مَثَلُ الزارع/ الأحد في 17 تشرين الأول 2004/ العدد 42
افترض الرب يسوع في مثل اليوم ان كل اليهود يسمعون كلمة الله وانهم فئات لا تقبل الكلمة او ترتدّ عنها او تخنق فيها الكلمة ملذاتها. وافترض مع ذلك فئة تحفظ الكلمة “في قلب جيد صالح” وتثمر بالاستمرار. ان كلام السيد مبني على ان اليهودي يذهب إلى الكنيس يوم السبت ويسمع التلاوة وان الأهل يلقنون اولادهم الكلمة من مخطوطات التوراة التي استغرقت كتابتها سنة او اكثر لعدم وجود الطباعة آنذاك. كذلك نعرف ان عمل الرباني (وبالعامية الحاخام) أن يقضي معظم يومه يدرس التوراة ويحفظها ويستشهد بآيات منها.
وفي الإسلام من يحفظ القرآن كله ولم يتجاوز الثانية عشرة من عمره وبعد الحفظ يفهم. هل ينطبق مثل الزارع في اوساطنا؟ اي هل في كل بيت نسخة عن الكتاب المقدس، واذا وجدت هل نقرأها. واذا اعتمدنا على الذين يشاركون في القداس فهل “يسمعون” بصورة جيدة انجيلا منغما اي لا يدخل كلمة إلى السمع. وهل من إصغاء إلى الرسائل وهي ايضا مرتلة على بعض من الطرب لسرور المرتل؟ وكم نسبة الحضور في كنائسنا. يقول لي كاهن في هذه الابرشية عليم بالإحصاء انها لا تتجاوز .2% هنا وثمة.
اجل صلواتنا واناشيدنا فيها الكثير من معاني العهد الجديد اي يدخل شيء من الايمان بالسمع. ولكن لو كان الله يكتفي بالصلوات والاناشيد وهي سابقة لتدوين الأناجيل لما أوحى الرسل الانجيل. قد تكمن الصعوبة الكبرى بالكسل. وما يرضي الله ان نطلب اليه القوة لنمد يدينا إلى الكتاب الموضوع في خزانة او مكتبة وننظفه من الغبار التي تأكله ونقرأه من الدفة إلى الدفة. قرار حازم يأتي من ايماننا بأن هذا الكلام هو “روح وحياة” (يوحنا 6: 63). لما قال يسوع هذا هو كان يعني حقا ما قاله اي ان هذا الكتاب كما سكبه الله في قلوب الرسل ليس مثله ما يأتينا بالروح القدس والحياة المنبثقة منه. وأبسط حجة نقدمها لكم ان ليس مثل الله من تكلم عن الله. وهو القائل: “ليس من الخبز وحده يحيا الانسان بل من كل كلمة تخرج من فم الله”. واذا صعب عليكم في البدء ان تطالعوا على انفراد فاعقدوا حلقات إنجيلية مرة في الأسبوع وطالعوا الكلمة معا بإرشاد مرشد ان وجدتموه في الرعية كاهنا كان ام غير ذلك.
يقيني الذي لا يزعزعه شيء ان الحياة الموجودة في كلمة الله لا يعوض عنها اية قراءة لكتب روحية مهما سمت. ليس ان معرفة الإنجيل تغنيكم عنها ولكن لا شيء يضاهي الانجيل. هو يدخل الروح القدس اليك مباشرة ان قرأته بروح التوبة ومثل انسان يفتش حقا عن الخلاص وان يصير “خليقة جديدة”. معنى هذا ان هذه القراءة المتأنية تصور المسيح في قلبك فيصير لك فكر المسيح. مع مرور الزمن تحس انك اخذت تواجه شؤون دنياك بفكر المسيح وليس بناء على مصالحك. تفهم ان مصلحتك الحقيقية هي ان تتبنى مشيئة الرب.
كيف تقرأ؟ في البدء فلتكن قراءتك متواصلة بحيث تأخذ متى ثم مرقس حتى تصل إلى سفر الرؤيا. وتفعل هذا مرتين او ثلاثا او اكثر. وتقرأ في وقت تحدده لنفسك في النهار او في الليل. وبعد اكتسابك هذه المعرفة الشاملة تذكر اي مقطع تحتاج نفسك اليه حسب اوضاعها اي في فرحها او حزنها او بعد سقطة. تفهم مثلا ان العظة على الجبل في متى (الإصحاحات 5 إلى 7) تساعدك أخلاقيا، او تحس انك في حاجة إلى ان ترتفع روحيا بإنجيل يوحنا، او تدرك ان بعض المسائل التي تواجهها واجهها بولس قبلك فتعود اليه. وهكذا تنشأ ألفة بينك وبين الكلام الإلهي.
وقد يكون من المفيد ان تقتني دفترا تُدوِّن فيه هذه الآية او تلك او هذا المقطع او ذاك مع الأرقام واذا استحسنت مثلا كلاما عن المحبة عند بولس او في رسالة يوحنا الاولى الجامعة فاكتب رقم الآيات واحفظها كما تحفظ الشعر لتعود من ذاكرتك إلى لسانك او إلى سلوكك، فاذا لاحظت في وضع انت فيه انك قادر ان تستحضر من ذاكرتك قولة إلهية مناسبة للموقع تكون قد بت أليفا للكلمة. وانت في حاجة طوال حياتك إلى كتاب الله. وقد تقرأ مقطعا واحدا مئات المرات وتلاحظ انه ينبوع يتجدد فيك وانك تفهم باكثر عمق آية ظننت انك فهمتها، ويبدو لك عند كل تلاوة انك تفهم اكثر. هذه هي الحياة.
Continue readingالتواضع / 16 تشرين الأول 2004
الراعي والرعية/ الأحد 10 تشرين الاول 2004 / العدد 41
يُسمى الراعي الأول في الكنيسة أسقفًا وهي كلمة أصلها يوناني وتعني المراقب. وهو يراقب بالتعليم والمحبة والإدارة. ولا يعرف أحد رعية بلا راعٍ. والعلاقة بينهما قال عنها الطوباوي اوغسطينس متوجها إلى شعبه: «أنا أخٌ معكم وأسقف (أو رقيب) إزاءكم». والآراء كثيرة بين الناس ومختلفة إلى حد الاختلاف. والاختلاف يجب أن يزول ولو لم يقتنع الكل، ويستحيل أن يتوافق الناس على كل شيء ويجب ان تبت الأمور وان ينتهي الاختلاف إلى حلّ. ويتداول الراعي مع الرعية حتى تأتي الكلمة الفصل من الراعي خوفًا من الانشقاق، والكنيسة لا تستطيع ان تبقى في خلاف. وإذا لم يتراجع احد عن موقفه ليس من وحدة وليس من محبة. والاختلاف يقود أحيانًا إلى صدام. والمتصادمون لا يستطيعون ان يأكلوا معا جسد الرب ويشربوا دمه.
والاختلاف كما أعاينه عندنا يدور عادة على شيئين أولهما لماذا عُيّن فلان في مجلس الرعية ولم أُعيَّن أنا. وثانيهما على قضايا تتعلق بالوقف والبناء وما إلى ذلك. وهذه كلها من هذه الدنيا وعابرة كالدنيا. فلن تخرب المسكونة إذا لم تعيّن، ولن تخرب إذا تباينت أفكارنا على شراء ارض أو القيام ببناء. هذه كلها عابرة مع دنياكم وتبقى الكنيسة هي إياها وتبقى الجماعة المحبة وتبقى الوحدة حول الكأس المقدسة.
والكنيسة فيها طاعة على ما قال بولس: «أطيعوا مرشديكم واخضعوا لهم لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم» (عبرانيين 13: 17). المعروف في هذه الأبرشية ان الراعي لا يقهر أحدا ولا يتحيز وليس له مصلحة مادية عند أحد وليس له مصلحة نفوذ ولا يتحزّب لسياسات الضيعة ولا يوجه أحدًا في الانتخابات ولا يطمع بالوقف المحلي ولو كان له الحق في ان يطلب مساعدة لفقراء الأبرشية. وإذا كان عقله سليمًا وقلبه طاهرا في التعاطي مع الناس والمفروض فيه أن يعدل بين الناس فلماذا لا نطيعه؟
لا تمرمروا المطران بسبب أحقادكم أو عنادكم. الإنسان الجيد هو من عاد عن رأيه إذا تبين له الخطأ وإذا لم يتبين له الخطأ يكون المطران مرجعه. لا نستطيع ان نفعل غير ذلك لأن هذا هو قاعدة في الكنيسة الأرثوذكسية. في المبدأ يبذل الراعي نفسه عن الخراف كما فعل السيد أو يحاول فلا تُضيعوا وقته بخلافاتكم. هناك أمور عظيمة يجب ان تتمّوها مع المطران وهو أن تَنْموا بالمسيح وتتعلموا الإنجيل وتتقدسوا. وهذا ما يحصل عند الكثيرين ولكنه لا يحصل عند بعض. لا تجعلوني أفكر عندما يطلب شخص أو وفد مقابلتي: إذًا هناك في هذه القرية مشكلة. قابلوني من اجل نصيحة تحتاجون إليها أو إرشاد أو بنيان روحي ولا تقابلوني من اجل مشاكل. المطران ليس فقط قاضيًا بين المؤمنين. هو بالدرجة الأولى موجّه ومعلّم وأب أي حاضن. لا تعكّروا مزاجه بأمور قائمة على رفض فلان لفلان. لتكن كل أمورنا سلسة. ليس المطران إطفائيًا لأحقادكم.
أحب ان أتعلّم أكثر من اجل تعليمكم وان أحب أكثر لتروا فيّ صورة المسيح. قال القديس إغناطيوس الأنطاكي الشهيد: «الأسقف أيقونة المسيح». هو في الوظيفة الأبوية صورته وفي عمل المحبة صورته.
فمن شاء ان يكرم المسيح يكرم الأسقف. والتكريم ليس بالمجاملة ولكن بالطاعة لكلمة الرب التي يحملها المطران إليكم. ومن المفروض انه يحملها. اذكروا دائما ما قاله بولس ان ثمر الروح هو اللطف. ألطفوا بعضكم ببعض والطفوا بالكاهن المحلي وأطيعوه هو أيضًا وعززوه لأنكم بذلك تكرمون المسيح.
كم أضعنا سنين بالترهات والجدل العقيم والمواقف العدائية وتمزيق بعضنا بعضًا. كم أضعنا فرصة التعلم وفرصة الصلاة الصادقة وفرصة الغفران. «هوذا الوقت وقت مقبول». عودوا إلى اللطف الكبير وإلى المحبة التي لا حد لها وليرأف كل منكم بالآخر ولا يقبحه ولا يكن له ديّانا. دعوني اشعر اننا نمشي معًا واننا اليوم أفضل مما كنا في الأمس واننا غدًا ذاهبون إلى استرضاء الله بالإيمان واننا بتنا مجتمع الكلمة لا مجتمعا مدنيا فقط يسمّينا أرثوذكسيين تسمية. «أحبوا بعضكم بعضا كما أنا أحببتكم» ولا تتركوا مجالا للخصام فالله إله سلام وليس إله تفرقة.
Continue readingالصديق / 9 تشرين الأول 2004
العجائب اليوم/ الأحد 3 تشرين الأول 2004 / العدد 40
وعد يسوع بان عجائب ستحدث بعد مروره على الأرض: «هذه الآيات تتبع المؤمنين. يخرجون الشياطين باسمي ويتكلمون بألسنة جديدة. يحملون حيات وان شربوا شيئا مميتا لا يضرهم ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون» (مرقس 16: 17 و18). كذلك سرد سفر أعمال الرسل ان بعضا منهم صنعوا عجائب. ذلك ان قوة المسيح تمتد إلينا عبر الروح القدس. وهذا ليس محصورا في القديسين ولكن ناسا أحياء صنعوا معجزات. ذلك ان لله ان يتدخل في الترتيب الكوني القائم. فهذا الترتيب لا يقيّده هو.
أما كيف يحدث هذا، كيف تتحول عين أعمى إلى عين بصيرة فهذا ما لم يترك الرب لنا علما به. فإذا حصل الشيء نلاحظه ونحن لا نعرف كيف حصل. غير ان الرئاسة الروحية لا تعلن، بصورة عادية، ان الأمر حصل أو لم يحصل. يمكن ان يشهد الأطباء بأن حدثا حدث وان ليس عندهم تفسير علمي له. ويشهدون عن ذلك خصوصا في الأمراض العضوية مثل تمدد شرايين كانت ضيقة أو شفاء سرطان، ولكن الأطباء عادة لا يقيمون وزنا لأمراض الأعصاب كالشلل إذ هم متيقنون ان الكثير منها مرتبط بأسباب نفسانية. ولكن الكنيسة ليست كلية طب وقلما تتكلم عن حدوث شيء.
في هذا الإطار يطرح السؤال عن وجود «أيقونات عجائبية». نحن لا نتكلم على غير الأيقونات إذ ليس عندنا في الفن الطقوسي الأرثوذكسي شيء آخر. في كل البلدان الأرثوذكسية يقولون عن هذه الأيقونة أو تلك انها عجائبية. أما اللاهوتيون فيقولون شيئا آخر. يقولون كل أيقونة عجائبية بمعنى ان الرب يستخدمها لشفاء من صلى أمامها وبمعنى ان ليس من أيقونة محددة تحمل طاقة الشفاء.
يبقى ان الكتاب المقدس لا يريدنا ان نبالغ في الاهتمام بالعجائب. هناك ثلاثة أقوال قاطعة تبعدنا عن حمّى طلبنا للمعجزات. أولاها: «جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية الا آية يونان النبي. لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال» (متى 12: 39 و40). اجل لم يحصر يسوع آياته في قيامته ولكنها آية الآيات بمعنى انها أعظم من كل عجائبه ومن كل العجائب التي ستجري في تاريخ الكنيسة. ثانيها قوله: «آمِنوا بسبب الكلام الذي كلمتكم به والا فآمنوا بسبب الآيات» (يوحنا 14: 11). وهنا يجزم يسوع ان كلامه أهم من كل المعجزات وان الانشغال المفرط بالعجائب يدل على ضعف الإيمان. وثالثها كلام بولس الرسول: «اليهود يطلبون آية واليونانيون يطلبون حكمة، وأما نحن فنكرز بالمسيح مصلوبا عثرةً لليهود وشكًا لليونانيين» (1كورنثوس 1: 22-23). المسيح نفسه هو الذي نبشر به ولا نقضي أوقاتنا لنسرد حكايات حول العجائب.
فإذا أنت رأيت أعجوبة ورويتها لأحد الناس ولم يصدقها، فهو حر ولا تستطيع ان ترميه بتهمة ضعف الإيمان. مرجعيتك ومرجعيته هو ما جاء في كتاب الله والإيمان الأرثوذكسي بعامة. ان تقول ان العذراء ظهرت لفلان أو فلان ولم يصدّق فهو حر أيضا. بعد المسيح لا شيء يربطنا لزوما الا ما قاله هو وقالته الكنيسة عنه.
الناس يحبون الخوارق. والكنيسة حذرة جدا تجاهها. أما إذا حدثت معك أعجوبة فهي رسالة إليك من الله، ولا معنى للمعجزة الا إذا قادتك إلى التوبة. الأعجوبة صلة خاصة بينك وبين الرب وقد تكون صلة بين الرب وبعض من الناس.
الكلمة الإلهية هي الثابتة. وتتلقاها أنت. وإذا فهمتها بشكل صحيح تخلّصك. وأما الباقي فيحتاج إلى تدقيق كثير.
Continue readingعيد اليوم (عيد القديس يوحنا الانجيلي)/ الأحد في 26 ايلول 2004/ العدد 39
هو ذكرى يوحنا الإنجيلي المسمى اللاهوتي لأنه غاص على ألوهية المسيح كما لم يغص سواه بعد ان تحدث الإنجيليون متى ومرقس ولوقا، بنوع اخص، عن بشرية المسيح (حوادث سيرته والعجائب والأمثال). هو يوحنا بن زبدي اخو يعقوب وكانا من قرية بيت صيدا في الجليل وقد دعاهما يسوع اليه فيما كانا في السفينة مع ابيهما فتركاه والشباك والتحقا بالمعلم. وقد دعى نفسه في الانجيل “التلميذ الذي كان يسوع يحبه” واتكأ هو على صدر المعلم في العشاء السري.
كان السيد يصطحبه مع بطرس ويعقوب في غير مناسبة ولاسيما إلى جبل التجلي حيث عاينوا مجده. وعاين المجد نفسه لما كان مع والدة الإله عند قدمي المصلوب وهناك قال يسوع لأمه: “هوذا ابنك” ثم قال للتلميذ: “هذه امك”. ونفهم من هذا الكلام ان مريم أمست منذ هذا الوقت أُمًّا لكل تلميذ حبيب.
ودخل مع بطرس إلى قبر المعلم فرأى الأكفان موضوعة وحدها. وبعد القيامة بفترة طويلة اي بعد رقاد والدة الإله التي كانت تعيش في بيته ذهب إلى آسيا الصغرى (تركيا الحالية) واستقر في أفسس حيث قاوم حركات ضالة ومنها الحركة اليهودية المتأثرة بالفلسفة اليونانية. وذاع صيته فاستحضره الإمبراطور دوميتانوس وحقق معه وألقاه في قدر مملوء زيتا مغليا الا انه خرج سالما من القدر فنفاه إلى جزيرة بطمس ونشر الايمان فيها ووضع فيها سفر الرؤيا ثم كتب انجيله وعاد إلى أفسس إلى ان رقد في الرب وبلغ من العمر ما يزيد على المئة. ما يؤكد الرواية الانجيلية التي تتحدث في آخر الانجيل انه تبع المعلم فيما كان سائرا مع بطرس بعد القيامة وجاء فيها: “فالتفت بطرس ونظر التلميذ الذي كان يسوع يتبعه وهو ايضا الذي اتكأ على صدره وقت العشاء وقال يا سيد من هو الذي يسلمك. فلما رأى بطرس هذا قال ليسوع يا رب وهذا ما له. قال له يسوع إن شئتُ ان يبقى حتى اجيء فماذا لك” (يوحنا 21: 20-23).
الحقيقة ان يوحنا باقٍ بانجيليه حتى يومنا هذا فإنه قال في المسيح اقوالا الهية خلابة بدءا من المطلع: “في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وإلها كان الكلمة”. ثم عندك الحديث مع نيقوديمس والحديث مع السامرية والخطاب عن الخبز السماوي والخطاب عن الراعي الصالح وخطبة الوداع المؤلفة من اكثر من ثلاثة إصحاحات نقرأها جميعا في القراءة الاولى من القراءات الاثنتي عشرة يوم الخميس العظيم مساء. لا يسمو معنى على المعاني الموجودة في الانجيل الرابع الذي كتبه يوحنا وليس مثله ما يقنعك بألوهية السيد. صحّ انه ينبغي ان نقرأ العهد الجديد ولكن الذروة في يوحنا. كل كلمة منه تكشف لنا بهاء المسيح. كل كلمة منه تظهر لك ان المسيح والآب واحد وأنت واصل إلى الحياة الأبدية بالمسيح وانه هو الذي يسكن فيك بالروح القدس ويعمدك بالروح والنار. كلمات لاهبة تحييك من العدم وتنقلك إلى السماء ولو كنت لا تزال على الارض.
إلى هذا الانجيل وضع يوحنا ثلاث رسائل أُولاها وهي الكبرى تحدثك عن المحبة وذروة الكلام فيها ان الله محبة.
كل شيء في هذا الانجيل يختصر بكلام السيد: “أحبوا بعضكم بعضا كما أنا أحببتكم” أي حتى الموت. ومحبة الإخوة تبدو ثمرة لمحبة الله ايانا.
ويقول تراثنا أن أهل أفسس كانوا يقولون ليوحنا: “لماذا تردد لنا: أحبوا بعضكم بعضا” فكان يجيب “اني لم أتعلم شيئا آخر لما كنت متكئا على صدر المعلم”. المسيحية كلها في كلمة المحبة. وهكذا يكون الإنجيل الرابع أعطانا جوهر المسيحية فان أردتم دخول هذا الجوهر فطالعوا هذا الكتاب باستمرار.
وحتى نشكر لله عطاء محبته بيسوع أردت أن يطلق اسم هذا الإنجيلي على الكنيسة الجديدة التي أنشأها أهل كفرحاتا (الكورة) في بلدتهم وجاءت روعة في الهندسة المعمارية البيزنطية وهي على وشك الانتهاء. وهي الوحيدة في الكرسي الأنطاكي التي تحمل هذا الاسم. هذا كان تأكيدا مني ومن المؤمنين على ان خلاصنا ان نسير على دروب المحبة ليسوع المسيح المخلص.
Continue readingالصليب عليّ/ الأحد في 19 أيلول 2004 / العدد 38
عندما نلحظ ان فترة عيد ارتفاع الصليب خمسة فصول إنجيلية منذ السبت الذي يسبقه إلى الأحد الذي يليه لا بد ان نفهم ان الكنيسة أولت أهمية فائقة لهذا العيد. وقراءة اليوم ختامة القراءات. فحواها كيف ينعكس الصليب في حياتي، كيف أكون بعد المسيح مصلوبا. توا يبدأ الفصل بقول الرب: “من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. ان أكون مصلوبا تعني انني سمعت صوت الرب يدعوني، وهذا يتطلب مني تلبية. كيف تكون هذه التلبية؟ بدؤها ان اكفر بنفسي اي ان استغني عن كل ما يستعبدني لأصير عبدا لله. فأنا عبد ان كبلني ما في يديّ (مالي) او شهوتي للجسد والسلطة. انا لا اذهب إلى الله محمَّلا بشيء. اذهب بفراغي من دنيا حاملا نعمته فقط.
هذا هو الشرط لكي احمل صليبي. وصليبي قد يكون امرأتي او منافسي في العمل او وضع البلد وفقري وأمراضي والإغراء الذي يلازمني او يعاودني. انا مثقل ومع هذا يجب ان امشي اذ يقول: “يتبعني” فإنه كان مثقلا بهذه الخشبة. إلى اين أتبعه؟ إلى حيث ذهب اي إلى الجلجلة وأبقى تابعا له حتى مماتي لكي يحررني من أثقالي.
“لأن من اراد ان يخلّص نفسه يهلكها ومن اهلك نفسه من اجلي ومن اجل الإنجيل يخلصها”. يهلكها بالتعب، بالتحرر مما كانت تستطيبه من لذات الأرض. “من اجل الإنجيل” لأن البشارة تتعبنا. تجعلنا امام دراسة مضنية، دائمة للإنجيل. وفي الإنجيل فضائل علي ان اكتسبها لأني بلا ذلك لا اخلص. السيد جازم، قطعي، لا يقبل ان يكون فيك ما هو للإنجيل وما هو ضده. لا يقبل ان تتعب نفسك بتحصيل الفضائل قليلا لأنك ان تعبت قليلا تلقى قليلا. ان افنيت كل خطيئة فيك تتلقى كل بر من الله.
ثم يكمل يسوع فكره: “فإنه ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه. ام ماذا يعطي الانسان فداء عن نفسه”. العالم وما فيه من بهرجة ومجد وطعام وشراب وقصور وإثارة، هذا اذا ربحته تخسر نفسك، هذه التي افتداها المسيح وأفرغها من كل ذلك وأفعمها بكل طيب من عنده وبكل فرح. التابع للمسيح حقا فيه فقط المسيح وهو غناه الذي به يستغني عن كل شيء.
التحدي الكبير الذي أطلقه يسوع هو “ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟”. ان فضل يسوع بالنسبة إلى الحضارة القديمة هو انه كشف لنا قيمة النفس اي قيمة الانسان بذاته التي هي على صورة الله. كانت قيمة الإنسان عند اليونانيين القدماء انه حر لا عبد. جاء يسوع وألغى هذا الفرق. كانت قيمته انه يوناني وليس غريبا عن اليونان. جاء يسوع وألغى هذا الفرق. كانت قيمته انه ذكر لا انثى (وكذا عند اليهود). جاء يسوع وألغى هذا الفرق. جاء السيد يقول: قيمتك هي ما في نفسك لا في ما تملك. فقد تأكل قليلا وتسكن كوخا وتلبس ثيابا رثة وقيمتك هي اياها. ان تحوي الدنيا كلها وتتمتع بكل شيء وليس فيك المحبة فأنت “صنج يرن او نحاس يطن”.
اعظم انسان ليس الغني ولا السياسي ولا الجميل ولا المثقف. هو انسان القلب. قد يكون آخر الناس في مقاييس الناس. فالناس كثيرا ما يحتقرون الصالحين البسطاء المتواضعين ويضعونهم في آخر مرتبة. والله يراهم حسب مقاييسه هو. لا تهمهم مرتبتهم هنا وهم لا يعرفون ان لهم مرتبة فوق ولكنهم يسلمون انفسهم للمصلوب الذي يضمهم إلى صدره وتكفيهم هذه الضمة.
الذين عندهم الكثير من هذا العالم يستحييون بالمسيح فعليا لأنهم لم يحملوا صليبه وما تبعوه. هناك مسيحيون بالإسم وعلى تذكرة الهوية. المسيحي الفعلي من جاهد مع المسيح وتحرر من هذا العالم ووطأته وسار في هذا العالم طالبا الملكوت. اما من استغنى هنا عن المسيح ولو تسمى باسمه فلن يعرفه المسيح “متى أتى في مجد أبيه مع الملائكة القديسين”. السير مع المعلم متعب في البداءة ثم يأتيك الفرح.
Continue reading