2002, مقالات, نشرة رعيتي

قائد المئة/ الأحد 21 تموز 2002 العدد 29

الأحد 21 تموز 2002                   العدد 29

وجد علماء الآثار في تل حوم – وهي غالبا كفرناحوم – مجمعا يهوديا يعود الى القرن الثاني، قام – على ما يظن – على المجمع الذي بناه قائد المئة الذي يتحدث عنه إنجيل اليوم. كان ضابطا رومانيا يأمر مئة جندي. هذا الجيش كان قوى أمن داخلي.

         وعلى كون الرجل وثنيا، آمن بأن يسوع كان قادرا على صنع العجائب. جاء ليطلب شفاء “فتاه” التي تعني الخادم والابن معا. لوقا الذي اورد الحادثة يقول ان هذا الفتى عبد الضابط. اهتمامه به خارج عن المألوف لأن العبد كان شيئا من الأشياء ولم يكن له في الشريعة الرومانية مكانة انسان له حقوق. قائد المئة اعتبره انسانا كأنه مواطن حر.

         كيف عرف قائد المئة ان ليسوع قوة الشفاء؟ الرواية التي يرويها لوقا تقول ان الرجل بعث بشيوخ اليهود الى السيد ليأتي ويشفي ذلك العبد. كان اذًا مطلعا على موقف بعض اليهود الايجابي من المعلم. لا ندري اذا كان يشاطرهم ايمانهم بالإله الواحد. ولكنه كان يؤمن بأن هذا المعلم الجليلي الجديد كان على علاقة مع الله تمكّنه من الشفاء.

         قال السيد للضباط: انا آتي وأشفيه. الرجل لم يكن يطلب انتقال يسوع الى البيت، فقال: “لست مستحقا ان تدخل تحت سقف بيتي”. ظاهر الكلام ان الرجل يعرف خطيئته فتواضع وأقرّ بها ضمنا. ولكن كان يعلم ان اليهود لا يدخلون عادة بيوت الوثنيين. فقال: لا داعي ان تأتي. يكفيك ان تقول كلمة فيبرأ فتاي. ثم أخذ من حياته المهنية صورة العلاقة بين الضابط والعسكري وان الاول يأمر فيطاع. وهكذا يستطيع يسوع ان يأمر من بعيد.

         عند ذاك تعجب يسوع من رجل ايمانه اقوى من ايمان بني اسرائيل حتى قال: “سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع ابراهيم واسحق ويعقوب. واما بنو الملكوت فيُلقَون في الظلمة البرانية”. هنا أشار السيد الى انه تأتي ساعة حيث الغرباء عن الموعد وعن الكلام الإلهي يؤمنون بيسوع ويصبحون هم ابناء الملكوت ويُطرح اليهود خارجا.

         هذا ما سيصبح تعليم بولس القائل ان الإنسان يُبرَّر بالإيمان وليس بأعمال الناموس. فليس لليهودي ان يفتخر بأنه من ابناء ابراهيم فإن “الله قادر ان يجعل من هذه الحجارة اولادا لإبراهيم”.

         هذا الوثني علّمنا ان نثق بيسوع ثقة كاملة، ان نؤمن ليس فقط انه غالب للمرض ولكنه غالب للخطيئة. فالخاطئ هو المفلوج الحقيقي. والثقة تزيدنا حبا للمسيح، والحب الذي يجمعنا بيسوع قائم على ايماننا بأنه كامل القدرة وانه يرفع عنا كل تعب وكل حزن وكل وجع، ويجعلنا له اصدقاء بعد ان استعبدتنا الخطيئة.

         ونتربى على المحبة اذا عرفنا بصلواتنا وقراءتنا للكتاب الإلهي ما صنعه المسيح لنا. ديانتنا تقوم كلها على هذا الشعور المتبادل بيننا وبين الرب والذي وصل الى ذروته على الصليب وفي القيامة.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

احد الآباء/ الأحد 14 تموز 2002/ العدد 27

القراءة الإنجيلية اليوم جزء من العظة على الجبل كما وردت عند متى. ويستهلها بقول السيد لتلاميذه: “انتم نور العالم”. لا شك ان هذا النور مصدره المسيح نفسه كما ان نور القمر يأتي من الشمس. وقد قال الرب: “انا هو نور العالم” (يوحنا 8: 12 و 9: 5). وفي العهد القديم سمي الله نورا وكذلك التوراة.

         النور له وظيفة وهي ان يشع. لذلك يوضع على المنارة اي على مكان مرتفع في اية قاعة من البيت. وظيفة النور الذي يضيء في قلوب التلاميذ وعقولهم ان يحمل بسلوكهم وأقوالهم النور الى الناس. هذا شيء يحصل تلقائيا لأن الرسل لكونهم حاملي الكلمة في حالة تواصل مع الناس. بهذا الاحتكاك يرى الناس اعمال الرسل (ومن بعدهم المسيحيين) ولكن الغاية ليست تمجيد الرسول كاهنا كان ام علمانيا ولكن ان يمجدوا الآب. حامل الإنجيل لا يدعو الى شخصه احدا. يدعو السامعين الى المسيح.

         ثم ينتقل الى موضوع آخر بقوله: “لا تظنوا اني جئت لأحلّ الناموس والأنبياء. اني لم آتِ لأحل لكن لأتم”. ظاهر هذا الكلام يعني ان يسوع يقبل كل ما أتت به ديانة العهد القديم. ومن الواضح ان السيد يؤمن بأن هذا الكتاب موحى به من الله وانه تاليا لا يلغي حرفا واحدا فيه. الكل يذكر بعد هذا المقطع قول يسوع: “قد سمعتم انه قيل للقدماء لا تقتل… واما انا فأقول لكم ان كل من يغضب على اخيه باطلا يكون مستوجب الحكم”. يسوع لا ينقض ولكن يعمق. يريد مكافحة الخطيئة من شروشها. كذلك ما يتعلق بالزنى. الرب يريد ان يضربه من اصوله فيبين ان الشهوة منبع الخطيئة.

         لقد قيلت اشياء كثيرة في الإنجيل عن السبت وكيف مانع الفريسيون الرب من ان يشفي في السبوت. هو ما قال: وصية السبت غلط. قال لا تنطبق في حالات الشفاء، فأنا لا أنقض السبت، ولكني اخفف الصرامة التي اوجدها العلماء فمنعوا حتى الشفاء. بعد هذا، في الكنيسة، سقط السبت من ذاته.

         عندما امتدت الكنيسة الى الأمم الوثنية ظهر هذا السؤال: هل يتهود هؤلاء اولاً ثم يُعمدون؟ مجمع الرسل في اورشليم قرر ان الناموس لا يُفرض على المسيحيين الجدد وظهر فهم روحي لنواميس العهد القديم. فالختان لم يعد ملزما اذ حلت المعمودية محله. والذبائح الدموية أُبطلت بدم المسيح. ما قيل ان هذه كانت خطأ في ايام الوحي بها. قيل تجاوزناها الى ما هو روحي.

         يبقى قول المعلم: “اما الذي يعمل ويعلم فهذا يدعى عظيما في ملكوت السموات”. هنا يكشف يسوع ان التعليم لا يكفيك وحده لتصير انت نورا للعالم. ينبغي ان تعمل العمل الصالح الذي بينت المسيحية انه نابع من المحبة. فاذا كان التعليم يشير الى ايمان صاحبه فالعمل يدل على ان هذا الإيمان حي ويحيي صاحبه وسامعيه. المسيحية هي إيمان ومحبة لا ينفصلان. هي كلمة نتممها في واقع حياتنا.

         والنور يشع كثيرا ان تعاونا في الكنيسة على تعليم الإيمان وعلى تنفيذه، مشتركين، بالعمل الصالح. وهكذا سلك آباؤنا القديسون الذين نعيد لهم اليوم. كانوا لاهوتيين وابرارا معا.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

جميع القديسين/ الأحد 30 حزيران 2002 / العدد 26

لا يفوت احدًا ان الكنيسة وضعت هذه الذكرى الأحد الذي يلي العنصرة لتوحي ان الروح الإلهي الذي حل على الكنيسة انما هو الذي ينشئ القديسين. الكمال الروحي الذي ابتغاه كبار المجاهدين هو عطية الله، والطاعة البشرية هي تفعيل العطاء الإلهي. تعليم كنيستنا ان الخلاص الذي يكسبه الإنسان انما هو بمشاركة النعمة والحرية التي تتقبل النعمة.

         “الله يشاء الكل ان يخلصوا والى معرفة الحق يُقبلوا”. تاليا هو يهب النعمة كل انسان، يهبها بلا مقدار، والإنسان يطيع او يتمرد او يهمل. فالسؤال: لماذا هذا في الجحيم وذاك في الملكوت جوابه ان ذاك اختار الهلاك وهذا اختار الخلاص اذ ليس احد محروما من النعمة الإلهية “المخلِّصة لجميع الناس” ان هم شاؤوا.

         الأمر الثاني اننا نعيّد في هذا اليوم للقديسين مجتمعين فإننا طوّبنـا بعضا منهم، الذين عرفنا عظمتهم الروحيـة. رأينا قاماتهم النورانيـة ولم يعطِنا الله ان نرى القداسة في كل الذين كانت فيهم. لهذا نجمعهم جميعا في يوم واحد فنؤكد تعلقنـا بالذين عرفنـاهم والذين لم نعرفهم. يعيّرنا بعض من خارج كنيستنا انها لا تعلن اليـوم قديسين معاصرين. الجـواب اننا طوّبنـا منذ بضع سنوات القديس يوسف الدمشقي ولكن لم تكن لدينا وسائل إعلامية كافية خاصة بنا للتعريف به. والكنائس الارثوذكسية الأخرى (يونانية، روسية ورومانية وسواها) أعلنت باستمرار قديسين من العصر. وفي المجمع المقدس ملف لم يبتّ. هذا أمر يتطلب تمحيصا كبيرا لئلا نستعجل الأمور.

         ومهما يكن من أمر فليس التطويب هو الأهم ولكن أن نكون قديسين فعلا. ربما كان علينا أن نتوب جدا وأن يسطع البرّ في أوساطنا ولا مفر، إذ ذاك، من الاعلان القانوني عن قديسين جدد.

         الأمر الثالث الذي لا بد من تأكيده في العصر الحديث هو ان القداسة ليست محصورة في نمط من العيش. فالمتزوج قادر عليها كغير المتزوج. والمرأة كالرجل. والطبيب والنجار والمحامي والتاجر والنائب والوزير والفلاح كلهم قادرون عليها ومطلوبة منهم جميعا بالقوة نفسها. الذي يمسك عن المشروب كالذي يشرب. ومن يأكل بلا نهم كمن يأكل قليلا.

         لذلك مردود هذا الكلام: “شو انا خوري؟”. هذا يقوله من تنبهه على سوء سلوكه. ان القداسة ليس من شريحة اجتماعية واحدة اقرب الى الطهارة الكبيرة من شريحة اخرى.

         كثيرون يعيشون على هذه الفكرة ان الخطيئة محتومة او ان المساومة بين الخير والشر لا بد منها. الصحيح انك تقدر على كل مهنة وتبقى بارا. ليس من مهنة تحمل الدنس بحد نفسها. في الغنى والفقر اذا جعلنا المسيح يشرف عليهما، في اي موقف سياسي شريف يمكن ان تكون في قلب النقاوة.

         ولكن هذا لا يتحقق الا اذا اردت الكمال الروحي واعتقدت انه ممكن في هذا العالم. اما اذا ارتضيت بالحد الأدنى من “الآدمية” اي الا تخطئ في المحسوس فلن تبلغ القداسة يوما. ان تريد كل البر، كل الطهر وان تسعى اليهما بجد كبير وقناعة تامة فهذا يجعلك مشروع قديس.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

العنصرة/ الأحد 23 حزيران 2002 / العدد 25

آية اساسية في رسالة اليوم عن الرسل المجتمعين في العلية ان “ظهرت لهم ألسنة متقسمة كأنها من نار فاستقرت على كل واحد منهم” لتوحي ان كل مؤمن معمّد يحل عليه الروح الإلهي وهو يأتي، بخاصة، في سر الميرون. النعمة الإلهية الواحدة يتقبلها المسيحي فتصبح فاعلة بمقدار تلبيته وطاعات.

         وآية اساسية في انجيل اليوم: “لم يكن الروح القدس بعد لأن يسوع لم يكن بعد قد مُجِّد”. هذه لا يمكن ان تعني انه لم يكن روح قدس قبل موت المسيح وقيامته فإن الروح هو الأقنوم الثالث الأزلي ولكنها تعني انه لم يكن قد أُعطي التلاميذ. ففي خطبة الوداع قال لهم السيد: “انا اطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم الى الأبد، روح الحق”. والمراد بذلك ان الروح ينزل على التلاميذ من بعد صعود الرب الى السماوات، فإن بعثه مرتبط بتمجيد الطبيعة الإنسانية في المسيح.

         ما هي وظيفته؟ الجواب في هذا: “واما المعزّي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلّمكم كل شيء ويذكّركم بكل ما قلته لكم” (يوحنا 14: 26). بأي معنى يعلمنا كل شيء وقد علمنا يسوع كل شيء؟ الشق الثاني من الآية: يذكّركم بكل ما قلته لكم توضح هذا. الروح يعطينا نعمة لكي ندخل كلمات يسوع الى القلب فنحيا بها. ان نجعل كلام يسوع المطلق الى عامة الناس ميراثا شخصيا لنا او طعاما نغتذي به عندما نجوع اليه، تلك هي وظيفة الروح. فالكلمة المكتوبة قد تبقى وحدها في الكتاب او تصير الى الذاكرة فنرددها كما نردد كل علم. اما ان تصير من القلب او القلب كله فهذا عمل الروح اذا استدعيناه. ولهذا نستهل كل خدمة إلهية وكل صلاة فردية بقولنا: “ايها الملك السماوي المعزي، روح الحق، الحاضر في كل مكان هلم واسكن فينا” لقناعتنا ان الروح القدس هو الذي يملأنا من نعمته اولاً لنتمكن من الدعاء. نحن وحدنا ليس لنا ان نجترئ ونخاطب الآب بدالة. انه هو الذي يهبنا الدالة.

         ماذا يعطي هذا وذاك؟ حسب تعليم بولس هو يهبنا المواهب. فهذا موهوب بالتكلم جهارا باسم الله وهذا ما نسميه نبوءة، وذاك له موهبة اخرى او كما نقول في خدمة العيد: “ان الروح القدس نور وحياة وينبوع… روح حكمة، روح فهم، مطهّر للهفوات، مقسّم للمواهب”. اذًا عطايا مختلفة للأفراد، تتكامل بالعيش الجماعي في الكنيسة. غير ان ما يجمع المؤمنين ذوي المواهب المختلفة هو القداسة. الروح هو المكلَّف بإنزال قداسة الثالوث كله على المؤمنين ولولاه لا نتوب ولا نسمو. هذا في ما يتعلق بالأفراد.

         اما في ما يتعلق بالكنيسة كلها فهي لم تكتمل الا بالعنصرة. منها كان الانطلاق بالإنجيل الى العالم. العنصرة كانت معمودية الكنيسة جمعاء. ثم الروح ينشئ سر المعمودية الذي يناله المؤمن. والروح هو الذي يقدس القرابين ويتمم بقية الأسرار وكل الأعمال التقديسية.

         بكلام آخر يأخذ هذا الخلاص الذي أتمه السيد دفعة واحدة ويجعلك تتناوله. بعبارة اخرى هو مفوض التوزيع للكنيسة مجتمعة وللمؤمنين افرادًا.

         أفي الأسرار الإلهية ام في التقديس الفردي نعطى ثمر الروح او إشعاع الثالوث المقدس وهو قوى غير مخلوقة. المؤمن تنسكب فيه “أنهار ماء حي” تفيض من الينبوع الإلهي. الروح القدس من حيث هو اقنوم لا ينقسم ولا نأخذ منه اجزاء. انت تأخذ ما يبثه فيك وما يبثه هو من الآب والابن ومنه. وهكذا تنحدر العنصرة على الكنيسة في كل قداس وتتجدد فيك لترفعك بالقداسة.

Continue reading
2002, جريدة النهار, مقالات

هل يخلص غير المسيحي؟ / السبت 22 حزيران 2002

يقضي تواضع المعرفة ألا ينصّب أحد نفسه ديّانا فالله وحده يدين القلوب. غير ان الكثيرين يحسبون أنهم وكلاء على هذا السر العظيم بدل ان يهتموا بخلاص أنفسهم هم. شرائح كثيرة تدعي انها تعرف الفرقة الناجية والفرقة الهالكة. وهذا أخذ حيزا من الفكر في غير ديانة. ولعل الضلالة الكبرى في الاوساط المسيحية مصدرها هذا القديس العظيم أوغسطينس الذي قال: «خارج الكنيسة ليس من خلاص». ولكن ما يشفع به انه وضع هذه القولة ضد هراطقة ظهروا في افريقيا في عصره وكان حلمه ان يردهم إلى الايمان القويم. والاصح من كلمته السلبية هذه ان نأتي بالتأكيد الايجابي: «الخلاص هو في الكنيسة» بمعنى انه عطاء المسيح.

ما يشوّش هذا البحث ان معظم المسيحيين الذين يطرحون هذا السؤال يطرحونه على هذه الصورة: هل يصعد غير المسيحي إلى السماء؟ السؤال الذي يرد عليهم هو ما السماء؟ في التصور الشعبي ان السماء هي فوق الفضاء وتظهر بعد فناء العالم. ولكن ليس في كتبنا ما يؤكد ان هذا العالم يفنى واننا تاليا سنسكن حيزا فوق الفضاء إذ ليس بعده الا الفضاء. ليس الله واقعا في المدى وإذا صرت أنت معه فلا يحدك مدى. والله ليس فوق ولا تحت أي ليس في مكان. والقضية كلها نوعية وجود وان يكون وجهك القائم من بين الاموات أمام وجه الله الذي ليس له وجه مادي.

إلى هذا فالإسلام لا يستعمل كلمة سماء للتحدث عن حالة البشر بعد بعثهم ولكنه يستعمل كلمة جنة ومفهومها آخر وهي حسية الا عند نفر قليل من المفسرين ولا سيما المتصوفة. وعلى المقلب الآخر الهنود والصينيون لا يؤمنون بالسماء واليهود ما آمنوا بها الا من بعد ظهور التلمود اي بعد المسيح بقرون. مبحث السماء بات إذا مبحثا مسيحيا صرفا. فالسؤال يصير إذا: هل في سماء المسيحيين غير المسيحيين؟ جوابي الفوري ان انجيل الدينونة لا يتكلم على المسيحيين اذ يقول فيه السيد: «كنت جائعا فأطعمتموني… رثوا الملك المعد لكم قبل انشاء العالم». ولا يدور اطلاقا فيه حديث عن المؤمنين بيسوع او غير المؤمنين. ولكنه يدور حول العمل الصالح.

#   #   #

غير ان ثمة في العهد الجديد حديثا آخر عن الدينونة. والقول الفصل هنا هو هذا: «من أخطأ بدون الناموس (أي شريعة موسى) فبدون الناموس يهلك. وكل من أخطأ في الناموس فبالناموس يدان… الأمم (أي الوثنيون) الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو الناموس فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبا في قلوبهم (رومية 2: 13-15). ومن المنطق ان ينقل هذا إلى الذين جاؤوا بعد المسيح فيقال ان الذين تبعوه يدانون بإنجيله ومن لم يتبعوه يدانون حسب ضمائرهم.

يبقى طبعا الكلام الشديد الوارد في مرقس: «من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يُدَن» (16: 16). غير ان هذا الكلام على اطلاقه يجب ان يفهم في إطار الجدل الذي قام بين السيد ويهود عصره الذين كان يفرض فيهم ان يؤمنوا بالسيد انطلاقا من كتبهم وأبوا التسليم للحق الظاهر في يسوع الناصري. إلى ذلك يؤكد الكتاب ان «الايمان بالخبر والخبر بكلمة الله» (رومية 11: 17) أو «كيف يؤمنون ان لم يُبشروا». فما من ايمان لم تسبقه بشارة. وما من مسؤولية نكران لمسيح بلا اخبار عنه. والواقع في الماضي ان الكثيرين لم يبلغهم الانجيل وان أربعة مليارات من الناس اليوم لم يسمع معظمهم بالمسيح. وغير صحيح ان هذه المليارات اقتنعت به ورفضته عمدا. ثم ما قوة المبشر وقدرته على الاقناع؟ وإذا كان اليقين من نعمة ربك ولم تنزل – وهذا في سر الله وحده – فكيف تدان هذه الجحافل من البشر؟

إلى هذا من يقنعني ان ألوفا مؤلفة من المدعوين مسيحيين هم أطهر من السيدة رابعة العدوية والحلاج أو المهاتما غاندي الذين دانوا بما دانوا به وان هؤلاء الأبرار الذين كانوا من خارج الكنيسة المنظورة معذبون في النار بما لم يخطئوا به؟ فالسؤال الأعمق هو من هو الإنسان العضو في الكنيسة»؟ هل الكنيسة هي مجموعة المعمدين حصرا أم هي جسد المسيح بمعنى امتداد المسيح إلى حيث يريد ان يمتد؟ لقد قال القديس البيزنطي نيقولاس كابازيلاس: «من لم تعمده الكنيسة (بالماء) يعمده عريس الكنيسة أي المسيح (بلا ماء)». التنظيم الكنسي يربط المسيحيين ولكنه لا يقيد المسيح نفسه الذي يعمل بلا وسيلة محسوسة.

#   #   #

ان اللغط الدائر حول موضوع الخلاص اعتقاد العامة انه نيل السماء والحقيقة ان الخلاص يكتسبه المرء نهائيا في الملكوت ولكنه يبدأ هنا بمعرفة المسيح المخلص. انه رؤية وحب ومراس. فاذا قلنا ان الخلاص بالمسيح لا نفكر أولا بالذهاب إلى السماء ولكن نفكر بالحياة في المسيح هنا. كل تأكيدات الكتاب ان يسوع يخلص البشر من خطاياهم وان هذا يتم بمعرفتهم الانجيل. «لا أحد يأتي إلى الآب إلاّ بي» (يوحنا 14: 6). كذلك: «ان الله لم يجعلنا للغضب بل لاقتناء الخلاص بربنا يسوع المسيح» (1تسالونيكي 5: 9).

المسيحيون يعتقدون بوضوح ان الكمال الروحي يقتنى بالمسيح وان ما أعلنه الله به هو اعلان نهائي عن الله أي انهم لا يرون المسيحية كشفاً مرحلياً عن الألوهة أو كشفاً قابلاً للنسخ أو الزيادة أو النقصان أو التنقيح. وفي هذا المنطق يذهبون إلى ان الكلمة الإلهية قائمة بين سفر التكوين وسفر الرؤيا بحيث انهم يقيسون حقيقة كل كلام آخر على الكتاب الذي بين أيديهم. وهذا ورد عندهم صراحة في مطلع الرسالة إلى العبرانيين: «الله بعدما كلم الآباء والأنبياء قديما بأنواع وطرق كثيرة كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه» (1: 1).

لذلك لا يرون أنفسهم مضطرين إلى ان يصدروا حكما في ما يقال خارجا عنهم. هذه هي المسيحية كما يراها اصحابها. غير ان هذا لا يحول دون تعظيمهم لكل حق وخير وجلال يقرأونه في الفكر الديني أو الفلسفي. واما ان يقال ان الرسالة المسيحية نسبية وان الأديان متساوية في العمق وفي الجوهر فما من شك في ان هذا يناقض التراث المسيحي المعروف.

#   #   #

يبقى السؤال هل يصعد أحد إلى السماء، هل يخلص نهائيا دون ان يمر بالمسيح؟ الجواب الأكيد في المنظور المسيحي انه لا بد ان تمر به بطريقة ما. لقد قال المسيح: «أنا الطريق والحق والحياة». هذا يوجب البشارة فانها أمر إلهي في العهد الجديد. ولكنا رأينا ان المسيح له ان ينقذ من يشاء بمعمودية وبغير معمودية. بتعبير آخر عمل المسيح يتم بالكنيسة لمن رآها وانضم اليها وقد يتم مباشرة بانعطاف المسيح على من يشاء. وفي هذا ليس يسوع في حاجة إلى الكنيسة – المؤسسة لينقذ من يشاء. أي ان هناك امكانا عنده ان يبث روحه ورؤيته ومحبته على الكائنات البشرية أكانت منتظمة في دين أم غير منتظمة.

في هذه القراءة قد تكون أنت للمسيح بعلم منه لا بعلم منك وتكون، إذ ذاك، قد أتيت به إلى الآب. وهذا لا يعرفه الا الآب. ولكن لا تخلص نفسك في اليوم الأخير ما لم تر الرؤية التي يكون المسيح قد سكبها في نفسك. وبتعبير أبسط تكون مسيحيا في السماء وغير مسيحي في الأرض.

هذا يلتقي ورأي القديس غريغوريوس النيصصي ان الشر لا يمكن ان يثبت أمام الله إلى الأبد وان الله سيزيل الجحيم. وهذا يلتقي والفكر الصريح عند القديس اسحق السرياني الذي صلى لخلاص الشيطان. ان الكنيسة لم تكفر هذين القديسين ولم ترفض رأيهما. هذا ليس عند المسيحيين عقيدة ولكنه موضوع رجاء. المسيحية لا تناقش الأديان الأخرى. تبحث في الأشخاص وتتمنى خلاصهم بالطريقة التي يعرفها الله وحده.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

احد الآباء/ الأحد 16 حزيران 2002 / العدد 24

في رسالة اليوم استدعى بولس قسوس الكنيسة اي الكهنة الذين من أفسس. وقال لهم ان الروح القدس أقامهم “اساقفة” اي مراقبين لكنيسة الله. فيما بعد صارت كلمة اساقفة تدل على رؤساء الكهنة حصرا. وهم مع الكهنة رعاة اي يلدون المسيحيين بالكلمة والأسرار والخدمة والعناية بكل واحد كما يرعى الأب اولاده.

         في العهد الذي تلا فترة الرسل ظهر من بين هؤلاء اساقفة وكهنة ورهبان بارزون سميناهم آباء الكنيسة لأن هؤلاء وَلَدونا في المسيح اي نقلوا الينا تعليمه في إطار ثقافة العصر الذي كانوا فيه يعيشون لأنه لا بد لك ان تترجم الإنجيل بلغة الناس، حسب مفاهيم الناس. وكان معظم هؤلاء مفسرين للكتاب المقدس. من أبرزهم يوحنا الذهبي الفم وباسيليوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتي وهؤلاء ندعوهم باللغة العربية الثلاثة الأقمار اي الذين التمعوا في سماء الكنيسة. كان هذا في القرن الرابع واوائل الخامس.

         غير انهم لم يكونوا وحيدين فقد ظهر غريغوريوس اسقف نيصص وهو أخو باسيليوس ومكسيموس المعترف ويوحنا الدمشقي وغريغوريوس بالاماس وسواهم.

         لم ينحصروا في التفسير ولكنهم ألقوا مواعظ ووضعوا كتبا في اللاهوت. وهي رسائل في مواضيع الخلق والخلاص والأسرار الكنسية كما وضعوا كتبا في الأخلاق وفي النسك. وكلهم كتبوا في الحياة الروحية اي في مكافحة الرذائل واكتساب الفضائل.

         وقد تفاعلوا مع الحياة الكنسية كلها. فكثير مما ألفوه دخل الى العبادة فاستقينا منهم ووضعنا اناشيدنا. غير ان اهم ما فيهم انهم جمعوا التعليم الى القداسة ولذلك سميناهم الآباء القديسين.

         بعضهم اشترك في المجامع المسكونية مثل اثناسيوس الذي كان روح المجمع النيقاوي (325) ووُضع فيه دستور الإيمان. فكانت المجامع تأتي من تعاليمهم كما ان تعاليمهم كانت المجامع تتخذها وتحولها الى عقائد اي كلمات هي لخلاصنا. فالثالوث القدوس الذي اوضحه المجمع الاول والمجمع الثاني (381) كتب فيه آباؤنا كثيرا. فعلى سبيل المثال وضع غريغوريوس اللاهوتي خمس مواعظ عن الثالوث مستقاة من هذين المجمعين. وقد اوضحوا مثلا الطبيعتين الإلهية والإنسانية في المسيح، وصاغ هذا التعليم المجمع الرابع (451).

         انهم استلموا كلام الرب فحافظوا على ما جاءهم في الأناجيل. فالإنجيل ممدود الى كتبهم بأسلوبهم والتعابير التي تلائم العصر وتردّ على الهرطقات. وتقيدوا بما أتى من الرسل بلا اجترار للكلمات ولكن بتفسيرها وتوضيحها.

         هم كتبوا في لغات زمانهم اي اليونانية واللاتينية والسريانية حسب البلدان التي كانوا يعيشون فيها. وآباؤنا الارثوذكسيون العرب الذين كتبوا في الإيمان المسيحي كانوا يستندون اليهم ويترجمون فكرهم لمنفعة العرب المسيحيين وغير المسيحيين.

         اهمية الآباء انهم يغذوننا بالفكر الحي المحيي بما يوافق التقليد الذي تسلموه ويكون هذا لنا سورا حتى لا نقفز خارج الإيمان المستقيم.

         بعض الذين كتبوه ترجم الى العربية قديما ولكن الكثير بقي مخطوطا. غير اننا في العصر الحديث نقلنا الكثير من هذا التراث وأسهم في هذا ابناء كنيستنا وابناء الكنائس الأخرى.

         اجل نحن غير مقيدين بكل حرف مما وضعه الآباء ولكنا مقيدون بما أجمعوا عليه، بالخطوط العريضة التي رسموها. ويأتي كل عصر مبدعا ومجددا ولكن بلا انحراف اذا استند على هذا الذي ورثناه. فالكنيسة متواصلة اجيالها وهي لا تردد الكلام ترداد ببغاء ولكنها تستلهمه وتخاطب الناس بلغة العصر بلا خيانة.

         نحن لم نولد اليوم. نحن مولودون من قديم وبهذا القديم نصبح ناسا جددا.

Continue reading
2002, جريدة النهار, مقالات

سياسة هذا البلد / السبت 15 حزيران 2002

السياسة أمر غاية في الرصانة قبل أن يرث الله الأرض وما عليها. انه تعبير عن أن الله يتوسط البشر لرعاية بعضهم بعضا صورة عن حكمه لهذه الدنيا قبل أن تزول الدنيا. ومن هذا القبيل أنها اعتراف بملك الله بدل من أن يملك الإنسان الإنسان. وإذا أبينا أن يملك الله نكون قد حجبنا أنفسنا عنه. وفي هذا لا تختلف المسيحية عن الإسلام إلا بوسائل ملكه فلا فرق في الجوهر بين حاكمية الله كما يقول بعض الإسلاميين أي بالشرع والفقه وان يحكم بالروح التي تملي المواقف هنا والآن كما تقول المسيحية. وقد لا يكون جوهريا فرق بين المؤمنين ودعاة العلمانية إلا من حيث أن الإلهيين يقولون بمرجعية ربهم والإنسانيين يقولون بمرجعية الأخلاق التي يولونها قيمة مطلقة أو شبه مطلقة باعتبار جوهر إنساني ثابت أو باعتبار قيم هي في خطوطها العريضة شبيهة بالكلمة الإلهية أو هي تعبير عنها بلغة الإنسانيات المعلمنة.

في هذا كله لا تفصل السياسة عن الأخلاقيات إلا في كون الأخلاقيات غير قسرية والسياسة قسرية على صعيد التنفيذ. بتعبير آخر ليست السياسة براغماتية محضة تتوخى النجاح في كل ثمن إذ تكون، إذ ذاك، سلوك لطرق الشهوة وأهمها التسلط الذي لا قيد له ولا يقيم حسابا للآخر.

وقد يكون الشعب اللبناني جاهلا لهذا كله أو رافضا لأنه في وعيه أو لاوعيه براغماتي حتى حدود المكيافيلية لكونه يريد أن يعيش بمعنى انه يبغي تأمين ديمومته على الأرض كائنة ما كانت سبل الديمومة. فالسباب وارد والحقد وارد مثل الكذب والتوبة مرجأة أو كأن هذا الشعب لا يؤمن إلا بأخلاق التعامل الفردي ولا يهمه طهارة التعامل في الشأن العام. وكأن هناك فصاما في الشخصية اللبنانية بين العام والخاص. وإذا أردنا المبالغة القصوى فهو يكذب ويزور ويحتال على القانون أي انه يخطئ فيقيم العبادات وينتسب إلى أديان غير ممارس أو غير عارف بمقتضيات دينه في المسلك المجتمعي كأن هذه الدنيا تدبير على مقتضى الحال بلا تقيد بوازع وغير مبال بقبول الله حاكما في أمور الأرض. بكلام آخر يجعل اللبناني إلهه في السماء لا تماس له والبشر في سلوكهم سبل دنياهم. وهذا جحود والجحود ليس فقط أن تنكر الله في وجوده ولكن أن تنكره في تسيير هذا العالم. وإذا قال المسيحي أن الله ضابط الكل فلكي يضبط ما في السماء لا ليضبط ما على الأرض لأنه يريد الأرض له لا لربه.

***

من هنا أن اللبناني لا يؤمن بالدولة التي يزكي وجودها أن تحفظ الأمن والعيش الكريم والحياة ولاسيما حياة الفقراء فيكون لها وجود بقدر ما تحرس وجودنا. واللبناني المستقل في أعماقه عن الدولة لا يريدها أن تكون كيانا عاما فوق الأفراد ولكنه يريدها بلا سلطة إذ لا يعترف إلا بسلطة نفسه أي بسلطان مصالحه دون النظر إلى مصالح الكل أي دون إيمان بأن الفرد ينوجد بكرامته وكرامة الجميع متلاحمتين.

لست أعلم إذا كانت هذه الفلسفة العملية ناتجة، كما قيل كثيرا، عن إن العثمانيين ربونا على إقطاع الأراضي أي على التفريق بين أسياد أقاموهم ومسودين سخروهم وعلى معرفتنا مثلا أن والي بيروت كان السلطان يعينه إذا قبل كلاهما الرشوة. كذلك لا أعلم إذا كانت مشاعرنا هذه مشتقة من الانتداب الذي كان يسلك سلوك التفريق بين الطوائف. كذلك يزين لي أن حكم الإمارة كان متصلا بسؤدد العائلات “الكريمة” ثم الحكم الوطني بعد الاستقلال شديد التواطؤ والطوائف أو كبيراتها. المهم أننا نؤمن بأن الشعب اللبناني مجرد جمهور تسوده قوى مختلفة مالية أو طائفية وهي وحدها شريكة الحكم الذي تبقى سياسته الدائمة حفظ التوازن بين القوى أي استمرار الأوضاع القائمة وليس عنده هاجس التخطي لهذه التوازنات بغية شد الوطن إلى وضع ديناميكي ينشئ توازنات جديدة فيها الكثير من العقل والكثير من إرادة تكوين وطن اي مكان يعيش فيه الناس بكرامة اقل بؤسا مما كان وأقرب إلى الازدهار والإبداع في حرية النماء.

لا يبدو أن شعبنا خارج معلومات ضحلة نالها على مقاعد المدرسة اكتسب أية قناعة بوجوب دولة إلا ما يجعل أمنه قائما. دولته في أفضل حال أبوية أو بطريركية. ولكنه في الزمان اللاحق للطائف وفي الأزمة التي نعيش لا يرى أن الحكم قادر أن يتقصى الجرائم ذات الطابع السياسي وكأن لسانه معقود أو قلمه مكسور إن بلغ عتبة المعرفة. فهذا الحد الأدنى من الأبوية لا يمارس. فإذا كان الشعب صامتا فالدولة تلازم الصمت منهجيا. ما يراه الناس أن الحكم مليء بالخبراء وان العلم الذي يحيط به متوفر ولكن العلم لا تفعيل له وكأن الدولة قابلة عجزها هيكلية لا مضمون لها.

على هذا المنوال عندنا خطاب منهجي وعندنا تنظير سياسي واقتصادي. غير أن الأكاديميات شيء والحكم شيء آخر. ويذهلني أن اسمع على الشاشة الصغيرة أو اقرأ في الصحف آراء تبدو سديدة ولا أفهم لماذا لا يصل هذا إلى حيز التنفيذ.

***

وكأن الدولة في حاجة إلى بساطة والى تدابير عملية تدخل إلينا بعض التعزيات. خذوا لكم مثل الخصخصة. هنا نسمع جعجعة ولا نرى طحينا. أفهم الاختلاف ولكن لست أفهم لماذا لا نختار فنوفق أو لا نوفق فالأفضل أن نخطئ من بعد قرار بدل أن نتقاعس عن أي قرار.

كذلك أفهم أن يقال إننا نسعى إلى تسديد خدمة الدين العام ونبقى مدينين. ولكني لم أقرأ حتى الآن أرقاما تثبت قدرتنا على إيفاء الفوائد وقدرتنا بعد عشر سنين او أكثر لإيفاء الدين. هذا الصمت المريع يذكرني بالنقاش الذي قام بين فاليري جيسكار دستان وفرنسوا ميتران عشية الانتخاب الأول الذي فاز به ميتران ودار بتهذيب كبير. لقد طرحا – على ما أذكر – ملفات وزارات كثيرة واختلفا فنيا بالحلول. واذكر في الجانب المالي والاقتصادي اختلافهما على أرقام وبعض الاختلاف كان على الأرقام الواردة بعد الفاصلة التي تلت الرقم الأساسي الذي أقرّاه. بكلام آخر بعض السياسة علم وهذا يبدو قليلا عندنا في مجال أو غير مجال.

ما العمل؟ قيل الأحزاب وأرى غير حزب متفرقًا في داخله أو متصادمًا وكأنه هو أيضا صورة عن هذا الشعب اللبناني في تبعثره. كذلك أرى أن ما يسود المشهد السياسي ولاء لشخص نافذ تفحص القلة ممارسته السياسية السابقة وأخلاقه فيها وكأن ما يربطنا سياسيا هو الإيمان بأفراد كما يأتي بهم واقعهم، أخطأوا قديما وسيخطئون وعليك ظاهريا أن تسلم أمرك إليهم وفي حقيقتهم هم إنهم ساعون إلى استمرار نفوذهم بتسخيرك ولك عليهم تفويضهم بتوظيف احد أبنائك أو دعمك بمخالفة القانون لكون القانون مقلقا للبناني ويحسه نيرا في رقبته.

***

إلى أين نحن سائرون؟ أظن أننا في هذا التفكك العام لدولة لا يؤمن بها احد لا بد من حلول جزئية في هذا المضمار أو ذاك نعرف فاعليتها بارتباطها بمجالات أخرى. قانون الانتخاب قد يكون له أولية بحيث يأتي النواب – في غياب الأحزاب – ممثلين حقيقيين لمن كان اقرب إليهم في منطقتهم فيشعر الناخب انه هو الذي أرسل من ينوب عنه. غير أن هذا يفترض نزاهة كبرى في عمليات الاقتراع ومراعاة للقانون ما أمكن كمالها. ولعل هذا الأمر منوط اليوم برئيس الجمهورية الحالي الذي يثق به المواطنون من هذه الجهة. فقد ينبثق عن هذا المجلس حكومة تأتي بتدابير عملية في مجال الاقتصاد وتكون على شجاعة كبرى بحيث لا يملى عليه شيء من فوق.

تعرفون أنفسكم براغماتيين. فليكن بعض من هذا، وعلى ضوء هذه الروح العاملة بإخلاص ينظر في الإنفاق بابا بابا وتولى لأهمية القصوى للثقافة والتربية. ربما إذا تثقف اللبناني روحيا ثم علميا، حقيقة، يستطيع أن يفهم حتى يبني المجتمع واحدا ويتبنى الديموقراطية تربية لا شكلا. ربما قدر أن ينتخب واعيا وان يرفض وصاية زعماء نصبوا أنفسهم قادة للأمة وليس عندهم قماشة القادة الحكماء. ما من ديموقراطية بلا وعي شخصي للإنسان الآخر.

إلى جانب هذا الفقراء الذين التقيهم كل يوم وهم الشريحة التي تحس أن الدولة ليست عندها وسائل ترقيتهم وضرب تهميشهم ويحسون بأنهم في أيدي الأثرياء الذين لا يثرون إلا أنفسهم.

إذا صح كل هذا لا تبقى الدولة حكواتية. متى تصير عظيمة حتى لا يستضعها الكبار، أجانب كانوا أم غرباء، فيرتفع صوتها عاليا فلا تبقى متغنية بجمال لبنان بل تجعله جميلاً حقًا.

Continue reading

Popular posts

2010 / السبت 26 كانون الأول 2009

كل الأزمنة رديئة لأن أهل السياسة يظنون انهم يصنعونها. ليس انهم سيئون. كل فئة من الشعب ملوثة او بعض منها ملوّث. الزمان الذي يسمح له الله ان يكون ينسى...

المسيح يحيا فيّ / الأحد 21 تشرين الأول 2007 / العدد 42

في الرسالة الى أهل غلاطية منشغل بولس الرسول اننا لا نتبرر بأعمال الناموس الموسوي ولكن بالإيمان بيسوع المسيح. فالمسيح غاية الشريعة القديمة. فقد بطل الناموس يحييني وما حيا به...