غدًا إذا رضي الله عنا نستهل هذا الموسم المبارك الذي تعرفون انه زمان الزهد بالدنيا وزمن الإمساك والتروُّض على الخيرات. وحتى لا نحوّله إلى مسألة طعام، نقرأ اليوم فصلا من متى يدور الحديث فيه عن الغفران وعن كنز يجب أن نفتش عنه، كما يكلّمنا عن فرح الصائمين.

“إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي أيضا. وإن لم تغفروا للناس زلاتهم فأبوكم أيضا لا يغفر لكم زلاتكم”. الصوم إذًا وقت التلاقي، موسم نعيش فيه الأخوّة. تغفر لكل خاطئ إذا كنت قادرًا أن تراه بتوبته محضونَ الله. حتى الذين ظننتهم كاملين ووقعوا في زلة تتخطى سيئاتهم لأن الرب يقبلهم. الأهم أن تغفر لمن آذاك، لمن صمم أن يؤذيك، أن يهينك، أن يذلّك. تغفر بدءا من العائلة إذا كانت مطرح الإهمال. إذا أهمل الرجل امرأته أو هي أهملته، إنْ قسا عليها أو مرمرته، إذا كان الولد غير مطيع، كل هذا لا يشفى إلا بالصفح ومتابعة الحياة عطاءً غير مشروط. أنت تحب أهل بيتك في صدق لتنعشهم، ليتحملوا العيش الصعب. أنت مسؤول عن إصعاد ذويك إلى رحاب الله وذلك في دقائق الأمور، في اليوميات.

وإذا غفرتَ، يعرفون الله أكثر مما كانوا يعرفونه. سر المحبة أنها لا تنتظر مردودا ولكن يبقى للمحبة ثمار قد تأتيك اليوم أو تأتيك غدا.

الأمر الثاني في هذا الإنجيل: “أما أنت فإذا صمت فأدهن رأسك وأغسل وجهك لئلا تظهر للناس صائما بل لأبيك الذي في الخفية”. ليس هكذا كان الفريسيون المراؤون. المسيحي لا يتظاهر بفضائله. هي تضيء بحد نفسها. يأبى المؤمن أن يقال في حضرته أنه تقيّ. يرفض المديح. لا يتبجح بذكاء أو مال أو حُسْن. يترك محاكمته للرب. يرى نفسه فقيرا في كل شيء. قلبه يتجه عموديا إلى المسيح، وبعين المسيح يعاين الأخوة.

الأمر الثالث: “لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض… لأنه حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم”. إن بُعدًا من أبعاد الصيام أن نعيش هذه الفترة من السنة كالفقراء لأنه يجب أن توفر من ثمن الأطعمة لتعطيه اخوتك المساكين. هذه المشاركة جزء من الصوم. هذا هو البعد الأفقي في رياضتنا هذه. فمن بعد أن انقطعت عن دنياك بالتوبة وارتفعت، تنزل إلى الناس وتأتيهم بالله الذي يكون قد صار فيك. وتراهم أهم من مالك الذي كنتَ عاشقه. تحسّ، إنْ آمنتَ برياضة الصوم، أنّ مالك الذي أردته لنفسك تلذذا صار للآخرين، لأنك إنْ أدركتَ العشق الإلهي لا تبقى متعلقا بما كان لدنياك. المال كارثة فيك إن استهلكته للبذخ، إذا ذهلت به وتوكلت عليه. ويصبح نعمة عندك ليَعْبُر بك إلى الاخوة المحتاجين.

شهوتك للمال يجب أن تزول إن رمتَ التعلق بأهداب الله. من كان عبدا لأية شهوة لا يقدر أن يصير عبدا للبِرّ. فإن أَبدتَ فيك هذا التشهيّ ترى نفسك عطشان إلى وجه الله الباقي وحده. فإن اهتديت إلى أن المال ليس كنزا، يمتلئ قلبك من الله. الله، إذ ذاك، مشتهاك.

لقد أُعطيتَ رياضة هذا الموسم لتَبْلغ بها الفرح بالمسيح. فإذا نزل عليك هذا الفرح، تكون قد وصلت إلى القيامة شيئا فشيئا. إنها قيامتك بالغفران وبالتعالي عن الغرور. عندما يصبح الروح القدس فيك خلال الصوم، تتربى أن تصبح كائنا فصحيا.