Author

Aziz Matta

1999, مقالات, نشرة رعيتي

إنجيل اليوم/ الأحد 19 أيلول 1999/ العدد 38

أحبّت الكنيسة عيد رفع الصليب حتى وضعت في السبت والأحد اللذين يسبقانه والسبت والأحد اللذين يليانه فصولا إنجيلية تتعلق بمعنى العيد. في الفصل الأخير منها (مرقس 8: 34-9: 1) –وهو يُقرأ اليوم– انعكاس أخلاقيّ أو عمليّ لإيماننا بالمصلوب إذ يستهلّ الرب يسوع هذا المقطع بقوله: «مَن أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني».

          هنا يؤكد السيد أن المسيحية نداء وأنك تلبّي الدعوة حرا. فالتدابير القسرية في التربية مغلوطة. أجل أنت حر أن تدخل في الكنيسة، ولكن إذا دخلتَ طوعا فأنت تطيع طوعا أو تخرج.

          لماذا ربط المسيح إيمانك به بضرورة حملك الصليب؟ لأنه أرادك أن تتبعه جديا بكامل طاقاتك وفكرك وقلبك، بكل كيانك لئلا تكون «حكواتيّا» غير فاعل. فكما كان المسيح جديا في ذهابه إلى الموت، تكون أنت جديا إن أمتّ كل ما يعادي المسيح في كيانك، لأنك لا تقدر أن تحب السيد وعدوّ السيد أي الخطيئة بآن واحد.

          لماذا قال عن التابع: «يحمل صليبه» ولم يقل «يحمل صليبي»؟ أنت لا يوجد فيك صليب المسيح. هذا وُجد فيه. أنت يوجد في نفسك، وفي أعصابك، وفي حياتك اليومية صليبك أنت أي مشقاتك وقساوة العيش التي تعيشها. أنت مصلوب على ما فيك، فإن لم تحمل كل هذا، أنت في هروب من الجدية.

          «ويتبعني». تتبعه إلى أين؟ هو كان له طريق واحد. وأنت تسلك كل الطريق لا نصفها. آخر طريق المسيح الجلجلة. إذًا لا تحمل نصف أتعابك وتتذمّر. تحمل كل الأثقال لتصل إلى نهاية الجهاد.

          أوضح يسوع هذا الكلام لما أضاف: «إن مَن أراد أن يُخلّص نفسه يُهلكها، ومن أَهلكَ نفسَه من أجلي ومن أجل الإنجيل يُخلّصها». تعب شديد بحيث لا يبقى لك من دنياك شيء. لا تحسّ بسيطرة على شيء أو على أحد. جسدك نفسه ليس لك.

          بعد هذا الإيضاح يطرح الرب يسوع السؤال الأخير: «ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ أم ماذا يُعطي الإنسان فداء عن نفسه؟». الخيار الذي أمامنا جميعا هو بين أن نكسب كل ما في الدنيا من ملذّات وسيادة وشهوة فنخسر نفسنا كليا، أو أن نربح نفسنا (والمسيح فيها) ونحن مجرّدون من كل تملُّك واشتهاء ولا يَسحرنا إلا وجه المسيح. الخيار صعب ولكن لا تستطيع إلا هذا الخيار، فإما أن تملُّك العالم ومجده الباطل، وإما أن يملكك المسيح فتبدو أمام الناس مجنونا لا تعرف مصلحتك.

          هذا الخيار يجب أن نقوم به داخليا. مرة وإلى الأبد نختار المسيح أو نختار هذه الدنيا. وإذا اخترت المسيح فلك في نفسك فرح وجوده معك. تعرف أنه يملأك ويكفيك. تحيا به وبكلامه وحبه لك وحبك له ويحل فيك ملكوت الله.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

مرة إلى الأبد/ الأحد 12 أيلول 1999/ العدد 37

مما أَستغربه حتى الذهول بيننا أن أحدا من الناس بلغ من العمر مبلغا كبيرا يأتيني ولم أره في كنيسة مرة واحدة منذ ثلاثين سنة يطلب شيئا يتعلق بالوقف. كيف يهتم هذا الرجل بوقف كنيسة لم يجتز عتبتها. الفكرة المتفشية في أوساطنا أن شؤون الوقف تخص الضيعة. الحقيقة أنها لا تخص المجتمع الذي يسمى القرية، ولكنها تخص المجتمع الأرثوذكسي الذي يعرَّف عنه أنه الذي يصلّي. المجتمعون في القداس الإلهي يوم الأحد يكشفون هويتهم في صلاتهم أما الذي يحيا في منزله وعمله ولا نراه بيننا منتصبا في الجماعة، فهذا نرعاه حتى يعود إلينا، وقبل عودة له حقيقية يكون عنده منطق وعندنا منطق. أي عنده لغة غالبا لا تكون لغة الكنيسة, ولذلك ليس بيننا وبينه خطاب.

          أما المؤمن فينتمي إلى كنيسة المسيح في رعيته وفي الأبرشية. وخارج هذين الإطارين ليس لنا وجود. أما الرعية فمؤلفة من إخوة لهم أب هو المطران. وأنت تتوجّه إليه كما يتوجّه الابن إلى أبيه. لا أحد يمنعك أن يكون عندك رأي في المطران أو الكاهن وأنت عاقل وفهيم. مع ذلك تتصرف معه بصفتك ابنا كما تتصرف مع والدك الجسدي. ليس عندك مخرج من هذا إذا كنت أرثوذكسيا.

          وإذا أردت أن تناقش تدبيرا، فلك هذا، ولكن حسم الأشياء ليس لك. خذ كل الوقت اللازم للنقاش. إن اقتنع الرئيس الروحي بحججك يلبيك، وإن لم يقتنع وقال لك أنا بعد الدرس والتمحيص واستلهام الرب ومحبتي لكم اتخذت هذا التدبير، عليك طاعته لأن كل هذا مكتوب في كتبنا، وإلا تكون قد زرعت الشقاق وجعلت الذين حولك أو معك يتباعدون عن الكنيسة.

          من المؤكد أن المطران لا يستطيع أن يشرح لك كل الأسباب التي دعته إلى اتخاذ موقفه. عنده مئة اعتبار واعتبار لا يمكنك أن تدخل أنت في كل تفاصيلها ولا يجوز أحيانا أن تطلع على بعض منها. هذا متعلق بحكمة الرئيس. في أي مكان في الدنيا (في العائلة، في الدولة، في هيئة الأمم، في الحزب، في النادي) هناك من يأخذ القرار الأخير.

          بولس الذي قال «أطيعوا بعضكم بعضا» هو القائل أيضا «أَطيعوا مدبريكم». غير هذا فوضى وتشويش وانقسام. من الواضح في تعليمنا أنك إن لم تكن متحدا مع رئيس الكهنة فلست متحدا مع الكنيسة، إذ لا كنيسة بلا أُسقف فاعل، حاضر فكره وعمله في كل مكان.

          قد يصعب عليك أحيانا أن ينزع عنك المطران مسؤولية كانت مسندة إليك. هذا الأمر لا يأتي عندنا اعتباطا وتعسفا. له مبرراته منها أنه حَسَنٌ ألا يبقى أحد ملصقا بمسؤولية طويلا. الأجيال الصاعدة يجب أن تتربى على تسلُّم المسؤوليات. وغالبا ما يوجد مثلك وأفضل. الحياة الحقيقية هي في محبة يسوع المسيح، وهذه تتوفر لك حيثما حللت.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

الكذب/ الأحد 5 أيلول 1999/ العدد 36

الصدق شجاعة، ثقة بقوة الله الكافية لتحميك. والصدق واجب حتى لا يتأذى الآخر. قد لا يؤذى الآخر بالكذب، ولكن صاحبه يؤذي نفسه. الكذاب يظن أنه ينجّي نفسه من ورطة. وهذا ينجح به مرة أو بضع مرات. ولكنه في الأخير يفشل لأنه يفتضح. يبقى السؤال: هل تجوز الكذبة البيضاء أي التي لا تضرّ بأحد؟ الحقيقة أنها تضرّ دائما بصاحبها لأنه يتقزم إذ لا يواجه. تَسامَحَ آباؤنا النساك باستثناء واحد لمّا قالوا أن الكذب يسوغ في حالة واحدة إذا كان الصدق هو الذي يؤذي، وأعطوا مثالا على ذلك كأن يدخل عليك إنسان خائف يلاحقه مجرمون. لك أن تقول في هذه الحالة: هذا المجرم ليس عندي.

طبعا إذا ائتُمِنتَ على سرّ فعليك أن تحافظ عليه. مثلا إذا عرفت عن مرض فتّاك أخفاه الطبيب عن مريضه أو إذا عرفت أسرارا تتعلق بحياة زوجية، هذا أمر يجب فيه التكتم.

الصدق يجعلك مرجعا فيطمئن الناس إليك وإلى معاملاتهم معك. وفي اطمئنان الناس سلامة لهم وحُسْن معشر.

ما الكذب في الكلام؟ هو أن تعرف حقيقة أمر وتقول العكس. يمكن أن تكتم الأمر على من ليس له حق معرفته. ولكن لا تكتم شيئا على المسؤول، لا عن السلطة السياسية إذا اطّلعتَ على ما يضر بأمن الدولة، ولا عن السلطة الروحية إذا عرفتَ مثلا أن الرعية متضررة من عدم أمانة في إدارة شؤونها المالية أو أن فيها شغبا قد يؤذيها أو يؤذي الكاهن. الذي عليه مسؤولية الإصلاح له حق الاطلاع على ما يجري.

وقد يكون الكذب لا كلام فيه. هناك موقف كذب وحالة كذب. فمن خان الوطن أو خرّب في مصلحة أو دمّر حياته العائلية هو في حالة كذب. إنه يسلك مسلكا كاذبا. بهذا قال صاحب المزامير: «أبغضتُ كل طريق كذب». سفر الأمثال يتكلم عن هدية كذب. سفر الرؤيا في حديثه عن الكنيسة السماوية يقول: «لن يدخلها شيء نجس ولا فاعل قبيحة ولا كذب». هناك إذًا فعل كذب. هذا كما يؤكده ارمياء النبي بقوله: «كل واحد يعمل بالكذب».

هناك القَسَم الكاذب والنبوءة الكاذبة. هناك الشاهد الكاذب المدمّر لبيوت الناس وصيتهم ومصالحهم. السيد يقول عن الشيطان أنه «كذاب وأبو الكذاب».

هذا هوى من الأهواء الخطرة. والمَخرج منه ممكن فقط بالمسيح. إن كان فيك هذا الضعف فاطلب الصدق من المسيح. تشبَّهْ به فإنه كلّم الفريسيين والكتبة بالصدق وكانوا خطرا عليه. عند محاكمته لم يخشَ رؤساء كهنة اليهود وقال لهم أنه ابن الله وما أخفى هذه الحقيقة التي كلّفته حياته.

وبسبب الصدق ذهب المسيحيون في كل جيل إلى موت الشهادة. كانوا قادرين أن يبقوا على قيد الحياة لو كفروا. ولكونهم قُتلوا بسبب صدقهم نحيا نحن اليوم. نحيا من شهادةٍ لهم وطّدت الكنيسة.

الصدق في الكلام, في الموقف، في الشهادة، تلك هي قوّة المخلّص فينا. مَن أراد يسوع يسلك كما سلك يسوع.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

استشهاد يوحنا المعمدان/ الأحد 29 آب 1999/ العدد 35

لماذا قُتِل يوحنا؟ لأنه كان يقول لهيرودس أنتيباس ابن هيرودس الكبير: لا يحلّ لك أن تكون لك امرأة أخيك.  لماذا لم يكن له هذا الحق ولو من بعد موت أخيه؟ هذا ما نسمّيه زنى المحارم أي ذوي القربى أو الفاحشة في المصطلح الدقيق. «عورة زوجة أخيك لا تكشف، فإنها عورة أخيك…إنها فاحشة» (لاويين 18: 16 و17). يكون هيرودس عقد زواجا مناقضا للناموس.

          أهمية الموقف الشجاع عند يوحنا أن الملك كان يسمع من النبي بانبساط فلم يسخّر المعمدان هذه الصداقة ليغضّ النظر عن مخالفة شرعية. الملك يفرح به ويخافه بآن ويحافظ عليه. لم يكن أنتيباس إذًا سيئا في كل شيء. ولم يدغدغ يوحنا أن الملك كان يحب أحاديثه. كانت بينهما مسافة وهي مسافة الشريعة. وحدها -لا الملك– كانت تملك على يوحنا. كان من هذه الزاوية شبيها بإيليا الذي كان أمام الله وحده وكان بسببٍ من ذلك ضد السلطة الحاكمة، ضد الملك وامرأته وكهنته.

          لم ترضَ هيروديا بتأنيب زوجها لأن فيه تأنيبا لها أيضا. إنها ارتضت بدورها أن تخالف الناموس. فدبرت المكيدة وقبلت بإرسال ابنتها صالومي إلى حفل العشاء الذي أقامه المليك في مولده لعظماء الجليل وأعيانه وقواد الألوف (أي كبار الضباط). أرسلتها لتؤدي رقصة شرقية خليعة. أرادت أن تفحش أبنتها في حضرة ملك متخم سكران. وقد أثارت الشهوة كبرياءه لأنه وعدها لو طلبت منه أن يعطيها ولو نصف مملكته. وعْدٌ قطَعَه متأثرًا بضعفه أمام هذه الصبية.

          طَلبتْ بعد استشارة أمها رأسَ يوحنا على طبق. رأس صديق لحاكم الجليل. لم يشأ أن يتراجع عن الباطل بسبب القَسَم الذي أقسَمه. التمسك بزواج غير شرعي، اشتهاؤه للفتاة في رقصتها، استكبار مَن حلف باسم الله باطلا من أجل فسق هذه الفتاة، كل هذه العناصر توافرت لقتل يوحنا.

          وردت هذه الرواية كجملة طويلة معترضة لأن الإنجيل كان قد ذكر أن هيرودس سمع بخبر يسوع: فقال إن يوحنا المعمدان قد قام من بين الأموات. من أجل ذلك تُعمل به القوات. وقال آخرون إنه إيليا وآخرون إنه نبي. فبمناسبة الحديث عن السيد روى الإنجيل حادثة مقتل يوحنا.

          يستند الموحدون الدروز على قول الكتاب «إنه إيليا» ليستدلّوا على عقيدتهم بالتقمص. الفكرة غير واردة عند اليهود لإيمان اليهود بأن إيليا كان قد انتقل إلى السماء وهو حيّ. في الفكر اليهودي أن نفس إيليا لم تنفصل عن جسده لتتقمص جسدًا آخر. «إنه إيليا» عنت عند بعض الشعب آنذاك أن إيليا نفسه قد عاد وليس أن روحه قد انفصلت عن جسده. لا، ليس في العهد القديم أي تلميح لاعتقاد العبرانيين بالتقمص.

          لقد مات يوحنا ليشهد للحق. نحن المسيحيين لا مسافة بين قلبنا ولساننا. نحن نشهد بما نعلم ونؤمن به. نحن علينا أن نموت إذا طُلبت منا الشهادة، ولا يحق لنا أن نُخفي إيماننا عند الخطر على الحياة. هذا ما يتطلبه حبنا لإلهنا.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

ولاية الأسقف على الوقف/ الأحد 22 آب 1999/ العدد 34

أرى نزعة تنبعث هنا وهناك إلى اعتبار الموكلين على الأوقاف مرجعا أخيرا لا يراجع سواه. ويُغذّون هذه النزعة بحجة أن الأجداد والآباء في هذه الرعية هم الذين وقفوا الوقف, فهُم إذًا خلفاؤهم في القرار، ولا علاقة للمطران بهذا الأمر. وعلى رغم أننا أحرزنا تحسّنًا كبيرا في الانسجام والتشاور، إلا أن ثمة ناسًا يقبعون في هذا التفكير وينفّذونه على أرض الواقع، الأمر الذي يجعلهم أصحاب قرار ومكانة ومهابة.

          يؤذيهم لو لم تشاورهم المطرانية بأمر تقوم به في نطاق القرية –وهذا لم يحصل مرة واحدة بعد أن تولّيت خدمة هذه الأبرشية– ولا يؤذيهم أن يقوموا ببناء أو صيانة أو ترميم بلا معرفة المطران، فيرى هذا مشروعا قائما بكامله هنا وهناك لصدفة مروره بالمحلة (نعم هذا حَدثَ).أو تكون الكنيسة قد تنازلت بالسماح عن أرض لتسترده متى تشاء، والويل لها إن فَعلَتْ، فالسماح يصير في الواقع حقا على مدى الأيام.

          ما وددتُ أن أقوله إن مبدأ الوقف ونظامه يعنيان أن جدّك عندما وقف عقارًا حرم أولاده منه وعزلهم عن مقدار من الإرث وقصد بذلك ألا يكون له علاقة فيه. فنحن ليس عندنا وقف ذرّي كما في بعض الطوائف، والأملاك كلها باستلام الكنيسة، والمستلم القانوني هو من نسمّيه الوليّ. وهذا هو حصرا الأسقف. فريق من المؤمنين هم وكلاؤه، وهذه هي الكلمة المستعملة في الخِدَم الإلهية. وفي القانون الجديد هو الذي يعيّن مجلس الرعية. صح أنه يستشير أو يتفاهم مع الرعية, ولكن القانون لا ينص على طريقة التفاهم أو أي إجراء عمليّ. هناك نوع من الاستمزاج تتسع رقعته أو تضيق حسب ظروف المحلة، ولكن في الحقيقة إن ما يسمى «مجلس الرعية» هو مجموعة مستشارين لدى المطران ينتدبهم لتصريف الأعمال اليومية وحفظ الموجودات وصيانتها ودفع الرواتب ولا يمنع عنهم المبادرة، ولكن ليس لهم الحق بتغيير المعالم أو إضافة بناء أو هدم بناء أو إنفاق مال كبير بلا مباركة الرئاسة الروحية لكونها هي المتولّية في القانون الكنسي.

          وهذا لا ينص عليه القانون الأنطاكي الحالي ولكن القانون العام. فقد ورد في القانون 38 من قوانين الرسل: «ليعتنِ الأسقف بأمتعة الكنيسة وليدبّرها بمراقبة الله…» والقانون الذي يليه (أي 39) يقول: «لا يجوز للقسوس والشمامسة أن يفعلوا شيئا بدون رخصة من الأسقف لأنه هو المؤتمَن على شعب الرب وهو المسؤول أن يقدّم حسابا عن نفوسهم». فإذا كان الكهنة في حاجة إلى ترخيص، فمن باب أولى العلمانيون. كذلك القانون 41: «إننا نأمر أن تكون أموال الكنيسة تحت ولاية الأسقف لأنه إذا كان قد ائتمن على نفوس الناس الثمينة فمن باب أولى أن يؤتمن على الأموال الوقتية».

          عندما لا يكون عندك محبة لأبيك تلجأ إلى سياسة الأمر الواقع عنادًا وتسلّطًا، ويأتي أحيانا عملك مشوّها أو في غير محله أو لا يكون الخيار الأول في الإنفاق. حان لنا أن نخرج من قوقعة الضيعة والإرادة الذاتية إلى رحاب الكنيسة كله.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

والدة الإله والقديسون/ الأحد 15 آب 1999/العدد 33

قال القديس كيرلّس الإسكندري: «إذا كان ربنا يسوع المسيح إلهًا، كيف أن العذراء القديسة التي ولدته لا تكون والدة الإله». انعقد مجمع أفسس سنة 431 وأقرّ ذلك. المسيح في ألوهيته من جوهر واحد مع الآب، وفي بشريته من جوهر واحد معنا. ذاته واحدة، ولذلك يصحّ أن تُسمّى مريم والدة الإله.

          المجمع المسكوني الخامس المنعقد في القسطنطينية سنة 553 يعلن أن والدة الإله هي دائمة البتولية. والمعنى أن ميلادها ليسوع كان بلا مشاركة رجل، وأنها بعد هذا الميلاد لم تقترن برجل. في تأملنا في سر مريم نتحرك بين هذين الحدّين.

          بعد هذا غنّينا مريم، دعوناها، خاطبناها، أقمنا لها الأعياد ولم نتجاوز في عباداتنا هذا الذي تسلّمناه من آبائنا. رقاد والدة الإله أي موتها وانتقالها إلى السماء لم نحوّله إلى عقيدة في قرار مجمعيّ رسمي. بقي احتفالا وقناعة عامة أن التي أعطت المسيح جسده وإن كانت مُعدّة للموت وماتت إلا أنها مثل ابنها لا ترى فسادا وقد صارت بتجسده أكرم من الملائكة أي أعلى مرتبة من المخلوقات المنظورة وغير المنظورة.

          لقد أَمرَنا الإنجيل أن نكلّمها إذ كيف ننفّذ كلمتها «ها منذ الآن تطوّبني سائر الأجيال» (لوقا 1: 48) إنْ لم نتوجّه إليها لنقول لها إنّ الطوبى (أو الهناء) لها. الذين مع الله في الملكوت أحياء لأن «الله إله أحياء وليس إله أموات». كيف يُظهرون حياتهم إن لم يكونوا في حوار صلاة مع ربهم من جهة ومعنا من جهة أخرى؟ عندما يقول بولس إنه يتمنّى أن يموت ليكون مع المسيح، ماذا تعني هذه المعيّة سوى أنه قادر أن يكلّم المسيح؟ هل الذين تقدّسوا وانتصروا هم مع السيد بلا وعي؟

          «لقد أتت الساعة وهي الآن حاضرة حين يسمع الأموات صوت ابن الله». هي الآن حاضرة لأن قيامة المخلّص فاعلة في النفوس منذ الآن وإلا كانت حياة المسيح فينا قد انطفأت أو انقطعت. استمرارية حياة المسيح في أتباعه بعد موتهم هي التي تجعلنا نقول إنهم منتصبون أمام وجهه وإننا نحن الذين استبقانا على الأرض أمام وجه القديسين كما أن وجوههم إلينا.

          هنا لا بد لنا أن نجيب عن اعتراض نسمعه عند بعض، وهو لماذا لا نتوجّه إلى المسيح مباشرة في الصلاة؟ من سمع طقوسنا يلاحظ أننا في معظم صلواتنا نتوجّه إما إلى الثالوث المقدس أو إلى الابن، وأن القداس يتوجّه إلى الآب. هذا هو توجُه العبادة. أما القديسون ومنهم والدة الإله فلا عبادة لهم، وتوجُّهُنا إليهم توجُّه تكريم وتوسُّل أو مديح ضمن علاقة التكريم.

          أما لماذا لا نكلّم المسيح وحده فاعتراض نُجيب عنه أن المسيح ليس وحده في السماء ولكن يحيط به أحباؤه. «أنا الكرمة وأنتم الأغصان». الكنيسة المنتصرة في السماء، كما الكنيسة المجاهدة على الأرض، هي «جسد المسيح»، امتداده، حضوره فوق أو هنا. المسيح يُسَرّ بالذين هم له. هؤلاء لا يقللون من مجده. إنهم سطوع مجده. في الدنيا إذا كرَّمتَ صديقًا فتكرّم أيضا زوجته وأولاده. ليس في السماء مَن كان غريبا عن السيد. كلهم حول السيد.

          القديسون ليسوا طريقنا إلى الرب. هم معنا حوله. يبقى وحده مركز الدائرة ونحن أهل السماء والأرض معا مركَّزون عليه، فإذا خاطبْنا أهلَ السماء نكون مخاطبين حبيبهم الأوحد بآن معا. ذلك أنه في القديسين.

          كذلك هنا نطلب من كل تقيّ أن يصلّي من أجلنا. ذلك لإيماننا بأن المسيح فيه وبأنه قادر أن يكون لنا رفيقا أمامه. فإذا كان لأهل الأرض قوة في السماء، فبالحري الذين تحرروا من وطأة الجسد لهم عزة ومكانة عند الرب من أجل أهل الأرض.

          المهم أن نؤمن أن ليس أحد له قوة إلا تلك التي استمدَّها من الله. فنحن نلتمس الله في العذراء وبقيّة القديسين. مَن توقف عند القديسين ولم يذهب إلى الرب الذي يعبّرون هم عنه فهذا قد جعل في المخلوق قدرة منعزلة عن قدرة الخالق. وأما من لم يكن له حديث مع والدة الإله والقديسين فقد عزل المخلّص عن أحبائه. هكذا يكون قد بتر المسيح.

          للرب مكانة ولصحبه مكانة. والمكانتان في المدى الروحي الواحد. طوبى لمن استطاع أن يرى المسيح وحيدًا وأن يراه مع إخوته الصغار الذين اصطفاهم ليُشركهم في حبه إلى الأبد.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

رابطة الحركات الأرثوذكسية/ الأحد 8 آب 1999/ العدد 32

قبيل انقضاء الأربعينات، اجتمع الأب ألكسندر شميمان (الروسي) ونيكوس نيسيوتيس (اليوناني) وكاتب هذه الأسطر في أوروبا لإحساسنا بأن حركات الشباب الأرثوذكسي في العالم في حاجة إلى زيادة في التوحّد والتنسيق. أطلقنا الفكرة في لقاء أوسع في ضواحي جنيف. أسمينا الحركة هذه سِنْدِسموس, وتعني الرباط, آخذين التسمية من عبارة «رباط السلام» التي استعملها بولس في أفسس 4: 3.

تضم الآن 120 حركة شباب إلى جانب معاهد لاهوت منتشرة في خمسين بلدا. باركها رؤساء كنائسنا جميعا. أحيت الرابطة حركة التبشير في الشعوب الوثنية. دعمت الوحدة الأرثوذكسية. شجّعت مناولة المؤمنين. اهتمت بشؤون البيئة. تنعقد جمعيتها العامة كل أربع سنوات لانتخاب الهيئة الإدارية واختيار المواضيع التي تُقترح على الحركات لدرسها.

الجمعية العامة الأخيرة انعقدت بين الـ15 والـ25 من تموز الماضي في دير التجلّي, فالامو(فنلندة). جاء ما يقارب 250 مندوبا من شرقنا هذا وأوروبا وأميركا وأفريقيا إلى جانب موفدين من الكنائس الشرقية (غير الخلقيدونية) وتوزّعوا في حلقات تَدارست ما يُسمّى الدهرية أو العلمانية secularism, التقليد الكنسي والعادات, اللغة الطقسية, الحوار بين المسيحيين, الخدمة الاجتماعية, العلمانيين في الكنيسة, القِيَم الأخلاقية, معاهد اللاهوت, الأرثوذكسية والبيئة. كنا حوالى عشرة من الكرسي الانطاكي. انتُخب رئيس وأمين عام مع الهيئة المعاونة, وذهب فريق حاجًا إلى روسيا حيث دير فالامو القديم القائم على بحيرة لادوغا القريبة من بطرسبرج.

كان جو الدير رائعا وهو قائم على مساحة 300 هكتار من الأرض. يقصده حجاج كثيرون من كنيسة فنلندا الأرثوذكسية التي تعدّ حوالى ستين ألف فنلنديّ إلى جانب ما يناهز 150 ألفًا من الأجانب (يونانيين, بلغاريين, رومان…). كنيسة نشيطة جدا تتمتع بحكم ذاتيّ ضمن بطريركية القسطنطينية (أي توافق البطريركية المسكونية على انتخاب رئيس الأساقفة)، والمجمع المحلي ينتخب مطارنة الأبرشيات ويدير شؤون الكنيسة دون الرجوع إلى القسطنطينية. اللاهوت الأرثوذكسي يدرَّس في كلية مستقلة تابعة لجامعة الدولة. الكهنة مثقّفون جميعا. الخشوع واضح. النمط الطقوسي بالأداء والتلحين هو النمط الروسي لكون الأرثوذكس الفنلنديين كانوا جزءا من كنيسة موسكو قبل الثورة الروسية. حيوية كبيرة وليس من عقدة أَقلّوية (نحن هناك 1% من الشعب الفنلندي).

كان جميلا هذا الانصهار بين شبان من مختلف أنحاء العالم. استعملنا لغات عديدة بسبب القوميات العديدة. طبعا هناك وفود منفتحة, مرنة كالوفد الانطاكي, وتجلّت إزاءه نزعات محافظة حتى التشدد. ومع ذلك كانت الوحدة الأرثوذكسية واضحة.

أهمية الرابطة أنها أداة إحياء في الكنائس, تبسط فكرها في العالم الأرثوذكسي الواحد ضمن وحدات مناطقية. عندنا هنا وحدة جغرافية تضم الحركات الشبابية العربية الجامعة بين كراسي الإسكندرية وأنطاكية وأورشليم. ما نرجوه أن يقوى تأثير سندسموس في كنائسنا المختلفة، وأن تكون مسموعة لدى السلطات الروحية. لعل السنوات الأربع القادمة تزيد كراسينا جميعا نفحات من الروح الإلهي.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

الاستعداد للمناولة/ الأحد أول آب 1999 / العدد 31

ما من شك أن المناولة ليست فقط حقا للمؤمن في كل ذبيحة ولكنها أيضا واجب. وصار الإقبال عليها عظيما بعد أن فهم المؤمنون أنهم لا يكتملون إلا بها. إنها خبزهم السماوي ومصدر حياتهم الأبدية. غير أن اللقاء بيسوع لقاء مسؤول يقوم على حبّنا له والتزامنا إياه. عمل يتطلب وعيًا لعظمة اللقاء وعمق المحبة التي فيه. وبكلام أبسط شرط هذه المشاركة التوبة والتصميم على ترك الخطيئة والشوق إلى أن نبقى مع السيد دائما أبدا.

ومن تعابير التهيؤ الإمساك عن الطعام منذ السَحَر. التهيؤ تهيُّب. «بخوفِ الله تَقدَّموا». فمَن لم يصمم على أنه سيكون بعد القداس أفضل مما كان، فعليه أن يمتنع من أكْل جسد الرب. من يبيِّت مشروع خطيئة أو من أراد أن يبقى على حقده وعلى معاشرة رديئة وأن يستمر في كذبه فهذا غير معنيّ بدعوة الكاهن: «بخوفِ اللهِ وإيمانٍ ومحبةٍ تَقدَّموا».

إنْ لم يتحرك قلبك إلى المسيح ولم تطلب صداقته والإلفة معه، فلا تقف في صفّ المتناولين. منذ الليلة السابقة للقداس تختلي مع الرب بالصلاة والقراءة المقدسة. ومن الصلاة «المطالبسي» وهي مجموعة صلوات تلي صلاة النوم الصغرى وتتضمن معاني التوبة والخشوع والاستغفار. وقبل ذهابك إلى الكنيسة لا بد من صلاة مهما كانت قصيرة (ألِّفها أنت) تقول فيها للسيد أنك ذاهب إليه.

وإذا وصلت إلى القداس متأخرا جدا، فهذا يعني أنك غير مهتم له. عند ذاك أَحجمْ عن الناولة. الخدمة الإلهية تحضرها كلها منذ «مباركة مملكة الآب…»، والأفضل أن تشارك في صلاة السَحَر لتقف على معاني القيامة فترتفع نفسك بالأناشيد القيامية. قبل أن تكون فصحيّا بذوقك غلبةَ المسيح كيف تُقبِل إلى دمه الإلهي؟

المناولة ليست عادة أحدية. نحن ليس لنا أشياء نعتاد عليها. نحن دائما مع يسوع في محبة تتجدد. نأخذه يوم الأحد كأننا للمرة الأولى. لا يمكن أن تصبح إنسانا جديدا ما لم تتقبله كأنه فجر جديد، كأنك معمَّد اليوم. إذا مررت بالقداس كأنه قِطَع تتوالى وتحسن عندك مِن لحنٍ فيها، إن كنت سطحيّا إلى هذا الحد، كيف تدنو من طعام رهيب كهذا.

لك الدلال مع يسوع، ولكن لا يحق لك الدلال إلا من بعد تعب. إذا لم يدمع قلبك ولم تصطبغ بدموعك فأنت جافّ. والجافّون لا يقبلون المسيح في طراوته. إذا لم تدرك أن السيد هو كل الحياة فامتنع.

هل قلبك التَحفَ الصمت وتجلل بالرحمة، هل انقطعت عن ضجيج الشهوة فيك واحتدامها، هل تنكرت لكل وسوسات الشيطان ودفعْتَه عنك، هل عشقت الحبيب الإلهي؟ اقترب، إذ ذاك، خائفا على خلاصك ومسترحما ربك، منكسرا حتى الامحاء عند قدمي السيد. إن لم تكُن على هذه الحال، فأنت تبدو مقتربا ولكنك لا تكون قد دنوت من قلب السيد، لا تكون قد ارتميت على صدره. خَفْ ثم اطمئن وتعال.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

أنتم نور العالم/ الأحد 25 تموز 1999/ العدد 30

يقولها يسوع في عظة الجبل لتلاميذه (متّى 5: 14)، ثم يحضّهم هكذا: «فليضئ نوركم قدام الناس لكي يروا أعمالكم الصالحة ويمجّدوا أباكم الذي في السموات». يأتي هذا الكلام بعد التطويبات وكأنه يوحي أنكم إذا كنتم مساكين بالروح، رحماء، أنقياء… فهذا نور فيكم، وهذا لا بد له أن يبدو أمام الناس. ولكن حذار أن تتمجّدوا به. المجد يعود فقط إلى الآب لكونه هو مصدر هذا النور. ما عدا ذلك انتفاخ وادعاء، والفضل كله إذا استنرتم هو الله.

          ويؤكد يسوع في موضع آخر أنه هو نور العالم (يوحنا 8: 12). وكان يوحنا الإنجيلي قد أعلن في مطلع إنجيله أن السيد هو «النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتٍ إلى العالم» (يوحنا 1: 9). الإنسان ليس فيه نور مستقلٌّ عن هذا الذي ينبثق من يسوع.

          كان العهد القديم قد أوضح أن الرب يلبس النور مثل الثوب وأن المسيح سيأتي نورا للأمم. في الأنبياء الله نور ويرسل نوره إلى الصِدّيقين. النور، الله مصدره، ومصبّه المؤمنون به، وإذا هم أخذوا يعاينون به النور الإلهي.

          غير أن ثمّة موضعا في عظة الجبل يقول الرب فيه: «إن كان النور الذي فيك ظلاما، فالظلام كم يكون» (متى 6: 23). هناك إذًا ناس مظلمون يدّعون أنهم مُستَنيرون لأنهم ليسوا في اتصال حقيقي مع الرب، ليسوا على عمق اتصال. لذلك قال بولس: «فليكن فيكم الفكر الذي في المسيح يسوع أيضا» (فيليبي 2: 5). إن مطابقة أفكارنا أو طاعة أفكارنا لفكر المسيح هو الدليل على أن فينا نوره. وبعد قول الرسول هذا، نادانا إلى التواضع. الذي يرانا على التواضع يمكن أن يتبيّن أن لنا فكر المسيح. قياسا على هذا، من رآنا على فضائل أخرى يمكن أن يسترشد بها على النور الذي فينا. الفضيلة نور.

          غير أن هذا لا يكفي. هناك استقامة الرأي التي نترجم بها كلمة «أرثوذكسية» اليونانية. من لم يكن على الرأي المستقيم الذي انتقل إلينا من الإنجيل عبر الرسل والآباء والشهداء كان في الظلام ولو ادّعى أنه موافق للإنجيل. ولهذا كانت قناعتنا أن الذي انحرف عن استقامة الرأي يكون مدّعيا أو متكبّرا غير مذعنٍ لما «تَسلَّمَه القديسون مرة». الذين أسسوا الهرطقات هم كذلك. جاؤوا من العناد. لا أقول الشيء نفسه عن الأجيال التي لحقت بهم. هذه وُلدت على الخطأ واستمرّ الخطأ. تشبُّثهم بالغلط ولو بيّنتَ لهم الحق دليل على أنهم يحجزون الحق بالباطل، وإذا بقوا على هذه الحال فهم مجدِّفون على الروح القدس وهؤلاء لا خلاص لهم.

          في أية حال نكون عليها في شذوذ الفكر أو شذوذ السلوك، المهم أن نعرض نفوسنا على نور المسيح، أن نسأل الكنيسة عن فكرها. المحزن أن الكثيرين ممن ينتقدون تعاليمنا أو بعضها –ومنهم الأرثوذكسيّ المولد– لم يقرأوا في حياتهم شيئا ولم يكونوا على اتصال بما نقوله حقيقةً وما نعنيه.

          غير أن دفاعك عن الإيمان لا يبلغ السامع بالكلام وحده. عليك أن تكون جميلا روحيا، محبا لله، متواضع القلب، حادًا صارما ولكن غير مخاصم ولا شتاما، غير مبغض للمخطئ ولكن مبغض للخطأ الذي فيه. إن كنت مستنيرا سلوكيا فالنور الذي في عقلك وداخل قلبك يصل إلى سامعيك. أنت لا تدحض الهرطقة بالكلام فقط، ولكنك تدحضها بالضياء الذي فيك.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

قديسو العهد القديم/ الأحد 18 تموز 1999/العدد 29

إذا سألت الكثير من البسطاء: متى عاش مار الياس؟ لا يخطر على بال بعض أنه من أنبياء العهد القديم. كذلك قد يجهل بعضهم أن من سُمّي مار شعيا ليس سوى إشعياء النبي. كذلك موسى النبي قديس عندنا. كذلك أيضا إبراهيم وإسحق ويعقوب (هؤلاء الثلاثة شهد لهم يسوع أنهم في الملكوت). لكل من الأنبياء القدامى، وهم 16، عيد.

          السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا تعترف الكنيسة بقداسة مَن جاء قبل المسيح؟ السيد وحده هو المخلّص. عند انفصال روحه عن جسده بالموت، ذهب روحه إلى الجحيم أي إلى مثوى الأموات حيث أبرار العهد القديم. فقد ذهب «يبشر الأرواح التي في السجن» (1بطرس 3: 19) بمعنى أنه وَهب قوة القيامة الذين انتظروه ببرّهم. في العهد الجديد كلام على أن داود «رأى مِن قبلُ قيامةَ المسيح وتكلم عليها» (أعمال 2: 31). نقول في القداس الإلهي: «لقد كنتَ في القبر بالجسد، وفي الجحيم بالروح (أي بروحك البشري المملوء بالروح القدس)، وعلى العرش مع الآب والروح (القدس)». قيامة المخلّص بكامل نصرها هي التي تَبلَّغها الأموات السابقون لموت السيد. وهذا ما تشير إليه أيقونة النزول إلى الجحيم –وهي عندنا أيقونة القيامة– إذ ترسم المخلّص منتشلا بيديه آدم وحواء من الجحيم. الذين ماتوا قبل السيد ذاقوا قيامته. إن السيد المبارك غير الخاضع لزمان أضاء الذين قبله والذين بعده فصاروا جميعا له.

          إن الكنيسة لمّا نظرت إلى الأنبياء لم تر شخصيتهم مفصولة عن الروح القدس الذي نطق بهم. كيف يكون عقلهم محرَّكا بالروح ولا يكون كيانهم ممتلئا بالروح. إنها تخاطب حجِّي النبي بقولها إنك صرت «مسكنا إلهيا… أصبحت مشمولا بشعاع النعمة الإلهية…. ممتلئا من الاستنارة التي لا يعروها فساد». كذلك ترى أن دانيال النبي «متلألئ بإشراقات الفضائل ببهاء». هذه كلها مصطلحات تدل على أن الأنبياء نالوا مواهب الروح كما نالها قديسو العهد الجديد. استنارة، إشراقات وما إليهما من مفردات دقيقة من فكر الآباء القديسين تدل على أن الذين سبقوا المخلّص من رجالات العهد القديم عاشوا في المسيح يسوع قبل ظهوره الأرضي. لذلك لهم في الكنيسة أيقونات وكنائس وأعياد ونُسمّى بأسمائهم.

          فعلى سبيل المثال لا الحصر إذا عظّمت الكنيسة النبي الياس غدًا وبعد غد تشهد إلى أنه خصيص المسيح، والإنجيل لا يظهره مع الرب المتجلي في جبل ثابور إلا لأنه كان في حياته على الأرض ملتصقا بالمسيح بصورة سرية. وبهذا تؤكد الكنيسة أنها لا تفصل العهد الجديد عن العهد القديم، وأن المسيح هو إياه في العهدين ولو بدا في القديم أكثر احتجابا. ففي دستور الإيمان نقول عن الروح القدس إنه «الناطق بالأنبياء». تقرأ الكنيسة فصولا كثيرة من العهد العتيق في صلاة الغروب والصوم الكبير وفي العصور الأولى في القداس الإلهي لتوحي بذلك أن الأنبياء القدامى حاضرون بكلامهم في الذبيحة الإلهية وأن هذا الكلام يحيينا.

          نحن ليس عندنا إلهان. الإله الواحد الذي تكلم قبل التجسد «بأنواع وطرق شتّى» هو نفسه الذي تكلم بحبيبه في الأيام الأخيرة. المسيح ما جاء لينقض ولكن ليكمل. جذور تعليمه في الكتاب الذي كان يقرأه منذ طفولته. قرأ في مجمع الناصرة سفر النبي إشعياء كما جاء في بشارة لوقا أي إن يسوع اعتبر هذا الكتاب مُلهَما من الله، وبعد أن تلا المقطع قال: «اليوم تمَّتْ هذه الآية». كل ما قاله الأنبياء هو لنا، وهم معنا في كنيسة المسيح الواحدة.

Continue reading