2000, مقالات, نشرة رعيتي

آداب الموت/ 20 آب 2000/ العدد 34

أن يتهيأ المريض للموت واجب ذويه. نصلي معه. نقرأ له الإنجيل. نرتل له. نوضح له ان الكاهن يجب ان يدعو له. كريه موقف الناس الذين يخشون دعوة الكاهن حتى لا يخاف من مجيئه المريض. لماذا لا ينبغي ان يواجه مريضنا وضعه؟ لماذا يحكمنا وسواسه؟ لماذا لا نتربى على ان الصلاة تشفي المريض أو تُعدّه لمواجهة ربه. «الرب رحيم ورؤوف، طويل الأناة وكثير الرحمة». ينبغي ان نتربى على إلفة المسيح المحب البشر. هل تحمل انت مسؤولية ان يموت قريبك بلا توبة، بلا قربى؟

          التربية الكبرى «ألاّ تحزنوا كما يحزن الذين لا رجاء لهم». فقد أمسى الموت باب فرج بعد ان نزل السيد إلى مملكة الموت وأبادها وبعد ان صرنا ابناء القيامة. اما نحن فنتفجع كما كان الفينيقيون يتفجعون على موت تموز. نقيم الفصح ولا نأخذ شيئا من الفصح. ان كنا نحيا على رجاء القيامة والحياة الأبدية، فلا بد لنا ان نُعبّر عن ذلك بالسلام والهدوء. ليس الموت كارثة. «من مات فقد تَبرّأ من الخطيئة» وزال عنه الألم ان كان متألما وينضم إلى سحابة القديسين وله منا صلواتنا. وبسبب من دخوله عالم القيامة كان المسيحيون الاولون يرتدون البياض وليس السواد. واذا ارادت نساؤنا اتّباعًا للزي الاوربي ان يتجلببن السواد فليكن لمدة قصيرة. وان كنا نتوجع من الفراق فليكن في القلب. ولسنا في هذا في حاجة الى رمز خارجيّ.

          ولا يكن المأتم فرصة للإنفاق الكبير. فالبلد هابط اقتصاديا اليوم. والإنفاق الكبير ضد الحشمة. وان كان عندنا بعض المال فليُنفَق على الفقراء لا على التدخين مثلا، فمن قلّة الاحترام للجثمان ان يكون محاطا بدخان المدخّنين. وافضل سلوك للرجال والنساء الصمت ففي هذا اقتراب من التقوى. ولعل من الصالحات ان يَقرأ من شاء المزامير بصوت عال وهذا من تقاليدنا، أو ليكن ترتيل ولو مسجَّلا لأن في ذلك اقترابا من الرب.

          لعلنا نحتاج الى مزيد من التواضع بحيث لا نشتري تابوتا باهظ الثمن. ان هذا مجد باطل. ليكن عندنا هذا التواضع ان نَظهر كما هي حالنا لا ان نَظهر بمظهر الغنى. في الفقر الذي ساد ايام الحرب، اعتادت بعض الرعايا ان تقتني تابوتا واحدا في القرية يوضع فيه المتوفى. القصة كلها في هذا النطاق قصة بعض خشبات، والقوانين عندنا تتكلم عن وضع الراقدين في قبورهم مباشرة. ثم غزانا الغرب واتخذْنا منه عادة التابوت الخشبي. الرهبان إلى يومنا هذا يوارون الثرى مباشرة ملفوفين بإحرام أو شيء من القماش. الموت ظرف للتواضع.

          وعلى طريق التواضع ألغى شعبنا الأكاليل واستعيض عنها بـ «بدل الأكاليل» يُدفع إلى الكنيسة، وهذا فيه استرحام هو أقرب إلى التقوى لأنه عمل خيريّ في كنيسة الله. ولكني وقفت مؤخرا على رأي يقول: ان بدل الأكاليل يذهب الى عائلة الميت. لم يكن هذا الفكرة الأصلية لما ظهر «بدل الأكاليل». المال يدخل الى الكنيسة. واذا كانت العائلة فقيرة الأصل ان نتبنى كل نفقاتها أو بعضا من نفقاتها وهذا بقرار من مجلس الرعية. ولا أساس للتبرع لإحدى الجمعيات. هذا عمل الأفراد وهم احرار ان يعطوا من شاؤوا.

          اما فيما يختص بدعوة الإكليروس، فقد قلت غير مرة اني لست براغب في نعوة احد. فالمسافات عندنا طويلة ومتعبة. والانتقال يستغرق ساعات كثيرة احيانا، والراعي انشغاله كثير. ويكفي كاهن القرية للقيام بالصلاة. ولا مانع من نعوة كهنة الجوار تحسسا بالجوار ولا سيما اذا كانوا من كنيستنا. البساطة في كل شيء هي القاعدة. وأكره ان يتأفف اكليريكي من الإحسان القليل عليه فإنه مرتبط بنعمة المجانية.

          هذه بعض من آدبنا قريبة إلى قلب الله.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

ضرب الرجال للنساء/ 13 آب 2000/ العدد 33

مرة رأيتُ دعوى حيث المرأة كانت تضرب الرجل. غير ان الشائع هو ان يضرب الزوج زوجته. وجدتُ حالات في الخصومات الزوجية كان فيها الضرب مبرحا وهذا تعززه التقارير الطبية. الأمر معروف في ارقى البلدان ويسبب الانفصال الفعلي، بالإضافة إلى خلخلة عاطفية وخوف عند الأطفال.

          لست هنا لأحلل الأسباب. البطالة عن العمل، السكر، الخيانة الزوجية هي من الأسباب التي نلمسها. اذًا يجب معالجة السبب. ولعل السبب الكامن وراء هذه الدوافع هي القسوة في الطباع وعدم تحمل الآخر شريكا حقيقيا. وهذا ممكن معالجته عند طبيب نفسي او عند أب روحي. يجب ان يعترف الضارب انه أتى عملا منكرا، وقد يظن الرجل انه هو المؤدب. ولا ارى اساسا لهذا في كتبنا المقدسة. المرأة ليست قاصرا ليعاقبها زوجها. قد يكون هو القاصر ولكنه يستعلي ويتكبر لكونه ذكرا. ويظن ان الذكورة تمنحه امتيازًا، وفي الحقيقة انه يتسلط ويعنف لأن له عضلات ويقدر على القهر. الشيء الحقير في هذا ان الرجل يستقوي على كائن ضعيف عضليا وقيل له ان المرأة يجب ان تطيع الرجل في كل شيء.

          وقد يكون أبله او تفها وخاطئا كبيرا وخاليا من الحكمة ومن التدبير. كيف تطيع المرأة الرجل العربيد او الجاهل؟ الطاعة واجبة لمن أطاع الله. وهي في حقيقتها طاعة لله. وقد يكون الرجل فاسدا او منحرفا من الناحية الجنسية. وهنا يجب رفض ما يطلبه طاعة للوصية.

          الطاعة واجبة للرجل اذا احب. ولهذا يقول الرسول: «أيها الرجال أحِبوا نساءكم كما أَحَبَّ المسيحُ الكنيسة». نحن ليس عندنا خضوع مطلق. يطاع الزوج اذا حاول ان يبذل نفسه عن قرينته على غرار تضحية المسيح نفسه في سبيل احبائه.

          كثير من الناس لم يدخلوا حقا في الزوجية اي انهم لم يدركوا ان للآخر كرامته وله فرادته واننا نتعامل معه كما هو وحسب عقله او ذهنيته. المرأة واجب لها الإكرام باعتبارها على صورة الله ومثاله وباعتبار انها دخلت معنا في مشاركة هي من الله. مَن ادّعى لنفسه مكانة مميزة يجب ان يعلم انها تُلقي عليه مسؤولية اكثر مما تمنحه حقا. نحن ليس بيننا علاقة استعباد ولكن مكانة أخوّة ومحبة.

          قلت اذا كان قادرا (ماليا) على استشارة طبيب نفسي فليفعل. ليس في استشارة طبيب كهذا عيب. وهذا لا يعني الجنون كما يظن السذجة. والطبيب النفسي لا يُغْني عن مرشد روحي كبير يعلّمنا الكتاب ويؤدبنا كأب ويساعد على إنقاذ العائلة. يتعلم الضارب كيف يخرج من انطوائه، من أنانيته، كيف يُسكت غضبه، كيف لا ينتقم، كيف يحلم، كم ينتظر ان ينمو الآخر بالمعرفة والعطاء.

          الضارب فليصلِّ كثيرا كي يهدأ ويعطف ويتخذ الآخر حبيبا. فالزوجة التي تتصرف معها برقة لا سبب عندها كي لا تبقى مخلصة. واما اذا عنّفناها فنحن نعرّضها للرذيلة لأنها تجد او تظن انها تجد -في علاقة غير شرعية- حنانا ورفقا.

          والاولاد في خوف وأحيانًا في خبل وفقدان احترامهم للمعنف. الأب لا يبقى مرجعية للاولاد. كل الهالة التي كان الوالد محاطا بها تتلاشى وتنكسر العائلة شيئا فشيئا وتتبدد. امام الانسان القاسي صورة يسوع القائل: «تعلّموا مني، إني وديع ومتواضع القلب». تلك هي المسيحية العظيمة والشافية.

Continue reading
2000, جريدة النهار, مقالات

سلطان المال / السبت 12 آب 2000

أنت تخاطب الآخر اذا خاطبك الحق والا كنتما في لقاء ما فيكما من تراب. رهبة صاحب المال الكثير وانسان آخر يتأثر به انهما في التقاء شهوتين: شهوة المعطي المستكبر وشهوة القابض الذليل. فما تتشهاه من مال تعطيه او مال تأخذه فتعظم به يلغي العلاقة البشرية القائمة على الـ”نحن”. ليس من انا وانت يتقابلان اذا المال حكى. مالك، ان اسكرك، بديلك لأنه سالبك. كل هوى خاطف اي مدمر للشخصية التي لا تتكون ولا تنمو الا اذا الله ثبتها لأن ربك اذا جذبك يعيدك الى نفسك اقوى واعمق. غير ان الله لا يأخذ اليه الا الفقراء اذ ليس عندهم ما يخسرونه اذا ذهبوا اليه. فاذا هم ذهبوا يعودون اصفى ويقدرون على المجانية التي هي وحدها شرط التلاقي الحر.

محاورك القائم في مجانيته لا يريد منك شيئا. يريدك ان تكون وهو يستغني بقلبك. لا يحس بأنه في حاجة الى ما عندك ولكن الى ما فيك اذ لا بد له ان يستقل عما عنده ليشعر بأنه في حاجة اليك. ولهذا لا يدخل الملكوت الا الفقراء اعني الذين لا يتعاملون باشيائهم ولكن يتعاملون بنفوسهم. وعلى قدر ما تولي قيمة لما بين يديك لا تولي قيمة لما في نفسك. ولا يزينك شيء عندك ولكن تزينك روحك.

ويتبين لك سوء الاستعمال للمال في الرشوة لكونها اقتحاما للقناعات واذلالا لكرامة صاحب المعاملة او الناخب. ذلك ان الراشي يعتبر المرتشي سلعة تباع وتشرى ويلغي شخصيته المدعوة الى الحرية اذ يؤتي عملا ليس من ايمانه. وفي وضعنا الحالي يقبل المرشح هو ايضا ان يكون صندوقا يتدفق عملة لا ان يكون داعيا الى فكر والتزام سياسيين. يرتضي الا يسائله ناخبوه اي ان يفرض نفسه بالاغراء الذي ليس بعده اغراء. وبدل ان يكافح الفقر بعد توليه السلطة يبيد حرمة الانتقاء وشفافية التواصل بينه وبين اهل الوطن. وفي آخر المنطق يسر بأن يتولى امورنا من تفوق على الناس بما يملك اي لا يكون نائبا حرا يكافح سلطة المال القادرة ان تشرع على هواها ولا يكون همه نصرة الضعفاء وتحريرهم من وطأة العوز عليهم ويقبل بتحويل الديموقراطية التي هي حكم الاحرار الى اوليغارخية التي هي حكم قلة من النافذين الذين يستعملون الدولة في سبيل بقائهم و”استكراد” الامة بأسرها.

انا لست عدوا للاغنياء ارعاهم بالانتباه نفسه الذي ارعى به المحرومين. ومنهم من لم يستغن عن الله واعتبر نفسه فقيرا اليه. انا لست ضد الاغنياء ولكني ضد سلطة المال. نصيحتي الى الاثرياء ان يتخذوا ابا روحيا ان كانوا مسيحيين او شيخا لهم ان كانوا من المسلمين ليرشدهم الى سلوك ليس فيه بذخ وليس فيه استعلاء او استغلال للضعفاء لأن الله يحب المستضعفين. متى نصل الى رؤية الكرامة في كل بشر؟ متى نحس ان الرب يتراءى بنوع فريد في اولئك الذين حرمهم الدهر امكانات العيش الكريم لنتجند لهم ونرفع الحيف عنهم؟

لا تكفي الصدقات. انها شيء جميل ان تمت بلا استكبار وبلا حب للظهور ولا فرض المنة. لا شيء يمنع الغني من بحبوحة عيش ومن ترف غير جارح على ان يشعر بحرمان المحتاج ويترجم شعورا ترجمة عملية باستثمار موارده لمنفعة الناس على ان يعيش بتواضع جم وفي حشمة.

اجل قرأت ان المال زينة الحياة الدنيا ولكنه مجرد زينة والاصل ليس في الزينة. انه في العدل والعدل مشاركة وفي اعلى مراتبه حب. وليس المراد الالهي ان تتخذ من الكتب المقدسة ما يروقك فيها ولكن ان تأخذها في حركيتها الجامعة. كنت اتمنى لو قرأوا: “واعلموا انما اموالكم واولادكم فتنة” (سورة الانفال، الآية ال28) او قرأوا: “وما اموالكم ولا اولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى” (سورة سبا، الآية ال37).

ليست المصادر الروحية متحفظة عن المال بحد نفسه ولكن عن سوء الدنو منه وسوء استعماله كما تتحفظ عن كل قوة. في هذا المنحى ورد في متى: “ما من احد يستطيع ان يعمل لسيدين. لأنه اما ان يبغض احدهما ويحب الآخر، واما ان يلزم احدهما ويزدري الآخر، لا تستطيعون ان تعملوا لله وللمال”. القول هذا لا يمنع السعي الى الكسب ولكنه يمنع سيادة الذهب على النفس ومطواعيتها له. العبادة هي حيث العبودية وفي العربية الجذر واحد وكأن الكتاب ينهي عن التعلق بما تملك لأن الخطر ان تصبح مملوك ما تملك. انت تسلم الى الرب امرك وله وحده الربوبية عليك. والجدلية التي لا مفر منها ان العبد يتوق الى جعل الناس كلهم عبيدا له. خبث هذا الاغراء انك تظن نفسك سلطانا، تؤتي السيادة من تشاء وتنزعها عمن تشاء فتصير شبيها بالله، تنازعه ملكه. ولذلك تحملك هذه النفسية على ان تجعل الناس اشياءك.

مملكتنا هي القلب وموطن استعبادنا القلب. ولذلك سبق هذا القول في متى قول آخر: “لا تكنزوا لأنفسكم كنوزا في الارض… بل اكنزوا لأنفسكم كنوزا في السماء… فحيث يكون كنزك يكون قلبك” (19-21). هذا ايضا ليس تحريما للاكتناز ولكنه نهي عن اشتهاء الاكتناز. المعنى انك تتدمر ان جعلت ملكك في قلبك اذ يطوع قلبك لإله كاذب يسوده. المسألة الوحيدة هي من هو والي قلبك. الراشون والمرتشون يتعاملون خارج نطاق القلب. هم في مملكة الحيازة وليسوا في ملكوت الذات.

ليس المجال هنا لأتوسع في الرؤية المسيحية للملك كما شرحها آباؤنا فانهم علّموا ان التفاوت بين الناس في الملك يناقض المساواة الاساسية التي الله مريدها. هم قبلوا واقع الاختلاف في الاستعمال والتمتع ولكنهم اكدوا “ان الملك ليس لأحد”. الفساد الذي لاحظه آباؤنا ان مرض المتهالكين على الاقتناء انهم في اضطراب كبير لأنهم يعتبرون ان ما عندهم لايكفيهم ويخشون ان يخسروه. انهم في حال احباط ان لم يكسبوا. فالحزن دائم اذا بقوا على ما هم عليه من موجوداتهم.

لن استفيض في هذا، اليوم اذ ما يلفتني في ما اراه ان افتك مرض هو في ما يبتغيه الثري حقيقة. لذته كلذة الصياد الذي لا يهمه موت الطريدة بمقدار ما يهمه السعي اليها. ولكن ما وراء هذا السعي؟ ما تفسير هذه الشهوة في النفس الطامعة؟ ليس اشتهاء المال اخر الطريق لهذا الهوى. آخر الطريق ليس المال بل سلطان المال. اللذة هي في ما لا ينتهي. المال وحده لا يتأكل الانسان. تتأكله السلطة. ان تسيطر على العالم ان امكن تلك هي الخطيئة الاخيرة. فالطعام والشراب في نهمهما ينتهيان عند الخيبة اذ تزول لذة اللسان عند اتمامها والجنس ينطفئ. غير ان نار السلطة تتأجج باستمرار ولا شيء يطفئها الا اذا غيرت ربك اي اذا كسرت الصنم وعدت الى الاله الواحد الاحد الذي يمنحك التواضع ويعلمك ان البشر اخوة.

السلطة ان تكون مركز الوجود وامحاء الرؤية عند الذين تسودهم وتغدق عليهم من مالك وتريحهم بهذا الاغداق من السعي الى الحرية. السلطة يهمها الصمت، الا يشاركها احد الوهتها. هي مثل الاله الحقيقي ترفض الشرك.

لذلك بتنا اليوم في لبنان نقيم في فاحشة جماعية Orgie حيث يلتذ الناس بكل الناس. والجنس في هذه الفاحشة ليس جنسا. انه المال ومحصلة الشبق ليس اننا نستلذ الاموال التي نرمي بها او نلتقط بها ولكنها لذة السلطة نتحكم بها او يتحكم الآخرون بها.

هي حفلة السيد والعبد متآمران لايقاع كل منهما الآخر في العبودية. من قبض منك اسلس لك قيادته ولوخبيثا مرائيا ولا يؤذيك ان يكذبك. ومن اشترى الناس سلعة يستطيبها لينتفخ بها ظن نفسه لوهلة سيدا. حسبه لحيظة الاستلذاذ بانتظار استلذاذ آخر ليكتمل هبوطه الى الجحيم.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

التجلّي/ 6 آب 2000/ العدد 32

أحببتُ هذه السنة أن أُحْيي العيد في الجبل المهجَّر، في بخشتيه من قضاء عاليه في صلاة الغروب وفي محطة بحمدون لكون كنيستيهما مخصصتين لتجلي الرب وقد قامت كل منهما مع مجمَّع مكمّل للعمل الرعائي بعد جهود المؤمنين وسخائهم وإصرارهم على انهم يحبّون المخلّص في تجلّيه على الجبل، وكأن صلاتنا في هاتين الرعيتين دعوة إلى تبلور النفس في ضوء يسوع. على المنقلب الآخر من الجبل تنتصب كنيسة التجلي في ضهور الشوير وقد ازدادت رونقا رمزا لإرادة أهاليها في أن يجملوا في المسيح.

          ثلاث كنائس في هذه الأبرشية سُمّيت باسم المخلّص للدلالة على ان آباءنا طلبوا المسيح وحده في دنياهم وما طلبوا مجد العالم. وكنا في الأحد السابق نكرّس كنيسة القديس جاورجيوس في بحمدون الضيعة بعد ان جدد لهب البحمدونيين تقواهم وشادوا في حماسة كبيرة معبد الشهيد العظيم. وكنا قبلا أقمنا عيد النبي الياس في منصورية بحمدون العظيمة الغيرة وتعددت فيها مجالات حياة رعائية مكتملة (قاعة كبيرة، بيت للكاهن، ساحة كبيرة). وسوف تتعاقب الاحتفالات في بسرّين وبطلّون في هذا الصيف اذا الله رعانا بعد أن قطعنا شوطا كبيرا في البناء في الرجمة وعين الجديدة، فيكتمل خط العبادة عندنا انطلاقا من مدينة عاليه التي صارت كنيستها جذابة النسق وحولها مسكن الكاهن والقاعة الكبرى. فيعود الجبل هكذا وعدًا بمستقبل روحي نرجوه خصبا في الشهادة والمعرفة.

          المؤمنون عندنا أبدوا بحماستهم وشجاعتهم أن همّهم هو الكلمة الإلهية مقولةً بفرح العبادة. وفي إسراعهم إلى بناء هياكلهم قالوا ان الشيء المهم هو الثالوث الالهي ساكنًا فيهم. وبات ملحوظا انهم يحسّون بأنفسهم واحدا مع الأبرشية وفي قلب الله. ويدرك المراقب ان الإقبال على الرب ولا سيما اذا اقترن بالعلم الروحي ينشئ في النفس توبة، وهي الكفيلة بأن تُضعف حدّة الخطايا، لأن ثمر هذا النشاط توحيد القلوب الذي نقلَنا من عائلات متفرقة إلى ان نكون عائلة الآب.

          لقد تجلّى السيد ليتجلّى أحباؤه، لكي يبصروه مضيئا كالشمس مثلما أبصره بطرس ويعقوب ويوحنا هؤلاء الأعمدة. لقد استضاء يسوع امام أعين تلاميذه بالنور الإلهي الذي فيه فعاينوا مجده بمعنى انهم هم أيضا تحوّلوا إلى النور. رأوه «بقدرِ ما استطاعوا» كما تقول الأنشودة لتدل ان كُلاّ منّا -على حسب استعداده- يرى المخلّص. المهم ان نتحرك اليه. واذا صارت ثيابه بيضاء كالثلج فلكي تصير كل أعمالنا نحن أيضا بيضاء. فكما من داخل يسوع بدا النور عليه وعلى ما كان يرتديه، هكذا يكون هنا النور عينه في كلمتنا وصلاتنا وعائلتنا وسلوكنا. وكما استمدّ ايليا وموسى من نور المسيح لأنهما كانا معه، يستمدّ كل مَن كان حولنا النقاوة التي تكون فينا. التجلّي حصل مرة ليستمر إلى الأبد في أحباء يسوع. الانتقال الدائم إلى المسيح هذه هي غاية الحياة.

          من اللافت في حادثة التجلّي ان النبيين كانا يتكلمان مع يسوع عن آلامه كما يروي لوقا. المعنى العميق لهذا الكلام ان مجد المسيح على ثابور كان عابرا وان مجده الكامل في الجسد كان على الصليب. تمجيد كل منا، ارتقاؤه الروحي لا يكون الا اذا أنكر نفسه وحمل صليبه وسار وراء المعلّم.

          لا نعرف كيف ستكون حياتنا في لبنان في السنوات الآتية. منذ الآن هي صعبة بعد ان صار بلدنا فقيرا جدا. لا يعلم احد متى سننجو من الضائقة. لا يعلم أحد اذا كان هذا الشرق صائرا إلى سلام حقيقي. هذا ما نصلّي من اجله. الانسان في ضيق اليوم أو غدا. كل منا تعتريه أوجاع في جسده أو في نفسه، في بيته، مع الناس.

          إزاء هذا يعرف المؤمن أنه يتغلب على الصعاب، أنه سيسلم بالمسيح المتجلّي فيه. يعرف ان الصعاب طريقنا إلى المجد. هذا ما تقوله اليوم كنائس الجبل لمحبّي يسوع.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

النائب/ 23 تموز 2000/ العدد 30

أخلاقيا، هل يجب ان تنتخب؟ في الديموقراطيات الراقية حيث يجري الانتخاب بلا ضغط ولا رشوة يتحتم عليك ان تنتخب لأن في ذلك منفعة البلد. في بلدان العالم الثالث كلبنان حيث يضيق مجال حريتك وحيث تَبيَّنَ انك لا تؤثّر كثيرا أو قليلا، قد تتساءل اذا كان الضمير يحتّم عليك ان تشارك في الاقتراع. اي انك تقترع في ظرف سياسي معيّن عليك انت ان تقدّر اذا كنت فيه نافعا. انا مواطن مثلك ولا اوجهك في هذه الأمور، وغالبا ما تفهم انت امر السياسة اكثر مني. المهم ألاّ يستقيل فكرك، وألاّ تهرب من محاكمة الأمور، وان تقرر على ضوء وجدانك من جهة، وعلى ضوء تحليلك السياسي من جهة.

          هناك بعض إرشادات عامة انت مرتبط بها اخلاقيا. اذا رأيت مرشّحا يحاول إرشاءك، فواجبك الأخلاقي ان تبتعد عنه، لأن مَن حاول استمالتك بهذه الطريقة الرخيصة تصبح الرشوة نظاما عقليا له ونظام سلوك في الدولة. واذا وعدك في الماضي وما وفى، أعرض عنه، لأن من كذب مرة يكذب هذه المرة أيضا. الإرشاد الثاني ان الأخلاق الأساسية يجب ان تتوفر ليس فقط بالمرشح الذي يتوسلك ولكن برفاق دربه أيضا. فاذا لم يَرُقْكَ واحد من هؤلاء، فليس ضميرك مرتبطا بكل اللائحة. اعضاء اللائحة سيضغطون عليك لتُلقي كل الأسماء. انت حليف من كان حليف ضميرك وقناعاتك.

          إلى هذا نحن في بلدٍ القليلُ من مرشحيه له برنامج مفصَّل في كل المجالات التي تغطّيها الوزارات. أي الأصل ان تأتيك لائحة وتضع ليس فقط عناوين عامة أو أمنية ولكن برنامجا مفصلا. هذا قليل جدا توافُرُه في بلدنا. والانتخاب عندنا يقوم على أساس مودّات شخصية أو عائلية، أو نرى هذا ظريفا وذاك غليظا. نحن لا نزال بلدا انفصاليا يتأثر احدنا بصداقاته ولم يبلغ بعد مرحلة امتحان كل شيء والتمسُّك بالأفضل كما يدعونا إلى ذلك بولس. لعبة الترشيح اساسا محاولة تأثير على العواطف، وقليل فيها التأثير على العقل.

          بعامة اذًا الوضع الذي كنا فيه سيتكرر. الوجوه هي اياها. وبعامة أيضا الفرق بين المرشحين فرق اخلاقي. وقد يكون هذا واعدا والزمن الذي يفصلنا عن الموعد قصير جدا لن تُقدَّم فيه برامج بالمعنى الصحيح. وفي اكثر الأماكن ليس من فرق بين سياسة هذه اللائحة وسياسة تلك. وفي ترجيح الأكثرين انه ليس من فروق كثيرة في السياسة الداخلية. فالمعارضون انفسهم موالون، والموالون احيانا معارضون. الفرق بين المرشحين كلاميّ في كثرة من الأحايين. اما في السياسة الخارجية فليس من فرق حقيقي بين فريق وفريق، والذي يأتي بهذا هو اياه الذي يأتي بذاك، وتتعدد اللوائح للمحافظة على ظاهر الديموقراطية. وهكذا نرى الوضع وضع تكرار واجترار وعودة العتيق إلى العتيق.

          خلاصة هذا التأمل ان هناك فرقا أخلاقيا بين اشخاص، أو فرقا في الفهم بين اشخاص، وليس من اختلاف كبير بين لائحة ولائحة أو التزام والتزام، وكأنه لم يبق عليك الا ان تختار أهون الشرين.

          انا، اسقفا، ليس عندي موقف رسمي في مناطقنا. وليس من تقاليد الرعاة عندنا ان يفكروا في السياسة العملية عوضا عن ابنائهم. اصنعْ اذًا ما شئت. ولكن ان رأيت نورا في مرشح ورأيت ظلاما في الآخر، فلا تتردد في ان تكون اقرب إلى الذي عنده نور.

واذا احسست ان هذا اكثر إخلاصا للبلد من ذاك او اعظم فهما، فخذ موقفا. تمسك بالأمل ولو ضعيفا خشية ان يصل بسبب من حيارك من كان اقرب إلى الظلام. وقد يبدأ لك تقويم الاعوجاج من بعد الانتخابات. بسبب من بريق الأمل هذا، يبدو لي أنّ انخراطك في العملية الانتخابية اقرب إلى قلب الله من إحجامك. القليل من الأمل افضل من التقاعس عن كل شيء.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

آداب الأعراس/ 16 تموز 2000/ العدد29

الزواج سر يتم في الكنيسة وهيبتها وقدسيتها، وليس الاكليل الذي يقام هو نفسه حفلة الكوكتيل التي تتبعه. وليس ما يفرض ان الكوكتيل نفسه مكان لعرض الأزياء المغالية في قلة الحشمة. فالمرأة التقية محتشمة في كل مكان وفي الكنيسة اولاً. والمرأة الحضارية في الغرب تظهر بالزي العاري في الحفلات وليس في المعابد. والإكليل قديما كان يجري في القداس، وهذا ليس فيه احتمال للعراء. كل هذا مشوِّه لصورة المرأة. وفي الحركة النسائية المعاصرة، هي تحتج ان الاعلانات في الشوارع والتلفزيون تعتبرها سلعة. وتغضب ان يُنظر اليها كذلك. ولكن مَن أرغمها أن تجعل نفسها سلعة في الأكاليل؟

          للعيون حرمة. والعري اقتحام الآخرين في عفّتهم. وفي هذا نحن لا نقلّد الأوربيات لأنهن في الأعراس أكثر تأدبا من كثير من اللبنانيات. هذا تحرُّش في الرجال صارخ ومعيب. هذه المرأة الخارقة لكل القواعد ليست في حالة صلاة، والعرس صلاة وليس مجرد احتفال دنيوي بفرح عريس وعروس. هو فرح في الإيمان.

          الإساءة الأخرى هي هذا الإكثار المزعج من التصوير الذي يعرقل أداء الصلاة. والمصوِّر يطلب من الكاهن احيانا ان يغيّر موضعه، ويجعل العروس تحت إمرته عند وصولها الى عتبة الكنيسة، فيستغرق دخولها ما لا يقل عن عشر دقائق او ربع ساعة، وكثيرا ما تتأخر عن الوصول، الأمر الذي يعرقل حياة الكاهن الذي قد يكون مرتبطا بواجب آخر. هذا غنج بغير محله. هذا اذا ارتضينا مكرهين بكل مسرحية التصوير لسر من اسرار الكنيسة الذي يجري في الأبدية وفي عقل الله ويعيشه العروسان بعد الإكليل حياة بارة. ويبدو لي أحيانا ان الأزواج تسعى إلى تجميد الإكليل في صُوَرٍ يتعزَّون بها عن فشلهم في الحياة المشتركة اللاحقة.

          ونرى احيانا -ولو قليلا- التصفيق والزغاريد لنقع في الفولكلور الكامل، كأن الفرح العميق بالعروسين لا يكفي ويجب ان يكتمل بالتهييص.

          غير ان الآداب تبدأ ببطاقات الدعوة التي يُنفَق عليها كثيرا في نوعيتها واستئجار خطاط وما الى ذلك من إنفاق لا ضرورة له. ولا ينتهي اختراق الحشمة بذلك. فهناك حفلة الاستقبال التي تتراوح بين كوكتيل بسيط وحفلة عشاء مصروفها عدة آلاف او عشرات الآلاف من الدولارات، وذلك كله باطل. مصاريف لا فائدة منها والناس جياع. والمدعوون يستطيعون ان يأكلوا ويشربوا في بيوتهم بعد ضيافة بسيطة في دار الكنيسة.

          ويكتمل هذا بشهر عسل يكلف احيانا الشيء الكثير لعروسين فقيرين او متوسطي الحال. كل هذه المؤسسة التي اسمها «شهر العسل» لا معنى ولا فائدة منها. واذا كان لا مفرّ منها بسبب من الضغط الاجتماعي فلتكن متواضعة لا تخل بالميزانية.

          هذه اشياء متكاملة تحتاج الى انتباه وتعقل وربما الى بعض من شجاعة. فلتكن اعراسنا بسيطة للغاية، مركَّزة على الخشوع وكثافة الصلاة. وليوارِ كُلاًّ منا مأواه مباشرة ويستلم بيته فورا ويقضي الايام الاولى في بيته. واذا أحبَّ السفر يوما فهذا له في كل عمره.

          العرس خلوة انسانية، عميقة بين شخصين، وليست مناسبة انفلاش في الطعام والشراب والرقص واستعراض سيارات وتزميرها وتكبُّر اجتماعي او استعراض غنى او جمال. الزواج رجـوع الى اللـه وليـس فيه ضجـة. فيـه لطف كثير وهـدوء لكـونـه اقترانا بالمسيح اولا.

Continue reading

Popular posts

2010 / السبت 26 كانون الأول 2009

كل الأزمنة رديئة لأن أهل السياسة يظنون انهم يصنعونها. ليس انهم سيئون. كل فئة من الشعب ملوثة او بعض منها ملوّث. الزمان الذي يسمح له الله ان يكون ينسى...

المسيح يحيا فيّ / الأحد 21 تشرين الأول 2007 / العدد 42

في الرسالة الى أهل غلاطية منشغل بولس الرسول اننا لا نتبرر بأعمال الناموس الموسوي ولكن بالإيمان بيسوع المسيح. فالمسيح غاية الشريعة القديمة. فقد بطل الناموس يحييني وما حيا به...