2002, مقالات, نشرة رعيتي

الأعمى/ الأحد 9 حزيران 2002 / العدد 23

في انجيل اليوم اعمى منذ مولده رآه يسوع فسأله تلاميذه قائلين: “يا رب من اخطأ أهذا ام ابواه حتى ولد اعمى؟”. أُخذت هذه الآية عند المؤمنين بالتقمص ان هذا المريض كانت روحه موجودة في جسد آخر أخطأ فيه فعاقبه الله بالعمى لما صار الى جسد آخر. جوابنا عن هذا ان بعض علماء الديانة اليهودية كانوا يقولون انه في بعض الحالات قد يخطئ الإنسان وهو في بطن أمه. اضف الى هذا ان الفكر اليوناني عند افلاطون وغيره القائل بالتقمص لم يصل الى المعتقد اليهودي. واذا افترضنا ان فكرة التقمص وصلت الى التلاميذ ودانوا بها يكون هذا فكرهم هم وليس فكر المعلم. اما جوابه هو: “لا هذا اخطأ ولا أبواه” فمن باب انه يرد على تلاميذه مثلما وضعوا السؤال اي بالعبارات نفسها، ولا يتضمن هذا ان السيد يمكن تأويل جوابه على انه يتضمن عنده اعتقادا بالتقمص.

         هذا التعليم يستحيل التوفيق بينه وبين تعليم يسوع عن القيامة. “الذين عملوا الصالحات يقومون الى قيامة حياة والذين عملوا السيئات الى قيامة دينونة”. وليس من إشارة الى ان الذين عملوا السيئات تذهب نفوسهم الى اجساد اخرى. هم انفسهم يقومون.

         ان الأعجوبة المحكية مطولا لا تقتصر غايتها على سرد المعجزة. فالمعجزات السبع عند يوحنا غايتها التعليم. احدى الأفكار الرئيسية ان الفريسيين هم العميان الحقيقيون الذين رفضوا الإقرار بشيء ثابت لمجرد رفضهم ان يقوم المسيح بأعجوبة يوم السبت وهذا يوم لا عمل فيه. كذلك يقول يوحنا ان اليهود ايضا لم يصدقوا. النص اذًا يضعنا امام مأساة الذين لا يؤمنون مع ان حصول الشيء واضح. فكأن الإنجيلي يقول ان الأعجوبة بحد نفسها لا تجلب الايمان ولكن الإيمان نفسه هو الذي يهيئك لاعتبار الخارقة التي حدثت انها من الله.

         والمؤسف ان الناس يركضون وراء العجائب. يريدون الأشياء الغرائبية. بعضهم يدنو من الله وبعضهم لا يدنو. والقليلون يتوبون ولا معنى إطلاقا لمعجزة لا تزيدك ايمانا.

         ان صميم هذا الفصل الإنجيلي هو اولا ما ورد في الآية الخامسة: “ما دمتُ في العالم فأنا نور العالم”. كذلك الآية 93 الواردة بعد الفصل المتلو في الكنيسة اليوم: “لدينونة أتيت انا الى هذا العالم حتى يبصر الذين لا يبصرون ويعمى الذين يبصرون”. والمراد طبعا ان يسوع يقسم البشر الى قسمين: اولا) الذين يدّعون البصر ولكنهم عميان اذ لم يؤمنوا بالمخلص. وثانيا) الذين كانوا عميانا واعترفوا بذلك حتى اذا انكشف لهم نور المسيح آمنوا به.

         وقد نعود نحن الذين آمنا به الى العمى ان قبلنا أفكارا ضد المسيح او اتبعنا من ادعى التبشير باسمه وخرج عن الكنيسة، كذلك نكون عميانا بسبب الخطيئة وهي زيغان البصر وزيغان المعرفة.

         هذا الإنجيل يؤكد تأكيدا خاصا على النور الذي اعلنه المسيح بقيامته. كل هذه الفترة الفصحية كانت نورا لنفوسنا وأكدنا فيها بصورة رائعة ايماننا الفصحي. أنشدنا ألوف المرات للقيامة حتى لا تأتي الغشاوة الى ابصارنا فنبقى في ضياء المسيح الذي نلناه بالمعمودية وحافظنا عليه بالعمل الصالح وبالدراسة.

         المؤسف ان درس الكلمة الإلهية في اوساطنا ضعيف، وان بعضا منا تستهويهم البدع المضلة لكونها تفتح لهم الكتب المقدسة. ان النفوس عطشى الى هذه الكلمة. فلماذا لا تتجند كل رعايانا لتعلمها ونقي بها انفسنا من الخطر؟ المسيح يحتاج الينا لنتكلم عنه بصورة وافية وعميقة. الفصح لن يدوم الا اذا دامت فينا الكلمة.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الثقة/ الأحد 2 حزيران 2002 / العدد 22

لنقل إن النزعة الفردية هي ان تعيش لنفسك ولا تنظر إلى الجماعة التي تنتمي إليها متعاونا وإياها. الكلام الشعبي هذا يفكر صاحبه بمصلحته فقط. ماذا أجني من فلان أو فلان فأقترب إليه أو أصوّت له. اما كيف أقوّيه وأنتبه إليه لأنه في حاجة، كيف أشجعه وأبرزه لأن الناس محتاجون إليه، فهذا أمر نادر جدا في أوساطنا.

وعندما لا أخرج من حدود عائلتي الكبرى أو عشيرتي لأرى الخير في كل مكان هذا نسمّيه عصبية عائلية، ولكنه في حقيقته نزعة فردية، إذ أتقوى أنا بالصالحين والفاهمين وان لا شيء يحوجني ان أظهر أنا إذا كان غيري أفضل مني. فقد أختفي في الظل، وراحتي فيه من ضميري ومن حبي للآخرين كبيرة. المهم ليس أن يقولوا عني حسنا ولكن أن يقول الله عني حسنا.

أجل لا يعيش الإنسان بلا انضمام إلى احد، بلا صداقة. والصداقة، تحديدا، خروج من الأنا المنغلقة على الذات إلى أنا جماعية. كياني في الصَّديق، وبإرشاده وحنانه يقوى كما يقوى هو بي. أنت تخرج من ذاتك أيضا بالفهم، وتتكون بذلك جماعةُ العارفين.

وليكن جميلا من استطاع ان يكون جميلا. ذلك ان الرب يحب جمالاتنا وهي تنعش الآخرين. وليتكلم بيننا من يعرف الكلمة ليفيد الناس. ما نفع كلامي إن كان كلامي تافها. «أنتم نور العالم». الخطيئة ان نطفئ النور.

لعلّ مردّ هذا الانكماش الخوف من الآخرين. الرومان قالوا قديما: «الإنسان ذئب للإنسان». الموقف الحقوقي ان الإنسان بريء إلى ان يثبت العكس. والموقف الإنجيلي أن نحب بعضنا بعضا ولا نبحث عما إذا كان الآخر يستحق حبنا. أنت تحب بلا شرط في الآخر ولا فيك ولا تنتظر ان يكافئك على شيء. ولكن قد يساعدك على المحبة ان تثق بالآخر منذ البدء.

إذا أتاك إنسان ثق به أولا. بعد المعاملة تعرف إذا استحق منك هذه الثقة. إذا تكلم إنسان صدّقْه منذ البدء لأنه خير لك ان يغشَّك من أن تظلمه بالشك. فإذا رآك تشك به وهو طاهر يصيبه إحباط وربما حزن حزنا شديدا. إذا كنت ذا خبرة طويلة أمكنك معرفة من يقترب إليك في لحظات. ولكنّا لا نملك جميعا هذه الخبرة. وبالثقة تستثير الثقةَ وتنعش نفس الآخر. إلقَ الآخر بحب وتعاون حتى يخيب ظنك به. أنت تحتاج روحيا إلى الآخر كما قد يحتاج إليك روحيا أو ماديا. كم من نفس تنقذ بالثقة. تذكّر قول يوحنا الحبيب: «المحبة تَطرح الخوفَ إلى خارج». كثير من هزالتنا يأتي من الخوف الذي لا يجعل فيك قوة.

كيف تريد بلا ثقة ان نبني الكنيسة، ان نصبح جماعة للمسيح؟ ما الرباط بين أفراد الجماعة ان لم يكن اطمئنان الإنسان إلى الإنسان؟ أنا ما دعوتك إلى إقفال عقلك وعدم التحليل. ليكن عقلك مستنيرا، دقيقا، فاحصا، وفي آن معا استقبل الآخرين في قلبك فهذا قد يفتح قلبك.

أنت لا تعيش بلا دفء. بلا قربى أنت تجفّ. قرباك من أبيك وأمك وإخوتك وأخواتك مفروضة عليك. وقد يكون أنسباؤك سيئين. اجعل لنفسك أصدقاء يكونوا عائلة قلبك.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

ما بعد الفصح/ الأحد 19 أيار 2002 / العدد 20

لقد ذقنا الفصح ذوقا طيبا. أتكلم هنا على الذين كانوا في الكنائس. خطفتهم القيامة بقدر ما استوعبوا الإنشاد والتلاوات. الله وحده يعرف من كان به مأخوذا ومن وصل إلى العمق. مع ذلك سُرَّ الله بمن أتى في الموسم ولم يأت قبله وهو لا يأتي بعده وكأن فرحنا بالعيد ينقضي مع العيد.

         الحزن يضغط عليك إذا علمت أن الـ 300 أو 400 شخص الذين حضروا في بعض الرعايا لا يؤلفون الثِمن أو العِشر من مجموعة الرعية. ولا شك أننا لا نغطي كل المناطق في المتن الساحلي بنوع خاص. وليس في مقدورنا أن نبني عددا من الكنائس كبيرا. مع ذلك لا بد من أن يقدم كل المؤمنين إلى جسد الرب ودمه. وهذا يفترض عددا اكبر من الكهنة مدربين روحيا ولاهوتيا. ويتأكلني الخوف من أن الكثيرين من أبنائنا غير مخدومين ولا نستطيع خدمتهم بسبب نقص الكهنة والضعف المادي الذي نحن عليه.

         ربما كان علينا أن نتجاوز الحدود الموضوعة ونقيم العبادة في البيوت. ربما كان علينا أن نرسم كهنة من الذين ينصرفون إلى عمل لهم في المجتمع لنواجه موضوع الرواتب. كل هذا يتطلب منا درسا مستفيضا.

         إن أمنيتي أن الذين أتوا إلى أسبوع الآلام والعيد يستمرون كل احد لخلاص نفوسهم أولا ولتمكيننا من تعزيز الكهنة وإشادة الكنائس. إن ضيق المساحة القائمة عليها كنائسنا (هكذا استطعنا أن نشتريها) يجعلنا نستوعب القليل من المؤمنين لو شاء الكل أن يجيء. نعاني تقصيرا ليس مرده إلى كسلنا فمعظم الكهنة عندنا نشيط وغيور. إن بعضا من تقصيرنا سببه أن الكرم قليل. وفي تتبعي للأمور أرى أن عندنا شبانا حاضرين للخدمة الكهنوتية لو تأمنت معيشتهم.

         هل يظهر بيننا من يََعْي هذه المصاعب ويتآزر لسدّ هذه الثغرة بإيجاد حساب مصرفي مخصص للكهنة الحاليين والكهنة الجدد وسِلك من المتخصصين بالبشارة وجمع الأطفال وتثقيفهم. أنا انتظر ردود فعلكم. غير أن رجائي الملح ألا يعرقل احد أعمال الكهنة بسبب وجاهة يريد أن يمارسها عليهم أو بسبب استئثار بعض النافذين بشؤون الكنيسة وتسلطهم على الكاهن. هذا موجود وأنا أعاني منه معاناة شديدة. ليس أن كل الكهنة غاية في الكمال. ولكن المتَسَلطين من العلمانيين ليسوا قليلين. وهذا يعطل عمل الكاهن الغيور الذي يريد أن يغيّر الأوضاع ولا يُسمح له بذلك. يجب أن يفهم الكل أن الكهنة عندي مطيعون للرئاسة الروحية وان القلة القليلة منهم تعمل حسب مزاجها لأنهم يتلقون توجيهاتي ويعملون بها. ولكن هناك ناسا قامت وجاهَتهم على الكنيسة ويتصرفون كبطاركة على الكهنة. هذه مشكلة كبرى لا تحَلّ إلا بازدياد المحبة وازدياد الفهم.

         ويجب أن يفهم النافذون أن ليس لهم منفردين أن يعملوا ما يريدون. لهم أن يدركوا أن عليهم أن يتصرفوا بتواضع ولين وان الأوقاف ليست ملكهم ولا ملك عيالهم وان المكانة الأولى عند المسيح هي للفقراء وان أمر الرعية تشترك فيه كل العائلات وكلها متساوية بالكرامة والأكرم عند الله من كان تقيا.

         ليس من عائلة واحدة في الرعية انتدبها الله لترعى شؤون العباد. ومن شاء أن يسود الناس فيسودهم عن طريق السياسة لا عن طريق العبادة. كم من مرة قلت لكم أن الأوقاف ليست لأحد ولو كانت موقوفة من أجدادكم وآبائكم. هي ملك للجماعة كلّها وبالدرجة الأولى يتولاها المصلّون. ينبغي فصل السياسة القروية عن رعاية الذين هم للمسيح. هناك -للأسف- جيوب لم نقتحمها بعد لبسط نفوذ المسيح. إن الإقطاع المحلي عدوّنا في الكنيسة. فليبق إقطاعيا من شاء ولكن ليس على حساب الرب.

         وليُفهم مرة نهائية أن من طبيعة مجالس الرعية أن تتغير ليفسح في مجال الخدمة لمن استطاع الخدمة. إن توَلّي الأوقاف يفترض أن هناك من يذهب ويسلّم ما كان عنده من مسؤوليات وان ثمة مجموعات جديدة نأتي بها. ليس في إدارة شؤوننا استمرار لأحد أو وراثة لأحد.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

توما/ الأحد 12 أيار 2002 / العدد 19

تقف العقلية الشعبية عند توما شاكا. ولكن حقيقة توما الكاملة انه آمن من بعد شك. والحقيقة الأعمق انه الشاهد الأقوى على ان الذي ظهر له وللتلاميذ المرة الثانية هو نفسه الذي صلبوه.اذ كان من الممكن لولا توما ان يقال ان هذا الذي تراءى لهم عشية الفصح كان شبحا. ولكن بعد ان قال يسوع لتوما “هاتِ اصبعك الى ههنا وعاين يديّ وهاتِ يدك وضعها في جنبي” لم يبق مجال للشك ان هذا الذي ظهر بعد اسبوع هو نفسه الذي مات على الصليب اذ لا يزال يحمل آثار الصلب.

         ان ايمان توما ظهر في قوله للمعلم “ربي وإلهي”. وحتى ندحض كلام شهود يهوه ان يسوع “رب وإله” بمعنى “السيد” نقول ان ما ورد في الأصل اليوناني جاء مع أداة التعريف “أل”. فربي وإلهي ليسا نكرة. انهما معرّفان بمعنى انت هو الرب لي والإله لي. هذا اقوى اعتراف بألوهية السيد الكاملة التي تجعله مساويا لله الآب.

         ان يسوع تنازل لشك توما وكشف له علامات الموت. لم يقل له انك على خطأ لكونك طلبت ان ترى ولكنه قال انا لن اظهر على هذه الطريقة لكل الأجيال الآتية. انا صاعد الى أبي. هؤلاء لن يروا فطوبى لهم.

         غير ان المسيحيين بعد العصر الرسولي لن اتركهم بلا علامة. علامتهم ستكون الكلمة التي يبشر بها تلاميذي. والكلمة نور وحياة. وهي تنتقل اليهم بالروح القدس وبعجائب الرسل التي ستدوَّن ودونت في كتاب اعمال الرسل. ومن بعد الرسل سيقوم بعض القديسين بعجائب. والأهم منها الشهداء الذين ستقتلهم الامبراطورية الرومانية خلال ثلاثة قرون ويقتلهم ناس آخرون في بلدان كثيرة وفي كل زمان. ولن يخلو زمان لا يستشهد فيه المؤمنون به. ان صمود الشهداء وشجاعتهم هما القوة الكبيرة التي تأتي بمؤمنين جدد.

         وأبلغ كلمة تصل الى الناس هي قداسة القديسين. فمن رأى صبرهم وطهارتهم ولطفهم سيتساءل: كيف صار هؤلاء كذلك؟ من هو الذي وراء فضائلهم؟ كيف استغنوا عن كل شيء في الدنيا ليتعلقوا بالمسيح؟ أليس ان فرحهم به فاق كل لذة كان يمكنهم ان يجنوها؟

         كل هذا نوع مـن الـرؤية. سيشاهد الوثنيـون في كل جيل ان الذي يحدث مع أتقى المسيحيين وأنبلهم هو “تغيير يمين العلي”. سيفهمـون ان هؤلاء الطيبين هم زرع المسيح. فلولا كلمته وحبه حتى الموت لما كانوا كذلك.

         نحن ما بقينا الفي سنة ننتشر ونتسع بمجرد اننا توالدنا وصار اولادنا مسيحيين بالوراثة. فهناك من تركنا وهناك من انضم الينا بالغا وفهيما. وهناك من كانت أفعاله سيئة وكان فكره ضالا وهؤلاء جاؤوا الينا بالتوبة بعد ان سمعونا وبعد ان شاهدونا نتصرف تصرف ناس إلهامهم من فوق.

         اجل هناك من خان وتركنا ولكن هناك من احتمل عذابات لا تطاق في بلدان اضطهدتنا وهناك من احتمل قهرا وتضييقا في بلدان لم تضطهدنا مباشرة. ومع ذلك بقينا وسنبقى لأننا ذقنا طعم القيامة وذقنا جمال العيش مع يسوع وحلاوة الخصال الطيبة التي وحده سكبها علينا.

         ان فعل قيامته متواصل. “طوبى للذين لم يروني وآمنوا” تدل على اولئك الذين صاروا عظاما روحيا لكون القيامة انتقلت اليهم حبا وتجديدا.

         قد يشك هذا او ذاك في فترة من حياته ويطلب علامات للتيقن. ولكن اذا رأى مسيحيا عظيما يدرك ان احدا جعله هكذا عظيما وان هذا الذي يغير النفوس بحلاوته هو يسوع المبارك.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الفصح/ الأحد 5 أيار 2002 / العدد 18

كان الفصح العبري يجمع في اورشليم اهل موسى ليذبحوا الحَمَل الفصحي. هذا العيد ذكرى لخروجهم من مصر. اما اليوم فالآب يجمع احباء المسيح ليتحدوا به وهو حَمَلُ الله. والذكرى مزدوجة للآلام والقيامة معا ولا ينفصلان. وتحرر المسيحيين تحرر من الموت والخطيئة. فصحنا يعني العبور الى الحياة الجديدة، الى الآب.

         في العشاء السري يستعمل يسوع الخبز والخمر اللذين كان اليهود يستعملونهما. ولكن استباقا لما سوف يتم على الصليب يجعل الخبزَ جسدَه والخمرَ دمَه في الفصح المسيحي المنفذ في كل قداس نتخذ المسيح ذاته ونحيا به.

         مات الرب عشية السبت وقام بعد انقضاء السبت، يوم الأحد. في ذلك اليوم التقى تلاميذه. في اليوم نفسه أقام مع اثنين منهم وليمة شبيهة بالعشاء السري (وعرَفاه عند كسر الخبز). “وتراءى آخر الأمر للأحد عشر وهم على الطعام” (مرقس 16: 14). لذلك اخذ التلاميذ يجتمعون اليوم الاول من الأسبوع فسُمّي الأحد بسبب من ذلك “يوم الرب” يجمع فيه السيد نفسُه تلاميذه ليذكروا قيامته ويترجّوا مجيئه الأخير.

         فالفصح الاول كان يقام كل احد ولا يزال. اما الفصح السنوي فجاء بعد ذلك في القرن الاول للميلاد على الغالب اذ نعرف نقاشا حول تاريخه في مطالع القرن الثاني. في تلك الليلة اي بين غروب سبت النور وفجر العيد كانت تتم المعموديات تأسيسًا على كلام بولس: “او تجهلون اننا، وقد اعتمدنا جميعا في يسوع المسيح، انما اعتمدنا في موته فدُفِنّا معه في موته بالمعمودية لنحيا نحن ايضا حياة جديدة كما أُقيم المسيحُ من بين الأموات بمجد الآب؟” (رومية 6: 3و4).

         غير ان الفصح الأخير، العبور الأخير الى الآب هو الذي نقيمه في السماء بعد قيامتنا. فبعد ان قال السيد لتلاميذه: “خذوا فكلوا…” ثم قال “اشربوا منها كلكم…” ختم بقوله: “لن اشرب بعد الآن من عصير الكرمة هذا حتى ذلك اليوم الذي فيه أشربه معكم في ملكوت ابي” (متى 26: 29). هي الوليمة السماوية التي فيها نشرب خمر محبته.

         ما تم على الصليب خلاصا تاما وانكشف خلاصا في قيامة الرب وما سوف يحقَّق نهائيا في الحياة الأبدية، كل هذا مجتمعا هو الفصح. هذا كله يبدد ظلمات النفس اذ يضرب جذور الخطيئة فينا ويجعل كلا منا “خليقة جديدة”. هذا هو الفرح الذي لا يَنتقص منه شيئا ايُّ مرض وايُّ حزن وايةُ سقطة. وهذا ما اعطى المسيحيين قوة ليستشهدوا. شهادة الدم هي الكلام الأفصح عن القيامة. وجهود كل مسيحي يغلب التجربة التي تداهمه هو كلام يوميّ في الفصح.

         فاذا قلنا للسيد: “قم يا الله واحكمْ في الأرض” فإنما نعني اننا واثقون انه مالك قلوبنا وانه يحييها كل يوم. ولهذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “ان صمتم او لم تصوموا فافرحوا اليوم. المائدة مملوءة فتمتعوا كلكم… لا يخافن احد الموت فإن موت المخلص قد حررنا… اين انتصارك يا جحيم؟… قام المسيح فانبثت الحياة. قام المسيح فليس في القبور من ميت…”.

         القياميون لا يخشون شيئا ولا يخشون احدا. انهم لقد أخذهم ربهم الى الحياة الجديدة. نعرف الآن اننا احرار فلا نجعل انفسنا عبيدا لشهواتنا. نسير على الأرض ولكن ليس كسائر اهل الأرض. واذا كان يقيننا ان المسيح قام من بين الأموات، نؤمن نحن ايضا اننا سنقوم كما قام. “فإن لم يكن للأموات من قيامة، فإن المسيح لم يقم ايضا” (1 كورنثوس 15: 13). ثم يعزز بولس حجّته بقوله: “واذا لم يكن المسيح قد قام، فإيمانكم باطل ولا تزالون بخطاياكم”. ثم يكمل الرسول: “وكما يموت جميع الناس في آدم فكذلك سيحيون جميعا في المسيح”.

         القيامة مبعـث ايماننا وداعمة له. وايماننا عندما يصير فينا محبة نتنقى به نحس ان طهارتنا ابتدأت فينا لما غـلب السيد الخطيئة. انها لن تتحكم فينا اذا عرفنا ان المسيح انتصر وانه منتصر الى الأبد في نفسه وفينا.

Continue reading

Popular posts

2010 / السبت 26 كانون الأول 2009

كل الأزمنة رديئة لأن أهل السياسة يظنون انهم يصنعونها. ليس انهم سيئون. كل فئة من الشعب ملوثة او بعض منها ملوّث. الزمان الذي يسمح له الله ان يكون ينسى...

المسيح يحيا فيّ / الأحد 21 تشرين الأول 2007 / العدد 42

في الرسالة الى أهل غلاطية منشغل بولس الرسول اننا لا نتبرر بأعمال الناموس الموسوي ولكن بالإيمان بيسوع المسيح. فالمسيح غاية الشريعة القديمة. فقد بطل الناموس يحييني وما حيا به...