2004, مقالات, نشرة رعيتي

عيد ارتفاع الصليب/ الأحد في 12 أيلول 2004 / العدد 37

عند بعض الناس ينتهي العيد بالنار التي تشعل في ساحة الضيعة أو الحي او بالشموع تضاء على الشرفات. اما العيد فنشأ من اكتشاف القديسة هيلانة ام القديس قسطنطين الكبير لصليب المسيح وذلك بعد انعقاد المجمع النيقاوي (325). فلما وجدته والقبر قربه كما يقول الإنجيل بنت فوق القبر كنيسة القيامة. ثم استولى الفرس على اورشليم السنة 614 واخذوا عود الصليب إلى عاصمتهم المدائن حيث بقي بضع سنين ثم اعاده ملك الروم هرقل إلى اورشليم واخذت بطريركية اورشليم توزعه على الكنائس والمؤمنين ذخائر.

            احتفالا بهذا الحدث في آخر سحرية العيد نضع صليبا على صينية عليها ثلاث شموع رمزا للثالوث المقدس ومحاطا بالرياحين او الزهور ونطوف به ونضعه على طاولة مرتلين طلبات مختلفة على جوانب الطاولة الأربعة فيرفع الكاهن الصليب إلى فوق ثم ينزله إلى الأرض ونرتل “يا رب ارحم” 500 مرة استغفارا ثم يقبّل المؤمنون الصليب ويدفع اليهم الكاهن زهرة علامة للفرح ويبدأ القداس.

            الصليب عندنا مرسوم عليه المصلوب او منحوت، ونعتبره الأيقونة المثلى لأنها أيقونة الخلاص. فنحن لا نعانق الصليب ولكن نعانق المصلوب. واذا رسمنا إشارة الصليب على وجوهنا وصدورنا ينبغي الا يكون هذا آليا ولكنا نصغي إلى الكلمات التي ترافق الإشارة (باسم الآب… او قدوس الله وكلمات اخرى مماثلة). فالإشارة تكون غالبا مرافقة لانحناء. فكل إشارة صليب تتضمن سجودا لله. ونعلق الصليب في عنقنا من بعد المعمودية (وهذه عادة يجب الا تضيع). لا نقصد بذلك انه مثل حرز او حماية. انه تعهد واعٍ على اننا نخص يسوع. هي شهادة من قبلنا اننا له.

            فعندما نقول: “احفظ بقوة صليبك جميع المختصين بك” نكون طالبين لا فاعلية سِحْرية من هذه الأداة ولكن قوة الخلاص الذي احرزناه بموت المسيح على الخشبة. دائما يجب ان نسعى إلى المعاني التي هي وراء الرموز. يقول المؤرخون ان القديس قسطنطين رأى إشارة الصليب في الجو لما كان يحارب وسمع صوتا يقول له: “بهذا تغلب”. نحن لا يهمنا انتصار جيش قسطنطين. يهمنا ان نغلب الأعداء غير المنظورين اي روح الشر وخطايانا. واذا وُضع الصليب على مقبرتنا فلكوننا مؤمنين اننا رقدنا “على رجاء القيامة والحياة الأبدية”.

            الصليب يعطينا السلام والهدوء ولا يدفعنا إلى تعذيب اجسادنا. نحن لا نضرب اجسادنا ولا نفرح بالمرض. نفرح بالشفاء والصبر اذا كنا على مرض. “فبالصليب أتى الفرح لكل العالم” ولم تأتِ المآسي. التقشف عندنا بالصوم ليس قهرا للنفس ولكنه ضبط للشهوات المثارة في النفس. فالمسيح لا يبعث بمرض. انه شفى البرص والعميان والصم والمفلوجين وأقام الموتى. ليس احد عظيما اذا تألم ولكنه قد يصير بارا اذا تجاوز الألم إلى الفرح الذي رمزه القيامة.

            يسوع يدعونا اليوم إلى العمق الروحي استعدادا للعيد. لذلك قال في الانجيل: “هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية”. الصليب علامة محبة الله لنا، فهل من حب اعظم من ان يبذل الانسان نفسه عن احبائه؟ لقد قبل يسوع الموت لكي نكتشف محبة الله العظيمة فنرد المحبة بالمحبة. ولكن لا نستطيع ان نحيا المحبة ما لم نرجع عن اخطائنا وخطايانا. هي التي يجب ان نسمّرها على الصليب لكي تبقى فينا الحياة الدائمة التي ورثناها من المسيح.

            لا تقولوا المسيحية صعبة. اجل هي مُكلفة لانها تتطلب ان نبيد كل انانية فينا وكل حقد وبغض وكل شهوة مؤذية. فاذا استقرت هذه فينا لا يبقى فينا فرح المسيح. عيد ارتفاع الصليب هو عيد ارتفاعنا بالصليب. هو عيد الفرح الذي يشبه يوم الجمعة العظيم الذي نستهل به الفصح.

Continue reading
2004, جريدة النهار, مقالات

عيد رفع الصليب / السبت 11 أيلول 2004

هذا ما يسميه العامة، مختصرين، عيد الصليب ونقيمه في الرابع عشر من ايلول. ولست بمستفيض في الحديث عن اصل العيد ولكل عيد اصول تاريخية.  هذا تذكار لما هو معروف عند المسيحيين  باكتشاف هيلانة ام قسطنطين الملك العود الذي صلب عليه يسوع وتم لها بعد انعقاد المجمع النيقاوي في السنة الـ 325، ذلك ان قسطنطين الكبير اوفد والدته الى اورشليم  وهي القدس  عند العرب كي تبني كنائس في فلسطين. فوجدت خشبة الصليب الحقيقي تحت هيكل عشتروت الذي كان قد بناه الامبراطور ادريانوس وذلك حسبما دلها على ذلك مؤمنو المدينة فرفعه اسقف المدينة مكاريوس وبارك الشعب به وصرخ الشعب “يا رب ارحم”.

ثم استولى الفرس على اورشليم السنة الـ 614 واخذوا عود الصليب الى عاصمتهم المدائن حيث بقي بضع سنين فأعاده ملك الروم  هرقل الى القدس. هذا تاريخ العيد. فوضعت له رتبة طواف في الكنائس وعند الارثوذكس يرفعه الكاهن فوق رأسه محاطا بالرياحين وشموع ثلاث ثم ينزل به  الى الارض ويرفعه خمس مرات والناس يرتلون “يا رب ارحم” ويأتون بعد ذلك للتبرك به. هنا اوضح ان كل ما يحتسبه بعض انه سجود لصورة انما هو انحناء للذي رُفع عليها اعني المسيح  وليس لمادة الخشب او لمعدن. فالقول بأن المسيحيين يعبدون الصليب اذ “يسجدون” له قول خال من الاساس في دينهم.

لماذا احيطت الذكرى بابتهاج كبير اكان هذا في البيعة ام في مسرات  الاولاد؟ من ابتغى الفهم عليه ان ينفذ الى العمق. والعمق ان الفرح فرح بمن عُلّق على هذه الخشبة مخلصا وليس بأن هيلانة وجدت ما وجدت. وما مرادي هنا ان اقنع احدا  بأن خلاصا الهيا وحبا الهيا  شملاه. الكنيسة تنظم اعيادها على طريقة  الرمز وليس فقط من طريق الكلام المتلو. انها تقول من طريق الحركة بما فيها الكلام.  هكذا اذا علّق المسيحي صليبا في عنقه فليس هذا يحفظه من الاذى كأن الفعل الالهي مستقر في هذه الايقونة.  ليس في الايقونة فاعلية لمجرد وجودها. ماذا يريد المسيحي اذا سلمه عرابه عند المعمودية صليبا؟ يريد انه عانق المخلص وانه ينوي ان يبقى له. هذه عملية التزام دائم. ان يحوّل هذا الى اعتقاد سحري، الى طلسم فهذا شأنه، ولكني لست، بسبب من هذا الخطر، الغي رمزا تعليميا يدفع القلب الى تحرك. واذا وضعنا صليبا على قبر فلكي نقول ان المدفون هنا انما يرقد “على رجاء القيامة والحياة الابدية” التي فجرها في الكون صليب المسيح.

كذلك اذا رفعناه على قباب الكنائس فلكي نشهد اننا اخصاء المصلوب واننا ننوي ان “نصلب الجسد مع الاهواء والشهوات” كما يقول بولس الرسول. نحن نحاول حقا ان نتحرر من الشهوة لان المعلم دعانا الى ذلك وتأتي حريتنا من الكلام الذي قيل ومن الرموز التي تجسد الكلام. هذه طريقتنا اننا نسكب الايمان فناً كما نسكبه شعرا. انت تفهمنا من تعابيرنا.

* * *

والامر الجلل اننا على هذا منذ الفي سنة وان من خطابنا عليه ان يدرك هذه اللغة. انا لا اطلب غير الفهم وانت تبقى فهيما ولو لم تقتنع. الانسان اليوم يحاور ولا يأتي فقط من منطقة. فقط من دخل صميم الاخر لا يعتبره يهذي.

المسيحيون عاشوا على هذا الفي سنة واستقاموا به وفرحوا به واستشهدوا. اذا كانت عبقريتهم التاريخية في هذه الشهادة واذا قام عليها الطاهرون منهم لا تستطيع انت ان تقول هذا هراء بهراء. لك ان تسأل من اين اتتهم هذه الشجاعة المذهلة وهذا الاصرار الموصول. الجواب الوحيد انهم آمنوا بموت المسيح على الجلجلة وبقيامته واصروا ليس فقط على التشبه به ولكن لاحظ مؤرخو حركتهم انهم لم يتقووا الا بهذا التشبه. هذا اذاً – على صعيد التأمل – ما تتعامل انت واياه.

يعلنون التصاقهم بحبه اذا صلّبوا وجوههم (أي اذا رسموا اشارة الصليب عليهم). قد تكون عند بعض تحركا آليا. الله يدين. ولكن لمن دخل ملكوت المعاني انهم يريدون انهم متحدون بالمصلوب.

الودعاء منا ليسوا مسؤولين عن الذين سخروا الصليب الى اشارة قتال (كالصليبيين) او افتخار عنصري (كالنازيين). الودعاء ما هم بصالبين. انهم مصلوبون اذ يحملون قضية الانسان المعذب. جراحه جراحهم وما لم تصر كل الشعوب المسيحية في خدمة الانسانية المعذبة لن تذوق هذه الانسانية عذوبة يسوع. كل ما ارجوه في هذه العجالة ان يصبح المسيحيون في حالة التضحية الكاملة لانهم اذا اتخذوا هذه الصورة يراهم الآب.

واذا شوهدوا مصابين بالآلام تراهم البشرية فصحيين. الفصحية هي هذه الانتصار الدائم على الانانية والانغلاق وحدة الطبع والخوف. واذا لامسوا الانسانية بهذه الحلاوة تحلو الدنيا لابنائها وعندئذ فقط يتم لقاء الود بينهم وبين الاخرين.

* * *

اذا فهم المسيحيون الفصح لا يسعون الى تعذيب اجسادهم باطلا. لقد ارتضى المسيح الالم لكي يرفع الالم عنا. فعندما يقول بولس في رسالته الى اهل كولوسي: “اميتوا اذاً أعضاءكم التي على الارض” يفسر انها الزنى والفحشاء والطمع وما الى ذلك. فالجسد مدعو الى الحياة والعافية في سبيل الخدمة فليس في المسيحية هروب من السعادة بمعناها الطيب. هناك يقظة في كل شيء لئلا نظن ان السعادة تعبر، ضرورة، عن الرضاء الالهي. لذلك ليس من تقشف عندنا يدعو هذا وذاك من الناس يوم الجمعة العظيمة الى ان يسمر يديه او ان يحمل بعض القوم احمالا ثقيلة على مسطح خشبي عليه تماثيل ثقيلة. فاذا كان التعذيب لا يقرب الى الله لا نعتبر ان وجع المرضى في جوهره يقرب الى الله. الله لا يبعث بالوجع. يبعث بالشفاء. والصبر هو الشفاء. ان جانبا اساسيا في رسالة المسيح انه شفى البرص والعميان والعرج ومن اليهم ورأى الانجيل ان حصول هؤلاء على معجزات من المعلم علامة من علامات الملكوت.

لا، نحن ديانة الفرح بما يتضمن من اللذات احيانا اذا روقبت واعتدلت. يمتد الصليب فينا قيامة ولا يمتد مسامير وطعن حربة. تحت غطاء التقشف الساعون الى الالم وممارسوه في شيء من المازوشية انما يؤكدون انفسهم بما يشبه التقوى.

* * *

هناك شيء اساسي في مقاربة المسيحية انها ابسط مما تصور الكثير من علماء اوروبا او بعض من كتاب الشرق. هي ليست بناية فلسفية اطلاقا ولا هي بخاصة دمج بين الانجيل والفلسفة اليونانية. ان هي الا وحي يوحى. والكلام فيها هو فقط كلام على محبة الله في ذاته ومحبته للانسان ولذلك كانت صليبا وقيامة ولا يزاد على ذلك شيء. حتى الفكر الكاثوليكي لما استعان بالفلسفة في القرون الوسطى كما عند توما الاكويني ابى ان يكون مزجا بين الانجيل والهلينية. والذين قالوا في هذه المنطقة ان المجمع النيقاوي الذي تحدث عن الوهية المسيح كان محاولة تلفيق بين الانجيل والحكمة اليونانية لم يفهموا شيئا عما جرى في هذا المجمع. كان سعي الآباء في توضيح هذه العقيدة ان يكونوا انجيليين فقط ومن الواضح لمن يتتبع الامور ان جهد الاباء كان دائما الا يتجاوزوا ما تسلموه من الوحي. لا يسعك ان تتصور مدافعا عن الايمان كبيرا يقبل بأن يضيف الى كلام الايمان كلاما بشريا والفلسفة عندهم كانت صنع الناس ولو رأى بعضهم ان بينها وبين الانجيل تقاربا او انها هيئت له. وما سمي عندنا عقيدة لم يكن سوى استعمال لمقولات يونانية لينقل بها الوحي.

في سيطرة الحضارة اليونانية لما كان اهل البدع يأتون هم بمعان يونانية ليحولوا اليها الانجيل او ليقرأوه على ضوئها اضطر الاباء الى ان يستعملوا الفاظا من هذه الحضارة دفاعا عن الايمان. ولو لم تظهر الهرطقات لما لجأ آباؤنا الى استعارة مفاهيم يونانية ينقلون بها الانجيل مع محافظتهم على النص. واي كتاب في العقيدة عندنا انما يسعى واضعه الى ان يبين اننا لم نخرج عن الكتاب الالهي. هو سير التاريخ الذي ارغمنا على ان نتكلم بمقولات التاريخ الحضاري. نحن نزعم اننا قادرون على ان نرد اية عقيدة (الثالوث، التجسد) الى آيات بسيطة ولنا ان نربطها بعضها ببعض دون الاحتماء بالمجموعة العقدية التي عندنا. الثالوث والتجسد والمعمودية والقربان وما اليها ان هي الا طرق مختلفة للتعبير عن الحب الالهي. خارج هذا الحب ليس عندنا شيء لذلك نؤكد سر الصليب والقيامة التي تفجرت منه على انهما تعبير ان في سيرة المسيح عن انعطاف الله علينا. واذا ازلتهما حادثين في ما عاشه السيد لا يبقى عندنا شيء.

ما يسمى الاخلاق الانجيلية مرتبط كله بهاتين الحادثتين. الانجيل بناية متكاملة متراصة تحتوي على الايمان كله وعلى الاخلاق كثمرة للايمان. ولا تستطيع ان تفك المناقب الانجيلية عن الايمان الذي تنبع منه. لذلك اذا عيدنا في الرابع عشر من ايلول لارتفاع الصليب نكون معيدين لصميم ايماننا. ان هذا العيد هو طريقة اخرى نقيم بها سر اسبوع الآلام. نحن نأخذ ثلاثية الجمعة العظيمة وسبت النور وعيد القيامة لنجعلها معمودية وقربانا واعيادا مختلفة. اعياد الشهداء اسلوب آخر لنحتفل بالصليب والقيامة. كل ما عندنا تصوير لمجد وجه المسيح في سر فدائه.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الغضب/ الأحد في 5 ايلول 2004 / العدد 36

عندنا توصية من القديس باسيليوس الكبير ان يعطي الإنسان صوته الحجم الذي يحتاج إليه ليصل الصوت إلى من تخاطبه. أكثر من هذا يكون صراخا. السيد كان يؤنب ولم يكن يصرخ. لهذا قال عنه متى: «لم يسمع احد صوته في الشوارع». كل إنسان معك هو جليسك ولست في حاجة إلى صياح. فهذا الذي تجالس يطلب منك المعنى. والمعنى لا يقوى بالصراخ.

أي من سمعك تصرخ في وجهه يعتبرك خصمه ولو كان كلامك إليه مهذبا. انه دائما يتأذى من الصوت العالي. أية ثورة غضب إقصاء للآخر وقد يحسّه إذلالا له ويحسّك أنت مستعليا. لذلك طلب بولس إلى تلميذه تيموثاوس الا يزجر شيخا (1تيموثاوس 5: 6). في هذا المنطق أقول لا تزجر الفقراء. يحسون انك تحتقرهم. أجل عليك ان تؤدب الناس حسب الظرف ولكن هذا ممكن بالحنان والرأفة. وان أخطأ إليك أخوك فعاقبه من اجل إصلاحه فأنت لست ضده. أنت ضد خطيئته فقط لأن الخاطئ حبيب الله أيضا.

الغضب عدوان. لذلك قال السيد: «لا تقتل، فإن من يقتل يستوجب حكم القضاء. أما أنا فأقول لكم: من غضب على أخيه استوجب حكم القضاء» (متى 5: 21). كل غضب نوع من الضرب. بيِّن للخاطئ خطأه بهدوء كامل فيشعر انك تهديه. أما إذا علا صوتك فيحس انك «عم تفشّ خلقك» عليه ولا تريد ان تهديه.

واعلم ان الغضوب في أكثر المرات ليس له سلطان على لسانه فيتلفظ بأصوات مشوهة ويختل نبض قلبه وتحس ان قوة غريبة ليست من الله تسكنه. وأحيانا يصل إلى العنف الجسدي وتتشوش قدرته العقلية. يخسر حكمه الصالح في الأشياء وتتدحرج كلماته المصوتة كتدحرج الصخر ولا يقدر ان يقتنع إذا أجبته لأنه منشغل بتهشيمك.

خف من الغضب الكامن الذي لا تعبّر عنه باللسان. هذا قد يكون قويا كالغضب الظاهر وأكثر خبثا أحيانا.

وحتى تصل إلى الهدوء، لا تتكلم أبدا إذا أحسست ان قوة تصعد من صدرك إلى حلقك ليتفجر، فاسكت وارتح. صلِّ فورا دقيقتين في داخلك وصلّ من أجل الذي هو أمامك ويثير فيك الغضب. وانس الأهانة إذا أهانك أو ثقل دمه أو كذبه أو معارضته لك ولا تردّ له شره بإعلاء صوتك فإنك إذا أحببته في هذه اللحظة أو غفرت له لكونه ضعيفا وضممته إلى قلبك لا يمكن ان تغضب.

لك ان تتمرد على الشر الذي تراه، ولكن لا يشفى الشر بالشر. خذ هذا الذي أثارك إلى الموقف الصالح لأن مبتغاك لا ان تنتقم لنفسك بل لتصلحه. لا تقم نتؤا أمام نتؤ. اضرب غلاظة من أثارك بالوداعة فإنها من الروح القدس.

مرة قال لغاندي أصحابه: لماذا تبشرنا باللاعنف. ان صاحبك يسوع أخذ السوط وضرب به باعة الحمام والصيارفة. أجابهم: ان يسوع كان دائما وديعا. فإذا كنتم قادرين ان تتحلوا بالوداعة أسمح لكم بالعنف. المقصود من هذا الجواب ان من يغضب لا تكون عنده وداعة إذا غضب.

أنت عليك ان تبقى مستقلا عما حولك، حرا من الشرور التي تراها. فكرّ دائما بما ينفع الخاطئ روحيا وقُدْه بهدوئك إلى الهدوء. اجعل السلام في نفسك. هذا يتطلب منك صلاة غير منقطعة. وإذا كان الغضب عيبك الأكبر فاطلب من الرب ان ينجّيك منه. ركز في صلاتك على هذا الطلب. فإذا رأيت ان القادم إليك من شأنه ان يثيرك فصلّ فورا عند دخولك عليه. وإذا جادلت في أمر فلا تتمسك بالصغائر ولا بالدفاع عن قضية يتبين لك انها غير صحيحة.

انما الهدوء الكبير يحصل عندك ان تجردت من الشهوات كلها. فعشق المال والجسد والوجاهة والسلطة سبب مباشر للغضب. وإذا تمسكت بأية شهوة من هذه فأنت غاضب حتما للدفاع عنها إذا عرقلك احد دون تحقيقها. السلام الداخلي شرط لسلام الكلمة وسلامة التعبير. عندما يعلو صوتك تأكد انك لم تتحرر من الشهوة. اعرف شهوتك واضربها يسلم لسانك من الصراخ.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

شهوة المال/ الأحد 29 آب 2004 / العدد 35

حذّرنا السيد كثيرا من شهوة المال ومن ازدياده بلا حدود سواء أكان عندك أم لم يكن. فلا فرق بين الغني والفقير إذا سيطر عشق المال على نفسهما فالخطر ليس بوجوده بل باستبداده.

         ليس الإغراء في الثراء بالضرورة فقد تكون ثريا ومتواضعا. الخطر في اقتناء المال ان تصبح مستغنيا عن الآخرين. هذا هو معنى كلمة غني باللغة. ما يريده الله منك ان تحس بحاجتك إلى الآخرين سواء أعطيت أو أخذت. العلاقة في هذا المجال وفي غيره هي المشاركة وروح المشاركة. فإذا كنت كذلك فالآخر في قلبك وليس ماله في قلبك.

         اذكر قول المعلم: «لا يقدر احد ان يخدم سيدين، لأنه إمّا ان يبغض الواحد ويحب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون ان تخدموا الله والمال» (متى 6: 4). للمال هذه القوة عليك ان يصبح معبودك، وفي هذا قال القديس يوحنا الذهبي الفم: «ان حبه يغلب كل حب ويطرد من النفس كل رغبة أخرى».

         في هذا المنحى قال بولس الرسول: «ان الطمع عبادة وثن» (كولوسي 3: 5 وافسس 5: 5). لم يقل الكتاب لا تجنِ من عمل أتعابك. انه قال الا ننهمك، الا يصبح شيء مادي هاجسنا الأول فيخطفنا عن المسيح. يمكن ان تحمي نفسك من غدك لأن هذا هو الاقتصاد الذي في ظله نعيش. فلما قال السيد: «لا تهتموا للغد»، لم يقصد الا تنتظروا عملا في الغد. ولكنه أراد الا يطيش الغد عقلك. أنت تعمل لليوم وللغد، ولكن لا تضطرب لشيء. هناك مسعى ومع المسعى رجاء.

         الفكرة المسيطرة على موضوع الاقتناء هو ان الأموال ليست لأحد من حيث الملك بمعنى انك تستعمل الغنى كوكيل عليه وليس كمستمتع. أنت مؤتمن على أرزاق الله. لذلك تستعملها لك وللآخرين. تأخذ منها ما يكفيك ولا تبذخ ولا تبطر إذا كان عندك الكثير. القاعدة ان تسلك -ولو غنيا- في حشمة فلا تفلش ما عندك فلشا لتسحر الآخرين بما عندك أو لتغويهم. أنت وما عندك في خدمة الآخرين. أنت غير مخيَّر بين العطاء والبخل. لذلك قالت المزامير: «بدّدَ، أعطى المساكين فيدوم بِرُّه إلى الأبد». لا تسأل أي مبلغ اليوم أعطي. أنت على قدر محبتك تبذل، وعليك ان تقوي رغبتك في البذل لكي تهرب من عبودية المقتنى. اسهر على الا تنفق مبالغ خيالية على ضيوفك وأعراس بنيك. عش في حياء وخفر وعفة.

          السيد لم يرذل الأغنياء. كشف فقط الأخطار الروحية المحدقة بهم، وهي تحدق بكل إنسان حصل على حسنات الدنيا. فالخطر يهدد الإنسان الجميل والإنسان المثقف. أي من اعتد بما عنده -مالا كان أم جمالا أم ثقافة- يعسر عليه دخول ملكوت السموات، لذلك نطلب «نباهة النفس» أو اليقظة الروحية لئلا نقع في التجربة.

         غير ان الخطر الكبير المحيط بالغنى ان يقع في تجربة التسلط. تلك الخطيئة لا بعدها خطيئة لأنها إقصاء للآخرين وإلغاء لهم. ان تكون أنت السيد يعني انك قبلت الا يكون الرب هو السيد. فاهرب من التبجح والمجد الباطل. واهرب خصوصا من ان تستعلي على الطاهرين والمتّقين الرب.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

تداول الخدمة/ الأحد في 22 آب 2004 / العدد 34

تداول السلطة في الحكم حتى لا ينتشر الاستبداد يقابله تداول الخدمة في مجالس الرعية. أفراد-سنديانات يلحون على البقاء فيها وإن لم يعلنوها. لا أنفي غيرتهم وقد نتبارك بتقواهم. غير ان المجمع المقدس لم يرَ هذا في تنظيمه هذه المجالس. انه أصرّ على تداول بين الناس على الخدمة وذلك تعبيرا عن مشاركة كل المتحمسين الفاهمين الورعين. لا ينكر احد على السنديانة جذورها، ولكن هنا شجر آخر له ايضا منعته وله نضارته. انت، كبيرا في قومك، موجود. وهذه نعمة نشكر لله اياها. ولكنّ غيرك موجود ايضا. ولكونك، عظيما، تركت تراثا فيأتي من يحمله وانت تذهب عن هيئة علمانية قائمة للعطاء ولكنك لن تذهب عن الكنيسة حيث لك ان تعطي بالمحبة والنصح. يجب ان نتعلم الذهاب لكي نوحي ان سوانا قادر ايضا على العطاء.

            والأشياء عندنا قائمة على التجربة. جربناك مشكورا مع ان المؤمن لا ينتظر شكرانا. وينبغي ان نجرب غيرك. فاذا كانت الكرة الأرضية لا يتوقف سيرها عند موت أحد منا، فلا تتعطل هيئة او جماعة خادمة اذا غادرها احد ليؤتى بمثله، ولست أقول من هو افضل فأنا لا أفاضل.

            ان نذهب عن مكان أمر نتدرب فيه على التواضع الذي بدونه لا يصل احد الى السماء. وما هو بالأهمية نفسها انه حرام على بعض ان يعطّلوا وقت المطران بزعلهم او احتجاجهم، والحجة الوحيدة التي يبدونها او يضمرونها انه لا يستغنى عنهم. كل انسان اذا استغني عنه في موضع محدد تبقى له مكانته في الفهم وفي الإرشاد وفي المحبة. ولتتحمل كواهل الشباب اثقالا حملتموها بإخلاص حتى يتمرس شبابنا على النضج فنفرح جميعا.

            الى هذا لا يجوز ان تأخذوا انتباهي وقوتي بلعبة التوازنات كما رسمتموها لأنفسكم. فاذا سايرت قرية من حين الى آخر حفاظا على هدوئكم لا يعني هذا اني مقتنع بهذه اللعبة. انا أصطفي من احسبه كفؤًا للخدمة او بمن نُقل الي انه صالح لها. احد في هذه الدنيا يجب ان يقول الكلام الفصل. انا افهم ان نقوم بانتخابات ديموقراطية حيث يأتي كل راشد الى قاعة الكنيسة لينتخب، ومعنى ذلك ان نحصي الراشدين وان نسجلهم على لوائح شطب. وهذا يعني لعبة مرشحين. لكم هذا ولكم ان يعيّنكم المطران وفق التحقيقات التي يقوم بها، وهناك استحالة ان يحظى من عيّنهم المطران بموافقة الجميع. بكلام أبسط ينبغي ان نرضخ للقرار بانتظار الأفضل بعد فترة إكمال الأسماء او اكتمال مدة الولاية.

            ان اقوم انا والكهنة بخدمتكم الروحية وان تصل اليكم كلمة الله وان أفرح لأفراحكم وأحزن لحزنكم هذا اهم من هذه التشكيلة البسيطة التي تدعى مجالس رعية.

            ان يظهر مجلس يقوم بالخدمة كاملة ويكون مخلصا للوقف وماليته وان يحرك الثقافة الارثوذكسية، ان يكون هذا فيه تمجيد لله أكان بكم ام كان بآخرين. لا مجال للتنافس فهذه هيأة ليس فيها مجد، والتنافس يكون في العطاء والبر وكلاهما نحياهما معا في كنيسة المسيح.

            كل اختلاف حول تشكيل مجالس الرعايا تخريب للكنيسة وحزن لي شديد. لا تنشغلوا بالتافه. اهتموا لخلاص نفوسكم. هناك اشياء لا تزال جامدة بسبب هذا التسابق غير المشروع. اذا اردتم الا تَدَعوني أخشى الانقسامات لا تنفعلوا اذا لم تأتِ التعيينات وفق ما انتظرتموها. قلت لكم ان المطران وحده يقول الكلمة الأخيرة.

            فاذا صدرت هذه فلا بد من قبولها لئلا تعم الفوضى. لا يمكن ان نبقي الكلام في دكاكين الضيعة او زوايا الشوارع وان تظهر بيننا الحزازات. نحتاج الى ان نمشي الى الأمام وإلا يتأكلنا الموت الروحي.

Continue reading
2004, جريدة النهار, مقالات

المال / السبت 21 آب 2004

المال ان اعطيته يغنيك، يتحول فيك الى ثراء روحي. لك ان تجعله صنما او تجعله اداة. هو بحد نفسه ليس سيئا ولا حسنا. يصبح وسيلة عيش للفقراء ومن عف من الاغنياء وعف اي من استغنى قلبه عنه وامتلأ من الكلمة وجعلها كنزه. واما من ابتلع المال يبتلعه المال. اذذاك انت عبده وقد لا يستعبدك شيء مثله بسبب ما وراءه من قدرة. وفي هذا قال الشاعر: المال تزري بأقوام ذوي حسب/ وقد تسوّد غير السيد المالُ. نحن اذاً مع ظاهرة كبيرة الطاقة، كثيرة التعقيد، مع شبكة من العلاقات خانقة فيها خلابة وتاليا فيها مرارة الخلابة. شيء يضج كالعمالقة ويسود العالم كله والتاريخ ويسقط الكثيرون امامه صرعى لكونه يفتح امامهم مجال اللذات كلها التي غدت منذ الدهور آلهة في وعينا وفي غير وعينا والآلهة تخطف العقل.
وهنا يتساوى الفقراء والاغنياء. فالاغنياء يستمتعون والفقراء يشتهون المتعة اي ان المال يسبيهم كما يسبي الاثرياء. والشهوة فيها قوة الجذب التي تغذيها. فالاغراء ليس كامنا في الثراء ضرورة. فقد تكون ثريا ومتواضعا ومحبا. ولكن عندنا، في العربية كلمة اخرى وهي كلمة الغني والغني هو الذي لا يحتاج الى احد في شيء وكل احد محتاج اليه. يقول لسان العرب ان هذا هو الغنى المطلق ولا يشارك الله تعالى فيه غيره. اما اذا بقيت فقيرا الى الله والناس في ثرائك تصبح مسكينا بالروح كما يقول متى في عظة الجبل. غير ان هذا لا يتوافر لك الا اذا شاركت. فإذا فعلت ينقص مالك واذا فعلت ذلك كثيرا ينقص مالك كثيرا واذا احببت كثيرا فلا بد من تبديد الكثير على المساكين حتى اذا دنوا بذلك من شكر الله تكون انت قد دنوت منه ايضا. تكون قد ابطلت رغبتك في الدنيا لتجعل رغبتك في الله. فالمسألة هي ماذا تحب او من تحب. وقدرة التحول من رغبة الى رغبة هي في قلبك. “يا عبد كل شيء قلب”. الصراع كله يدور بين الجامد والحي واريد بذلك الجامد فيك بسبب من الشهوة والحي فيك بسبب من النعمة.

الفضة جامد يتسلط عليك فتجمد مثله. ولا وفاق بين الجامد والحي واذا سيطر احدهما يصبح سلطانا على وجودك. ولذا قال المعلم الناصري: “لا يقدر احد ان يخدم سيدين. لأنه اما ان يبغض الواحد ويحب الآخر او يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون ان تخدموا الله والمال” (متى 24:6). في هذا لاحظ المسيح امرا واقعيا اننا لا نستطيع الا عبادة واحدة. للمال تكون او لله تكون. السؤال الذي على الانسان ان يطرحه على نفسه هو من اعبد اي من هو الذي اسلمه نفسي واسوده على جوارحي، من يحركني. وقد تكلم يوحنا الذهبي الفم على ذلك بقوله عن المال: “ان حبه يغلب كل حب ويطرد من النفس كل رغبة اخرى”.

لهذا قال بولس: “ان الطمع عبادة وثن” (كولوسي 5:3 وافسس 5:5). وكأنه يقول: انك اعتنقت ديانة وثنية وانت مسجل في ديانتك لأنك ارتكبت الشرك. ذلك ان في هذا التعلق قدسية وتبذل في سبيل ذلك كل قواك وكل وقتك.

لما كنت ساذجا كنت اقول في نفسي لماذا تقوى دائما شهوة الاثرياء اذ لا يستطيعون ان يأكلوا اكثر من غيرهم. والانفاق على الثياب والامتعة والسفر والقصور له حد. غير اني ما كنت افهم في شبابي ان الاثراء لا حد له. ليس الكم هو الذي يحدك لأنك اسلمت الى شهوة اذا هي سادت لا توقفها قوة بشرية. انها مستقلة عن كل اعتبار. هكذا الجنس اذا تحكم واضحى مبتغى من اجل ذاته. انه يولد نفسه بنفسه. هكذا القمار وهكذا الشراهة. كل هذا يأتي من الشعور بأننا ناقصون اذا لم نستسلم للنهم كائنة ما كانت صورته. الانسان لا يكتفي بأن يكون بعضا من الدنيا. يريد ان يلتهمها كلها التهاما اية كانت صورته. من منا يبغي ان يلتهمه الله حتى يتحرر قلبه مما لم يكن الإله. القصة كلها في هذا على من تتكل، بمن تؤمن، ماذا ترجو، هل انت تخشى المستقبل ولا تعرف اذاً ان الله معطيكه وانك قادر ان تتجلى بما فيك من فضائل ولا تتجلى بمتاع الدنيا. المأساة انك عارف بأن احدا في الدنيا لا يحبك بما هو عندك ولكنهم يحبونك بسبب حبك لهم اميسورا كنت ام غير مأسور. من يعرف ان الدنيا مملكة القلوب؟ من يعرف انه بالاقتناء المطلق المنغلق على ذاته يطرد الانسان نفسه من عالم القلوب؟ لذلك قال المعلم: “حيث يكون كنزك هناك قلبك ايضا” (متى 21:6).

لعل بعضا من تشهي المال يأتي من اعتقاد الناس ان ما نملك عطية من الله. أليست العبارة الشعبية: “هذا انعم الله عليه؟”. لم اعثر على هذا في كتبنا. قد يكون ذلك اذا عرفك ربك معطاء. ولكن اذا جاءك هذا من ارث او من مورد غير شرعي فما حكاية الله؟ الكتاب يتحدث عن المال على انه موجود ومن بعد هذا تتداوله. فإن تداولته بما يرضي الله اي بما ينعش المحتاجين اليه فما ينعم الله عليك به هو ما تعطيه لا ما تحتفظ به. وكما يقول سمعان اللاهوتي الحديث ان الاموال “ليست لأحد من حيث الملك”. وكما يقول باسيليوس الكبير: “انت تستعمل الغنى كوكيل عليه وليس كمستمتع” (العظة السابعة ضد الاغنياء). ايا كان مصدر ما تقتنيه اصبحت بالاقتناء مؤتمنا على ملك الله تستعمله لنفسك وللآخرين وفق قاعدة المحبة التي اسمها في هذا المجال مشاركة. المال يذهب الى من يحتاج اليه. له حق فيه ويجب ان يعطاه وجوبا وليس تصدقا ولو كان جذر هذه اللفظة في الكتاب. لا يخيرك الله بين العطاء والكف عن العطاء فإنك عنده مفوض بالعطاء حسب قدرتك.

السؤال اي مقدار اعطي ليس بمحله. فعلى قدر ما تحب تبذل. وعليك ان تقوي رغبتك في البذل لكي تهرب من عبودية المقتنى. الا ان المسألة لا تنتهي هنا اذ لا يكفي ان تشارك وتبقى على البذخ. فأنت مقيد بالحشمة. ان تنفق مبالغ خيالية على ضيوفك واعراس بنيك امر يخالف الحشمة. نحن نحيا في حياء وخفر وعفة هذا يفرض نموذج سلوك. مع ذلك انا لا افرض على الناس العسر فلست اقول لا تقتن مكتبة غنية ان كنت غنيا مثقفا وما انا بقائل لا تشتر لوحات فنية ان كنت حقا ذواقة للفن ولكن انتبه الى لملمة سلوكياتك بحيث لا تجرح مشاعر الناس.

اعود فأقول ان المسيح لم يرذل الاغنياء ولكنه بيّن الاخطار الروحية المحدقة بهم. وهي تحدق بكل من حصل على حسنات الدنيا. فالخطر محدق كثيرا بالانسان الجميل وبالانسان المثقف. الكبرياء مصب ممكن للحسنات المتعلقة بطبيعة الجسد وطبيعة العقل. ليس الغني وحده يعسر عليه دخول ملكوت السموات. انه يعسر على الجميل والذكي ايضا. لذلك لا بد لنا من دوام اليقظة لئلا نقع في التجربة.

غير ان اغراء الغني في آخر المطاف ان يقع في تجربة التسلط. تلك هي الخطيئة التي لا بعدها خطيئة لأنها ليست فقط اقصاء للآخرين. انها الغاء. انها الشعور بالاكتفاء والاكتمال وهي تحديدا نكران لسلطان الله على البشر. قبل ان تستولي على ميسور كبير قد يتعرض للتبجح والمجد الباطل ولكن اذا حلت تفتك لأنها تنكّر لكيان الآخرين وامجادهم المشروعة. انها استعلاء على الطاهرين والمتقين ربهم.

المال قد يستعبد صاحبه ولكن اذا اشتهى السلطان فإنه يسخر الآخرين لمجده ويريدهم متحلقين حوله ومستمدين منه مكانتهم. هو يحدد لهم هذه المكانة. ان الخطايا متداخلة. وتشابكها يحكمه منطق صارم. فكما ان السارق كاذب لا محال وقاتل احيانا يتحول المتشهي متاع الدنيا الى مستبد بمن حوله. الثري الطامع ليس بشرا سويا اذ لا بد ان يذهب عنه ذلك الاستقلال الذي يصنع له انسانيته. فإذا ذهبت روح المشاركة فأنت مستعبدهم، تسكتهم حتى تتكلم وحدك. قبل وصولك الى هذا لا تقدر ان تحس انك موجود ما لم تتب وتفهم ان الله موجدك برضاه. العفة عن الرغبة في القدرة وفي السلطة هي العلامة الاخيرة انك اسلمت لله قيادة حياتك. عند ذاك فقط لا تستعلي. فإذا اتضعت لا تفتخر بما تملك ولا بقوتك اذ تكون قد افتخرت بنعمة الله عليك. تكفيك عندئذ هذه النعمة.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

رقاد والدة الإله/ الأحد في 15 آب 2004 / العدد 33

من الواضح ان اعياد والدة الإله منسوخة عن اعياد السيد ليتساقط عليها بهاء المسيح. فكما له البشارة جعلنا لها حبل حنة، وكما له الميلاد أقمنا لها ميلادها، وكما له الخلاص صليبا وقيامة وضعنا لها ذكرى رقادها الذي يعني موتها ونصرها.

          ليس في العهد الجديد ذكر لموتها لأن العهد الجديد كتاب عن الرب يسوع وليس سيرة قديسين، غير ان آباءنا تكلموا على رقادها في اورشليم (ان تحديد تاريخ انتقالها مجرد تكهن ولا يهمنا لتقوانا). هذا عيد نأخذه من التراث ولا نسعى الى معرفة الأحداث في دقتها. هاجسنا هو المعنى. والمعنى ان التي لم تعرف فسادا في حياتها لم تعرف كذلك فسادا في مماتها. الفكرة الأساسية في العيد ان والدة الإله هي في المجد الإلهي وتعاين الله وباتت اكرم من الملائكة في جسدها الممجد. ويبدو هذا العيد مختصرا لكل بهاء العذراء. فكان يجب ان تلتحق بابنها قبل الدينونة التي ننتظرها نحن لنلتحق به حقا.

          تبقى في السماء مصلية لنا، وتظهرها ايقوناتنا عن يمين السيد في السماء فتوحي الايقونة ان المخلص يُسقط مجده على أمه. فمنه اخذت النعمة وتأخذها ابدا. واذا نحن ذكرناها ودعوناها مطوبة -وهذا ما قالته لإليصابات- فهي تعرف ان كل شيء يجيئها من المسيح لأنها في دوام السجود له واستمطار نعمة الروح القدس من اجلنا.

          هذا الالتصاق الدائم بينها وبين ابنها نظهره في ايقونتها الأساسية وهي دائما ممثلة فيها حاملة الطفل الإلهي. في الايقونسطاس هذا قانون. مع ذلك عندنا ايقونات قليلة تمثلها وحدها متضرعة.

          نحن لا نقف عند العذراء. نمشي معها الى سيدها وسيدنا. ولذلك باطل هذا الكلام الشعبي انها تفهمنا لأنها أُم او لأنها انسان مثلنا. هذه بدعة. هذا توقف عند امرأة لم تتوقف ابدا وسارت دائما الى ابنها. المسيح اقرب الينا من كل كائن بشري لانه وحده المخلّص. وهو يتنازل مباشرة الينا. نحن لسنا عاجزين  عن ان نذهب الى يسوع مباشرة، وليس بيننا وبينه وسيط. العذراء والقديسون ليسوا وسطاء. انهم شركاء. كلنا معا حول المعلّم. الذين هم فوق هم حوله ونحن كذلك حوله. هذه دوائر مصلين ومرنمين. هي ترنيمة واحدة تنشد في السماء وعلى الأرض.

          لذلك مـن انقطع عن العذراء والقديسين ينقطع عـــن شركاء السيد. ومن اكـرمهـم يكرمه لأن كـل ما عنـدهم هو منـه، فانـت لا تستطيع ان تتجـاهل احباءه. فكما تلــوذ بالأتقياء الكبار هنا ان كنت تقيا تلـوذ بالقديسين ايضا لأنهـم اقتـربوا من المسيـح اقترابا كبيرا. ولكن لا تقـف عندهم لئلا تجمـد انت. ابــــــق معهم سائرا الى وجـه المسيح. فحتى يستقيم اكرامك لوالدة الإله يجـب ان تستقيـم عبادتك للسيـد وان يحتـل هـو كل المقام في قلبك. ليس له جزء من قلبك. له ايـاه كله والقديسـون ضمن المسيحـ الذي فيك. هم لا يتقاسمون نفسك.

          واليوم اذا ذكرت ان العذراء هي في السماء فمن المهم جدا ان تقيم انت في السماء اي ان يكون عيد الرقاد-الانتقال عيدا لك، وهكذا تكون مرشحا كل يوم الى ان تمتلئ من حضرة السماء فيك.

Continue reading

Popular posts

2010 / السبت 26 كانون الأول 2009

كل الأزمنة رديئة لأن أهل السياسة يظنون انهم يصنعونها. ليس انهم سيئون. كل فئة من الشعب ملوثة او بعض منها ملوّث. الزمان الذي يسمح له الله ان يكون ينسى...

سلام هذا البلد / السبت 2 كانون الأول 2006

بين الجماعات المسيحية المختلفة طائفة «الكواكرز» او جمعية الاصحاب التي اسست المدرسة الانكليزية في برمانا احدى خصائصها انه اذا تعذر اتخاذها قرارا في الاجتماع تنهي الاجتماع ويذهب كل واحد...