2004, جريدة النهار, مقالات

مريم / السبت ١٤ آب 2004

ليس في الأصول المسيحية عقيدة تتعلق بمريم مباشرة ولو سماها مجمع أفسس (٤٣١) والدة الإله٠ لأن الألوهية طبيعة في المسيح والطبيعتان متلازمتان في وحدة شخصه٠ ومن البداهة قول ان مريم مخلوقة وانها لم تلد الثالوث المقدس٠ والحقيقة ان هذه العبارة استعملت ضد النساطرة الذين اتُهموا على انهم يفرقون بين طبيعتي المسيح. القولة “والدة الإله” هي، مداورة، قول في مريم وهي في حقيقتها قولة في المسيح.

الا ان المجمع المسكوني الخامس نعتها في سياق كلامه عليها على انها دائمة البتولية بمعنى انها بعد مولد السيد لم تقترن بيوسف وان علاقتها به بقيت علاقة قانونية وليست فعلية٠ ولكن اية قراءة متأنية للنص لا تدل على ان القصد منه هو الإقرار بديمومة عذريتها٠ هذه نأخذها من التراث العبادي٠ تلاقينا مريم تلاقي عبادات لا تقل حقيقة في وجدان الكنيسة عن الصياغة العقدية٠

واللافت في العهد الجديد انه بعد سرده رواية الميلاد ذكرها أربع مرات فقط: ١) في اعجوبة قانا الجليل٠ ٢) في ذهابها اليه مع انسباء له ارادوا ان يطلبوا اليه ان يكف عن الرسالة٠ ٣) في وجودها امام الصلب٠ ٤) في اجتماعها مع الرسل والإخوة لما حل الروح الإلهي عليهم في العلية التي كانوا فيها مختبئين.

بعد العنصرة لا نعرف عنها شيئا فلا ذكر لها في رسائل بولس او سواه من التلاميذ٠ ولا نستغرب هذا لأنها ليست هي موضوع ايماننا وهاجس الإنجيل ان يركز على المخلص لا ان يسرد سيرة صحبه.

مع ذلك غدًا نعيد لرقادها اي لموتها وهذا الذكر لم يرد قبل القرن الخامس في مواعظ لبعض الآباء واهمهم يوحنا الدمشقي الذي خصص لهذا الرقاد كتابا٠ غير ان التقليد الكنسي أضاف على موتها انها انتقلت الى السماء ولم يوضح اذا كان هذا بالجسد او خارج الجسد٠ وفي هذا اختلف اللاهوتيون الشرقيون حتى جاء في التحديد البابوي في منتصف القرن العشرين انها انتقلت الى السماء نفسا وجسدا٠ غير ان الرقاد بقي عيدا في الكنيسة الارثوذكسية وهو بمثابة اعتقاد ان لم يكن عقيدة٠ والايقونة البيزنطية لا تقول في هذا شيئا صريحا.

غير ان الحس الكنسي عند الارثوذكسيين يفصح عن قبولهم لهذا المعتقد في اناشيدهم ليدل على ان التي لم تعرف فسادا في حياتها لا يسوغ ان تعرفه من بعد موت٠ في المسيحية التراثية تواتر التأكيدات العبادية له قوة كبيرة ولو لم يكن ثمة عقيدة بالمعنى الدقيق للكلمة٠ هناك حب لمريم وانخطاف اليها يجعلانا مريميي القلب٠ وهذا ما سوف نحاول جلاءه٠

#                  #

اعرف ان بسطاء القوم لا يهتمو لكل هذه التعقيدات ولكني أخشى انحرافاتهم “التقوية”٠ اعرف ايضا ان عندنا في العبادات عبارات تزعج اللاهوتيين مثل توجهنا الى مريم بهذا القول: “يا رجاء من ليس لهم رجاء سواك”٠ واضح اذا اردنا التدقيق ان في هذا مبالغة كبيرة٠ غير ان العبادات البيزنطية فيها كثير من الشعر والشعر لا يحمل بالضرورة طاقة ذهنية تأكيدية٠ ربما شيء مثل هذا ابعد البروتستنتيين عن كنيستهم الأم٠ ربما كان هذا بسبب من تعلقهم الشديد بحرف الكتاب٠ وردت عبارة “خلصينا” وعند الارثوذكسيين المخلص الوحيد هو المسيح وليست هي شريكة في الخلاص والى هذا تنزع الكنيسة الغربية اليوم.

ان في تقوى الشعب البسيط ميلا جارفا الى العاطفة بل الى العاطفية وكثير من الصلوات او الادعية وضعها رهبان لم يكن عندهم تحصيل لاهوتي كبير٠ ويبقى على المؤمن ان يغربل العبادات بوعيه وان يعرف محدوديتها لأنها اذا اكتسبت قوة كبيرة فيكون من شأنها ان تضعف مركزية المسيح٠ المسيحيون يعرفون ان مريم ليست إلهة دون الله ولا نعرف فرقة واحدة في بلاد العرب او غيرها ألهت هذه المرأة٠ ولكن المشكلة سيكولوجية وهذه تفضي احيانا كثيرة الى الانفعالية او التأثر الكبير٠ وكل منا سمع مؤمنين كثيرين في لهفتهم يقولون: “يا عذراء… يا عذراء”٠ وليس على هذا اعتراض ان لم يكن الهتاف حصريا اذ هكذا يبدو احيانا٠ وما يغرقنا في الالتباس ان بعضا من الكنائس تستعمل عبارة “التعبد لمريم”٠ ومع ان العبارة عندهم تعني التقرب من مريم في الدعاء الا انها، في اللغة، مرفوضة بسبب جذر عبد، يعبد٠ ان سلامة النية لا تكفي٠ فالكلام المستقيم اساسي خشية خطأ القلب.

مع ذلك احتسب ان فهم العقيدة الصحيح من شأنه ان يقوم الانحراف التعبيري الذي نجده هنا وثمة وكنت اتمنى ان تأتي كل اقوالنا ضمن مركزية المسيح٠ في ظني انه لا بد من “إصلاح طقوسي” يعتقنا من التركز على مريم٠ ان اقصاءها من الذكر مخالف للإنجيل اذ قالت هي: “ها منذ الآن تطوبني جميع الأجيال” (لوقا ٤٨:١)٠ انها قائمة مع ابنها وتاليا أضعف الإيمان الا نتجاهلها٠ وقد أحسنت الكنيسة البيزنطية انها خصصت لها اعيادا وانها تذكرها في كل العبادات٠ وهذا غنى كبير للنفس٠

#                #

        لماذا يجب ان تكون في الذكر؟ السبب الرئيس ان المسيح “الوسيط الوحيد بين الله والناس” ليس معزولا عن صحبه القديسين٠ انه يؤلف وحدة كاملة معهم في الملكوت كما يؤلف وحدة مع احبائه في الأرض٠ اجل، ليس القديسون وسطاء خلاص٠ غير انهم في حالة الصلاة لله وانت واحد معهم في سجودهم الملكوتي لربهم بمعنى انك اذا ناجيته ناجيتهم٠ ان قيامة المخلص أكلت الموت٠ واذا كان الله “ليس إله اموات بل إله احياء” (متى ٣٢:٢٢) تكون قيامة السيد فاعلة في القديسين منذ انتقالهم اليه٠ ان الذين لا يخاطبون اهل السماء يبدون لي انهم يرجئون هذه المحادثة الى القيامة الأخيرة حيث نكون في حالة خطاب٠ اما الآن فقيامة المسيح حاصلة اذ هو القائل: “انا القيامة والحياة”٠ نأكل نحن اذًا من هذه القيامة الآن٠ لذلك لا تنقطع المخاطبة بيننا وبين الذين انتقلوا الى الاخدار السماوية٠ هناك ما نسميه جسد المسيح اي امتداده فينا٠ المسيح له مدى وهذا المدى هم قديسو السماء والأرض٠ ومع ان كل مؤمن يستطيع ان يتوجه الى المسيح وحده غير انه -في هذه الحالة نفسها- لا يلقاه وحده٠ يجده مع صحبه٠

        نحن لا نعلم ان النعمة الإلهية تنزل علينا عبر مريم٠ هي لا تملك شيئا اذ ليس فيها قوة من عندها٠ غير ان العذراء مقيمة في المسيح اليوم كما كان هو مقيما فيها في هذا العالم٠ فاذا ذكرناه وحده نكون ذاهبين اليها ايضا لان المسيح لا يلغي احدا منا في السماء ولا في الارض٠ لذلك لا يبقى من معنى لاعتراض بعض على تراثنا اذا قالوا لماذا لا تخاطبون المسيح مباشرة٠ ما المباشرة وما المداورة اذا كنا جميعا جسده اي اذا كان هو فينا وكنا نحن فيه؟

        لا يجذبني القول ان قيام مريم في السماء يدل على ان لنا منذ الآن سفيرة البشر في المجد٠ مع قناعتي بصحة هذا اخشى ان ننسى ان البشرية قائمة في المجد في صعود المسيح الى السماء٠ هناك كائن بشري اعني المسيح قائم بجسده الممجد عن يمين الآب وهذا بسبب من بشريته التي اكتملت في الفداء٠ دائما اخشى الا يرى بعض من المؤمنين ان انسانية المسيح كاملة وان احدا لا يضيف عليها شيئا٠ لذلك اخشى التصور ان مريم تقابل السيد٠ في العمق الروحي هي ليست الى جانبه٠ انها في صميمه وان كان لا بد من ان تظهرها الى يمينه ايقونة الدينونة٠ ذلك انك مضطر الى ان ترسم اجسادا٠ غير ان الحقيقة الصوفية هي ان مريم في داخل ابنها وانك لا تستطيع في الذهن والتقوى ان تفصلهما٠ فبعد ان تجسد الكلمة تكون ثنائي فريد منه ومنها وبعد ان صارت مريم هيكل الابن الوحيد وفق قول الملاك اكتمل سر وحدتهما وأغلق الباب٠

        ان تكون مريميا هو ان ترى هذه الوحدة وان تعيشها صلاة وتأملا٠ واذا رأيت هذا تستطيع ان تبث المسيح في كامل ارتباطه باحبائه٠ واذا ولدت المسيح في الناس اي اذا اعطيت إنجيله تكون مريما جديدة٠ في هذا العطاء تطهر وتستعيد بكارتك المفقودة وتفهم عند ذاك لماذا أصرت الكنيسة على اعتبار مريم دائمة البتولية٠ هذا سر ورمز القصد الحقيقي الأخير ان العذرية الجسدية في مريم هي صورة عن ان نفسها لم تنثلم٠ وبهذا المعنى هي دعوة، دعوة ان نحافظ على بكارتنا الروحية اي تنزهنا عن كل شر وشبه شر٠

        مريم بفضل دوام طهارتها تشرح لك المعنى الأخير للإنجيل٠انه ان تبقى واحدا مع الرب بحيث لا يلهيك شيء عن وجهه٠ ان تكون خصيص الله لا تشرك فيه احدا ولكن ان تراه محاطا بالأبرار يكملونه على الدوام تلك هي المريمية٠ لقد استعار الله بشريتنا ليعيش في وسطنا وذلك من امرأة جعلتها طاعتها الكاملة له شبيهة به حتى إذا رأيناها نرى هذا الشبه الذي أقامه هو بينه وبيننا٠

        عسى إذا أقمنا العيد غدا ندرك ان ابنة من جنسنا ازالت كل نتؤ بينها وبين ربها بحيث لا نستطيع ان نشاهد هوة بينهما٠ فاذا اشتهيت ذلك لنفسك غدا تكون قد اقمت العيد٠

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الحشمة/ الأحد 8 آب 2004/ العدد 32

أرجو ان تفهم المرأة أنَّ تمسّك الكنيسة بالحشمة ليس موقفا استبداديا. انه فقط تعبير على ان المرأة ليست وحدها في الكنيسة وان الرجل شريكها في العفة ويقول بولس انها تقدّسه بسبب ما عندها من إخلاص وتفانٍ. وأرجو ان تفهم انها تسيء إلى عفته إذا كانت تكشف مواضع مثيرة من جسدها وتسيء أيضا إلى عفتها هي. الجسد عندنا ليس مشاعا للأعين الشرهة. هو موضع لقاء حبي مع الزوج في علاقة وجدانية عميقة كان الجنس تعبيرا من تعابيرها. خارج هذه العلاقة الجسم مستور.

المرأة تعرف في حسها وخبرتها أن أي كشف فاضح مثير. هي تعلم الحدود ولا تحتاج إلى تعلّم. نحن ليس عندنا أحكام شرعية تفصّل الأمور تفصيلا. الذوق يكفي لمعرفة ما يجب ستره وما يجوز كشفه بلا نفاق أو اختفاء وراء كلمة ان الموضة هي كذلك. المرأة ليست أسيرة للأزياء ولا هي عارضة أزياء. لا يكفي أن تقول هذا يروقني. فهناك أمور كثيرة في الحياة تروقنا ولكنها تؤذينا وتؤذي الغير. وعيب الكذب والادعاء بأن الطقس حَر. فالرجال أيضا يحسون بالحَرّ ويستترون. وإذا كان علينا ان نراعي الحشمة في كل الظروف فمن باب أولى ان نراعيها في الكنيسة إذ يذهب المؤمنون إليها ليصلوا لا ليشاهدوا معرض أزياء، وما يشكو منه الجميع -رجالا ونساء- مشاهد الأعراس التي تُهتَك فيها العفة هتكًا كبيرًا. ربما كان العذر ان بعد ذلك حفل استقبال. ولكن ماذا يفرض ان يجري الاستقبال بلا احتشام؟

الأذى الأساسي في كل هذا ان يتلهى الرجال عن الصلاة فلا يسمعون الصلاة لأن عيونهم مأخوذة بالإغراء. وما هو أعمق من هذا ان المرأة الهاتكة للباسها نسيت ان جسدها مكان لقاء مع زوجها، فإذا حقّ لها أن تتجمّل من أجله، هل يحقّ لها أن تتجمّل من أجل كل الناس وتجرح طهارتهم؟ أليس في هذا أذى لها ولهم؟

أليس في هذا كبرياء الجمال؟ وإذا كان لا يجوز لأحد أن يعتدّ بذكائه أو مقامه فهل يجوز للمرأة أن تعتدّ بجمالها؟ أليس إظهاره بصورة رخيصة اعتدادًا؟

المعروف عند المحللين ان الإثارة الجنسية فيها الكثير من رغبة التسلّط. انتقامًا من تسلّط المرأة يسعى الرجل إلى الاستبداد بالمرأة عن طريق إغرائها بالمال. وتصير علاقة المحبّة بينهما علاقة السيد بالعبد وتنتقل السيادة منه إليها بالمال ومنها إليه بالإغراء.

هناك ما صار مألوفًا على وجه الإجمال، وهناك ما لن يصير مألوفًا بعد ألف سنة إن كان لا يزال عندنا إيمان بالعفة. المهم الصدق وشيء من الشجاعة حتى لا تضطر المرأة أن تقلّد غيرها بصورة عمياء أو ان تكون أسيرة لمحلات الموضة.

أنتِ مسؤولة عن أخيك الرجل أفي المجالس الاجتماعية والمكتب كان أم في الكنيسة. جسدكِ ليس شيئا من الأشياء، هو مقدس بعد أن مُسِح بالميرون. ولست أرى إمكانية لقدسيته إذا كنت بإرادتك عارضة أزياء.

هذا لا يتطلب منك جهدًا عظيمًا. ليس في الحشمة بطولة. يكفي أن تقرريها إخلاصًا للمسيح ودعمًا لعفة الرجل أخيك.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

يسوع يمشي على المياه/ الأحد أوّل آب 2004 / العدد 31

بعد اعجوبة إكثار الخبز ألزم يسوع تلاميذه ان يعبروا الى بيت صيدا ما يدل ان الأعجوبة تمت على الشاطئ الغربي من بحيرة طبريا. فلما غادروا المعلم،   احس انه في حاجة إلى ان يصلي الى الآب. انتظر في الليل حتى الهزيع الرابع من الليل اي بين الثالثة فجرا والسادسة صباحا. غير ان السفينة التي ركبها التلاميذ صارت في وسط البحيرة والأمواج مضطربة. وهذا كثيرا ما يحصل في بحر الجليل الذي هو بحيرة طبرية.

          سار يسوع اليهم ماشيا على البحر فاضطربوا من الخيال ومن الخوف صرخوا. عند ذاك قال لهم يسوع انا هو. هذه هي العبارة التي استعملها الله في سفر الخروج وكرّرها انجيل يوحنا في مواضع كثيرة. بهذه العبارة دل السيد حقًّا انه هو الإله. اذ ذاك طمأنهم. فقال بطرس: “ان كنتَ انت هو فمُرْني ان آتي اليك على الماء”. قَبِل يسوع هذه الدعوة فقال تعال فكان له ما اراد واخذ يمشي على الماء لأنه كان طالبا يسوع. غير انه لما رأى الريح شديدة خاف وأخذ يغرق فصرخ قائلا يا رب نجني.

          لماذا قال الكتاب رأى الريـح وهي لا يـراها احد ولكنه يسمعهـا. هاجس الكتاب ان يقـول ان الرسول لما رأى يسوع بـات قادرا ان يعـمل كما عمـل يسوع اي ان يمشـي على الميـاه، لما رأى غير يسـوع أخذ يغرق. انت لا تنجــو الا اذا جعـلت المسيـح فقط امام عينيـك فهـو الوحيد الذي يجب ان تنظـر اليه حتى لا تقـع في شراك العالم.

          “عندئذ مد يسوع يده وأمسك به وقال له يا قليل الايمان لماذا شككت”. مثل هذا حصل مع الرسول بعد هذا، بعد حادثة التجلي لما تنبأ السيد عن موته وقيامته. ولما رفض بطرس صلب الرب وانبعاثه قال له السيد: “اذهب عني يا شيطان. انت معثرة لي لا تهتم بما لله لكن بما للناس”. هذا الذي مشى على المياه، لحظة يفقد ايمانه يصير ناقلا لفكر شيطاني وحاملا فكرا شيطانيا.

          هذا ما كرره بطرس لما ادعى انه لن ينكر المسيح ثم انكره.

          وبطرس هنا صورة عن كل الذين يضعف ايمانهم فيحسبون انهم مؤمنون ولكنهم اما ذهنيا واما مسلكيا يجحدون السيد. وعندنا جميعا الخطيئة هي ألاّ تحس بيسوع ناظما حياتك. تسعى الى شيء آخر (المنفعة، الشهوة) يقودك..

          وقد عبّر المعلم عن انزياحنا عنه لما قال لبطرس بعد التجلي: انت لا تهتم بما لله ولكن بما للناس. الفاصل بين الايمان الحقيقي والجحود الأساسي  (حتى بدون حجود كلامي) هو انك، مؤمنا، تهتم بشأن الله وحده  -وهذا هو الايمان- او تهتم حصرا بمصالحك وشهواتك ولا يبقى لله محل عندك.

          فاذا انشغلت بالمخلّص تمشي اليه وذلك فوق المياه اي لا يغرقك بحر هذه الحياة المضطرب. تحس بما يقلقك او يتعبك ولكنك لا تتقلقل. تحمل اتعابك معك الى المسيح. اذ ذاك هو يحملك ويخرجك من العاصفة.

          هذا ما عبر عنه متى بقوله: لما دخلا (اي يسوع وبطرس) السفينة سكنت الريح. كل ما يجب التماسه ان تكون روحنا في سكون المسيح وسلامه.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

عجيبة إكثار الخبز/ الأحد 25 تموز 2004 / العدد 30

يؤكد الإنجيل في عدة مواضع ان سبب صنع العجائب عند يسوع انه كان يقوم بها عن حنان. ما كانت الغاية ان يظهر قوته او ان يبهر الجماهير لتؤمن به.

          إلى هذا عندنا عجيبة إكثار الخبز في البرية. التلاميذ لم يخطر على بالهم الا ان يصرفوا الجموع. كان هذا فكرًا دنيويًا عمليًا. غير ان السيد كان يعرف ان هؤلاء الناس قد لا يجدون لأنفسهم طعامًا فقد تكون قراهم بعيدة عن المكان وقد يجوعون.

          قال السيد: اعطوهم انتم ليأكلوا وقد كان عالمًا انهم لا يستطيعون. أجابوا: “ما عندنا هنا الا خمسة أرغفة وسمكتان”. لعل رقم “خمسة” المذكور هنا كان المُنطَلق لتقديس الأرغفة الخمسة الذي نقوم به عند غروب لأعياد السيدية أو أعياد القديسين. وما من شك انه أساس تقديمنا خمس قربانات عندما نطلب أن تُذكَر أسماء الأحياء والأموات على الصينية في القداس الإلهي. والسمكة صارت في المسيحية الأولى رمزًا والأحرف المؤلفة منها كلمة سمكة في اليونانية يصير كل حرف منها بدءا لكلمات تعني “يسوع المسيح ابن الله المخلّص”.

          تمّت الأعجوبة بعد أن قال الكتـاب عن السيد: “وبارك وكَسَر وأعطى”. هذه هي الأفعال التي نستعملها في القداس عندما نذكر تحويل الخبز الى جسد المسيح والخمر الى دمه.

          تكون هذه الأعجوبة صورة مُسبَقة عن سرّ المناولة. العجائب في الإنجيل الى جانب كونها محسوسة تتضمن تعليمًا روحيا بطريقة الرمز.

          صَرَفَ يسوع الجموع بعد أن أطعمهـم. يبدأ السيد بالأشياء المـاديـة المحسوسة على أن تكـون وسيلـة ليرتفع الإنسان روحيـا وفي هذا يتعلّـم أن يشكر. المهم أن يعرف كلّ منّا ان المسيح هـو الذي يعطيه كل شيء الأمور المتعلقة بالدنيا والأمور المتعلـقة بالخلاص اي الفضائل وفي كل حال يشكر. السائل فضلُـه أقـل من الشاكر. السائل يستفيد ماديًا اذا طلـب خبزًا او مالاً والرب يلبيـه اذا كان هذا لخيـره. اما الذي يطلـب الفضائل فمقامه أعلى لأنه يفهم الأشياء العميقة النافعـة للنـفس. وهذا يعني انه سمـع كلمة يسوع: “اطلبـوا اولا ملكـوت الله والباقي يُزاد لكم”. اذا فهمنا هذا القـول نفهم ايضًا القول الآخر: “ليس بالخبـز وحده يحيا الإنسان”. يبدأ الإنسان حياتـه مع المسيح اذا أدرَك ان أمـور الملكــوت أعظم من أمور هذه الدنيا.

          في الأعجوبة كانوا معًا. هكذا في المناولـة الإلهية يكـونـون معًا. وكما أحسّوا آنذاك انهـم جماعة واحدة لأنهـم أكلـوا خبزًا واحدًا، يحسّون في القداس انهم جماعة المسيح وانهـم إخوة لأنهـم تنـاولـوا الخبزَ السماوي الواحد. يتحـدون بعضهم ببعض بعد ان اتحد كل منهم بالمسيـح. ويعرفون انهم بعد ان أخذوا جسده صاروا هـم أيضًا جسد المسيـح.

          اذا أدرَكتَ انـك تتنـاول كل شيء مـن المخلّص تفهم أيضًا ان أخاك يتنـاول خلاصَـه من المخلّص الوحيـد.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

إلى الشابة في رعيتي/ الأحد 18 تموز 2004 / العدد 29

في كلمة سابقة توجهت إلى الشبان والصبايا معا. وتكلمت على التزام المسيحية بعمق إليكم جميعا وعلى ضرورة المعرفة. ما أقوله لكِ بخاصة اليوم ان المسيح مشت وراءه نساء التزمن قضيته التزاما كبيرا ورافقنه حتى الصليب فيما تركه التلاميذ، وبعد قيامته ظهر أولا إلى شابة هي مريم المجدلية وهي التي أخبرت التلاميذ انها رأت الرب. والمرجح انها مع حاملات الطيب رفيقاتها كانت في العلية التي كان التلاميذ مجتمعين فيها لما حل عليهم الروح القدس، اذ الكتاب يقول انهم «كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة والطلبة مع النساء ومريم أم يسوع ومع إخوته» (أعمال الرسل 1: 14). ثم بعد هذا نرى النساء يخدمن الرسل ويفتحن بيوتهن لإقامة الخدمة الإلهية فيها. وفي كل العصور كان بينهن شهيدات ومنهن صبايا.

ما يجب ان تعرفيه علميا ان الفتاة قوية كالفتى في العلم وهي سابقته في كثير من الجامعات وكثير من الاختصاصات. وما من شك انك مؤهلة لكل المواهب وللإنتاج الفكري الكامل واحتراف كل المهن واننا لا نقبل الوضع العربي المليء بنساء أميات. وما من شك أيضا ان الزوجة المتعلمة مصدر إلهام لزوجها ومصدر تربية واعية لأولادها وسبب أساسي في نموهم العقلي. هذا إذا تيقنتِ ان حياتك لا تقوم فقط على الجمال وانك قادرة على ان تصبحي عظيمة بعقلك وبهائك الروحي واتزان شخصيتك. الجمال لا يبقى طويلا ولكن العلم يبقى، والأبقى من كل شيء أخلاقك الطيبة لان هذا هو الإنسان. كافحي لتكوني كاملة على كل صعيد. أفهم شرعية الزينة المحتشمة وأفهم الأناقة. ولكن هذا قليل بالنسبة إلى الذكاء وبالنسبة إلى المعرفة الواسعة وإلى الإنسانية الكاملة فيك. أنت لست في شيء دون الشاب، وأنت تكملينه إذا نظرت إلى شخصيتك التي الجسد عنصر واحد منها.

وفي وقت موافق في نضجك تتوقين إلى الحب. هذا لا مفر منه وهذا يكملك. لا تهربي منه إذا أطل، ولكن لا تطلبيه بإلحاح ولا تبتذلي في طلبه. كوني على كل رصانتك وعلى هدوئك ما أمكن الهدوء فقد يمدحك هذا وذاك من الناس الذين يطلبون اللهو. لا تضعي ثقتك بكل من أسمعك كلاما معسولا فقد لا يكون صادقا أو قد لا يكون عنده مشروع مرافقة طاهرة نهايتها الزواج. وإذا كنت لا تزالين مراهقة امنعي نفسك عن كل ارتباط لان الارتباط يتطلب النضج الكبير، وكل ارتباط في سن المراهقة يعرضك إلى تقلبات فيك وفي الشاب. انتظري إذا كان لا بد من الانتظار، وعند بلوغك سن الرشد فقط أو ما بعده بسنة أو سنتين أو ثلاث تأملي في وضع هذا الشاب واتخذي قرارك بوعي كامل وبعد مشورة الصادقين الفاهمين.

فإذا توغلت في العاطفة بلا وعي كامل ودخلت حياة زوجية ينقصها الوعي قد تحزنين كل حياتك، وتتعرض حياتك العائلية إلى الدمار ويتشتت أولادك ويضيعون. الحب وحده لا يكفي لترتبطي برجل. فهمه، أخلاقه، قدرته على العمل، مسيحيته الحقيقية هذه هي الأسس الحقيقية للارتباط. بلا هذه الأمور ليس لك من فرح.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

أيها الشبان/ الأحد 11 تموز 2004 / العدد28

أيها الشبان والصبايا انتم أصحاب رؤى وتطلعات إلى الآفاق البعيدة وانتم مستلمون الإنجيل الآن بقوة وحماسة وستحفظونه من بعدنا لتسلموه إلى أولادكم حتى يبقى المسيح جيلا بعد جيل. آمنوا انكم قادرون ان تكونوا أقوياء روحيا. فقد قال يوحنا الحبيب في رسالته الأولى الجامعة: «اكتب إليكم أيها الأحداث لأنكم قد غلبتم الشرير» (2: 13). القوة الروحية ليست حكرا على عمر من الأعمار لأن الروح القدس يشدد كل شريحة من الناس.

أنتم قادرون على الطهارة الكبيرة وعلى العطاء الكبير وان تلتزموا المسيحية كلها فلا تدعوا الكنيسة ملأى بالكهول والشيوخ فقط. فيها تدركون المجد الحقيقي والفرح الكبير. انشدوا المستوى الروحي العالي ولا تدعو أحدا يستهين بحداثتكم لأنكم قادرون على كل فضيلة، والفضيلة بهاء الروح ونضارته.

غير ان هذه النضارة تتجدد فيكم ولا تذبل اذا قررتم بالسعي الروحي الوصول أي مكافحة كل ما يؤذي النفس ويدنسها وتاليا يعرقل العطاء الذي تريدون. ليس احد ايا كانت سنه محكوما لأيّ شر. ليس من خطيئة تلازم الشباب. انتم أحرار إذا أردتم الحرية الكبرى، وهذه لا تنالونها الا إذا أردتم ان تعيشوا في الحق ومن اجل الحق، في الصدق الكامل، في الاستقامة الكاملة ولا ترموا أنفسكم في الخصومات والتبجح والادعاء. في هذا نقصان لإنسانيتكم.

هذا الجمال الروحي تعيشونه في العالم، مع أترابكم ومع الصغار والكبار. المسيح لم يطلب إلى احد ان يخرج من هذا العالم، ولكنه لا يريد أحدا ان يكون أسيرا لهذا العالم وزيفه. كونوا مع الذين يحبونكم، ولكنكم مضطرون ان تعايشوا كل الناس وان تخدموا كل من احتاج إلى خدمة.

هذه الحياة العظيمة تقوى فيكم إذا انخرطتم في رعيتكم وفي حلقات الشباب أو الحلقات الروحية المنعقدة مع الجميع إذ المهم ان نتكاتف في الكنيسة حتى نكون معا كنيسة. هذا التضامن في الفكر المسيحي يقويكم في أداء الشهادة من اجل يسوع. اجل هو يظهر في كل واحد منكم ولكنه يظهر أيضا في الجماعة. هذا يعني انكم تريدون ان تصبحوا حارّين في الروح.

ولكن كونوا أيضا حارّين في الفهم، مجتهدين في دروسكم في المدرسة أو الجامعة أو في المجتمع إذا تخرجتم إذ يطلب الرب ان تخدموا أيضا عن طريق العقل وان تصيروا عظاما في استعدادكم للمهنة التي ستمتهنون. لا يحب الرب الكسالى. امتحنوا كل شيء بعقول نيّرة وتمسّكوا بالأفضل ولا تَدَعُوا الفكر المغلوط يسيطر عليكم. وسوف تعرفون في علومكم أفكارا شريرة. الإنجيل الذي تتسلحون به يعطيكم روح التمييز فترمون الخطأ عن أذهانكم لتكون نيّرة.

ولكن لا بد من الكتب ووسائل المعرفة الأخرى. أنا لست ضد المعلوماتية وما تحصلون منها. ولكنها لا تعوّض عن كتاب. بالكتاب تعرفون الميراث العقلي الذي سبقنا في كل الحضارات. وإذا تخصصتم في العلوم الطبيعية أو الهندسة أو الطب فهذا لا يغنيكم عن الشعر والكتب الأدبية وتلك التي تدعم إيمانكم وتقدم لكم الحجج التي تحتاجون إليها لتدافعوا عن الإيمان.

لا ينبغي ان تنحصروا في اختصاصكم. فأنت لست فقط مهندسا أو محاميا أو طبيبا أو عالما. انتم قبل كل شيء إنسان، وكل الطاقات البشرية فيكم ينبغي ان تنمو في المعرفة تعزية وفرحا وقدرة عطاء. يجب، ما أمكن، ان تمتصوا حقائق هذا الكون لان الرب تجلى في المعرفة ولانها كلما ازدادت تؤهلكم للخدمة.

وكلما ازدادت المعرفة فيكم تصبحون ادنى إلى التواضع وأقرب إلى الخدمة. لا تناموا قبل ان تطالعوا صفحات من الآثار الفكرية العظيمة. إذ ذاك تحسّون ان قامتكم الفكرية صارت أطول مما كانت. ادرسوا الكتب درسا. محّصوها ودوّنوا ما ينبغي تدوينه حتى يتم التزاوج بين إيمانكم والعقل. فالعقل خادم لله وخادم للآخرين الذين تريدون إخراجهم من ظلمة الجهل.

هذا يعني انكم لا تستسلمون للصورة الطاغية على كل وسائل الاعلام. الصورة جزء فقط من المعرفة. الكتاب الجدّي الذي وضعه كاتب فهيم هو الذي يزيدكم فهما.

أبحثتم عن الإيمان أم بحثتم عن المعرفة توخّوا الإتقان ليتغذى الناس بكم. هكذا تكونون جديين، وإذا كنتم كذلك نفرح بكم ويسر الله بكم. وهكذا تصنعون عالما جديدا وتكونون انتم خلائق جديدة.

Continue reading

Popular posts

2010 / السبت 26 كانون الأول 2009

كل الأزمنة رديئة لأن أهل السياسة يظنون انهم يصنعونها. ليس انهم سيئون. كل فئة من الشعب ملوثة او بعض منها ملوّث. الزمان الذي يسمح له الله ان يكون ينسى...

خيبات / السبت ١٧ تشرين الثاني ٢٠٠٧

الرجاء المنتظر مني إبداؤه رجاء الى الله وليس أملا في مخلوق. فهذا يهبط ويرتفع وقد تعرفه بمقدار يجعلك تقول هذا الرجل يتلو هبوطه هبوط وغالبا ما سيقع على الصخر...