الآحاد الثلاثة الأولى من الصوم ركزت على العقيدة (أحد استقامة الرأي, أحد غريغوريوس بالاماس, أحد الصليب).  في المرحلة الثانية تركيز على النسك. الأحد الأول فيها نقيم ذكرى القديس يوحنا المدعو السلَّمي لأنه وضع كتابا في النسك عنوانه “سلَّم الفضائل”. وُلد غالبا بعد منتصف القرن السادس وعاش في سيناء راهبا ثم رئيسا لديره.

مثّل الطريق َإلى الله سلَّما صاعدة مؤلفة من درجات يعلو المؤمن إحداها فوق الأخرى حتى يصل إلى حضرة المسيح. الأيقونات الكثيرة التي ترسم هذه السَّلم تبيِّن أن بعضا يتسلقون بعض درجات, ويصل آخرون تقريبا إلى فوق ولكنهم يسقطون. يحس كل قارئ لهذا الكتاب – وهو منشور بالعربية – أن الكاتب يتكلم عن فضائل مارسَها. إنه إذاً لمن الواصلين. الجهاد, كما يقول, نتابعه “يوما بعد يوم، نارا على نار, ورعا على ورع, رغبة على رغبة وغيرة على غيرة”. لا يقول كلمات كهذه إلا مَن أحسها.

صلى أربعين عاما متواصلة تتأكله المحبة الإلهية محاولا أن يحصر – كما يقول – “ما كان غير جسديّ في الجسد” كان يعرف – وهذا في كتابه – أن من كسر ختم طهارته واغترب عن التعزيات الإلهية وخالف عهده مع الله وحزن عن كل ذلك قادر أن يُميت نفسه تَقويا بالنسك لو بقيت له شرارة من المحبة ومخافة الرب.

الكنيسة عارفة, في وضعها هذا النموذج النسكي نَصب أعيننا, أن الرهبان قلة نادرة. نحن قادرون أن نتشبه بيوحنا السلّمي, كل منّا في داره وأعماله. فالجمالات الروحية ليست مرتبطة برتبة أو سلك. عندنا أن العلمانيّ, في حياته العائلية وتجارته وكل أعمال الدنيا, قادر على كل قداسة. الجهادات الأساسية الرامية إلى الطهارة في كل تعابيرها وعلى العفة والوداعة واللطف والتواضع يمكن أن يقوم بها الإنسان أيا كان شكله أو جنسه أو درجة تحصيله. ويجاهد في تعبه وراحته, في السلم والحرب والفقر والغنى لأن المسيح واحد يوحي لهذا ويوحي لذاك ويُعنى بالكل ويعطي كلا منا النعمة حسب الحاجة لأنه يريد الكل أن يَخلصوا وأن يُقبلوا إلى معرفة الحق. لذلك ليس لأحد عذر.

لا يمكنه أن يتخذ من كثرة ماله ذريعة للكبرياء وقسوة القلب, أو من جاهه ذريعة للاستعلاء واحتقار الاخوة. لذلك يلح علينا يوحنا السلَّمي أن نضرب رذيلة بعد رذيلة, وأن نقتني فضيلة على فضيلة ونحن في الفرح. نلتهب بنار فوق نار وحماسة تلو حماسة. لعل الفرح العلامة المثلى لحلول الله في القلب. وأما من فقد الحماسة في سبيل يسوع وإنجيله, أو من فتر عند لقائه الفقير, فهذا قد انطفأت النار فيه وصار رمادا باردا.

لذلك قيل لنا في إنجيل اليوم: “إن استطعت أن تؤمن فكل شيء مستطاع للمؤمن”. أن تؤمن هو أن تجعل كل قلبك مدى للرب فلا تُشْرِك به أحدا. ولئلا تظن أن هذا أمر سهل، قال السيد المبارك:”إن هذا الجنس لا يمكن أن يخرج إلا بالصلاة والصوم”. حركة الله إليك الإيمان فإنه نازل من عنده. حركتك إلى الله الصلاة تحفظ فيك الإيمان وأمام عينيك طريقك إلى المصلوب الذي تعانقه في آخر الصوم بأشد حرارة.