2000, مقالات, نشرة رعيتي

الله والمال/ 9 تموز 2000/ العدد 28

«لا يستطيع أحد أن يعبد ربَّين» (متى 6: 24). هذا يعيدنا إلى أن الرب في العهد القديم يسمّي نفسه إلهًا غيورًا لا يحتمل أن تُشرِك به معبودا آخر. كل معبود آخر صنما كان أَم شهوة يخلخل عبادتك للإله الواحد الذي وحده يجعلك كيانا موحَّدا لا تَبَعثُر فيه ولا تَفتُّت ولا ثنائية. وبهذا المعنى أكد بولس بقوله: «لا إله إلا الله الأحد» (1كورنثوس 8: 4).

          ينتج من هذه الوصية قول السيد: «لا تهتمّوا لأنفسكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون». لا تهتمّوا تعني لا يكن فكركم منشغلا بالطعام والشراب، لا تكونوا مأسورين لهما بحيث لا يأسركم الله.

          قد يزيَّن لقارئ الإنجيل للوهلة الأولى أن ما يدعونا يسوع إليه أن نهمل السعي إلى النشاط في سبيل المعيشة في المهنة. هذا تفسير مغلوط لأن الرسول يقول: «إن كان أحد لا يشتغل فلا يأكل أيضًا» (2تسالونيكي 3: 10). الدعوة إلى العمل تفترض سعيا حسب الوضع الاقتصادي الذي نحن فيه. والاقتصاد الحاضر يتضمّن اهتماما حثيثا بأمور الأنا بما فيها الادّخار وفتح حساب في المصارف والقيام بمشاريع منتجة.

          هذا يبدو مناقضا لمَثَل الإنسان الغني الذي أَخصبَتْ أرضه وقال: «أَهدمُ أهرائي وأَبني أكبر منها». فقال له الرب: «في هذه الليلة تُطلَب نفسُك منك، فهذه التي أَعددتَها لمن تكون؟». المأخذ الحقيقي للسيد على هذا الغني لم يكن أنه بنى خزائن للقمح جديدة، ولكن أن نفسه انهمكت بالغنى وأحبّته. ودليل ذلك أن توبيخ المعلّم لَخَّصَته الآية القائلة: «فهكذا مَن يدّخر لنفسه ولا يستغني بالله». خطيئة الرجل أنه اغترّ بالمال واستغنى عن الغنى الروحي الذي يأتيه من الله.

          يسوع لم يكن من حيث المبدأ ضد الادخار في ذاك الاقتصاد الزراعي البسيط في فلسطين، ولكن ضد الخطر الروحي الذي كان ناجما عنه. كذلك ليس الرب ضد توسيع الثروة في الحياة الاقتصادية الحالية، ولكنه ضد استعباد الانسان نفسه لهذه الحياة الاقتصادية.

          لذلك أكد الرب: «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه، وهذا كله يُزاد لكم». الأوّلية إذًا لملكوت الله بمعنى أن الملكوت إذا ساد في قلوبكم فلن يدخل المال إليها. المال يوضع في جيوبكم أو في صناديقكم أو في المصارف، ولكن لا علاقة له بالقلب لأن كل ما يودع القلب يملأ كل القلب. فإذا ملأه الرب كليا لا يبقى مكان لشيء آخر. كذلك تعلُّقكم بالبشر إذا صار عبادة لهؤلاء البشر يكون عبودية لهم. يصبحون عليكم آلهة.

          ليس المجال هنا للاستفاضة بالحديث عن خطر المال. ذلك انه يولّد حتمًا تسلّطًا على الناس. تعبدون، إذ ذاك، قُدرتَكم عليهم وتحكُّمكم فيهم. وهذا أسوأ الشرور. أن تطهر من كل شهوة الأشياء ومن اشتهاء البشر في استعبادهم، بذلك تقضي على هذه الخطيئة الكبرى. الناس في حياتكم وليسوا حياتكم. كذلك أشياء هذه الدنيا. تَيَقَّظوا حتى تجعلوا الله وحده حياتكم.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

شفاء المخلَّع/ 30 تموز 2000/ العدد 31

بعد ان اجتاز يسوع البحيرة جاء إلى مدينته كفرناحوم (متى 9: 1-8). فقدّم إليه بعض القوم مخلّعا أو مفلوجًا مُلقى على فراش من القشّ أو طرّاحة خفيفة. لا يسأل السيد هؤلاء الناس شيئا. يتوجّه إلى المريض ويقول له: «ثق يا بنيّ» أو تشجّع، وتوًا يتابع: «مغفورة لك خطاياك». أصدقاؤه ما أتوا لهذا. المسيح يذهب إلى غايته هو، إلى ما يحتاج اليه هذا المُقعد في العمق. يريد له شفاء روحيا يكون أعظم من الشفاء الجسدي. الرجل كان خاليًا من الأمل وخاليًا من القدرة. ربما كان ضعيف الإيمان. لا يقول الإنجيل ان خطيئته كانت سببًا لمرضه. ولكنه حتمًا خاطئ ككل منا وتلك هي المصيبة. لذلك وجب أن يخلص اولاً من مصيبته الكبرى، ويجب أن نتعلّم نحن ان المعصية هي الكارثة التي لا بعدها كارثة.

          يسوع في رقّته يسمّي هذا المريض: يا بنيّ، ولا شيء يدل على انه كان فتيًا. ربما كان أكبر سنًّا من السيد. لعل الكتاب هنا يوحي بأن كل مريض تشمله أُبوّة الله بنوع خاص. انوجَدَ حول المعلّم كتبة، والكتبة كان عملهم ان ينسخوا التوراة لأن الطباعة لم تكن. وبحكم خطّهم للعهد القديم كانوا يتعلّمونه. اتّهموا السيد بالتجديف. فإعلان الغفران للخطايا أمرٌ كان مجهولاً في شعب اليهود. الربّانيون، وهُم معلّمو الناموس، ما كانوا يمارسون غفران الخطايا للآخرين. ولم يقل أدبهم ان المسيح الذي كانوا ينتظرون له هذا الامتياز. كيف ينسب اذًا المعلم الجديد إلى نفسه هذه القدرة؟

          عند ذاك قال لهم الرب: «أيمُّا أيسر، أن يقال: مغفـورة لك خطاياك، أَمْ أن يقـال: قم وامش؟». طبعًا الأيسر أن يقول الانسان ما يريد أن يقول. له أن يقول مغفورة لك خطاياك ولا أحد يثبت هذا أو يدحضه. ولكن أن يقول: قم وامش يعرّض صاحب القول إلى الخذلان. يشفي يسوعُ المريض ويُثْبِت بذلك انه كان على حق لما قال له: مغفورة لك خطاياك. قوة الله اذًا هي حالّة في يسوع. يقوم هو بوظيفة الغفران المختصّة بالله. مَن يكون اذًا هذا؟

          المسيح يؤكد أن لابنِ الانسان (اي هو) سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا. سلطانه يأتيه من السماء. سيقول في إنجيل يوحنا ان سلطانه هذا من الآب. «كل ما هو لي فهو لك. وما هو لك فهو لي» (17: 10). بعد إعلان الغفران للمُقعد، يأمره يسوع أن يحمل فراشه ويذهب إلى بيته. الآن هو خالص روحيًا وجسديًا.

          ما يتّضح من هذه الأعجوبة ومن مجموعة عجائب في متى أن إيمان الانسان بيسوع يستدعي عطفه عليه. هؤلاء القوم آمنوا بالسيد. العطف جاء على انسان آخر، على المفلوج. بسببِ التماسك القائم بين البشر يكون إيمان المؤمن نافعًا لسواه. كذلك نسأل الله من أجل الآخر فتنزل عليه نعمة صلاتنا. هذا هو التعاضد في جسد المسيح الذي نحن أعضاؤه معًا. المؤمنون يحملون الدنيا كلها ويحفظونها.

          لعلّ من اهمّ العبَر نستمدّها من هذا النصّ الإنجيليّ أن نقتنع أن أمورنا الروحية أهمّ من أوضاعنا الصحية. يجب الاهتمام بها، ولكن الأهم أن نطلب العافية الروحية. ذلك أنك إن قويتَ روحيا لا تبقى في أَسْر جسدك. أن تحزن على نفسك البائسة في خطيئتها أهم من أن تحزن على مرض اعتراك. اذا أَدركتَ هذا، تكون قد وصلت إلى رؤية الله للأشياء. أن يكون فيك فكر الله لتعقل وجودك به فترتّبه وفق الفكر الإلهي، هذا هدف حياتك. ولكن هذا لا يحصل الا إذا رأيتَ نفسك معوقًا من الناحية الروحية. بعد اقتناعك بعجزك تقدر أن ترتمي على الرب فيهبك كل شيء وتطمئن.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

بداءة الدعوة/ 2 تموز 2000/ العدد 13

دعوة التلاميذ الاولين متشابهة جدا -تكاد تكون حرفيا- في الأناجيل الإزائية اي الثلاثة الاولى. ففيما كان السيد ماشيا على شاطئ بحر الجليل، وهو بحيرة طبرية، دعا بطرس واندراوس أخاه فيما كانا يلقيان شبكة في البحر (متى 4: 18-23). دعاهما ان يتبعاه فورا ليجعلهما صيادَي ناسٍ اي زارعين للكلمة بغية جمع البشر حول المسيح.

          السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو بأية قوة يدعو، وما الدافع عند الرسولين كي يتركا كل شيء ويسيرا وراء المعلم؟ لقد قيل مرة في الإنجيل: «لم يتكلم قط إنسان هكذا مثل هذا الإنسان» (يوحنا 7: 46). كان جذب في ناسوته عجيب، وداعة وقوة بآن. كان يحمل إلى الناس لغة جديدة، حرارة لم يألفوها عند الفريسيين الذين كانوا يكلّمون الناس على شرائع موسى والأحكام الإضافية التي تحميها. هذا كان عنده رحمة ورفق ورأفة بالخطأة. والذين قساهم المجتمع المتديّن المتعصب كان المعلّم الجليلي يلملمهم. ما كانوا يُحسّون عُلوّه استعلاء وإدانة لهم. وما كانوا يُحسّون عنده انهم رعاع كما يسمّيهم الفريسيون.

          إلى جانب الجمالات الروحية التي كان يتحلّى بها، كانوا يستمعون اليه «في مجامع اليهودية» اي في تلك القاعات التي كانوا يجتمعون فيها في السبوت. إلى جانب هذا اتخذ شاطئ البحيرة مكانا للتبشير في الهواء الطلق كما يبدو في مطلع لوقا 5 اي ان دعوته لأندراوس وبطرس لم تكن عند هذين بدءا مطلقا. لقد مهّد لها. غير انه نقل، هذه المرة، كلامه من نداء عام إلى نداء خاص. اراد هذين له شخصيا. الرب ترك لنا الإنجيل يدعونا فيه. ولكن تنقدح لحظة ينزل فيها علينا الروح القدس ليخصّصنا بالكلام المرسَل إلى الكل. أو يحصل التلاقي في صلاة أو ترتيلة نكون قد سمعناها مئات من المرات بالأذن وما كان بين الأذن والقلب عبور. فاذا تنزّلت الكلمة على القلب يتصور فيه المسيح ونعي حضوره. هذا هو الاغتسال بالروح. ربما انشددنا آنذاك إلى الرب انشدادا كليا لا رجوع عنه.

          هذا ما حصل للتلميذين الأوّلَين. تركا للتوّ شباكهما اي ما كانا يعيشان منه والتحقا بالمعلم. هما كانا مأخوذين بأشيائهما كالسمك في الشبكة. لم يبق بينهم وبين يسوع حاجز. هذه هي الهداية. القلب متعلّق به وحده الآن. ليس مرتبكا بشيء آخر. نقول عند ذاك للسيد: «مكانُكَ في القلب هو القلبُ كله».

          ما حصل ليعقوب بن زبدى ويوحنا أخيه من بعد دعوته انهما تركا للوقت كما الأَوّلان. لم يتحيّر الأربعة بين هاجس المعيشة والذهاب وراء يسوع الذي لم يكن لديه ضمان لمعيشة. ليس عنده مهنة. الاربعة لم يتساءلوا كيف يَحيون هم وعيالهم. كان بطرس ويوحنا تركا الشباك فقط. اما يوحنا ويعقوب فتركا اباهما ايضا وهو أهم. اهتداؤنا نحن المسيحيين الحقيقي، الصادق يتطلب احيانا كثيرا أن ننفصل عن اصدقاء وعن بعض الأهل. وهذا شيء مؤلم. ذلك ان الأقربين يحاربوننا -ولو كانوا ظاهريا في الكنيسة- اذا لاحظوا ان تَقوانا اشتدت. ولكن إلى اين نذهب؟ نحن نعرف ان الحياة الأبدية عنده.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

أحد جميع القديسين/ 25 حزيران 2000/ العدد 26

فجّر الروح القدس طاقة الكنيسة على القداسة وهو الذي يُنشئ فيها القديسين. لذلك رأى آباؤنا أن تُخصّص لذِكْر القديسين جميعا ومجموعين الأحدَ الواقع بعد نزول الروح القدس على الجماعة الرسولية.

          في كتابات العهد الجديد كل مسيحيّ معمَّد قديس ليس بمعنى أنه كامل ولكن بمعنى أنه صار مخصَّصا للرب بمعموديته. في مرحلة أخرى سَمّينا قديسين أولئك الذين أَثبتوا بشهادتهم أنهم لا يخصّون أنفسهم ومنافعهم في الأرض. فأخذت الكنيسة تلحظ أولا أن كل شهيد قديس لأنه قدّم حياته للمسيح ودمه شاهد على حبه. ثم رأت أن بعض الرهبان الكبار كانت طهارتهم شهادة عوض الدم. كذلك أَدركت أن المعلّمين الكبار الذين دافعوا عن الإيمان الأرثوذكسي وشرحوه واضطُهد بعضهم من أجله، وكانوا على سموّ روحيّ كبير، إنما يمكن اعتبارهم قديسين.

          كَشْفُ هذه القداسة للناس كان يأتي في أكثر الأحيان من جمهور المؤمنين في هذا البلد او ذاك، فكان نوع من الإعلان العام يبدأ تلقائيا وتُرسَم للقديس أيقونة وتذيع الرئاسة الروحية اسمه وتؤلّف لتكريمه صلوات في خدمة الغروب وخدمة السَحَر. حركة تلقائية شعبية حتى انتظم إجراء رسميّ يُدعى تطويبا او إعلان قداسة بحيث يدرس المجمع المقدس سِيْرة مَن اشتهر بالتقوى واحيانا بالعجائب (هذا ليس شرطا في كنيستنا) ثم يُتّخذ قرار رسمي في المجمع بتطويب هذا الانسان. هكذا جرت الامور لما أَعلَنّا قداسة يوسف الدمشقي مؤخرا.

          في القديم، عن طريق نَسْخ المخطوطات وترجمتها وشيوعها، كانت كل كنيسة محلية تستلم كُتُبَ الصلاة من القسطنطينية بالدرجة الأولى. فمَن كان مطوَّبا فيها يُؤدّى له الإكرام في كل كنيسةٍ تَرجمتِ الكتبَ من اليونانية. ولكن إلى جانب هذا كانت كل بطريركية تقيم قديسيها المحليين. فالكنيسة الروسية مثلا لها قديسوها لا تقام لهم أعياد في غيرها. كذلك نحن عندنا عدد لا يُستهان به من القديسين الأنطاكيين لا يكرَّمون في بطريركيات اخرى. ولكن لا شيء يمنع أن تتبنّى كنيسة -بقرار- قديسين مِن بطريركية اخرى. وعلى صعيد خاص لا شيء يَمنع مثلا أن نتبنّى نحن قديسا روسيًا أو يونانيًا أو صربيًا. يكفي أن نترجم الصلوات المخصَّصة له وأن نُقِيمها ببركة المطران المحلّي.

          الجميل في كنيستنا الصداقة التي بين كل واحد منا و«قديسيه». فهذا له صِلة وجدانية او عاطفية أكثر مع مار انطونيوس، وذاك مع جاورجيوس او النبي الياس. كلهم فوق مجموعون. الانتباه هو فقط إلى أن نعرف انهم يجيئون من المسيح وانه رأسهم، ولكن لا أهمية لهم إلاّ بقدر ما كانوا له خُدّاما.

          والانتباه الثاني أن القداسة هي المسعى الأول والأخير، وأن كل عبادتنا وخِدْمتنا الرعائية ووعظنا وعملنا الاجتماعي هدفها الوحيد تشويق المؤمنين إلى حب القداسة.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الروح القدس/ 18 حزيران 2000/ العدد 25

كل اعياد السيد تُذكَرُ حَدَثًا: الميلاد، التجلّي، القيامة مثلا. اما الروح القدس فيُعيَّد له شخصيا وذلك في اليوم الذي يلي العنصرة. انه الأُقنوم الذي يتصل بنا مباشرة بالنعمة، وعند اتصاله يتصوَّر المسيح فينا، نكون واحدا مع المسيح وفي طريقنا إلى الآب.

          الروح الإلهي كان مع الآب قبل كون العالم وكان مستقرا في الابن الأزلي. وبفعله تجسَّدَ الابن في أحشاء البتول. ومنه جاءت كلمات الأنبياء. ولما مات السيد انطلق منه الروح إلى العالم. وحلَّ على التلاميذ مجتمعين في العِليَّة بعد القيامة وعلى كل تلميذ. وهو الذي قوَّى الشهداء ليشهدوا وجعل الناس قديسين وجعل الجماعة كنيسة اي امتدادا للمسيح.

          وبقوّته ننال المعمودية وبنزوله على الخبز والخمر يُحَولهما إلى جسد المسيح ودمه. ويختمنا بمسحة الميرون حتى نكون للمسيح فقط ولا نخصّ آخر. وعلى هذا المنوال يتمم الأسرار كلها.

          الكنيسة تطلب الروح القدس مجتمعة برئاسة الأسقف او الكاهن، والروح يُلَبيها بسبب وَعْد المسيح لها. ذلك اننا، مجتمعين، نطلب باسم المسيح والآب يستجيب لمسيحه المتكوِّن فينا ويُعطي كلَّ واحد منا الموهبة التي يريدها ويزرع فيه الفضيلة التي يحتاج اليها ويُنَجيه من الفساد الذي يهدده ويرتقي به ارتقاء لا حدَّ له.

          نحن لا نقدر ان نُصلّي إلاّ اذا نزل الروح القدس علينا. ولذلك نستهلّ كل خدمة إلهية بقولنا: «ايها الملك السماوي المعزّي روحُ الحق…». هذا الروح الإلهي فينا يجعلنا من عائلة الآب ويُمكّننا مِن أن نُسمّي الله «يا أُبيَّ» (بالدارج: يا بابا). فيصبح المؤمن ابنا مدلَلاً للآب اي له عليه دالة ويتصرف تصَرُفَ الابن في بيت أبيه لا تَصرُّف العبد عند مولاه.

          والروح لا يتركنا ان كنا ليسوع مخلِصين: «انه يقيم عندكم ويقيم فيكم» (يوحنا 14: 17). هذا في العهد الجديد. اما في العهد القديم فما قال الله مرة انه فينا. قال انه معنا. كلُّ معمَّد ممسوح بالميرون صار بيتَ الله. الله يجعل قلب كل منا مَقاما له بعد ان أمسى إله القلوب. الروح القدس هو سلام الله فينا. هو هدوؤنا وراحتنا ويرشدنا إلى جميع الحق.

          اجل، لقد جاءت الحقيقة بالمسيح وانكشفت لنا كاملة لما كان السيد في البَشَرة. ولا يزيد احد على كلام المسيح شيئا. يبقى انه علينا أن نَحفظ كلمته، أن نُطيعها. الروح هو الذي يُلهِمنا لإطاعة الكلمة. الروح القدس الذي قال عنه يسوع انه يُعَلِمنا كل شيء ويذَكِرنا جميع ما قاله لنا. ما عنى بذلك ان الروح يكشف لنا حقائق جديدة، ولكنه أراد ان الروح يُدخِل كلمات يسوع إلى القلب لتصبح ليس فقط تعاليم مكتوبة في كتاب ولكنها مُسَطَّرة على لوح القلب بحيث يصير كلٌّ منّا رسالة حيّة ليسوع. الروح هو الذي يَحفِر في العمق فتذوق انت جمالَ السيّد كما لم تكن تذوقُه قبلا، فتتجلّى لك معاني يسوع دائما بصورة أبهى وألصق بروحِك انت. من هنا تُبَيّن الفرق بين انسان جافّ وانسان حيّ ومشرق. الروح فاعل الإشراق فيك.

          الحماسة الروحية، الانصراف الكليّ للمسيح، النقاوة، الجرأة على قول الحق، الشهادة للرب بالكلام او بالدم، تلك هي الأشياء التي يُعطيها الروح. ما من حركة نحو الخير في نفس بشرية، ما من توبة صادقة، ما من تحرُّك جماعةٍ من اجل تجديد حياتنا، ما من انتفاضة في الكنيسة على الكسل والاسترخاء الا من عمل الروح.

          الويل لي ان لم أُصغِ إلى إلهامات الروح ولم أُطِعه. الويل لي ان جَفَفتُ ولم أُصبح نارا يَشتعلُ الكون بها.

Continue reading

Popular posts

خيبات / السبت ١٧ تشرين الثاني ٢٠٠٧

الرجاء المنتظر مني إبداؤه رجاء الى الله وليس أملا في مخلوق. فهذا يهبط ويرتفع وقد تعرفه بمقدار يجعلك تقول هذا الرجل يتلو هبوطه هبوط وغالبا ما سيقع على الصخر...

من الشعانين إلى الصليب/ 23 نيسان 2000/العدد 17

دخول السيد إلى أورشليم يعني قبوله الصلب. كان هو تنبأ غير مرة عن آلامه وقيامته. فبعد ان أَنهض صديقَه لعازر من الموت، دخل إلى المدينة المقدسة وفي هذا حقق...