Author

Aziz Matta

1999, جريدة النهار, مقالات

المحبوبية / السبت 13 آذار 1999

انا محبوب اذًا انا موجود، هذا اذا تأكدت الامر. هذا حدس ولكن يمكن ان يكون صنع خيال. افعال العطاء اذا تدفقت عليك وغدت على شيء من العمق تجعلك تقترب من هذا الشعور ولكن ليس الى حد الطمأنينة الكاملة فالآخر قد يكون متقلبا او مخدوعا بخياله. وقد تراه مجافيا او نافرا او قاهرا او ظالما او مبغضا لأنه يشترط التبادل. انه يريدك دوما ان تثبته او اقله ان تثبت له قرباك وانه موضوع اهتمامك بل الموضع الذي تطرح فيه اهتمامك كله.

قلة من الناس مجانية العطاء. هي على عقل التجارة. الناس – الينابيع الذين يفيضون ابدا ويسقون من ذواتهم، من داخلهم الآخرين بلا حساب، بلا منة، بلا اعتزاز، بلا افتخار لأنهم يحيون مما يبذلون قلة عزيزة. من اعطى ينوجد. هو لا يحس انه افتقر، واذا خسر من اشيائه يحس انه ينمو بما بذل. ليس فقط لا يطلب اجرا ولا شكورا ولكن يزعجه الشكر.

قد لا يحس ابدا انه اعطى. انه كذلك لأنه فقير. انه لو احكم عقله ورأى ان شيئا يخرج منه وينسكب في الآخر لا يدرك ان هذا الذي خرج منه هو له. هو يعرف نفسه فقط مستودعا يغرف منه اي انسان ما يشاء ويعرف ان هذا المستودع ملك الناس جميعا. اما لماذا اختزن فيه ما اختزن فسؤال لم يطرحه على نفسه، هذا سر، كنهه في عقل الله فقط. وهو حر ان يستودع من شاء عطاياه. لماذا يهب هذا ويحرم ذاك هو ايضا سؤال ليس عندنا في هذه الارض جواب عنه. المهم في الدنيا من سيّد الكمان يهودي مينوهين كان غني القلب، حلوه، دمثا حتى لا تستطيع الا ان تستطيبه. ليس لك ان تسأل لماذا في قلبك شح. اذهب واغرف وارتو. هناك قلوب تفجرت حتى الانفتاح. امدد يدك اليها واشبع. ربما اذا تعاطيتها وانتشيت ينعم الله عليك بأن يملأ قلبك فينفطر ويتفجر وتنحسر عنك الصحراء.

لا يسعك ان تأخذ فترتوي الا اذا عرفت نفسك محبوبا وانت كما انت ومعطيك لا يريد ان يعرف شيئا عنك ولا من انت. والاهم في كل ذلك انه لا يريد ان يعرف من ضعفاتك الا ما تكشف ليعالج ما تكون قد كشفت عسى يطيب فيك موطن الضعف. وهو لا شأن له بشيء آخر، بما لا تريد البوح به. ولعل جل ما يستطيع ان يشعرك به في قرباه. ان يجعلك تتحسس بدفء منه يبعثك ليس الى الاطمئنان اليه ولكن الى ان سلام الله قد ينزل عليك ان انت بكيت وآمنت ان ربك يمكن ان يبعث فيك الرجاء.

وليست القضية ان يجعلك تثق بنفسك. ان الواثق بنفسه كثيرا مخدوع بقدرته، اما المنزعج من ضعفه، الذي يتآكله ضعفه ويتردد فيه قادر على ان يثق بالله اذا احبه واحد وأبان له انه حبيب الله. المحب لا يشتري لنفسه احدا. لا يسعى الى مبايعة. لا ينشئ حوله حاشية، زعماء الشعوب يفعلون هذا لأنهم يريدون ان يشتروا القلوب ولو الى حين. اما الذين هم لله فلا يريدون لأنفسهم زبانية ولا ان يقال عنهم حسنا. سعيهم ان يكونوا في الخفاء، تحت الستر الالهي، ان يراهم ربهم فقط. وهم لا يعرفون ان ربهم يقيمهم امام وجهه. لا يعرفون قرباهم.

يريدون ان يكون الاخر في القربى، ان يؤمن بالرحمة العلوية تحيط به وتشفيه. شرط هذا الشفاء الا يدينه الاتقياء، الا يفخروا بفضيلتهم لئلا يقعوا في الاستعلاء. كل استكبار يقتل الضعاف الذين هم اخوة يسوع الصغار. كل فضيلة خطرة على نفسها بسبب من هذا التعاظم الذي يهاجمها. السكر بالخير فينا اولى امارات السقوط. لذلك لا يعطي الا من اعتبر نفسه لا شيء ورأى نفسه في حال المحسن اليه، في الموهوبية النازلة من فوق.

من اتسع هكذا حتى شمول قلبه الآخرين كثيرا ما كان غير مفهوم لأن قوانين السلوك في المجتمعات الدنيوية انك تعطي من ترجو منه ان يرد لك بمثله في يوم مناسب او بشكر او بتلازم يذهب الى حد التزلف. الناس يسلكون كأن بينهم عقودا. والافضلون في المعيار الدنيوي يبغون شعورا بدل شعور وزيارة عن زيارة وافتقادا عوض افتقاد وتعزية ازاء تعزية. هذه قواعد الترابط الاجتماعي بين الافراد والعائلات والجماعات. غير ان المعطي المتهلل، المستجير بالله وحده والراكن اليه وحده فلا يفهمه اهل المعيار المجتمعي. انه ليس في افقهم. انه ليس افقيا. يمتد الى الاخرين ويبقى فوق. علاقته مع الجالس فوق. وجوده عمودي. لذلك يقول لله دائما: “لا تصرف وجهك عني لئلا اشابه الهابطين في الجب”.

يعرف نفسه موجودا فقط في رؤية الله. في الفلسفة المؤمنة نقول ان تماسك النظام الفلكي وقاعدة ثبات الحيوان والزهر وارتباط الاشياء كلها بعضها بالبعض انما هي في ضبط الله لها اي من حيث هي كائنة في رؤيته ورضاه. المؤمن الذي وصفناه هو من عرف نفسه حيا بالله وقائمًا به وفيه وذاهبا اليه. ورجاؤه ان يثبت هذا لأن ما عداه موت. لهذا عاش هذا الانسان فوق او من فوق. يجيء دائما من الذي ينشئه كل يوم هكذا. القلوب التي تعرف سره هي التي استقرأها الرب هذه الامور المحجوبة عن عقلاء هذا الدهر.

هذا الانسان من اين يجيء سره؟ كيف يتغلب على المرض، على الحزن، على الفقر، على المقهورية، على عزلة بني جنسه، على رفض الاقربين اياه وكل الحياة ان تنتقل من العزلة الى المشاركة. كل منا لا بد له ان يتوحد مع آخر لئلا يموت اختناقا.

الذي سميناه الآخر هو من التقى معك لتكونا واحدا على الاثنينية. ولكن اذا عاش هو في وحدة سحيقة فلا يلتقيك. ما هو بآخر. لا يلتقيك الا من خرج من نفسه في المجانية. ونحن نقول هذا خروج الى القيامة. غير ان من التقاك ليس كامل المجانية، ليس كامل الحب. لا يجدك من اجل نفسك، من اجل بهائك. يراك وعلى وجهك غبار او يستقبحك احيانا. هل يغفر لك بشاعتك من تأذى بها؟ لذلك يتركك الاقرب وحدك في صحرائك ويفتش لنفسه عن جنات.

لا يعيش الانسان الا اذا أحبه كامل. دون الكامل تعزيات صغرى او موقتة وصغرى معا بمعنى انها تدعك عطشانا او على كثير من العطش. لذلك تتوالى ايامنا ونحن نتبدى من صحراء الى صحراء. عرفت هذا الشعور لما عبرت سيناء مرة. كنت اتعزى بشجيرة صغيرة هنا وثمة واقول في نفسي وفي هذه اللحظة تغلبنا على الجفاف ولو قليلا.

واضح ان السيد لم يقل مرة ان احدا يجب ان يحبك. امرك انت بأن تحب. لكنه قال في انجيل يوحنا: “وصية جديدة أنا اعطيكم ان تحبوا بعضكم بعضا. كما احببتكم انا تحبون انتم ايضا بعضكم بعضا (34: 13). المسيح معلم المحبة المجانية ومعطيها كاملة. في هذا السياق كانت تعاليمه الاساسية كما ترجمها يوحنا ان الله احبنا اولا. تاليا انت تعرف نفسك حبيبه وحسبك. قضيتك ان تذكر ذلك دوما، الا تشك في هذه المحبوبية حتى تحيا.

الحساس روحيا هو من استطاع ان يرى نفسه في العطف الالهي ولو قاساه الله. لطف الله له تعابير مختلفة ومتضادة. يظهر بالتأديب احيانا وبما يشبه اعادة النفس الى الجفاف. غير ان الذي دلله ربه غير مرة يقدر ان يفهم ان الطريق الى الدلال الاكبر هو ان يتظاهر الله ببعده. هذا ليقيم نفسك في المجانية الكبرى.

سنذكر شيئا من هذا غدا في كنيستي ان عرفنا ان نقرأ الرموز. سنطوف بالصليب موضوعا على الرياحين ومحاطا بثلاث شموع. ان عبرت آلاما كبرى وعميقة فاعلم ان الله الذي ليس هو محدثها سيأخذ فيها بيدك ويرميك على الازاهير ويضيء قلبك بالانوار. عند ذاك تنتهي بواديك الى جنات. تعرف ان ربك قد اقامك في محبوبية لا تنتهي.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

الصلاة والصوم/ الأحد 7 آذار 1999 / العدد 10

بعد أن يذكر كتاب الرسل «أنبياء ومعلّمين» في كنيسة أنطاكية قال: «وبينما كان هؤلاء يقيمون الخدمة للرب (أي القداس الإلهي) ويصومون، قال الروح القدس: أفردوا (بمعنى خصِّصوا) لي برنابا وشاول، فلمهمةٍ ندبتُهما. فصاموا، وصلّوا، ووضعوا الأيدي عليهما، وصرفوهما» (13: 2 و3). ماذا في النص؟

الروح القدس يلهم الكنيسة مجتمعة، وهي، مجتمعة، تصوم وتصلي وتتهيأ إلى أن يلهمها الله. عندنا هنا أساس إلى أن الصوم صوم الجماعة، والصلاة صلاة الجماعة. وعندنا أيضا أن الصوم غايته الوحيدة روحية أي أن يتقدس المؤمن الفرد وأن تتقدس الكنيسة أيضا. الصوم والصلاة مترافقان إذاً بمعنى أن الصوم لا يمكن أن يكون مجرد نظام طعاميّ. إذا بقي هكذا لا يهتم الله له ولا ينفع صاحبه. إنه رياضة تصير فيها الصلاة مكثفة. ولهذا ليس من حديث عندنا عن منافع الصوم معزولا عن الدعاء. «الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة». (بولس).

أجل هناك فائدة من الحرب التي تشنّها لذة اللسان وعلى التخمة. وهناك ترويض للنفس في الخروج على حضارة الاستهلاك. غير أن هذا لا ينفع إلا إذا عشنا معزولين عن اللهو والاسترخاء. هذا ضده قبض الحواس بحيث لا تكون منفلشة. رقابة على العين، على ما نسمع، على ما نقول، قمع للنميمة والشتم. رياضات إمساك ورياضة على الفضائل متماسكة. في الممارسة الطويلة للصيام نفهم أن عقل اللسان والفم ضروري للصلاة العميقة، الموصولة، والقراءة الإلهية. هذه أشياء لا تنفكّ بعضها عن بعض. وإذا لم تبلغك هذه الخبرة فاسلُكْ سلوك الأجيال السابقة التي عملت هكذا وفهمت. في الكنيسة أشياء كثيرة لا يفهمها كل فرد إذ كثيرا ما تعوزه الممارسة والدراسة. يفهم من سواه. وهذا سر الكنيسة أننا جسد واحد يتكامل أحدنا بالآخر فيعطي العالِمُ الجاهِلَ والأعظمُ في التقوى مَن كان دونه تقوى.

الكنيسة لا ندرك شؤونها فقط بالفهم العقلي. القلب المؤمن هو الذي يدرك، وأنت تأخذ بكل ما في الكنيسة لأن هذا كله من الروح الإلهي الذي تكلم بالروحانيين الكبار فأمَدّونا بما ذاقوه من حلاوة يسوع. فبعد أن تتروّض أنت على ما تروّضوا عليه، تفهم ما فهموه. وإذا أصغيت َ إلى هذه الفِرَق الغريبة التي تحاول أن تضرب كنيستنا بجانبٍ منها كالصوم، ترى نفسك مجرورا إلى ترك أشياء أخرى فتحسّ أن حبك لكنيستك بطلَ وأنك انتقلتَ إلى الأعداء.

فإنْ لم تبدأ صومك، فهوذا الآن وقت مقبول. وإنْ بدأته ولم تحضر الخِدَم المقامة في كنيسة رعيتك، ومعظمها يقام في المساء، وليس عندك عذر، فتابع الصلاة شديدةً لئلا تحسّ بفراغ الصيام من معناه. تكون ضعيفا للغاية إن قلت في نفسك: لا أستطيع الاستغناء عن هذا الطعام أو ذاك. «إني أستطيع كل شيء بالمسيح الذي يقوّيني» (بولس). معذور أنت فقط إن كنتَ طفلا أو فتى صغيرا أو أوجبَ عليك الطبيب نظاما معيّنا من الأكل. أنت لا تستطيع وحدك أن تستهين القواعد الروحية الموضوعة منذ القديم.

هذا كله مرتَّب لكي تستقبل الفصح. المسيح القائم من بين الأموات يجب أن تستعدّ للقائه. إن كنتَ لاهيا أو كسلان أو مسترخيا أو فاقد الذاكرة الروحية أو كان فمك مكموما عن مخاطبة المسيح بأدعية موصولة أو غير منكبّ على الكتاب الإلهي، فليس فيك ما يستقبل المسيح. كيف تقول: «المسيح قام»؟ أين يقوم إن لم يقم فيك؟

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الأرثوذكسية/ الأحد 28 شباط 1999 / العدد 9

هذا الأحد الأول من الصوم وصلنا أليه بعد أسبوع كان من المفروض أن يكون أسبوع تقشف شديد حتى إذا تطهَّرنا من شهواتنا نقدر أن نعلن إيماننا بالأرثوذكسية. الأرثوذكسية كلمة يونانية تعني استقامة الرأي أي استقامة العقيدة واستقامة التمجيد. إيمانك يجعل صلاتك وعبادتك مستقيمة, وحسن العبادة يقوي فيك الإيمان. فإذا أقمنا اليوم عيد “انتصار الأرثوذكسية” فنحن لا ننحصر بذكرى المجمع المسكوني السابع وهو النيقاوي الثاني, إنما نعلن تمسكنا بكل العقيدة.

في صلاة السَحَر اليوم كان من المفروض – لو لم نختصر الخدمة – أن نقرأ نصّا نبارك فيه الذين دافعوا عن الإيمان المستقيم, ونبسل (أي نحرم) الذين خالفوه, ونسمّي هؤلاء وأولئك. على سبيل المثال نحرم الذين لا يؤمنون بقيامة الأجساد. نحرم المعتقدات السيئة السابقة للمجمع والمعتقدات المغلوطة اللاحقة له.

نؤكد ضرورة الإيمان المستقيم لعلمنا أن الحياة الروحية الصحيحة غير ممكنة بلا هذا الإيمان. فالاعتراف بالإيمان الحقيقي هو تقديس للعقل وتقديس للسان. لهذا نرى أن القول بأنه يمكنني أن أكون طيبا “آدميا” وألا أهتم بتحصيل المعتقد الأرثوذكسي قول باطل. ولهذا نخشى كثيرا وضع إنسان يدّعي إنه يكفيه أن يحفظ الوصايا ولا يأبه لاستقامة الرأي. ونخشى كثيرا قول القائل أن المهم هو المعاملة بصرف النظر عن الإيمان. نحن نعرف أن الإنسان بالإيمان يتبرر, وأن الإيمان الصالح يقود إلى العمل الصالح.

نتيجة لذلك نكفّر بالدرجة الأولى شهود يهوه الناكرين لألوهية السيد ولا نتعامل وإياهم ولا نستقبلهم. فالبدعة الكبرى هي نكران الثالوث المقدس ومساواة الابن للآب. هناك فِرَق هدامة كثيرة كالسبتيين والمعمدانيين. السبتيون يَنكرون يوم الأحد. والمعمدانيون ينكرون معمودية الأطفال. ولا مجال هنا للردّ عليه. ولكن ينبغي أن نتنبه للاقتناص الذي يُحْدِثونه في صفوفنا وصفوف اخوتنا المسيحيين الآخرين.

لا يكفي ألا نخالطهم وألا نذهب إلى اجتماعاتهم. الدفاع الإيجابي عن نفوسنا هو في مشاركتنا حياتنا الكنيسة حتى تكفينا عباداتنا فنتعلم منها إذا أَصغينا إصغاء شديدا. الأمر الثاني, وهو في الأهمية نفسها, أن نزداد علما بالإنجيل والكتب الأرثوذكسية. الإنسان لا يولد مسيحيا مستقيم الرأي. يصير كذلك بصلاة الجماعة والمطالعة وحياة مطهّرة. سَلْ كاهنا ومَن حوله من الناشطين بالرعية, أو تلفنْ لنا نَقُلْ لك من أين تحصل على الكتب. لا يكفي شعورك بأنك متمسك بأرثوذكسيتك. فبعضٌ مِن الذين كانوا يقولون هذا وقعوا في حيل أعدائنا وذهبوا ليسمعوا كلمة الله. ولكنها كانت مفسَّرة بصورة خاطئة وفي مخاصمة لإيماننا. الكتب يجب أن يعوّض عن تقصيرنا في تعليمك. نحن ليس عندنا عدد كافٍ من الكهنة ومن المعلمين, وتنقصنا, هنا وهناك, حلقات تفسير أو سهرات روحية. اتصلْ بنا نحاولْ أن نلبّيك ما استطعنا. وإذا لم نتمكن من ذلك, اقرأ, اقرأ كثيرا لتردّ هجمات الأعداء وتبقى أرثوذكسيا على عمق كبير.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

روح الصيام /الأحد 21 شباط 1999 / العدد 8

غدًا إذا رضي الله عنا نستهل هذا الموسم المبارك الذي تعرفون انه زمان الزهد بالدنيا وزمن الإمساك والتروُّض على الخيرات. وحتى لا نحوّله إلى مسألة طعام، نقرأ اليوم فصلا من متى يدور الحديث فيه عن الغفران وعن كنز يجب أن نفتش عنه، كما يكلّمنا عن فرح الصائمين.

“إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي أيضا. وإن لم تغفروا للناس زلاتهم فأبوكم أيضا لا يغفر لكم زلاتكم”. الصوم إذًا وقت التلاقي، موسم نعيش فيه الأخوّة. تغفر لكل خاطئ إذا كنت قادرًا أن تراه بتوبته محضونَ الله. حتى الذين ظننتهم كاملين ووقعوا في زلة تتخطى سيئاتهم لأن الرب يقبلهم. الأهم أن تغفر لمن آذاك، لمن صمم أن يؤذيك، أن يهينك، أن يذلّك. تغفر بدءا من العائلة إذا كانت مطرح الإهمال. إذا أهمل الرجل امرأته أو هي أهملته، إنْ قسا عليها أو مرمرته، إذا كان الولد غير مطيع، كل هذا لا يشفى إلا بالصفح ومتابعة الحياة عطاءً غير مشروط. أنت تحب أهل بيتك في صدق لتنعشهم، ليتحملوا العيش الصعب. أنت مسؤول عن إصعاد ذويك إلى رحاب الله وذلك في دقائق الأمور، في اليوميات.

وإذا غفرتَ، يعرفون الله أكثر مما كانوا يعرفونه. سر المحبة أنها لا تنتظر مردودا ولكن يبقى للمحبة ثمار قد تأتيك اليوم أو تأتيك غدا.

الأمر الثاني في هذا الإنجيل: “أما أنت فإذا صمت فأدهن رأسك وأغسل وجهك لئلا تظهر للناس صائما بل لأبيك الذي في الخفية”. ليس هكذا كان الفريسيون المراؤون. المسيحي لا يتظاهر بفضائله. هي تضيء بحد نفسها. يأبى المؤمن أن يقال في حضرته أنه تقيّ. يرفض المديح. لا يتبجح بذكاء أو مال أو حُسْن. يترك محاكمته للرب. يرى نفسه فقيرا في كل شيء. قلبه يتجه عموديا إلى المسيح، وبعين المسيح يعاين الأخوة.

الأمر الثالث: “لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض… لأنه حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم”. إن بُعدًا من أبعاد الصيام أن نعيش هذه الفترة من السنة كالفقراء لأنه يجب أن توفر من ثمن الأطعمة لتعطيه اخوتك المساكين. هذه المشاركة جزء من الصوم. هذا هو البعد الأفقي في رياضتنا هذه. فمن بعد أن انقطعت عن دنياك بالتوبة وارتفعت، تنزل إلى الناس وتأتيهم بالله الذي يكون قد صار فيك. وتراهم أهم من مالك الذي كنتَ عاشقه. تحسّ، إنْ آمنتَ برياضة الصوم، أنّ مالك الذي أردته لنفسك تلذذا صار للآخرين، لأنك إنْ أدركتَ العشق الإلهي لا تبقى متعلقا بما كان لدنياك. المال كارثة فيك إن استهلكته للبذخ، إذا ذهلت به وتوكلت عليه. ويصبح نعمة عندك ليَعْبُر بك إلى الاخوة المحتاجين.

شهوتك للمال يجب أن تزول إن رمتَ التعلق بأهداب الله. من كان عبدا لأية شهوة لا يقدر أن يصير عبدا للبِرّ. فإن أَبدتَ فيك هذا التشهيّ ترى نفسك عطشان إلى وجه الله الباقي وحده. فإن اهتديت إلى أن المال ليس كنزا، يمتلئ قلبك من الله. الله، إذ ذاك، مشتهاك.

لقد أُعطيتَ رياضة هذا الموسم لتَبْلغ بها الفرح بالمسيح. فإذا نزل عليك هذا الفرح، تكون قد وصلت إلى القيامة شيئا فشيئا. إنها قيامتك بالغفران وبالتعالي عن الغرور. عندما يصبح الروح القدس فيك خلال الصوم، تتربى أن تصبح كائنا فصحيا.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

الدينونة/ الأحد 14 شباط 1999 / العدد 7

قبل الدخول في الصوم أرادت الكنيسة أن يحاكِمَ كلٌّ منا نفسَه حتى يصل إلى المحبة التي من أجل كسبِِها وفي روحها نصوم.  ذلك أننا نروّض الكيان البشري كلَّه في الصوم لنقترب من الرب ومن الأخوة. لذلك سُميَّ أحد مرفع اللحم الذي نحن فيه اليوم أحدَ الدينونة أيضا لأن من دان نفسَه لا يدينه الله.

علامَ نحاكم أنفسنا؟ على صورة المحاكمة التي سيحاكمنا بها المسيح. الكلمة التي يستعملها متى هو أنّ السيد يجمع كلَّ الأمم فيميّز بعضهم عن بعض. يُفرِّق الخراف عن الجداء. الخراف (الصالحون) يسمعون منه تعالوا يا مباركي أبي رِثوا المُلْك المُعَدّ لكم منذ إنشاء العالم”. كأن الملكوت لا يكتمل إلا إذا سكنه هؤلاء. إنهم مُساكنو الله.

“إني جعت فأَطعمتموني… وعريانا فكسوتموني” وبقية اللائحة من المحتاجين. ليس عندنا نص أقوى من هذا حيث يوحِّد يسوع نفسه بالجائعين والمرضى والمحبوسين. طبعا, المحبوسون مجرمون. مع ذلك هم في عزلتهم وحزنهم أحباء السيد, السيد أُوقِفَ أيضا عند بيلاطس. يسوع رفيق كل الذين وقعوا في الشقاء في كل ألوان الشقاء.

أنتَ, بعد أن ارتفع يسوع إلى السماء, أين تجده؟ مقرُّه في المعذَّبين. أنت لستَ تشفق في داخلك عليهم. أنت تذهب إليهم أولاً بالموآساة، بشعور المشاركة, باعتبارهم سادة عليك. أما العطاء الفوقي الذي يجرحهم فهو يرميك في جهنم. إذا لم تعتبر نفسك مديونا للفقراء لكونهم أتاحوا لك فرصة الحب, لا تكون فعلتَ خيرا. إعطاء القلب للقلب لا إعطاء المال هو الخير. الحركة التي لا تكون فيك من إلهام  السيد وتحركك إلى السيد تكون فقط مسيرة من أنانيتك إلى أنانيتك.

من هنا أنه إنْ كان هناك إحسان فهذا من باب اللغة لا من باب الحقيقة. المتسوِّل أو الفقير الذي تذهب إليه أو المريض الذي تدفع له ثمن دواء أو التلميذ الذي تمنحه قسطا مدرسيا هو المُحسن إليك. إذاً العملية ثنائية, مشاركة, الجائع أو الغريب فيها هو الأعظم.

هل نحن, بعد التنقل السكاني الذي جرى في بلدنا من جراء الحرب, نحب الوافد إلينا محبتنا للأصيل, أم أننا لا نُشرِكه في قرار أو رأي في رعايانا؟ والذريعة أن “أوقاف آبائنا وأجدادنا” ليس له أن يقول فيها شيئا. ما يجرحني جرحا بالغا في هذا الموقف أن الغريب غريب إلى الأبد وليس أخا حقيقيا, وذلك بناء على اعتبارات مادية محضة. ثم من قال أن ما تركه آباؤك وأجدادك أنت تديره؟ لمّا أَوقف أجدادك عقارا تخلّوا عنه وعن ملكه ولم يورثوك إياه. فإذا ً لستَ وريثه, فكيف تكون لك إدارته؟ يحزنني أن الغريب ليس له وجود على مستوى واحد في القلب مع مَن نسمّيه قريبا. “من هو قريبي؟” كان الجواب أنّ السامري الغريب الذي صنع الرحمة هو أمسى قريبا للجريح المرميّ على الطريق.

“إن لم تفعلوا ذلك بأحد هؤلاء الصغار فبي لم تفعلوه”. من انتقص الناس وجوده بالاحتقار, من جعلوه مهمَّشا غير محضون, من أهملوه إلى الجوع والمرض, من استعلوا عليه لكونه خاطئا, هؤلاء هم أحباء يسوع. فإن أهملتّهم أهملتَه, ومصيرك الجحيم التي عقوبتها الأساسية أن أحدا فيها لا يرى وجهك ولا ترى أنت وجه أحد. من عزل الناس عن قلبه هنا يعيش هناك عزلة كاملة لا افتقاد فيها.

Continue reading
1999, جريدة النهار, مقالات

تأملات في القاهرة / السبت 13 شباط 1999

لم استمتع بالقاهرة كما كنت قد اشتهيت. صديقي الدليل السياحي كان غائبًا فلم يزد علمي بالحضارة المصرية القديمة التي تحدث فيّ، ما أقبلت عليها من جديد، هزة في النفس قوية هي أقرب الى الرؤية الروحية منها الى الشعور الفني.

اضطررت ان أؤثر الوجوه على الحجر. اقتصر عملي على محاضرتين احداهما عند الاقباط والاخرى في ملة الروم في القاهرة وعلى تأمل انجيلي في دير الانبا مقار في وادي نطرون في الصحراء وليس المجال هنا للتحدث عنها. شعوري ان المسيحي في مصر لا يحتاج الى مقومات عقلية ليؤمن أو ان العقل لا يسائله عن ايمانه وانه مرتاح في ما اختار أو ما اختير له. رأيتني اضحك من نفسي بما كنت أقدم حججًا او اصف المسار الفكري الذي سلكت لأصل الى ما وصلت اليه من طرح. انا أفهم جيدًا الا يحتاج الاكثرون الى ما يدلهم في الطبيعة او التاريخ أو الذهن على الله وأتبرك منهم تبركًا كثيرًا. لكني افهم ايضًا أن من الناس من سعى الى وحدة في كيانه بين ما لبسه من عقل ومن جمال ومن جسد ومن قلب وما نزل على قلبه من نور هداه. ربما كان لكل فئة من الفئتين مخاطب. على هذا انا واثق ان الله لا يريدنا ان نتلف مما خلق ولو ارادنا ان نعرف حدود كل شيء.

للعقل حدود اذ له مجالات وليس له كل المجالات. هناك عالم السر وعالم الرؤية وهناك المودات نرعاها أو ترعانا. لكن الاعظم فيك أعني الرؤية لا ينبغي ان يزهد بالاصغر عنيت العقل ليأتي الاعظم محمولا على الجد. افهم ان يأتي اكثر النفوس الى الله على شيء من السهولة، (اصحابها يقولون انهم بسطاء). هناك طبائع ليست مركبة او ليست معمرة. أحسدها لأنها لا تتعب كثيرًا. لا أحسدها لأنها فقيرة الى الهيكليات العقلية.

#    #

#

كللت من الدين الشعبي لأن الانسان مركزه أو قبلته. همه ان يتلذذ القلب بالمشاعر. الى هذا ترى المؤمن “البسيط” يتمحور على صحته وصحة أولاده. ولهذا كان في عطش الى المعجزة والى اثبات القداسة بالمعجزة. هذا يعني انه يريد خطابًا إلهيًا جديدًا. انا لست انكر حرفا واحدًا من العجائب “المعقولة” التي وردت في سير القديسين ولست أنكر ان قوة الله تتجلى في مختاريه بهذه الصورة كما تجلت في المسيح. ولكن يلفتني ان السيد أرادنا ان نؤمن به بسبب الكلام الذي قاله “والا فصدقوني بسبب الاعمال”. اذًا في الفكر الانجيلي تأتي المعجزة بعد الكلمة تعزية للضعفاء الذين لم يتمكنوا من الانبهار باعجاز الكلمة في انجيل يسوع المسيح. كذلك نرى في انجيل يوحنا ان عجائب السيد وهي سبع (وهذا رقم رمزي) يتبعها دائمًا تعليم كأنها تمهيد له لأنه هو مطرح التلاقي بين السيد وتلميذه.

لقد نزل ابن الله مرة الى العالم ليكفيك نزوله. ولن يتجسد. من بعد هذا انت تصعد. لذلك لا أحب هذا التعريف الشائع عن الكنيسة انها تجسد المسيح. الكلمة تجسد مرة واحدة. الكنيسة ليست تجسد المتجسد. هي صعوده. والكلمة التي فيها تشدنا الى فوق. والقديسون جالسون فوق. والايقونة اطلالة من السماء لتشد اليها الارض. والقرابين المقدسة تأخذك الى جسد المسيح القائم على العرش. ما يهزني في الرهبانية – أصلاً ومثالاً – انها تقيمك في الحد الادنى من الحاجة لتوحي اليك بأنك دائما في ذهاب الى المسيح الآتي. لهذا خشي الاكابر على الدير غناه. خافوا سؤالاً كهذا: كيف ندير، ماذا نعمل بهذا الرزق أي خافوا ديرًا يتحول بسبب من الانهماك به مؤسسة وليس عند الرهبان اذا تجنحوا وقت ليقفوا.

#  #

#

ما من شك ان في عقولنا خلطًا بين حال القلوب ومسؤولية الهداية. الاولى ليس لنا بها علم ف”بالنعمة انتم مخلَّصون” او كقوله الآخر: “طرقي غير طرقكم”. غير ان الله اراد التعليم لمجرد انه اراد الوحي. والوحي ذو مضمون يجب ان تعرفه انت لتخلص به. وجعل الله لنا انظومة متماسكة، عظيمة البنية، كافٍ غناها، اسمها الكنيسة لكي تصل الى مسامعك الكلمة وتحيا بها.

وكل ما كُتب في هذه الكنيسة منذ الفي سنة وما وضع من قوانين واستخرج من فن وما لُحن وأنشد وبني، كل ذلك غايته ان تعرف لعلك تفهم وتستطيب الله وتكون في حركة رؤية لا تنقطع بالموت ولا تنتهي بالقيامة لأنك على ما علم غريغوريوس النيصي تنتقل من بعد البعث من بدء الى بدء ويجمل الله في عينيك كل لحيظة من لحيظات الابدية بما انه اهّلك للرؤية.

واذا كان الرب لا تقع عليه السكونية هناك فلا تقع انت على قلبك الفهيم السكونية هنا ولا تكتفي بفتات المعجزات والاقاويل وان تعمى عما تفوه به الله وعما حاكته الكنيسة من هذا الثراء وتعرض عنه لتجد له بديلاً من نسج خيالك وانفعالك شبه الديني او تعوضه بما قد يكون واقعًا لكنه عرضي أو هامشي.

أنا في يدي تفويض واحد هو تفويض الكلمة. وهذه ليست مدروسة درسًا وافيًا عند من فرض فيه تلقينها ومن فرض فيه تلقنها. أما الصلاة ونصوصها فهي نسج على ما قاله الله ووجه آخر له. ولكن لن تصل اليك نفحات الصلاة ما لم ينزل على قلبك الكتاب العزيز. هذان وجهان لعملة واحدة ولا بديل من واحد منهما عن آخر.

السؤال المفجع هو كم من جيل تعلم. والسؤال الذي يرافقه هو أيًا كان عمق تعلمنا ماذا عملنا بالتفويض الالهي؟

الاهمال انشأ دينًا شعبيًا ويبدو اننا مستسلمون لوجود فئات غير مستنيرة وما قد لا نبوح به لأحد ان جماهير السذجة جيدة لأنها توفر علينا تعب العمل الفكري. والواقعية المرة توسوس في صدورنا ان الجماهير ستبقى على غباوتها وانه لا بد من نخبة تتعاطى الالهيات والتفسير.

#   #

#

ما قض مضجعي في السنوات الاخيرة هذه الهوة القائمة بين كلمة الله والمؤمنين على مستوى الفهم. طبعًا انا أعرف ان الفهم الآتي من الدراسة لا يعني انك بلغت لب الكلمة أو تلألأت بها. ما يخيفني ان الكلمة تسقط احيانًا على الارض ولا تعود الى الله كما تمنى اشعياء بالقلوب مبلورة مطهرة. هل يعني هذا ان وضع الدين le statut de la religion ان تزرع انت فقط وتسقط حبة الحنطة على أرض خصبة أو أرض يابسة وما الى ذلك مما يقوله مثل الزارع في الانجيل؟ هل أعزي نفسي بذلك لئلا تحزن الى الموت أم يقود السؤال الى رجاء لهب عظيم يضرم المسيحية حيثما وجدت وينتشر اللهب برياح عاصفة نعرف انها من الروح.

أنا لا أحب المرشدين الكسالى الذين يهملون التعليم ويوقفون كل شيء على طهارة الروح، على القداسة كما نقول في المسيحية. كأنهم ما قرأوا: “انتم انقياء بسبب الكلام الذي كلمتكم به”. ان التشبه بالاطهار هو الطريق الى القداسة ما في ذلك ريب. غير ان نقاوة الحياة هي الهدف والوسيلة الكبرى اليها هي الكلمة الالهية التي تنقي القلب اذا حملها الروح الالهي اليك او ترجمها الى حياتك أب روحي كبير.

الوجع الملازم أبدًا للكنيسة انها ليست مجرد تعليم لكنها رعاية أي ليست مجرد زرع لكنها سقاية وتعهد دائم للمؤمن الذي ترعى. المسيحية ليست مجرد دعوة لكنها سعي دؤوب لاقامة الناس في السماء قبل ان يموتوا. “اضطررهم على الدخول”. هذا هو الامر المرسل الى كل مؤمن ليحاول المحافظة على الآخرين في الكنيسة ليس فقط بالنصح ولكن ببث الدعوة والافتقاد “لئلا يهلك منهم أحد”. قبل عودة آخر جاهل، قبل احتراق الدنيا بالحب لا تستطيع ان تنام.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

تأملات حول الابن الشاطر /الأحد 7 شباط 1999 / العدد 6

ما يركَّز عليه في هذا المثل الذي نقرأه اليوم توبة الابن الشاطر الذي عاد إلى أبيه بعد ضلال. عادةً ننسى أن المثل لا يكتمل إلا بموقف الابن البكر الذي رفض المعاملة الرؤوف التي عومل بها الضال العائد. في الحقيقة إن الجامع بين الولد التائب والولد الذي لازم البيت الأبوي أن الأب عامَلَ الأزعر المهتدي برحمة واسعة ولم يغضب على البكر الذي أبى أن يرحم أخاه العائد من بعد معصية. لامه فقط على انعدام سعة صدره لأخيه.

فيما نحن نتدرّج إلى الصوم, اختارت الكنيسة هذه القراءة لتوحي أن الأهم بين هؤلاء الرجال الثلاثة هو الوالد. هذا في الحقيقة مَثَلُ الأب الرحيم الذي ضَمّ إلى صدره ابنه المتمرد ولم يرذل مَن كان باراً في البدء لكنه سقط في عدم الترحاب بأخيه. الوحدة بين الولدين أقامها الوالد الذي ضم الاثنين في أحشاء رحمته. الغفران أُعطي للاثنين لأن مناخ البيت كان مناخ دفء. التوبة هي في رجوع الضال إلى البيت الواسع وهو من وراء الرموز بيت الآب السماوي الذي هو الألف والياء, البداءة والنهاية, هذا الذي يدفع له المسيح كل الخلائق في اليوم الأخير لتحسّ بأنها محضونة إلى الأبد.

هل نتصرف نحن في كنيسة اليوم, في كل رعية على أننا أبناء الله الواحد وأننا عائلته نغتذي جميعا من جسد المسيح, أم أننا نسلك في انقسام الغني والفقير, وفي انقسام بين المتعلم والجاهل, وبين المرأة والرجل, وبين البالغ الناضج الذي يظن أنه وحده يفكر والفتى الذي لا نعترف بنضجه, وبين العائلات العريقة والعائلات الشقية, وبين العائلات الكثيرة الفروع والعائلات الصغيرة؟ نسلك بتصنيف, بتمييز اجتماعي على أساس المال.

في هذا الجبل ينتمي كل إنسان إلى عائلته أوّلاً ومن خلال عائلته هو عضو في الكنيسة, أي أننا لا نعترف بأن الإنسان ملتصق بالمسيح أوّلاً. هناك من كان ألصق بالمسيح أياً كان عِلْمه وأية كانت ثروته وأية كانت أصالته (من هو الأصل ومن هو الأقل أصالة). ما هي المعايير التي نستند إليها لنقرر بأن هذا فوق وذاك تحت وأن الآخر جانبي؟ “ألعل المسيح قد انقسم؟” (بولس الرسول). الإنسان من طائفة المؤمنين, من كنيسة يسوع, ولا يهم يسوع شيء من اللحم والدم. يهمه معرفة من هم الذين وُلدوا من الله بروح القداسة. الكنيسة ليست تراكُمَ عائلات. إنها انسجام مؤمنين. ليس في الكنيسة فئات ولا يمثِّل أحد فيها إلا نفسه, فقيمته فيه وليست في الدم الذي يجري في عروقه.

الكنيسة ليس فيها إقصاء لأحد. تفرح بكل الذين يحبون دفء يسوع. الوجهاء فيها أحباؤه, والأعظم حبا فيها أوجه المؤمنين فيها. يبرز فيها من كان أعظم غيرة ًوأعمق معرفة للإنجيل. يبرز مَن ليس عنده ادعاء ولكن له مكانته في البيت الأبوي الواحد. أنت تأتي من قلب الله أو لا تأتي.

هذه هي القاعدة التي نبني عليها. والوحدة بيننا ليست وحدة من هذه الدنيا ومن أمجاد هذه الدنيا. نحن لا نعرف إلا جسد المسيح ومَن انضمَّ إليه بإخلاص.

إن من تأثر بأي اعتبار آخر يكون منضمًا إلى رغباته هو ولا يكون أخاً للآخرين. نحن لسنا طائفة من هذا العالم. نحن طائفة أهل الملكوت الذي فيه العرج والعميان والصم والبكم أي من اعتبرتهم الكبرياء على أنهم ذلك.

إن من كانت له غير هذه النظرة يعرقل المسيرة إلى الملكوت ويقسم الأخوة ويقيم بينهم سدودا. يحزنني أن أقول أننا في بدء الفهم وأننا أطفال في المسيح. نحن لا يهمّنا أن يرتضي الناس بعضهم بعضا على أساس دنياهم والمصالح التي بين بيوتهم أو فروع بيوتهم. هذا كله من العالم والكتاب يقول: “لا تحبّوا العالم ولا الأشياء التي في العالم” (يوحنا الحبيب).

الوالد الحنون يقول لبكره المدّعي التقوى: “كان ينبغي أن نفرح ونُسرّ لأن أخاك هذا كان ميتا فعاش وكان ضالاً فوُجِد”. الأخ الصغير الذي بيننا نحسبه خطأً أنه ليس بشيء, وقد نظن أنه ليس من الأفضلين ولا يكون الأمر كذلك. مَن اقتبله ربه في أحضانه ورضي عنه هو الأول بيننا. لم يعطَ أحد شهادة على أنه الأول. المعتّبر الأخير في أعين الناس قد يكون الأول في عيني ربكم إذا كنتم صائرين إلى توبة الصيام الآتي.

Continue reading