ما من سيرة تحرّكني مثل سيرة هذه المرأة التي نقيم اليوم ذكراها. هي صورة التوبة الكبرى حتى إذا بلغناها وتسمّرنا عليها نقدر على ولوج الأسبوع العظيم. السيرة كما رواها صفررونيوس الاورشليمي تُبرز لنا فتاة عاصفة  في فسق بلا حدود تتحول فجأة إلى تائبة بلا حدود. فسق من النوع الذي لا يشبع. لم تكن لتتعاطى هذا من أجل المال. كان هذا في الإسكندرية, مدينة الترف العظيم. الصبية مسيحية المولد, وتدل السيرة إنها لم تكن منقطعة عن الكنيسة إذ أَحبت أن تحجّ إلى أورشليم. نفسها خليط عجيب بين انتمائها “المسيحي” وشقاء سلوكها.

لم تفكر وهي في مصر أن تًُنهي الفصام هذا الذي كانت تعانيه. ترتّب في عقلها أنه يمكنها أن تحج إلى الديار المقدسة وأن تبيع جسدها في السفينة (مع الحجّاج) لتدفع ثمن السفر. لا تحسّ فقط بالفصام. تنفذّه.

عند بلوغها المدينة المقدسة, سارت مع الجماهير إلى كنيسة القيامة. عند بلوغها عتبة الكنيسة, لم تتمكن من الدخول. حاولت هذا مرّات ولم تستطع. أدركت أن دنَس حياتها حال بينها وبين تقبيلها خشبة الصليب الذي كان المؤمنون يقبّلونه. إذ ذاك صلّت لوالدة الإله ووعدتها, إذا قدرت على الدخول, أن تترك العالم وملذاته.

عند خروجها من الكنيسة, استدلّت على الطريق المؤدية إلى الأردن, ووصلت عند المساء إلى كنيسة القديس يوحنا المعمدان. اغتسلت في الأردن. تناولت جسد الرب. وفي اليوم التالي عبرت النهر, وعاشت في الصحراء 47 سنة لا ترى فيها أحدا.

طبعا سقطت عنها ثيابها. ذاقت الحرّ في النهار والبرد في الليل. أكلت ما تيسّر من الأعشاب وشروش الشجر. كانت تعاودها صُوَر من حياتها الماضية. ضربتها جميعا, وحوّلت نار الرغبات الجسدية إلى نار الحب الإلهي. صارت قامة من نور.

بعد سنين, كان شيخ يدعى زوسيما يجول في البرية لقضاء الصوم الكبير فيها. تراءى له شبح من بعيد اسودّ جسده من الشمس وابيضّ شعره. اخذ يسير إلى القديسة التي تراءت له وهي تهرب, فطلب منها البركة وكلام خلاص. ولما أَدركها قالت له إنها امرأة, ورَجَتْهُ أن يرمي عليها رداءه لتستر به عريها.

طلبت إليه أن يعود السنة القادمة يوم الخميس العظيم مع الأسرار المقدسة. تناولت في الموعد, وأطلقت زوسيما ليعود إليها في السنة التي بعدها.

عند عودته رأى القديسة ملقاة على الأرض مكتوفة الذراعين ووجهها إلى الشرق. كانت قد توفيت في الليل التي تناولت من الراهب جسد الرب. لها عيد خاص في أول نيسان إلى جانب هذه الذكرى.

من بعد إنخطاف قلبها إلى يسوع في كنيسة القيامة لم ترَ وجه خطاياها. صارت عيناها إلى السيد فقط. صارت أيقونته, ضياءه.