2000, مقالات, نشرة رعيتي

دوام الفصح/ 7 أيار 2000/ العدد 19

يعبّر الذائقون لجمال الصيام عن فرحهم به بقولهم: يا ليته لا ينقضي لأنهم يكونون فيه في إلفة يسوع. في الفصح تمّ اللقاء الكامل بيسوع من حيث اننا ورثنا الحياة الجديدة. ونبقى مُنتشين بهذا الفرح ولا نَقبل ان ينقطع. لذلك أَسّسنا «اسبوع التجديدات» هذا الذي قضيناه بين العيد وأحد توما. وكنا كل يوم نكرر خدمة العيد وكأننا لا نحب ان يحلَّ زمان آخر لا فصح فيه.

          العيد من حيث هو ذكرى لا بد ان ينقضي. نكون قد أخذنا منه تربية ومعاني. نكون قد اختُطفنا إلى الفردوس وعلينا ان نعود إلى هذا العالم في كل تعاريجه وكل صعابه.

          نظلّ اربعين يوما نرتل فيها «المسيح قام» وكأننا نأبى ان نغادر العيد. كيف يترك الإنسان الفردوس. هذا العالم، يقول لنا الأحد الذي نحن فيه اليوم، نحيا فيه بالإيمان بالسيد المنتصر. اجل انه منتصر ولكنه خفي، حي في نفوسنا بالروح القدس. ولذلك كانت انطلاقة المسيح إلى العالم بعد موته وانبعاثه هي العنصرة. هي تفعيل القيامة في المخلَّصين المتعاهدين كلمة يسوع في ما تتطلّبه الأمانة من دقة.

          ماذا يعني ان نكون جددا في دنيا كلها عتيقة؟ الخطيئة عتيقة والمسَمَّون مسيحيين الكثيرون منهم عاشقون هذه الدنيا وزخرفها، ولا يبدو ان شيئا يميّزهم عمن لا يؤمنون بقيامة المسيح. في الرسالة إلى اهل افسس تكلم بولس الرسول على فجور الوثنيين وانغماسهم في كل فاحشة حتى قال: «اما انتم فما هكذا تعلّمتم المسيح»، ورجا ان يُقلعوا عن سيرتهم الاولى ويخلعوا الإنسان القديم ويلبسوا «الانسان الجديد الذي خُلق على صورة الله في البِرّ وقداسة الحق».

          ليس كلام الرسول فقط تمنّيا أو تحريضا على البر، ولكنه في كثير من كلامه يتكلم على المسيحيين على انهم احياء بالبر. «دُفِنّا معه في موته». وفي وضوحها قوله: «من مات بُرِّر من الخطيئة» اي من مات مع المسيح او من التصق بالمسيح المصلوب تحرر من الخطيئة.

          واذا قال رسول الأمم في الرسالة هذه إلى اهل رومية: «احسَبوا أنكم اموات عن الخطيئة (اي مميتين الخطيئة في انفسكم)، أحياء لله في يسوع المسيح». في فكر بولس ان المسيحيين نوع جديد من البشر. ولذلك كان بعض المسيحيين مثل باسيليوس الكبير ويوحنا الذهبي الفم يرجئون معموديتهم إلى ما بعد سن العشرين لقناعتهم الكاملة ان المسيحي لا يجوز ان يخطئ بعد المعمودية. كاتب الرسالة إلى العبرانيين ويوحنا الحبيب تَصوَّر كلاهما ان المؤمن يستطيع ألاّ يخطئ عمدا أو ألاّ يخطئ بما يقوده إلى الموت الروحي.

          هل هذا حلم؟ اضعف الإيمان ان يكون هذا طموحا، طموح ان نخرج من الخطيئة كلما اقترفناها، ألاّ نتعاقد مع وضع خاطئ، ألاّ نَبِيْت في معصية ونرتاح اليها. مَن صادَقَ الخطيئة ليس انسانا فصحيا. وصلاته كاذبة إنْ صلّى. وأعياده باطلة.

          هل عبَرْنا العيد ونحن مصمِّمون على ان نبقى على خطايانا؟ كيف نعمل معا حتى لا يكون مشهد المسيحيين في كنيستنا مشهدا وثنيا اي مشهد ناس ما ذاقوا جمال يسوع؟ بالتأكيد الوثنيون في العهد المسيحي الاول يلحظون ان المسيحيين نوعية جديدة من البشر وقالوها. وكتب المسيحيون عن امور يرتكبها الوثنيون وهم لا يرتكبونها.

          هل هذا صحيح اليوم في العالم، في أنطاكية، في هذه الأبرشية؟

Continue reading
2000, جريدة النهار, مقالات

القتل / السبت في 6 أيار 2000

الحياة التي فينا هبة الله يعطيها ويأخذها وليس لصاحبها حق عليها بحيث لا يجوز له ان ينحر نفسه او يؤذيها وليس لأحد حق على حياة سواه. انت تستلم نفسك وتستلم الآخر من الله ويحيا كما يحيا وعليك وجب ارشاده وافتقاده وخدمته ورفع شأنه لتكون له حياة افضل فتصير انت تاليا جميل النفس. من هنا ان ليس لك حق بإماتته لو شاء منك ذلك لأنه لا يملك ان يضع حدا لعمره وقد سلم اليه وديعة. ومن هنا ان لا مسوغ للاجهاض لأن الام لا تملك جنينها ولا تملك انت مريضك لتجهز عليه مهما اشتد مرضه وليس لك سلطان على جثته. ولا تفكر انت عنه في غيبوبته ولو كاملة ففي هذا انتهاك لسر الوجود. ليس جسدك شيئا لتستعمله كما تشاء. انه بعض من شخصيتك. وليس هو ملكا للحاكم ليضربه ولا ملكا للقاضي ليعدمه، الجسد في حالة الخطاب الانساني او هو مطرح الخطاب فاذا لم تنشأ حالة انسانية بينك وبين الآخر يكون قضاؤك على جسد الاخر احتقارا لانسانيته وقمعا للحوار بينكما.

انت والآخر، انت وجسد الآخر تنموان معا الى فوق. اي ان الله يشدكما هو مع جسديكما اليه ويكون الجامع. فانت دائما في مسيرة الى الاعلى والآخر لن يكون معك الا في توقه الى الاعلى. فاذا لم تنجذبا معا الى الرب تبطل العلاقة الثنائية بينكما. تكون استغلالا او عبودية. اذذاك كان المستعبد والمستعبد كلاهما شيئا من الاشياء. فالعلاقة بين ذات وذات ولا تتحقق هذه الذاتية الا اذا انعطف الله عليها. فالذات في حقيقتها العميقة لا تنشأ الا بانفتاحها على خالقها وتاليا بانعطافها الى المخلوق. لأنها، عند ذاك، لا تقول انا فقط ولكنها تقول “نحن”. في المعية فقط تكتمل الانا. كذلك الجسد في انعتاقه من نفسه ومن عبوديته يصبح ممدودا الى احتضان الآخر واقتباله. وعند حصول هذه الثلاثية الجامعة بين الانا والانت وال”هو” الالهي يكون الانسان كله والناس معا الى ال”هو”. وتنفرط هذه الثلاثية بالقتل.

ومن الواضح اذا الغيت الآخر انك تلغي نفسك في الفعل ذاته وتنكر في الواقع هيمنة الله عليك وعليه. كل خطيئة جحود ولكنها جحود لصفة من صفات الله، لصبره او لرحمته او لحبه. القتل هو جحود لله مطلق لأنه نكران لوجوده باعتباره معطي الحياة. انت انما تلغي الآخر لأنك تعتبر ان واحدا من الناس يعرقل مشروعك او مصالحك او شهواتك او حريتك وما اليها جميعا. انك قررت ان تكون وحدك صاحب القرار وتظن ان قرارك هذا هو الذي يحييك وينفذ كلمتك ويؤمن سيطرتك. القتل في الاخير انعزال لتسقط ايهاماتك على الوجود وتعتبر نفسك الإله. انت في فكرك الواعي او اللاواعي بديل الله. في كل معصية انت بديله بمقدار. هنا انت بديله كليا.

راقني ما شاهدته في آخر فيلم انتج عن جان دارك انها بعد انتصارها على الانكليز في معركة اورليان حزنت على كثرة الدم الذي اهرق في صفوف اعدائها. وعلى اعتقادها ان السماء فوضت اليها خوض الحرب لم تطق كل هذا الهدر. فسّر لها القائد ان ليس من حرب بلا سفك دم. كان منطقها اخر. لست ادخل في هذا الجدل الذي جرى بين عذراء قديسة وقائد واقعي. اني احس دائما بالرهبة اذا تلوت المزمور الخمسين: “نجني من الدماء يا الله”. ليس احد منا بعيدا – ولو في الطاقة – عن تجربة كهذه.

#   #

#

بسبب اهمية الدم ورد في الكنيسة القديمة ان الكاهن الذي يتسبب غير عامد بموت انسان يفصل عن خدمته الكهنوتية فورا. كذلك جاء في القوانين ان الكاهن او الاسقف الذي يصفع انسانا انما يجرد من الكهنوت فورا. علاقة الناس لغة او ما من علاقة. واللغة من اللوغوس الذي تكلم عليه انجيل يوحنا اي الكلمة. الصلة التي بينك وبين الآخر هي هذا الكلمة والا انتفيت ونفيته. هذا يطرح مشكلة المجازر.

ان ينبري قوم ليبيدوا قوما آخرين بسبب من الخوف يعني ان القتلة الخائفين يظنون انهم يثبتون انفسهم بالوجود وحدهم خارج المعايشة وذلك لأن المائتين مختلفون. هابيل يقتله اخوه لأن هابيل كان راعيا وكان قايين (او قابيل في الاسلام) ذا مهنة اخرى. الآخر ليس من بلدك او عرقك او دينك او حزبك. لذلك وجب ان يموت. ولكونه لا يستطيع ان يموت قانونيا تبيده انت بلا محاكمة والمحاكمة حوار. بطريقة ما، كل مجزرة مجزرة باسم الله أكان هذا معبودا في السماء ام معبودا في الارض. كل مذبحة “دينية” بمعنى ان العرقية او العقائدية السياسية دين. والدين بمفهوم ما لا يحتمل الخطأ ولا الخطائين. “ستأتي ساعة يظن كل من يقتلكم انه يقدم عبادة الله” (يوحنا 16: 2). هناك ليتورجية الابادة. هناك ابسال او تحريم باسم الله يستند الى ان الله يفوض الى “المختارين” إماتة من يحسبون انهم ليسوا لهذه الإله. منطق الابادة الجماعية ان الدنيا على لون واحد يجب ان تكون.

هذا يختلف كليا عن منطق الجيش الذي لا يقول انا ذاهب لاقتل. يقول اتمنى – لو كان ذلك ممكنا – ان اعيد الحق الى نصابه، ان ادافع عن وطني بلا قتل واحد وآسف اذا مات العدو. الجيش ليس عنده عدو. عنده خصم موقت ينبغي الا يؤذي والا يحتل لأن في الاحتلال اذى للنفس واذلالا. ولذلك كان القادة الكبار خير من قاد في زمن السلم لكونهم يكرهون الدم. فلسفة الجيش انه يحمل الامة كاملة وهي ليست جوهريا معادية لامة اخرى.الامم الراقية جدا لا تشحن مواطنيها بالبغض. وفي المثال الحربي للامبراطورية البيزنطية، هذه لا تعرف الحرب الهجومية، الجيش فيها درع السلم او قوة رادعة لا تلتمس القهر.

غير هذا منطق الميليشيا لأنها “جيش” فئة. انها لا تحمل القضية العامة. انها ازاء ميليشيا اخرى. والفئة لا قضية لها لأنها قامت تحديدا لتلغي. من هنا ان االحرب الأهلية، اية حرب اهلية كانت دائما معصية. بهذه الفلسفة وجب محاكمة الحرب التي دارت في لبنان. وما لم يتب كل فريق ارتكب مجزرة لا نكون تبنا الى الوطن اي الى الكلية الانسانية التي يحملها. ولا يكون الله غالبا الا اذا اعترف كل فريق للآخر في حضرة الوطن الكلي انه اساء.

في هذا المنطق لا اعرف اسوأ من القول الشائع عندنا: “عفا الله عما مضى”. فلا يغفر الله عنا وليس من طبيعته ان يعفو الا اذا رأى كل منا انه اجرم بالغاء الآخر او بتمني الغاء الآخر.

فالذي غمس يديه بالدم او الذي اشتهى موت الآخر او هجرانه او تهجيره او تحجيمه واحد في خطيئة الالغاء. كل مقتول كائنا ما كان معتقده بريء لانه كان نصيب الله، الله لا يريد احدا ان يقاتل باسمه. هو يعرف ان يميت من شاء. ما من احد وكيل الله في مجال الموت.

#   #

#

من اراد ان يحيي الاخرين يموت هو. لذلك كان المسيح هو المحيي. ان “اسلامه” على الصليب ينسف بالكلية اي لاهوت قتل واي تقديس عسكري لأية ايديولوجية واي تحريم يقود الى العزل واية عقيدة انتقام واي احقاق لحق الله بالقصاص واية دعوة الهية تستخدم السيف. “اردد سيفك الى غمده لأن من اخذ بالسيف بالسيف يؤخذ”. متى 26: 51). لم يفوض الرب الى احد محاكمة احد في هذا المجال وهو وحده يدين سرائر الناس ويدعها حرة في المعصية وحرة في البر وهو لا يفصل بين الصالحين والطالحين ويشرق بشمسه الواحدة عليهم جميعا ويمطر عليهم وينعم على الكل عسى يأخذ كل منا ما قدر له ان يأخذ.

لست ارى امكانا لتربية الانسان على المسالمة ما لم يؤمن بالله. ان لم يكن الله موجودا فأنت اله. ان هذه الموجة المتصاعدة من القتل في كل مكان ما لها من تفسير الا عبارة الانسان لنفسه أكان فردا ام جماعية. طبعا الاحجام عن الجريمة يمكن تأسيسه على خوف العقاب. هذا في مجال العلاقات الفردية. ولكن حيث لا عقاب اي في نطاق الحروب الاثنية والطائفية فما من تعليل معقول الا ان الهك يلغي الإله الآخر واعني بذلك ان قراءتك لهذا الاله المجسم في مجموعتك او المعبر عنه بحركتها يلغي القراءة الاخرى او التجسيم الآخر والحركية الآخرى.

ما سمي المجتمع التعددي ان هو الا ثقافة التنوع اي اعتبار ان ثمة غير قراءة للإله الواحد او ان له اطلالات كثيرة في مجتمع واحد تؤلفه مجموعات صغرى. ما يسمى اليوم التربية على السلام قد يكون ملتبسا كثيرا اذ يكون في بعض المناطق من العالم قبولا للخيانة. لكن الفكرة بحد نفسها وطهارتها تنطلق من ان كل بلد يجب ان يعيش حرا ليتمكن من التعاون. وفي البلد الواحد ان كل مجموعة اثنية او دينية لها الحق في الخطأ وان الخروج من الخطأ هداية من ربك او ثمرة حوار وذلك انك تخطئني واخطئك وان لا مجال للخروج من التأزم الا اذا اقررت انا بدءا بحقك في الحياة لأتمكن من مكالمتك. معنى ذلك ان هذه المعايشة يجب ان تؤسس على شيء غير براغماتي ولست ارى غير الله اساسا.

مات الله فينا فصرنا الله. لذلك اجزنا كل شيء. هل يعود الله؟ اظن ان الانجيل عندما قال: “المجد لله في العلى وعلى الارض السلام “اراد ان تمجيدك الرب شرط لمحبتك السلام. والسلام اسم من اسماء الله في المسيحية والاسلام. متى يعطينا هو ان نحب هذه الصفة فيه؟

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

من الشعانين إلى الصليب/ 23 نيسان 2000/العدد 17

دخول السيد إلى أورشليم يعني قبوله الصلب. كان هو تنبأ غير مرة عن آلامه وقيامته. فبعد ان أَنهض صديقَه لعازر من الموت، دخل إلى المدينة المقدسة وفي هذا حقق نبوءة زكريا القديمة: «ابتهجي جدا يا بنتَ صهيون، واهتفي يا بنتَ اورشليم. هوذا مَلكُكِ يأتيكِ صديقا مخلِّصا وديعا راكبا على أتانٍ وجحشٍ ابن أتان». بوداعته يعلّم يسوع العالم الوداعة. هذه صورته إلى الأبد، وبها يَحكُم القلوب. الترتيلة بدل ان تقول «ابتهجي يا بنتَ صهيون» تقول: «ابتهجي يا بيعةَ الله»، ويأخذ الترتيل من الإنجيل (يوحنا 12: 1-18) هتاف «اوصانا» («هوشعنا» في لفظها الأصلي، وتعني خلّصنا يا الله). نحن في بداءة الخلاص الذي سيكتمل يوم الجمعة العظيم ويُعلَن عند فجر القيامة.

          ركوب يسوع الحيوان جَعلَتْ منه الكنيسةُ دعوة الينا حتى نترك البهيمية التي كُنّا عليها لأن ترك رذائلنا وعيوبنا شرط لرؤيتنا الفصح. امام الأيام الآتية نقرأ في قداس العيد: «افرحوا في الرب كل حين، وأَقول ايضا افرحوا». سبب ذلك ان الرب قريب ليس فقط لكوننا ننتظر اليوم الأخير، ولكنه قريب في كل حين إن أردناه كذلك. ولهذا يحضّنا بولس في الرسالة (فيليبي 4: 4-9) ان نفتكر بما هو حق او عفاف او عدل او طهارة. فاستقبال اورشليم للسيد ينبغي ان نترجمه استقبالاً له في قلوبنا وإلا بطلَ العيدُ بالنسبة الينا.

          نحن على استعداد الترحيب بيسوع اذا قلنا له عشية احد الشعانين وفي الليالي الثلاث الاولى من الأسبوع العظيم: «ها الخَتَن يأتي في نصف الليل». أخذنا لفظة «الختَن»، وهي سريانية وتعني العريس، والمراد به طبعا يسوع عريس الكنيسة وعريس كل نفس طائعة له. الأعياد تجري في القلب. فالسيد يتزوّج كنيسته العروس على الصليب بالدم، وبه يتم كل زواج. ويتزوج كلَّ نفس مؤمنة مُحبة. هذا العرس بيننا وبين المعلّم يقتضي اليقظة الدائمة منا. وتزداد فكرة العرس وضوحا في هذه القطعة: «انني أُشاهدِ خِدْركَ مزيَّنا يا مخلّصي، ولستُ أَمتلكُ لباسا للدخول اليه، فأَبهِجْ حلّةَ نفسي يا مانحَ النور وخلّصني».

          الخِدْر هو الغرفة الزوجية. يسوع ينتظر فيها نفس المؤمن التي ارتضت ان تُسلم ذاتها اليه. ولكنها تحتاج إلى لباس «رسمي»، لباس المدعوّين إلى وليمة العرس التي ذُكرت في المَثَل الإنجيلي. وتلاحظ هذه النفس انها عارية، وتطلب إلى يسوع أن يعطيها لباسا من عنده. نردد هذه الكلمات ثلاث ليال، ونقيم الخِدَم الإلهية الأخرى مغتذين بجسد الرب ودمه حتى يحلّ قداس الخميس العظيم وهو ذكرى فريدة للعشاء السري. في القراءة الانجيلية المركبة من روايتَي متى ويوحنا: «فيما هم يأكلون، أَخذ يسوعُ الخبزَ وبارك وكَسَر وأَعطى تلاميذه، وقال خذوا كلوا هذا هو جسدي. واخذ الكأس وشكر وأعطاهم، وقال اشربوا منها كلكم لأن هذا هو دمي للعهد الجديد».

          العرس هنا قبل العرس السماوي يتم في اتخاذنا جسدَ المسيح ودمه. الجسد في فلسفة الساميين التي بها يعبِّر يسوع هو مظهر الشخصية لأنهم ما كانوا يفرّقون بين النفس والجسد كاليونانيين. فلما قال السيد: «كلوا جسدي»، أراد بلا ادنى ريب ان يقول: هذا شخصي كاملا تناولوه. انا وانتم في انصهار الحب.

          والدم عند القدماء هو الحياة. نحن لا نَذبح المسيح ثانية ولا نأكل لحما ماديا ودما ماديا. لقد مات يسوع مرة واحدة. ولكن عندما نتناول القرابين نستقبل في انفسنا المسيح حقيقةً وليس خيالا، ونستمدّ حياة المسيح كلها اي فاعلية السيد التي ظهرت على الصليب وانتشرت في الكون بالقيامة.

          سنذوق الصلب حبا والقيامة ايمانا ونفرح.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

مريم المصرية/ 16 نيسان 2000/ العدد 16

دائما تجيئني صدمة عندما أسمع في الكنيسة هذه العبارة: «أمّنا البارّة مريم المصرية». كيف نكون مولودين منها؟ البِرّ الذي كانت عليه، التوبة المذهلة ومن تعابيرها النسك الشديد الحادّ، كل هذا يجعلنا آتين روحيا من اولئك الذين مِن الله وُلدوا. نحن نولد مِن مُسَحاء الله لأن قداسة الله حلّت فيهم.

          كانت هذه المرأة زانية. صوّرها صفرونيوس بطريرك اورشليم مشغوفة بالفجور مع ان هذا نادر عند من احترف الدعارة احترافا. ربما أراد الكاتب إبراز التطرف ليُبرز مقابله كثافة التوبة. الخطيئة الكثيفة، الجسيمة لا يرتكبها من كان هزيل الشخصية. المجرم الكبير اذا اهتدى قادر ان يصير بارّا كبيرا. زخمه في الشر دليل طاقة كبيرة توضع فيما بعد في خدمة الرب. كذا كانت حياة بعض القديسين من بين النساك. ولذلك يخطئ الأب الروحي اذا ظن أنه يَعْسر عليه ان يقود خاطئا كبيرا إلى التوبة. ويخطئ الخاطئ اذا اعتبر انه بعيد عن الخلاص بسبب كبر معصيته. التحوّل نعمة من فوق تحرق الزلاّت «الصغرى» والزلاّت الكبرى. المهم كثافة الرحمة النازلة من فوق.

          خطايا ثقيلة يقابلها غفران عظيم، هذا ما أرادت الذكرى أن تقوله. لذلك جعلت خدمة السَحَر مريمَ المصرية «نموذجا للتوبة». بدّلَتْ نارَ الشهوة بنار الحب الإلهي. المهم ان تغيّر الاهتمام اي ان تجعل الرب شغلك الشاغل بعد ان كانت الشهوة شغلك. هناك إطفاء للهبٍ ما. هذا ممكن فقط اذا التهبتَ بالحب الإلهي. هذا ممكن أن يحلّ فيك دفعة واحدة او تحارب روحيا مع هزائم حتى تنتصر النعمةُ فيك. ولا تنتهي القضية بقرارات متكررة لإرادتك. الاهتداء ينبع من داخل النفس التي أَسلمت لربها او لا يكون. الهداية تحلّ اذا اقتنعتَ ان يسوع كل شيء فيك وانه يستحقّ كل تضحية منك وانه هو الفرح. انت لا تهتدي إلى أفكار، إلى فكر العفة او التواضع أو المحبة. تهتدي إلى العفة واقعا جديدا فيك وإلى التواضع والمحبة. في الحقيقة انت تولِّي وجهك شطر المسيح ويصبح فيك كل شيء، وهو الذي يسكب فيك الفضائل مجتمعة. فاذا كانت احدى الفضائل غائبة عنك تحلّ عليك وتأتي بصديقاتها الفضائل الأخرى. هذه قاعدة الترابط بين مواهب الله على الصعيد الأخلاقي.

          لماذا اختارت الكنيسة زانيةً كبرى لتدعونا إلى توبة كاملة نُنهي بها الصيام تقريبا؟ ليس في الكتاب الإلهي ما يوحي أن الزنا هو الخطيئة الجسيمة الاولى، فالكبرياء اعظم. اظن ان حركة الكنيسة كانت مزدوجة. الأمر الاول ان الزنا خطيئة حسية، تأتي على ألسنة الناس اذا تكلموا على الخطيئة وربما لأن الرهبان الذين وضعوا هذه الأعياد يكافحون بنوع خاص لاجتنابها. غير ان السبب الثاني هو المعنى الذي كان يضفيه العهد القديم على هذه الكلمة. وفيه ان شعب اسرائيل سمّاه أنبياؤه زانيا لأنه يخون الله بالشِرْك اي باتّباعه آلهةً غريبة إلى جانب الإله الحق. بهذا المعنى الواسع للكلمة، كل خطيئة يقترفها الانسان تجعله زانيا، خائنا العريس الوحيد اي الله.

          الاستقلال عن الحسيات هو بدء الطريق إلى الاستقلال عن كل شيء. تنتهي صلاة السَحَر اليوم بهذا الكلام: «ليس ملكوتُ الله طعاما وشرابا بل بِرّا ونُسْكا مع قداسة». ولئلا يُفهم ان الكنيسة مهجوسة بأمور الجسد المتفلّت، تابعت الأُنشودة بعد تأكيد النسك والقداسة هكذا: «لذلك يَعْسُر دخوله على الأغنياء». حتى تصل إلى هذا: «الرجل البارّ هو الذي يَرحم النهارَ كله». هذه هي العفّة الكبرى ان تتنزّه عن عشق المال وما يقدّمه لك من سلطان.

          فإن عففت يأتي المسيح عليك، أو اذا أتى اليك تعفُّ ولا ترى سوى وجهه.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

يوحنا السُلَّمي/ 9 نيسان 2000/ العدد 15

وُلد في النصف الثاني من القرن السادس ولا نعرف موطنه وأصله. كتب «السُلَّم إلى الله» فسُمّي السلَّمي بالنسبة اليها. الكتاب يحتوي على ثلاثين حديث في الفضائل التي لا يَبلغ أعلاها الا القليلون. ألّف الكتاب بعد جهاد طويل، ويجدر بنا جميعا ان نقرأه ولو وضَعَه لرهبان. اللافت في الكتاب ان صاحبه الذي دخل الدير صغيرا يعرف عن احوال العالم ما لا يعرفه اهل العالم. من الواضح انه كان مثقفا كبيرا، ومن الواضح ايضا انه لم ينتسب إلى جامعة. يعرف الكتاب المقدس معرفةَ مَن عاشره كثيرا كما يعرف الآباء الاوائل. وكل سطر في هذا المصنَّف يدل على ان ما قاله الرجل انما خَبِرَه شخصيا. يبدو انه غلب كل هوى في النفس يحجب عند اللصوق بالمسيح، بلغ المحبة التي يقول عنها انها ترزق النبوءة وانها «إقبال الدهر الآتي». يتغزل بالمحبة مستعيرا لغة نشيد الأناشيد: «أخبرينا ايتها الجميلة في الفضائل أين تَرعين غنمكِ»، ثم في التصاعد نفسه يقول: «الآن قد جرحتِ نفسي ولا أقوى على ضبط لهيبك».

          كتاب لكل الناس ولو قسا. يقسو عن حب. له الحق في ذلك لأنه أَدركَ الولَهَ بالله فيجرؤ على القول: «العاشق الحقيقي يتصوّر وجه حبيبه على الدوام ويعانقه على الدوام ويعانقه في قلبه بنشوة، ولا يستطيع حتى في نومه أن يسكّن اشتياقه اليه، لكنه يواصل في رقاده حديثه اليه. فعلى منوال هذا الحب الجسدي يكون الحب اللاجسدي. وقد انجرح بسهمه أحدهم (وأظن انه يشير إلى نفسه) فقال عن نفسه (ويا للعجب!): « «أنا نائم» لحاجةِ الطبيعة، «لكن قلبي مستيقظ» لكثرة حبي». هذا نموذج من التصوُّف الارثوذكسي الكبير الذي لا نجد له مثيلا الا عند القديس سمعان اللاهوتي الحديث بعد اربعة قرون. يعود إلى هذه اللغة في المقالة الأخيرة: «تشتاق النفس وتتوق إلى الرب وقد جرحها لهيب الحب وكأنه طعنة سهم». هذا هو سر العاشقين لله الذين لم يعرفوا الا النسك ولم يكن لهم خبرة عشق بشري. أعتقد أن سرّهم في ما قاله قديسنا: «مَن اتحد بالله يلقّنه الله أسرارَ أقواله». هؤلاء هم في مصطلحنا الارثوذكسي «مُسارّو الله» اي الذين بينهم وبين ربهم تسارّ. يُسِرّ لهم ما في قلبه ويُسِرّون له ما في قلوبهم، فاذا بهم يُقِيمون في خلوة مع الحبيب، ولا يدخل احد إلى هذا الخِدْر، ولكنهم يخرجون هم منه ليُخبرونا بما رأوا وبما «لمسته ايديهم من جهة كلمة الحياة».

          كل هذا كان لأن قديسنا طهّر نفسه قبل ذلك بينابيع الدموع، ولكونه استعطف الله بالاعتكاف ما طال الليل، كما نقول له اذا توجّهنا إلى هذا البار في صلاة سَحَر اليوم.

          كل هذا جاء بعد تعب شديد. بعد الزهد في كل شيء، وذلك ليس خوفا من العقاب (والكلام له) ولا طمعا بالثواب، ولكن «من يعتزل العالم حبا بالله يمتلك للحال نارا كالتي اذا ما أُلقيتْ في غابةٍ تضرم كل يوم نارا اشد اشتعالا». وفي هذا المنحى يكون المجاهد الحقيقي «مَن يحفظ غيرته متّقدة إلى النهاية، ولا يزال حتى الممات يزيد كل يوم على ناره نارا وعلى اضطرامه اضطراما وعلى شوقه شوقا وعلى همّته ونشاطه نشاطا دون انقطاع».

          من قرأ كلاما كهذا يتصوّر انه امام شاعر لا امام راهب (ما الفرق اذا كان الراهب محبا صافيا حتى النهاية؟). من قرأ هذا يقدر ان يفهم ان حبنا للمسيح ليس فيه ضجر. طوبى لمن تَسلَّق هذه السلّم ولم يسقط. اذا كان في العالم بعض من هؤلاء، فالعالم سماء مذهلة.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

قم يا الله/ 30 نيسان 2000/ العدد 18

رتّلناها أمس في قداس كان يقام السبت ليلا، ورتلناها لنقول ليسوع: انت تقوم لنحيا بك. ايامنا شقاء وبلدنا يفتقر. انت انتصرت، وهل من انتصار الا على الموت؟ انصُرنا انت على قوة الموت التي تُصيبنا اي على الإحباط والحزن واليأس والخوف من المرض والفاقة والشيخوخة لكي لا يبقى العيد يوما واحدا، لكي يرتسم فورا داخل النفس فنتجاوز الخوف ونرجوك من بعد خطيئة ونثق لا بقدرتنا ولكن بقدرتك.

          الإخفاق في العمل، في العاطفة، في الحياة اليومية، اندثار آمال كثيرة وضعناها في من ظننّا أنهم كبار. كل هذا الإخفاق كان من شأنه ان يقودنا إلى القنوط بحيث نقول إن قلة من الناس توضَعُ الثقةُ بهم أو نقول ان زوجتنا أو اولادنا أضعف مما حَسبْنا ان يكونوا. وقد نقول ان البلد ذاهب إلى الهلاك او لا احد يعرف مصيره. وان كنا واقعيين فليس في بعض الذين يصلّون تعزية كبيرة. فهم لا يشدّون انفسهم إلى المسيح. وبعض البارزين في الكنيسة لم يبقَ المسيح هاجسهم الوحيد. العيد لا يمكن ان يحجب عنا رؤية السيئات ونحن نقيم العيد وسط السيئات التي تعترينا. العيد في العالم او كان هروبا. الفصح في الكنيسة لنأخذه إلى العالم. الكنيسة تنصبّ كالنهر كلها في العالم او كانت متحفا وحفلة تنغيم.

          العيد ليس لتنسى الشقاء ولكن لتتغلب عليه. فكما ان الموت لم يبتلع المسيح هكذا لا تأكلك أتعابك. انت تقدر بيسوع ان تحمل الصليب بفرح. تنتصر في داخل آلامك لأن السيد اذا أحببته يدخل إلى عميق قلبك. لا يمكن ان تُسكت آلامك الحقيقية ولكن لك ألاّ ترزح تحت وطأتها. واذا رزحت ابقَ واعيا حتى تقوم.

          القيامة بهذا المعنى حالة. كانت حدثا مرة واحدة لتصبح حالة، شيئا يدوم فيك ويجعلك انسانا جديدا. لا تَخفْ. هو القائل: «ثقوا اني قد غلبتُ العالم». والعالم عالم الشهوة والأطماع والأحقاد. هذه تسيطر على الدنيا. وقد تكون شهوة فاتكة فيك او بادئة فيك. انتبه. انت قادر على ان تقضي عليها بنعمة المسيح.

          واذا انتصرتَ مرة تكون اقوى في مناسبة إغراء ثانية. اسعَ إلى الانتصار على نفسك فكل شيء في نفسك. هـي ساحة الحرب على الشرير. هذه أصعب من كل الحروب، ولكن فيها تعزيات لا تساويها أية تعزية خارجية. انقل الفصح إلى القلب تفرح فرحا عميقا.

          وتفرح بالذين تعزَّوا مثلك بيسوع وتكونون معا كنيسة القيامة اي جماعةً مِن ناس يعيشون بالرجاء، بمعرفتهم أن المسيح يأتي اليهم ببهائه ليزيل عنهم كل قباحة. فاذا قلت اليوم: «المسيح قام»، افهم أنك لا ترنم فقط أنشودة ولكنك ترجو ان تكون نفسك قائمة معه وقائمة به. ألاّ تنهزم امام الصعاب يعني انك عَزمتَ أن تصبح انسانا قياميا.

Continue reading

Popular posts

كلمات الرب/ الأحد 14 تموز 2013 / العدد 28

يدعو الرب يسوع تلاميذه ليُظهروا أعمالهم الصالحة في سبيل الشهادة والبنيان الروحي لبعضنا البعض. السيد ليس مع إخفاء الصالحات، ولكنه طبعا ليس مع التظاهر. الصالح يبدو للعيان، ولكن لا...

لقطات ورؤى / السبت 19 آب 2006

الإثنين الماضي عرّجت على كاهن عاليه في طريقي إلى بحمدون لأداء صلاة الغروب لعيد السيدة وعند دخولي دارة الكنيسة رأيت ابنة الكاهن برفقة طفلة محجّبة لا يزيد عمرها عن...