2000, مقالات, نشرة رعيتي

ما يجب أن نتذكره/ الأحد 11 حزيران 2000 / العدد 24

آسف ان أُذكّر بما لا ينبغي ان يُنسى. في اللاهوت الأرثوذكسي، الأبرشية هي الكنيسة المحلية، ورئيسها المطران، وهو يرئس تاليا كل الرعايا. الكاهن مندوب المطران في الرعية، والمذبح مذبح المطران، وينتدب لخدمته من يشاء من الكهنة. فهو مسؤول عن هذا الأمر حسب وجدانه وحكمته. للمؤمنين ان يناقشوا بعد التنفيذ، ويعود رئيس الكهنة أيضا إلى حكمته في صفاء ومحبة. العلاقة العضوية الكنسية هي بين المؤمن والأسقف في جماعة الإخوة. ما من شك ان بين الكاهن وأبناء رعيته علاقة أبوة وعاطفة جميلة. ولكن راعي الرعاة المحليين هو الذي أقامهم. فالبنوة في الدرجة الأولى هي للأسقف، وهي بنوة مباشرة بالروح القدس. هذا ما نفهمه من القانون الكنسي المبني على اللاهوت الأرثوذكسي وفهمنا للكنيسة.

          لهذا لا يطلب كاهن ولاية لنفسه على رعية معينة، ولا يلح علماني ان يدخل الكهنوت. قد يبدي رغبة في ذلك ولكن «لا يأخذ احد هذه الوظيفة بنفسه بل المدعو من الله» (عبرانيين 5: 4). ذلك ان الكهنوت يعاش في الكنيسة وليس رغبة فردية تفرض نفسها. ففي الطاعة نتبرر وبها نتقدس. والمعروف في الدنيا ان «طالب الولاية لا يوَلّى».

          الأمر الثاني ان الرعية ليس لها استقلال مالي عن المطرانية. فالمعروف في القانون الكنسي ان الأسقف ولي الأوقاف، ومن أقامه الأسقف على الأوقاف محليا هو مندوبه أو وكيله. فلا يبقى على الوقف طوال حياته مهما كانت انجازاته عظيمة. فإن قانون البطريركية الأساسي أراد تداول المسؤولية بين الأجيال وان يتروض المؤمنون جميعا على الخدمة. واما ان يقول من أقيموا على الأوقاف ان من جاء بعدهم ليس عنده الكفاءة فيدخلنا في مناقشات لا حد لها وليس رئيس الكهنة كامل العلم بكل المؤمنين في أية قرية. وخبرة الإدارة المحلية للوقف هي التي تُظهر بعد فترة الصالح وغير الصالح. واما ان نقف في وجه من عيّنتهم المطرانية لأنهم لا يروقوننا او لاحتقارنا لمواهبهم فهذا يدخلنا في متاهات لا تنتهي.

          وفي هذا السياق ليس لمجلس حق تقريري. والأسقف يترك للمجلس حق التقرير أو يقيده أو ينقض المطران أي قرار يتخذه مجلس الرعية. هذا دوره استشاري وينظم الأمور العادية وينفق في حدود الموازنة التي تقرها المطرانية ولا ينشئ بناء جديدا أو ترميما ولا يقوم بإنفاق كبير الا بعد استشارة الرئيس الروحي. فراتب الكاهن مثلا يحدده المطران إذا شاء ويترك أمره للمجلس إذا شاء لأن هذا متعلق بالرعاية وتقدير الأسقف راتب الكاهن والشماس.

          المال ليس مال أحد. انه ملك الله. فالمجلس يفحص الأوضاع ويبدي رأيه فيها ويدرس وجوه الإنفاق ويوضع هذا كله في الموازنة. وإقرار المطران للموازنة -كما هو وارد في القانون عندنا- هو الدليل الأكبر على ان المجلس يتقدم باقتراحات ولا يتخذ قرارات نهائية.

          واما ادعاء البعض انهم أحرار بالمال الذي ورثوه عن آبائهم وأجدادهم فالواقع في هذه الأبرشية ان بعض القرى فيها وقف وأكثرها ليس عندها وقف وتعيش على تبرعات المؤمنين. والأمر الثاني ان الآباء والأجداد عندما وقفوا من أرزاقهم قد حرموا منها الورثة ملكا وحرموهم منها إدارةً. وما صار وقفا ليس ملكا للمؤمنين في القرية ولكنه ملك الرب ومسجل -بسبب من السلطات المدنية- وقفا على هذه القرية أو تلك، وهو لمنفعة الكهنة والفقراء في تلك المحلة، وهذا ما تنقيد به، ولكنه ليس في إدارة هذه القرية أو تلك. المؤمنون مجتمعين في رعية معينة ليس لهم ولاية على ما وقف الآباء. الولاية محصورة بشخص واحد يراقبه البطريرك والمجمع المقدس ويشكى إلى البطريرك والمجمع في حال سوء التصرف. وما يحد من سلطة الأسقف انه لا يستطيع ان يشتري وان يبيع الا بقرار من المجمع المقدس ممثلا بالسيد البطريرك. فلا خوف قانونيا من تبديد الأوقاف.

          الآفة الكبرى هي التفرد ومن مظاهره ان بعضا من الناس -والحمد لله انهم باتوا قلة- يضعون الأموال في المصارف باسمهم الشخصي ليحجبوها عن المراقبة وإذا ماتوا -لا سمح الله فجأة- فليس لنا قدرة على استعادة الأموال للوقف. ليس مثل تطبيق القانون يخلصنا من مثل هذا التفرد.

          أمورنا تسير بثقة الأبناء بأبيهم الروحي. والثقة تقويهم روحيا وتكشف انهم أبناء.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الحشمة في الكنيسة/ الأحد 4 حزيران 2000/ العدد 23

هناك لياقة في الملبس للرجال والنساء على السواء أفي الكنيسة كان ذلك أم خارجها. غير ان لقاء الجماعة المقدسة الذي غايته تناول الأسرار المقدسة يتطلب احتشاما أدق بسبب من الغاية التي نحن من اجلها مجتمعون. والكنيسة  تتجلى فيها حضرة الله بكلمته والقرابين والروح القدس الذي يحل على المؤمنين أثناء الخدمة الإلهية. نحن نبني بعضنا بعضا ويذهب كل واحد بالآخر إلى المسيح، فهو محط الأنظار والقلوب فلا يلتهي احد منا بالآخر، ولا يعرقل احد صلاة الآخر، ويساعده على الحفاظ على عفّة بصره. كل منا يحجب نفسه -ما أمكن ذلك- دون عيون الإخوة لكي يكون منظورا من الله.

اجل كلنا في نطاق الاحتشام. غير ان هذا -حسب الطبيعة البشرية- يليق بالمرأة بالمقام الأول. فإذا كان انجذابنا إلى المسيح فمعنى ذلك ان أحدا منا لا يسعى إلى جذب المؤمنين إليه الا بتقوى حركاته وصمته وخشوعه. في هذا الخشوع يضيع الجسد. ومن هنا ان التبرج، وهو المبالغة في التجميل، شيء ممقوت لكونه يحوّلنا عن الجمال الوحيد المبتغى أعني جمال يسوع. من هذا الثياب الكثيرة الثمن والباذخة المعروضة للتباهي وهي تجرح الفقراء بيننا. مِثْلُ هذا ضجة الأحذية عند الدخول، والعطور التي لا مكان لها في اجتماع كنا فيه لنصبح روحيا «رائحة المسيح الزكية».

ومع التزامنا جميعا بعفة النظر، ركزت البشرية، تاريخيا، على ان الحشمة متتطلبة من المرأة بنوع خاص. والمرأة تعرف مفاتنها. ولذلك لن أتكلم عما هو غير لائق عرضه في الكنيسة. المرأة أفصح مني في هذا المجال. وإذا أرادت هي ان تتكلم جديا فلا الصيف عذر ولا الشتاء. فما يريده الله منها طريقة احتجاب. وقد تكلم بولس الرسول عن هذا في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس. فقد قال: «هل يليق بالمرأة ان تصلّي إلى الله وهي غير مغطاة» (11: 13). وقد أطاعت نساؤنا الرسول قرونًا بصورة حرفية. ولكن ان تجاوزنا الحرف إلى القصد، فيبقى من كلام الرسول الفكرة العامة وهي رفض التعرية المفضوحة أو التضييق المؤذي. والمرأة عليمة بما يؤذي.

نحن نعيش في زمن الخطيئة ولم نصل بعد إلى الملكوت. وفي الملكوت ليس من جسد ترابي. هناك أجساد روحانية، ممجدة، قامات نور.

فما دمنا في اللحم والدم نغضّ الطرْف ولا تستبيح عيوننا جسد الآخر ولا هو يعرض جسده لمتعة العيون النهمة.

كل ما خالف ذلك مماحكة. ولا أظن المرأة الصادقة -إذا نُبّهت- تدّعي انها لا تعرف هذا. ولا أَحسب المؤمنة تستغل الاجتماع الكنسي لتغري. الكنيسة ليست موضع إغراء. وفي أزمنة ليست بعيدة عنا كان الرجال يقفون في مكان والنساء في مكان. وكانت الكنائس فيها جناح للنساء. كانت الإمبراطورة مع وصيفاتها في آجيا صوفيا في القسطنطينية واقفة فوق وليس إلى جانب الإمبراطور. يبدو ان العقل الحديث لا يقبل بهذا الانفصال. ولكني أرى ان المنحى الكنسي كان هذا. وبولس يتكلم في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس عن اعتزال الرجل للمرأة إذا شاء التفرغ «للصوم والصلاة». العلاقة في الكنيسة المصلية ليست بين الرجل والمرأة ولا بين رجل ورجل أو بين امرأة وامرأة. هي علاقة كل نفس بالمسيح. الاختلاط ليس الوحدة. قمة الاختلاط المضرّ ان يتلهّى الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل لأنهما إذا فعلا لا يكون أحدهما مسمّرًا على المسيح.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

ثياب «المنذورين»/ الأحد 28 أيار 2000 /العدد 22

منذ ان توليت خدمة هذه الأبرشية ألتقي أولادا لابسين ثوب مار انطونيوس أو ثوب مار الياس (وهو المأخوذ عن الرهبان الكبوشيين)، ورأيت مؤخرا (وبعد حلول الشهر المريمي) نساء يرتدين الأبيض والأزرق. وربما كن من أصل غير أرثوذكسي لأن هذا الثوب كما نراه منسوخ بوضوح عن تمثال سيدة لورد.

ويحصل أحيانا صدام بين الكهنة المتنوّرين وأمهات الأطفال لأن الأم تطلب تبريك هذه الثياب، ولا نمارس نحن عادة التقديس لأي ثوب. ماذا يدور في بال هذه النسوة؟ تقول كل واحدة: أنا نذرتُ ابني لمار الياس أو مار انطونيوس. ماذا يعني هذا؟ إذا كانت تلتمس قوة أو شفاء أو نعمة، فهذه تُطلب في الصلاة ولا علاقة لها في خرقة من الخرق. فليس من خرقة تسكنها قوة إلهية، وإذا ابتغيت صلاة فقلها مباشرة. أنْ نَحسب ان مادة من المواد تفرز بركة لمجرد حمل هذه المادة على الجسم فهذا من السِحْر. وإذا أخذتَ كتابات من المزامير أو الإنجيل ولففتها معا وعلقتها في صدرك، نحن لا نؤمن انها تفيدك. بالعكس نعتقد ان هذا نوع من السحر. فالسحر هو بالضبط ان تعتقد انك إذا قمت بحركةٍ ما تنتج مفعولا روحيا كالشفاء. أيّ شيء لا يكون دعاءً منك وتؤمن أنه يُستجاب بالنعمة وحدها هو سحر، وتاليًا مؤذٍ.

نحن عندنا تبريك واحد وهو تبريك الحُلَل الكهنوتية. نقول لله: «بارك هذه الثياب المعدّة لإكرام مجد اسمك القدوس ولجمال وزينة خدام هيكلك المقدس وأسرارك الطاهرة». وننضح هذه الثياب بالماء المقدس ونطلب من أجل الذين يلبسونها حتى يكونوا أهلاً لخدمة الأسرار المقدسة.

وحتى لا يظن الكاهن ان هذه الثياب صارت تحمل «قوة» تقديسية بحدّ نفسها، فإنه يباركها هو قطعةً قطعةَ قبل الخدمة الإلهية، وذلك لأن لها علاقة بشخصه المدعوّ إلى إقامة السر الإلهي.

الكلام الجاري في أوساطنا أن اتركوا الناس على إيمانهم. عندنا أن هذا ليس إيمانا. هو تصديق خرافات. والخرافة من واجبنا أن نحاربها.

ما جاء في العهد الجديد أنْ «آمِنْ بالرب يسوع فتخلص أنت وأهل بيتك». والمعنى ان هذا الذي تؤمن به أي المخلّص هو الذي ينقذك من الخطيئة والمرض. الكلام الآخر: «آمِنْ بالحجر تبرأ» أيضا كلام مرفوض. فما رأينا حجرًا يبرئ. نحن لا تهمّنا حركة القلب نحو أي شيء. تهمنا حركة القلب نحو المسيح. أنْ تصدّق كل شيء يخرّب كيانك الداخلي ويبقيك في الأوهام والأشباح المميتة.

هكذا إذا أُلقيَ قماش حول جسد طفلٍ أو بالغٍ لن يختلف عن أي قماش آخر. الوثنية يمكن ان تتسرب إلى الكنيسة عن طريق عقول السذّج، المتلهّفين للشفاء. ماذا يعني روحيا أن تنذر ابنك لهذا القديس أو ذاك؟ كل منا منذور بالمعمودية لله، وقلبه يتطهر بلا أية وسيلة مادية. ادخُلْ إلى مخدعك (أي إلى قلبك) وصلّ إلى أبيك في الخفية. قلبك منذور للرب. في هذا شفاؤك وفي هذا تعزيتك.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الحقد/21 أيار 2000 / العدد 21

في عظة الجبل ينقلنا السيد من الخطيئة المحسوسة إلى الأصل الذي تنبع منه، إلى ما نسمّيه الهوى أي الانفعال الداخلي، فيقول مثلا: «سمعتم انه قيل للأولين: لا تقتل، فإن من يقتل يستوجب حكم القضاء. أما أنا فأقول لكم: مَن غضبَ على أخيه استوجبَ حُكْمَ القضاء» (متى 5: 21 و22). يسوع يهمّه القلب، ان ينقيه من الأسباب التي تدنسه. ومما يدنس الإنسان الحقد وهو الاستمرار في الضغينة وتربص الظروف التي تحييها.

الحقد هو الانكماش دون الآخر والتقوقع في النفس الذي يلغي الآخر ذهنيا لكوننا لا نجرؤ ان نبيده جسديا. هو قتل معنوي للآخر الذي تحس انه يضايقك أو يمس بمصالحك وكبريائك. لا نطيقه مختلفا عنا أو مخاصما، وكأن وجوده إلغاء لوجودنا، فلا نعتبر ان له حرية في ان يكون كما يريد ان يكون.

الحقد هوى في النفس يقع فيه ناس من كل المستويات، ناس يحسبون انهم روحانيون وهم في واقعهم غير روحانيين. نوع من التحجر يصيب أعظم الناس. هذا التصلب يدمر كل من يقع فيه لأن الإنسان الذي يغلق نفسه دون إنسان آخر ويقصيه إنما يهدد قلبه ويجففه.

وأدرك خطر هذا الشعور الناسك الكبير القديس يوحنا السلَّمي الذي قال: «الحقد ثمرة الغضب ومرارة محبوبة». والإنسان المتمرمر لا يسعه ان يكون مبدعا، معطاء وخادما بلطفه. الغضوب الجامح يُفني نفسه ويُفني الآخر فلا يحسب لغيره حسابا ولا يقيم له مقاما. خطر الحقد انه يتشرش ويحتاج إلى نعمة من السماء تنزل على القلب كالندى ليطرى.

فإذا تكلم الكتاب عن الله يقول في المزامير انه «طويل الأناة وكثيرة الرحمة. ليس إلى الانقضاء يسخط ولا إلى الدهر يحقد». الرب يؤدب ولا يكره ابنا من أبنائه، أما الذي يغضب كثيرا ويحقد كثيرا فإنه كالمجنون ويحتاج إلى قوة سماوية كبيرة ليتعافى.

أجل في الناس غباوة وسوء نية تجاهنا، وعند بعضهم رفض لنا وقهر. وفي كثرة الأحيان لا يعرفون لماذا يبغضون. ولذلك يقول الكتاب: «بغضَ ظلمٍ أَبغَضوني». لا يروقهم وجهك أو كلامك أو مظهرك أو كلمة قلتها وأوّلوها تأويلا خاطئا وجرحتهم، ولا يعللون لماذا جرحتهم فحزنوا وحوّلوا حزنهم إلى بغض. وكلما صدرت عنك حركة مقتوك وأضافوها إلى ما قلته سابقا وبنوا عليها قصورا وعلالي، وقد تكون أنت طيب القلب ولا تقصد شرا يحل بهم ولا تبتغي ان تجرحهم فيميتوا أنفسهم وليس عليك في ذلك مسؤولية. هم يظلمونك وتتساءل إذا كان عليك ان تختفي من دربهم لئلا يسيئوا إلى أنفسهم في البغض، ولكن إلى أين تذهب إذا كانوا من أهل بيتك أو معارفك أو كانوا زملاء لك؟ هل تسكت كل الوقت لتريحهم، وانى لك، إذ ذاك، ان تؤدي شهادة الحق؟

وتتساءل لماذا لا يحق لكم ان تختلفوا وتبقوا أصدقاء؟ أليس جمال الدنيا بالتنوع؟ وماذا يضيرهم ان تكون موهوبا أكثر منهم، والمواهب الله معطيها وتعود إلى مجده. وليتمجد الله بمن شاء. فهذا له أكثر، وهذا له أقل. وقد تكون أنت قد جاهدت وتعبت كثيرا لتطهر نفسك وتعرف وتفهم، ويكونون قد ظلوا على كسلهم ويريدون ان تكون أنت على الفقر العقلي الذي هم عليه.

فإذا وجدتهم حاسدين، والحسد والحقد توأمان، فصلّ من اجلهم ليزيل الرب عنهم خطيئتهم هذه ويقوموا بالجهد الذي قمت أنت به. اذكر هؤلاء الضعاف في دعائك كل يوم حتى لا تتمرمر أنت، علهم يذوقون طعم المحبة، علهم يفرحون كما تعرف أنت ان تفرح.

لعل الأعجوبة تحدث وينزل عليهم الندى.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

أمّا وقد انقضَت الأعياد/ 14 أيار 2000/ العدد 20

العيد تتركه كما تترك بستان ورد. تشتاق إلى رائحتها بعد ان انقطعت. وتحنّ إلى عودة المواسم بسببٍ من التجليات التي رأيت والجديد الذي ذقت. وما من شك ان الارثوذكسي المؤمن المصلّي يتوق إلى مجيء الصوم ويتحسّر لانقضاء أسبوع الآلام العظيم. اجل، لا تزول المواسم الكبرى، فتأتيك العنصرة في الربيع، ويتعيّن في الصيف غير عيد. ولكن ليس كالفصح وما يهيئ له، فالنفس في تلك الفترة لصيقة بالله، تائبة او تُدغدغها التوبة، ومع ذلك على شيء من الحسرة لأن بعضا منا لم يشارك. ونحزن لكون الكثيرين لم يَرَوا الجمالات التي رأينا ولم يريدوا نفوسهم ضيوفا على الله. يحزنوننا انهم لم يأكلوا من المائدة السرية ولم يدخلوا الخلوة مع العريس الإلهي او هكذا يبدون لأنهم ظلوا خارج الجماعة المجتمعة للكلمة والجسد.

          اما الذين ذاقوا طعم الملكوت وارتشفوا كأس الخلاص فالخوف عليهم بعد انقضاء الموسم أن يَفتُروا لأن الكنيسة لا تُلاحقهم بالزخم الذي لاحَقَتهم به في الصيام الكبير وما جاوره وتبعه. الا انها تُقدّم لهم الغذاء في الآحاد وبعض التذكارات. وحضَّتهم ليصيروا بالغين ويبقوا على إلفة يسوع التي كانوا عليها في المواسم العظيمة. تريدهم الكنيسة ان يتّكلوا على مُعاشَرتهم للإنجيل في بيوتهم وعلى صلاتهم الفردية وألاّ يدعوا التجربة تَطغى عليهم. فحبهم للسيد يُمكّنهم منه. هكذا يفعل المهاجر إلى بلد ليس فيه كنيسة من كنائسنا. يصطحب إنجيلا والسواعي الصغير او اي كتاب صلاة. ويصير الكتاب كنيسته، ويبقى على الأمانة كما يبقى على الأمانة من ودّع زوجته وسافر. ذِكْرُ وجهها يُبقيه على العهد. ووجه يسوع يتابعنا في كل مكان. الراهب القديم الذي كان يغادر ديره طوال مدة الصيام ويعود اليه في أحد الشعانين كان حافظا لبعض الصلوات ولكنه لم يكن يحمل كل الكتب الطقسية ويكتفي بما هو معروف بدعاء اسم يسوع: «ايها الرب يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني انا الخاطئ». هذا الدعاء كان يجعل في قلبه حضرة السيد المباركة.

          هناك اذًا الصلاة الفردية الواعية، وهناك الطاعة على ما قاله المخلّص: «مَن أَحبني يحفظ وصاياي». كنيسة الانسان فيه إن كان بعيدا. والعيد فينا اذا انقضى. ما نسمّيه بالعامية «الصلبة» مساء الخميس العظيم هي في القلب بعد ان انحجبت عن العين. فالمؤمن صالب شهواته ويرتقي إلى فوق حيث المسيح جالس في السماويات.

          ويرافق كل هذا المحبة. فهي التي تبقى بعد زوال كل شيء. والمحبة ألاّ تحسد اذا حسدوك، ولا تُقصي عن قلبك ذلك المخلوق الذي يبغضك لأن قلبه غير قادر ان يحتويك. ابذل نفسك دائما هو الفصح ولا تنتظر جزاء ولا شكورا. فهناك من لا تؤثّر فيه المحبة ولكنها تَجْمع جمرًا على رأسه. هذا شأنه اذا أراد أن يبقى قزما. لا تطلب لنفسك امتيازا او معاملة خاصة، وبخاصة لا تشتهِ مكانةً في قلب أحد. ارمِ قلبك في كل القلوب. ما جاء في الإنجيل انهم يرثونه. البهاء الروحي لا يبهر الا المعدّين له. قد يحجم الأقزام. قد تعطي نفسك لإنسان ولكنه هو يؤْثر ان يموت في خطاياه. كفاك ان تبكي عليه وتبكي عنه.

          سِرْ وكأنك دائما في العيد. لأن جمال العيد يهبط عليك ويجعلك دوما انسانا جديدا. مَن ساعَدَك على التوبة كان هو صديقك، ولكن لا يَهَبُكَ توبة إلا ربك. لا تَخفْ الا من القادر ان يرميك في نار جهنم، ولكن إن جعلت المسيح درعك فلا يصل اليك سهم من احد ولا من نفسك. توكل وعش على الرجاء. كن عليه ولو سقط الأكثرون حولك فأنت قادر ان تخلّص نفسك. اما نفس الآخر فجلّ ما تستطيع مِن أجْلها ان تُمهّد لها سبيل الخلاص. سرّها فيها ولا يعرفه الا الله. لا تدنْها لئلا تُدان! اذا مشيت مع الله وكنت في صحراء فإنه واحة لك ترافقك. هكذا يطل عليك دائما وجه يسوع.

Continue reading

Popular posts

خيبات / السبت ١٧ تشرين الثاني ٢٠٠٧

الرجاء المنتظر مني إبداؤه رجاء الى الله وليس أملا في مخلوق. فهذا يهبط ويرتفع وقد تعرفه بمقدار يجعلك تقول هذا الرجل يتلو هبوطه هبوط وغالبا ما سيقع على الصخر...

من الشعانين إلى الصليب/ 23 نيسان 2000/العدد 17

دخول السيد إلى أورشليم يعني قبوله الصلب. كان هو تنبأ غير مرة عن آلامه وقيامته. فبعد ان أَنهض صديقَه لعازر من الموت، دخل إلى المدينة المقدسة وفي هذا حقق...