأرض فتكون كما العين التي أصابها السرطان أو «ميّ زرقا» وهو تكثُّف في عدسة العين يمنع الإبصار.

العين البسيطة أو الصحيحة مُحبة. العين الثانية حاسدة. كل شيء، إذ ذاك، مظلم. فالعالم جميل إن كنتَ جميل البصيرة. والدنيا سوداء إن كانت رؤيتك الداخلية سوداء. قال داود: «افتحْ عينيّ فأُبصر عجائب شريعتك» (مزمور 118: 18).

يقول الاعتقاد الشعبي أن العين الحاسدة تؤذي. الكنيسة لا تقرّ بأن إنسانا له أن يؤذي إنسانا آخر بمجرد الحسد. الحاسد يضرّ نفسه فقط. ولئن كان عندنا إفشين (أي صلاة) لدفع ضرر العين الحاسدة، فهذا ليس إقرارًا بحقيقة «العين المؤذية». ولكنه ملاحظة أن من ظن نفسه مصابا فيجب أن يتحرر من هذا الخوف، ولذا تستشهد الصلاة بما جاء في المزامير: «الرب مُعيني فلا أخاف ماذا يصنع بي الإنسان»، وأيضا: «لا أخشى الشر لأنك معي».

الحاسد يفسد نفسه لأنه مبغض. أذكر هنا أني فيما كنتُ أستمع إلى اعتراف شاب طلب إليّ أن أساعده في الاعتراف، بين أسئلَتي كان سؤال: هل عندك غيرة؟ فأجاب: نعم. قلت له: ماذا تخسر، لو ظننتَ أنك جميل، لو كان غيرك جميلا، وماذا تخسر لو حسبت أنك ذكي ورأيت أن الكثير من رفاقك عندهم ذكاء كبير؟ إذن لكان الجمال شائعا والذكاء شائعا. إذ ذاك يتمجد الله.

أن نفرح بأن المواهب متنوعة وموزعة، هذا شأن المحب. الموهوبون يجعلوننا نسبح الله الذي أعطاهم ما فيهم من خير. ليس أحد منا يحتكر كل الحسنات. وإن أنت لمستها عند سواك فتجمل نفسك وترتقي. وأما إن حسدت فلا بد لك أن تحارب من تحسده. أنت، عند ذاك، تعيش في تمرمر دائم تجرح نفسك بنفسك.

إن رأيت الخير فيك فاشكر الله، وإذا رأيته في الآخرين فاشكر أيضا لأن الإله الواحد هو الذي أشرق عليك وعليهم. وإن رأيت السوء في الناس فاحزن على السوء، وادعُ للمصاب لعلّ الرب يتخذه برحمته. ألهم جميع الناس أن ينظروا إلى البهاء والجلال والطهر ليكونوا على بساطة المسيح. طبعا لا يمكن أن تحجب خصالك. إنها تضيء، وقد يزداد بسطوعها الحسود حسدا. ولكن لا تيأس من توبته. قد يرحمه ربه يوما ليرى جمالات الكون ويكتسب بساطة الرؤية ويتعلم الحمد. لعل الحسد قائم على الخوف، على عدم الاطمئنان. إنه بالتأكيد نوع من ضعف الإيمان. كثيرا ما ترى نفسك عاجزا عن بعث الحاسد إلى النور. لا حيلة لك أن تستمر في الصلاة من أجل مَن كرهك. هو لربه وربه إليه. في أوان الرضاء يشفيه. أما أنت فتعلم أن كل الناس أفضل منك واشكر.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

خواطر من إنجيل اليوم/ الأحد 13 حزيران 1999/ العدد 24

لقد رأى يسوع على ضفاف بحيرة طبرية (متى 4: 18-23) أن هناك من كان مؤهلا للسير وراءه. أن تمشي وراء المعلّم هو أن تفتح قلبك له، أن تُسلّمه قلبك ليسود عليه ويملأه. شدّ إليه اندراوس وبطرس فتركا ما كان يربطهما بمعيشتهما، أي الشِّباك، وتبعاه. في المشوار نفسه على البحيرة، جذب إليه يعقوب بن زبدى وأخاه. هذان لم يتركا فقط الشباك ولكن أباهما. انسلخا من أجله عن كل ما في العالم.

          ما يميزنا عن كل الأديان أن هذه تقوم على كتب ونحن نقوم على شخص المعلّم. نتعلم من حبه، من موته، من قداسة كلامه. ولاء شخصيّ له يتبعه طاعة. شخصه هو الحقيقة وفيض نور لا ينقطع. وإذا شاهدنا وجهه على أنه كل شيء فنتمكن من ترك كل حاجز بيننا وبين وجهه.

          هذه الصلة الحميمية بين يسوع والمؤمن هي التي تدفع هذا إلى تغذيتها بقراءة الكلمة وترويض نفسه على البِرّ وممارسة الخدمة الإلهية حتى يبقى السيد دائما أمام عينيه. فالنار تحتاج إلى إضرام دائم. حبه يحتاج إلى حبنا، وهذا لا يبقى إلا بجهد التعلّم عن سر المسيح وعمق المسيح وجمال المسيح. نحن لسنا ملتزمين فقط العمل الصالح، ولكنا ملتزمون الفهم وإذاعة الإنجيل بإيضاحه للمؤمنين وغير المؤمنين.

          يجب أن نتعلّم من أعدائنا الذين يقرعون أبواب الناس ويحاولون إقناعهم بالمبادئ التي يدينون بها. هؤلاء كل منهم فاهم لعقيدته، لا فرق عندهم بين رؤساء الهرطقة والأعضاء العاديين. كلهم يدرس ويتكلم. لماذا يلازم الأرثوذكسي الصمت؟ لأنه لا يقرأ. لا يمكن أن نترك الكنيسة على مجموعة قليلة من الكهنة المثقفين لاهوتيًا. إن كان عندهم مئات من العائلات كيف يجلسون إليها جلسات طويلة للتعليم؟ أرجو الله أن نقوم في بعض المواضع بحركة تبشيرية تؤهل العلمانيين ليبثّوا الدعوة ولا تبقى المعرفة محصورة.

          إلى هذا لا نزال في حاجة إلى كهنة أقوياء يحملون المسؤولية كاملة، كهنة قادرين أن يسهروا على الرعية وأن يهيئوا فيها عمّالا علمانيين في حقل الرب. عندنا رعايا شاغرة. مَن ألهب الله صدره وكان مستعدا لاستيعاب ما أمكنه من المعرفة، مَن أحبَّ حتى بذل نفسه في الخدمة فليتقدم ليحمل معنا أثقال الشعب ورسالة تعليمه وخلاصه.

          فبعد أن صعد يسوع إلى السماء ألقى علينا مسؤولية التبليغ لإنجيله، مسؤولية شفاء كل ضعف في الشعب وحفظ هذا الشعب بالكلمة والخدمة. إن المسيح حزين لأن بعضًا مِن حقله مهمَل. والفراغ يحتله دائما العدوّ. متى تُلهبهم يا رب بنار محبتك؟ متى نلتمع لتفرح أنت؟

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

أحد جميع القديسين/ الأحد 6 حزيران 1999 / العدد 23

نقيم هذه الذكرى الأحد الذي يلي العنصرة لأن الروح القدس الذي تجلّى فيها إنما دوره الأساسي أن ينشئ القداسة في الكنيسة. إيماننا أن القداسة نعمة من الله يمنّ علينا بها مجانا بدافع من رحمته وأن الإنسان لا يستطيع بجهده وحده أن يصعد إلى الله. لا شك أنه لا بد لنا من جهود جبارة لنحفظ قداسة الله فينا, ولكن التعليم الأساسي “أنكم بالنعمة مخلَّصون” (افسس 2: 8). القداسة هبة من فوق.

في إنجيل اليوم –وفي لقاء النعمة والجهد البشري- نرى أن السيد يطلب الاعتراف به قدام الناس. نعلن إيماننا بالمسيح قدام البشر جميعا. أقله ألا نقبل عقيدة مخالفة وألا نرضي أحدا بنكراننا جزءا من العقيدة. وقد يضطرنا إيماننا, في أزمنة الضيق, أن نعترف بالمسيح حتى الشهادة الكبرى بالموت الطوعي من أجله. ففي بلاد تعددت فيها الأديان, الاعتراف بالمسيح يسوع باللسان شرط أساسي لإخلاصنا له. إخفاء إيماننا أو التقليل من خصوصيته وفرادته وقيمته نوع من أنواع الخيانة.

الخط الثاني في القداسة يوضحه قول السيد: “مَن أحبَّ أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني”. المسيح فوق كل واحد وكل شيء في محبتنا. عاطفة تصطدم مع إخلاصنا للمسيح تكون سيئة. أنْ توافق أعزّ الناس عليك في ما يقولونه أو يفعلونه بحيث تعاكس قول الرب ووصاياه, وذلك لكونك تستحي منهم أو لكونك تنتفع منهم أو لكونك ضعيفا أمامهم, كل هذا خطيئة ونكران. أما المحبات الصادقة والشرعية والموافقة لشريعة الله فهي امتداد لمحبتك للسيد. هي مضمونة في طاعتك للرب.

هذا يقود إلى قوله المبارك: “من لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني”. فإذا أردت أن تحب يسوع فحياتك مليئة بالصعوبات. أكثر الناس لا يحبون يسوع. يريدون أن يردوك عن هذه المحبة. ثم حولك في بيتك وفي عملك ومجتمعك ناس يعذبونك أو يشتمونك أو يعرقلون مسيرك. بعضهم صليبك اليومي. قد تحسب مثلا فتاة أنها تحب شابا وتتزوجه ويتبين أنه غير صالح. هو صليبها. أن تتقبله بوداعة وصبر يعني أنها أخذت على عاتقها صليب المعلّم. رئيسك في العمل قد يكرهك ويحاول أن يستبدّ بك. رفيقك في العمل قد ينافسك بصورة شنيعة. أنت لا تقدر أن تغيره من بعد نصيحة أو لوم. أنت مصلوب على هذا وذاك. هؤلاء الأعداء طريقك إلى المسيح. الدنيا مليئة بالحساد والظالمين. وقد يكون هؤلاء الأقرب إليك, وربما تكون ساعدتهم وأحسنت إليهم بمال أو خدمة. جاحدوك طريقك إلى المسيح.

والخط الأخير في هذا الإنجيل قوله المبارك: “كل من ترك بيوتا أو اخوة أو أخوات… يأخذ مئة ضعف ويرث الحياة الأبدية”. القداسة قبل كل شيء ترك, انسلاخ عن أحب الناس إليك, انسلاخ عما اشتهاه قلبك عن غير وجه حق. الالتصاق ببعض الناس ومجاملتهم كثيرا ما كان فيه انعزال عن المسيح. أنت لا تستطيع أن تماشي أقرب الناس إليك في الباطل. المسايرة قد تكون خوفا طمعا بمال أو مجد أو أية شهوة أخرى.

قد تحس كلما تركت شيئا أو شخصا أنك في صحراء. السيْر في  الصحراء شرط لوصولك إلى الواحة. والواحة هي المسيح.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

الطاعة/ الأحد 23 أيار 1999 / العدد 21

في زمن التفلت وتمرد الأولاد على الأهل، في بيئة تسمع فيها عن حرية الزوج والزوجة أحدهما من الآخر يأتي الكلام في الطاعة أمرا عتيقا. أجل أعرف أن بين المؤمنين شورى، ولكن الشورى لا تقوم إلا إذا قصد المتشاور أن يطيع الحقيقة إذا أتته من آخر. الغلبة للحق، والشورى ليست أن نسجّل مواقف مختلفة ولكن أن تنتهي المشاورة إلى موقف، لا موقف الأكثرية العددية بل ذاك الذي يرتضيه الله.

الكتاب الإلهي يتحدث عن الطاعة لله، وطاعتنا للبشر محددة بكونهم يقولون كلمة الله، بكونهم يذكّروننا بها. فلا طاعة لمخلوق بسببٍ من مقامه ولكن بسبب من كونه يحمل الكلمة الإلهية. هي إذًا من خلاله طاعة للخالق. أنت تطيع في الكنيسة مدبريك لأنهم يسهرون على خلاصك. إنه، مبدئيا، جيء بهم إلى حيث هم لأنهم قبل اتخاذهم المسؤولية تعلّموا أن يسهروا على خلاصك.

مرة كنت أعظ أحد الناس فقال لي: أنت تتكلم هكذا لأنك أسقف (أراد بذلك أني أردد كلمات تفرضها عليّ وظيفتي). قلت له لا، أنا لا أتكلم هكذا لكوني أسقفا بل أتوا بي أسقفا لأني كنت أتكلم هكذا.

وعندما يتحدثون في الرهبانية عن الطاعة للأب الروحي، عن المرشد الذي يرشد الرهبان فليس السبب إنه كاهن مستمع إلى الاعترافات. مَن سميناه أبًا روحيا هو الذي بلغ قامةً عليا في معرفة المسيح وتاليا في معرفة القلب البشري من جهة ومعرفة الكلمة الإلهية من جهة. لكونه لا يتسلط وليس عنده غرض يرشدك إلى ما ينفعك. الطاعة أساسها الثقة في هذا المجال وإيمانك بأن أباك الروحي مطرح الله.

كل هذا يبدأ بطاعة الابن للآب إذ “أخْلى ذاته متخذًا صورة َ عبدٍ لمّا صار في شبه الناس، وظهر في مظهر إنسان، واضعَ ذاته، وصار مطيعا حتى الموت” (فيليبي 2: 6-8). هذه الطاعة كانت طريق السيد إلى القيامة.

نزولا من عند الرب، إذا نظرنا إلى علاقتنا الأخوية، نرى أن الله يطلب إلينا أن نكون “خاضعين بعضنا لبعض بمخافة المسيح” (افسس 5: 21). في هذه الدعوة نرى أن الشيخ يمكن أن يخضع للفتى والفتى للشيخ والمرأة للرجل والرجل للمرأة. ليس من طبقة خاضعة وطبقة أخرى مخضوع لها. تخضع لمن يقول الحقيقة الآن أيًا كان رأيك فيه. تخضع لمن كان عنده روح الرب دائما. فإذا لمست عند أحد روح الرب تطوّع إرادتك له.

قبل كل شيء لا ترَّد طلبا عادلا ولا تغلق قلبك عن طالب. واستمع بعدل لكل من حاججك. انفتح للناس حسب قول يسوع:”من سخَّرك ميلاً فأمشِ معه ميلين” (متى5: 41). بهذا يتمجد الآب.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

كوسوفو/ الأحد 16 أيار 1999/ العدد 20

لم أكن أكتب في نشرة رعائية عن آلام صربيا لو لم يوجَّه من بعض المرجعيات انتقاد على كنيستنا في هذا المجال كأن الأرثوذكسية هي التي أشعلت نيران الحرب, أو كأنها هي التي هجّرت الألبان المسلمين. الألبان الذين تركوا إقليم كوسوفو من بعد بدء العمليات الحربية كانوا في الأقل ضعفي الذين غادروا قبل القصف. ثم الحكم اليوغسلافي شيء, والشعب الصربي الأرثوذكسي شيء آخر. والبطريرك والمجمع المقدس الصربي شجبوا غير مرة موقف الرئيس اليوغسلافي. هذا شأن الكنيسة الأرثوذكسية في بلاده. وهي تستطيع أن تراقب الوضع هناك أكثر منا.

ليس من تقاليد كنيستنا وهي غير مسيَّسة أن تتخذ موقفا سياسيا لا في بلدنا ولا خارج بلدنا. التفويض الذي لنا من المسيح لا يسمح بذلك. وعمليا لا نستطيع أن ننشئ مرقبا لكل أحوال العالم. نحن لسنا مفكرين سياسيين. ولكنا نقدر أن نكون ويجب أن نكون مع المقهورين أيا كان دينهم. والصرب مقهورون مثل الألبان وتدمَّر بيوتهم وجسورهم والمدنيون الأبرياء منهم والمؤسسات المدنية ويحلّ الخراب الشامل في بلادهم. وإذا كان التعاطف يذهب إلى كل مظلوم, فنحن مع الصرب والمدنيين الألبان, ونحن مع كل قتيل وجريح وشريد أيا كان عرقه وأية كانت ديانته.

يحق لنا بل واجبنا الأخوي أن نصلي من أجل الأرثوذكسيين الصرب, وقد عمَّمتُ ذلك على كنائس هذه الأبرشية. غير إني في كل قداس إلهي أصلي جهازا من أجل الألبان المسلمين الذين تألموا من هذه الحالة. وقد قامت الكنيسة اليونانية بأعمال خيرية هناك وتبرعت الكنيسة الأرثوذكسية الألبانية – وهي فقيرة – بالطعام ومواد الإغاثة للمسلمين الألبان.

نحن نفهم, لكوننا عانينا في بلدنا أخطار التقسيم, أن يرفض الصرب انسلاخ إقليم كوسوفو عن صربيا. هذا من شأنه أن يؤجج الصراعات الدينية في تلك البلاد. وما يجعلنا أكثر فهما لهذا الموقف أن في الإقليم 135 كنيسة ودير أرثوذكسي لا يمكن أن تُترك لحراسة غير الأرثوذكسيين. إن التعايش الإسلامي – الأرثوذكسي في يوغسلافيا هو الموقف السلمي الوحيد الذي يضمن استمرار كل فريق على معتقده ولغته وتقاليده. وما يحكى الآن إن حكما ذاتيا للإقليم سوف تعترف به يوغسلافيا ويضمن هذا الحكم الذاتي وجود قوات دولية مختارة من الدول التي لم تشترك بقصف يوغسلافيا. فمن الطبيعي أن الدول التي آذت صربيا ودمرتها لن تكون   حيادية هناك.

لا يريدون صربيا الكبرى ولكن لو انسلخ إقليم كوسوفو عن صربيا لا بد له أن ينضم إلى ألبانيا إذ ليس عنده مقومات الحياة. عند انضمامه إلى ألبانيا فتتشكل عند ذاك ألبانيا الكبرى. أن تحجيم صربيا وأن يُمنع عنها مصادر الحياة الاقتصادية في كوسوفو يعني إضعافها. حتى هذه الساعة أُضعفت صربيا كثيرا. هل هذا هو العدل في المنطقة, وهل هذا هو التوازن  بين المجموعات العرقية المختلفة؟ ثم ألا يعني استمرار الحرب محاولة لاحتواء روسيا وشرذمة الشعوب السلافية. من حقنا أن ندعو الله أن يساعد الشعوب الأرثوذكسية لكي تخرج من فقرها وتنهض لتسهم في بناء إنسانية واحدة حرة غير مستسلمة للأجنبي الذي يؤكد أن له مصالح هناك.

أطلب إليكم أن ترفعوا الدعاء ليُحلّ الله رضاه على تلك المنطقة وشعوبها لكي ترقى وتشبع وتقرر حياتها بالاستقلال عن القوى الجبارة المستكبرة, حتى إذا قويَتْ هذه الشعوب تتمكن من مدّ غيرها الأنوار الصاعدة من كنيستنا التي تتمنى شيئا واحدا وهي أن يعيش فقراؤها في الحرية وتاليا في مساواة الأمم الأخرى.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

مشاركة المواهب/ الأحد 9 أيار 1999/ العدد 19

لا تُفهم المواهب المتنوعة التي لنا في الكنيسة إلا لكون كل واحد منا له شركة مع الروح القدس (2كورنثوس 13: 14). فالروح الإلهي الذي فيّ وفيك معاً يجعلنا واحدا. لهذا يقول يوحنا الحبيب أن لنا شركة بعضنا مع بعض (1يوحنا 1: 7). هذه ثمرة لشركتنا “مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح” (1يوحنا 1: 3), فالذين يسيرون في درب القداسة يعيش الثالوث فيهم ويوحدهم.

هذه هي الوحدة, وضمن الوحدة هذا أسقف أو كاهن وذاك علماني أي عضو كامل في شعب الله. الإكليريكي له خدمة, وللعلماني خدمة. النعمة توحدهما ولو اختلفت الوظائف في جسد المسيح. ليس أحد فوق أو تحت أو على الجنبات. كلنا في قلب الله والفرق بيننا الجدية في طلب النعمة.

ضمن الجسد الواحد تتنوع المواهب بصرف النظر عن الوظائف. أما من اجتمعت فيه موهبة التعليم وموهبة الوعظ والرعاية فيدعوه ربه إلى الخدمة الرعائية. ومن كانت له موهبة التعليم وحدها فيصير معلما أو أستاذ لاهوت كما نقول اليوم ولكنه لا يصير كاهنا بالضرورة إذ قد تعوزه موهبة الوعظ والقدرة على افتقاد الاخوة. قد لا يكون الكاهن مؤهلا للعمل الاجتماعي كما هو ممارَس في العصر الحديث. العامل الاجتماعي,إذ ذاك, يعاون الكاهن ويكمله.

بين الكهنة أنفسهم من كان قويا في معرفة اللاهوت أو لامعا في الوعظ أو اقل التماعا. إذ ذاك لا بد من أن يتعاون الكاهن مع زميل أقوى منه. أما الأسقف فتتوافر فيه أصلا معظم المواهب. ولكن ليس من الضروري أن يكون إداريا كبيرا. فالإدارة علم قائم في نفسه. عند ذاك لا بد له من أعوان. من هنا أن القوانين المقدسة تلزمه فور استلامه المسؤولية أن يعين مدبرا وهو ما يقال له اليوم رئيس ديوان أو مجموعة معاونين هم أقدر منه في معرفة المال والاقتصاد وما إليهما. غير أن الأسقف والكاهن لا بد لهما من الحكمة فإنها نعمة إلهية تؤهله أن يتدبر شأن الناس بمحبة ووداعة ولا ينتظر منه أحد أن يكون أخصائيا في شؤون هذه الأرض.

كيف يوظَّف المال أو كيف تدار العقارات هذا ليس من شأن الأسقف مباشرة. يجب أن يعرف الأسقف أن يتقن فن الإصغاء إلى الكهنة وإلى العلمانيين الذين لهم كلٌّ في مجاله معرفة لم يُحصلّها هو. والمحبة هي التي تلهمنا بمن نستعين وتلهمنا أن ننتدب آخرين. ولكل أخصائي مكانته. غير أن أصحاب المعرفة يجب أن يتشاوروا وأن يقدّموا معلوماتهم للأسقف الذي يتخذ مسؤولية القرار الأخير في الحكمة الإلهية التي فيه. هو يتخذ القرار الذي يراه صالحا لمجد الله ولبنيان مَن يمسّهم القرار ويتوخى في ذلك أولا وحدة الرعية. فقد يكون القرار نافعا ماليا ولكن قد تتصدع وحدة الرعية. الأولية هي دائما للنمو الروحي في هذه الرعية أو تلك أو في الأبرشية ككل.

مع من نتشاور؟ مع أي إنسان عارف بالموضوع الذي نبحث فيه, ولكننا قبل كل شيء نتشاور مع الذي عنده روح الرب. ولهذا فرضت القوانين أن يكون مجلس الرعية مؤلفا من الذين يحبون ربنا يسوع المسيح, الخالين من الغرَض والأنانية, الذين يمارسون حياة التقوى ويخضعون لكلمة الله. مجلس الرعية ليس فقط جمعية خبراء ولكنه اجتماع عقلاء. إنه لمفيد أن يعرفوا مسائل هذه الدنيا, ولكن الأهم أن يعرفوا حقيقة المسيح وأن يسعوا إلى وحدة الرعية, وأن يتحرّروا من العشائرية, وأن يكرّموا كاهنهم, وأن يكونوا كرماء النفس واليد.

أجل إن المحافظة على الأوقاف وتنميتها أمر جليل, ولكنه ليس الأمر الأجلّ. فأهم شيء عندنا أن نجتنب الخصومات والعائلية البغيضة وأن نحث المؤمنين على أن يلتفّوا معا حول المسيح, ومن ترجمات ذلك أن نلتف حول الأسقف ولا نُقْدِم على عمل يكرهه ولا أن نتفرد عنه بقرار محلي. لا يجوز أن تلغي رئيس الكنيسة لأنك بذلك تكون ألغيت المسيح. إن رضاء الأسقف والكاهن من رضاء الله عليك, وأن تفتش عن أخيك ولا تبعد أحدا ولا تتسلط على أحد بركة من بركات الله عليك. المواهب متعددة كما يقول الرسول, ولها جميعا مكانتها في الجسد الواحد. ولا يحتقرن منا أحد الصغار فليس أحد منا صغيرا. رأي من تستصغره أنت قد يكون الأصح. كل منا فليقدّم الآخر عليه ويقبل رأيه إذا كان صالحا. هذه هي مسرّة الله.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

العنصرة / الأحد 30 أيار 1999 / العدد 22

بعد أن صعد يسوع إلى السماء وجلس عن يمين الآب, أي بعد أن بدا سيدا على البشرية والكون, أرسل الروح القدس على الرسل وعلى الكنيسة ليكمل عمل الابن. أن الخلاص تم نهائيا بتعليم المسيح وموته وقيامته وصعوده إلى السماء وليس من خلاص آخر. غير أن الإنسانية مدعوة أن تعرف ما حصل من أجلها. ولهذا كان الإنجيل.

وكان لا بد أن تظهر الكنيسة أي جماعة الذين يحبون يسوع, وإذا ظهرت أن تأخذ هذا الإنجيل الذي دُفع إليها لتفهمه وترشد مؤمنيها والعالم به. ولكي تدخل الكنيسة في صميم الإنجيل كان لا بد لها من روح يسوع. ولكي يحيا المؤمنون بالمسيح ويذوقوه حقا كان لا بد لهم أن يتقدسوا بالحق ويتزيّنوا بالبرّ. وهذه الأعمال التي تنشئ فيهم القداسة وترفعهم إلى السيد هي أسرار الكنيسة من معمودية وميرون وتناول جسد الرب وبقية الأعمال التقديسية من تكريس الكنائس ونضح المنازل بماء الظهور الإلهي (الغطاس) وما إلى ذلك.

ثم كان لا بد للمصلّين أن يكون عندهم الروح الإلهي لكي يتمكنوا من صلاة حارة ومتواصلة، وكان لا بد لهم أن يحبوا بعضهم بعضا وأن يكافحوا روح الشر إذا أغراهم أو هاجمهم. وكان لا بد أيضا من معلمين وكهنة وأساقفة لينقلوا الإنجيل بفهم ويخدموا المؤمنين وحاجاتهم ويوحدوهم بالمسيح ويدفعوهم إلى التوبة.

كل هذا العمل الكنسي أراد الرب يسوع أن يقوم ويتدعم ويبقى بقوة الروح المنبثق من الآب قبل الأزل والمرسَل إلى العالم من بعد صعود السيد إلى السماء. فالروح القدس المستقر في المسيح كان ليجيء من المسيح إلينا ليفتقدنا ويبقى معنا إلى الأبد. فالكنيسة المؤسسة على المسيح وعلى دمه وانتصاره ينسكب عليها الروح القدس دائما وإلا تحولت إلى مجموعة بشرية عادية. فمعاني الإنجيل لا تنتقل إليك ما لم يلهمك الروح. والماء لا يعمدك ما لم يقدسه الروح. والخبز والخمر العاديان لا نفع لهما إلا إذا صارا باستدعاء الروح القدس عليهما جسد المسيح ودمه فلا تأكل أنت خبزا وتشرب خمرا ولكنك تتناول المسيح نفسه. هذا لا يتم إلا بمشيئة الآب وخلاص المسيح ونزول الروح الإلهي على الكنيسة.

ولهذا جاء في إنجيل يوحنا اليوم: “خذوا الروح القدس. من غَفرتم خطاياهم تُغفر لهم ومن أَمسكتم خطاياهم أُمسكت”. فإذا نزل الروح عليكم تقدرون أن تغفروا.

وقد نزل الروح فعليا يوم العنصرة كما ورد في سفر أعمال الرسل وذلك خمسين يوما بعد القيامة. نزل على الرسل ووالدة الإله ومن معهم من المؤمنين الأوائل ” وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم ” بمعنى أن الروح نزل على الكنيسة الأولى المجتمعة بالمحبة وعلى كل واحد من أعضائها. وأخذوا يتكلمون بلغات مختلفة أي أن رسالة يسوع بقوة الروح أخذت تنتشر في العالم كله.

وتَقوّى الرسل ولم يعودوا خائفين من اليهود وأذاعوا الإنجيل في المسكونة كلها, وجذب الإنجيل الناس بجمال تعليمه, وفهمت الإنسانية أن يسوع الناصري هو ملك القلوب وأن تعليمه يشفي ويحرر من الخطيئة. وظل الروح القدس ينزل كل يوم, فكل قداس عنصرة جديدة. وأنشأ الروح القديسين الذين أَحبوا يسوع على أنفسهم. وهو الذي شجع المؤمنين في كل زمن اضطهاد أن يصمدوا, فكان الشهداء الذين كانت محبتهم للسيد أقوى من الموت.

واستمرت الكنيسة وستبقى إلى الأبد لأن المسيح معها إلى الأبد. وعلى كل الصعاب وعلى رغم خطايانا يرسل يسوع روحه لنحيا بقداسة الحق ونذلل كل صعوبة وننعتق من الخطيئة وننادي بأن المسيح هو فينا القيامة والحق والحياة.

Continue reading