Category

2010

2010, مقالات, نشرة رعيتي

جبل آثوس/ الأحد 17 تشرين الأول 2010 / العدد 42

في أواخر الألفية الأولى، أسس القديس أثناسيوس (5 تمّوز) الحياة الرهبانية في جبل آثوس، وهو شبه جزيرة في شمالي اليونان، فبُني عشرون ديرًا مستقلّ الواحد عن الآخر حسب النظام الأرثوذكسي يعيشون حياة صلاة ونسك (لا يأكلون لحمًا أبدًا). وللأديرة إدارة مركزية مؤلفة من مندوبي الأديرة. الى جانب هذه الديورة صوامع مستقلّة يختلي فيها راهب او أكثر.

جزيرة مشجّرة كلها ولا سيما بشجر الكستناء الذي يصنع الرهبان منه ما يحتاجون اليه من خشبيات كالأبواب وغيرها.

يفيقون ساعتين او ثلاثا بعد منتصف الليل ويؤدّون الخِدَم الإلهية طويلة واقفين في أداء موسيقيّ صحيح. وبعد صلوات الصباح وصلاة الغروب يتناولون وجبتين من الطعام، ويذهب كل واحد الى عمله: عمل يدويّ، فلاحة، دراسات لاهوتية.

من حيث الجنسية، العنصر اليوناني سائد، ولكن هناك ثلاثة أديرة مؤلفة من الروسيين والصرب والبلغار، وهناك بعض الآخرين اعتنقوا الأرثوذكسية وهم من أصول مختلفة.

إلى جانب الخدَم الإلهية يستقبلون حجاجًا من الرجال ويقدمون لهم ضيافة ويعيشون في الأديرة الجميلة جدا وهي تختلف بهندستها. ألوان الجدران الخارجية مختلفة والقباب الكبيرة والصغيرة تعلو السطوح. إلى جانب الكنيسة الرئيسية، في كل دير كنائس صغرى (4 أو 5 أو أكثر) يذهب اليها الرهبان عند انتهاء صلاة السحَر لإقامة القداس الإلهي.

صوَر القديسين في كل مكان ولا سيما أيقونة والدة الإله شفيعة هذه الجزيرة. كل قاعات الطعام جدرانها مليئة بالأيقونات الجدارية وكأنك تأكل في حضرة القديسين.

إلى هذا المكان ذهبنا أنا ومطران اوربا السيد يوحنا (يازجي) ومطران طرابلس السيد أفرام (كرياكوس) وكل منا معه مرافق. وكنا ننتقل من دير الى آخر بالسيارة على طرقات ترابية.

كنا نتخاطب باللغة اليونانية مباشرة او بالترجمة، وأقمنا القداس الإلهيّ بالعربية، ورافقَنا طلاب لاهوت أنطاكيّون كانوا يسهّلون لنا التواصل.

كان الرهبان يكرمون المطارنة الأنطاكيين تكريمًا كبيرًا من حيث الاستقبال في كنيسة كل دير بحفاوة نادرة. الاتصال اللغوي كان صعبًا ولكن اتصال القلوب كان سهلا وقويًا. يبدو أن أنطاكية لها مقام خاص عندهم، والشرق بعامّة يحرّك قلوبهم.

نحن استلمنا نعمة فوق نعمة وأحسسنا أن كل من كان قادرًا أن يسافر الى اليونان لا بد له أن يزور الجبل المقدس لأنه متعة لا بعدها متعة، فإذا كانت الطبيعة جميلة جدا فالتقوى أجمل.

مركز للعبادة الأرثوذكسية استثنائيّ القوة والإلهام. لا تعود انت من هذا التجمّع الرهبانيّ العظيم إلا غنيًّا بما ينزل عليك من بركات التقوى الظاهرة أمام عينيك.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

بداءة عمل بولس/ الأحد 10 تشرين الأول 2010 / العدد 41

يتكلم الرسول في هذا المقطع من الرسالة الى أهل غلاطية عن إنجيله قائلا انه تسلّمه بإعلان يسوع المسيح له. واضح أن بولس لا يتكلم عن الأناجيل الأربعة ولم تكن كُتبت بعد. غير أننا نلحظ بعد تدوينها خلال القرن الأول أن مضمون ما علّمه بولس هو ذاته مضمون الأناجيل الأربعة. كل ما علّمه بولس، بطريقة أو بأخرى، هو عن موت السيّد وقيامته، وقال كلمة عن مولده، وسرد الحديث عن العشاء السري.

ثم أوضح الرسول أن الله أفرزه من بطن أمه ودعاه بنعمته ليُعلن ابنه فيه ليُبشّر بين الأمم (الوثنيّة). بولس يحمل تعليما تلقّاه مباشرة من الرب يسوع، وهذا كافٍ لتثبيت صدقيّة بولس الرسول.

أخذ الرسول في هذا المقطع يحكي باختصار سيرته فقال «إني كنتُ أَضطهد كنيسة الله بإفراط»، ومَثل عن ذلك ما ورد في أعمال الرسل عن اشتراكه بمقتل القديس استفانوس. غير أن يسوع ظهر له على طريق دمشق التي كان ذاهبا اليها بتفويض ليُلقي القبض على المسيحيين وغيره يسوع بظهوره له تغييرا كليا إذ جعله تلميذا له حارّا يجوب الأرض كلها لينشئ جماعات مسيحية وإليها بعث برسائله المعروفة عندنا في العهد الجديد ونقرأها في كل قداس كما نقرأ رسائل من غيره من الرسل.

في هذا الفصل يؤكد أنه بعد ظهور الرب لم «يُصغِ الى لحم ودم» أي لم يتردّد باتباع يسوع فأكمل طريقه الى دمشق ليُعمّده حنانيا ويُطلقه من دمشق، فقال إني بعد لقاء حنانيا لم أَصعد الى أورشليم الى الرسل الذين قبلي لأتأكّد من صحة ما أومن به «بل انطلقتُ الى ديار العرب»، ويُرجّح معظم المُفَسرين أن ديار العرب تعني حوران وكانت تُسمّى «العربية» في الإدارة الرومانية، ولا بدّ أنه كان هناك بعض المسيحيين.

لا يقول الكتاب شيئا عمّا فعله بولس في حوران الى جانب الصلاة وتأمّله في العهد القديم الذي يظهر هو في ما كتبه علاقته به. كان بولس يربط معرفته بيسوع بمختَلف أسفار العهد القديم.

ثم يقول «بعد ذلك رجعتُ الى دمشق». لماذا الى دمشق؟ هي المكان الذي ظهر فيه حبّه الأول ليسوع. لا نعرف المدّة التي قضاها في حوران. عندما يقول إني بعد ثلاث سنين صعدتُ الى أورشليم، هل يقصد أنه بقي في الشام ثلاث سنين، أم يقصد ثلاث سنين قضاها في حوران ودمشق معا؟ لا نعرف ولا يهمّنا أن نعرف. بعد هذه السنين الثلاث يقول «صعدتُ الى أورشليم لأزور بطرس». كان لبطرس أهمية خاصة في الجماعة الرسولية. فأقام بولس عنده خمسة عشر يومًا سمع فيها الكثير عن الرب يسوع الذي عايشه بطرس. ثم لم يرَ غيره من الرسل سوى يعقوب أخي الرب. البقيّة كانوا بلا ريب تركوا فلسطين الى البشارة. بعد هذا انطلق بولس الى العالم.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

أحبوا أعداءكم/ الأحد 3 تشرين الأول 2010 / العدد 40

يتساءل الكثيرون كيف نحبّ أعداءنا. هل هذا معقول؟ أول قسم من الجواب أن العدوّ مَن عاداك، اما انت فلا تُعادي أحدا. يمكن أن تحزن ولكن لا تحفظ عليه حقده لأنه أخوك. لا يمكنك أن تحبّه كما طلب السيد إلا إذا اعتبرته أخاك مهما كانت شرور قلبه. يطلب منك الرب أن تعالج قلب هذا الإنسان.

اذكروا مَثَل السامري الشفوق الذي وَجد جريحا يهوديّا في الطريق فأعانه واعتنى به، والسامريّ عدوّ اليهوديّ في الدين، وذلك العداء كان كبيرا في تلك الأيام.

مَن عاداك اليوم، جريح، مصدوم أو ذو مصلحة ضدّك وقد لا تكون آذيته انت، فإذا حقدت عليه تزيده شرا وغايتك أن تشفيه، أن تشفي كل إنسان. لقد جعلك الرب اليوم انت السامري الشفوق اي طبيبا لمن عاداك. وأنت وحدك طبيبه لأنك تعرف مرضه وغيرك لا يعرفه.

في معظم الأحوال هو يقبل غفرانك له. فإذا لم يقبل صلِّ من أجله حتى يصل الى القبول. اذكر عدوّك كل يوم في صلاتك وقدّم اسمه على مذبح الرب لكي تنزل عليه الرحمة. والله يرحم من تطلب انت له الرحمة لأنه «مُنعِم على غير الشاكرين والأبرار».

وتنتهي القراءة بقول السيد «فكونوا رحماء كما أن أباكم السماوي هو رحيم». رحيم تعني في اللغة أن أحشاء الرب تتّسع لكل البشر، فإذا جعل الله كل خلائقه العاقلة في أحضانه فتشبّه انت بالرب ليجعل عدوّك في أحضانه وتلتقي هكذا بهذا العدوّ عند الرب الذي يحبّك ويحبه.

لا لقاء لنا مع إنسان إلا في أعماق الحنان الإلهي. العاطفة البشرية تعلو وتهبط حسب المزاج. ولكنا نحن المؤمنين لا نتصرّف مزاجيا ولكن نتصرّف بالشعور الإلهي اي كأن قلبنا قلب الرب.

واذكر أن الله محبة ولا يفرّق قلبُه بين من يحبونه ومن لا يحبونه لأنهم جميعا أبناؤه. انت اذا كان عندك ولدان، أحدهما لطيف رقيق، وآخر شرس، تحبهما بالمحبة الواحدة، ولكن هناك أسلوبان في التربية، وغاية كل أسلوب لك أن تُصلح ولديك.

الله محبة فإنها العلاقة الوحيدة بين الآب والابن والروح القدس. المحبة هي الوحدانية الإلهية، هي اسم الله.

فالله يتصرّف مربّيا ويستعمل أسلوبا مع هذا وأسلوبا مع ذلك، ولكنه يريد محبة واحدة لكل من البشر. وموت المسيح هو الدليل العظيم على محبته لنا.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

يوحنا الحبيب/ الأحد 26 أيلول 2010 / العدد 39

في عيد انتقال القديس يوحنا الإنجيليّ، تقرأ الكنيسة المقدسة علينا هذا المقطع الذي يتحدّث عن مشهد المصلوب والواقفين عند الصليب بادئا من ذكر ثلاث نساء، مريم أُم يسوع وأُختها مريم زوجة كلاوبا ومريم المجدلية. إذا قارنّا هذا مع مرقس ومتى، نفهم أن مريم المجدلية ومريم أُمّ يعقوب ويوسي وسالومة أُمّ ابني زبدى. وفي إنجيل مرقس يقول الكتاب «أُخَر كثيرات اللواتي صعدن معه الى أورشليم».

أما تسمية مريم أُم يعقوب ويوسي أُخت والدة الإله فتعني نسيبتها، وهذا كثير في الأدب العبريّ وفي الإنجيل. إلا أن إنجيل يوحنا المعتمد اليوم للقراءة فهمتمّ فقط بوالدة الإله والتلميذ الذي كان يسوع يحبّه. وهذا حسب كل التقليد هو يوحنا الإنجيليّ نفسه. يتوجّه السيد الى أُمه قائلا لها «يا امرأة هوذا ابنُكِ». استعمال يسوع لعبارة «يا امرأة» ورد في عرس قانا الجليل. وهذا عندهم كلام عاديّ وليس فيه أي تقليل من الاحترام. ثم يقول الكتاب ان هذا التلميذ أخذها الى خاصته أي آواها عنده.

في هذا التأمل يجب أن نتجاوز شخص يوحنا الى تسميته لنفسه «التلميذ الذي كان يحبّه» والمذكور بهذه الصفة في غير موضع من الكتاب. فإذا تجاوزنا شخصه ابتداءًا من ظاهر النص، أقول ان يسوع جعل مريم أُمّا لكلّ تلميذ حبيب أي لكل مؤمن. إيضاحا لهذا الكلام أقول بلا تأويل إن لمريم أُمومة تجاه كل واحد منا، وكلمة يسوع هذه على الصليب تكفي لنُكرّم والدة الإله.

لا أحد يستطيع أن يعرف على وجه الدقّة ماذا تعني أمومة مريم لكل مؤمن. على الأقل، تعني أن لها صلة رقّة وحنان وشفاعة واحتضان لكل منّا، وأنه لا يسوغ لنا أن نتجاهلها في صلاتنا، وهذا يؤكد ما قالته لنسيبتها أليصابات أُم القديس يوحنا المعمدان: «ها منذ الآن تُطوّبني سائر الأجيال». تُطوّبني تعني اعترافنا بأنها تتمتّع بالطوبى السماوية أي برؤية الله الكاملة.

ونحن لا نقول هذا إلا عن الشهداء الذين لا يفرّقهم شيء عن المسيح. بقية القديسين نقول عنهم انهم في الملكوت يشفعون طبعا بنا، ولكنهم ليسوا على كمال الرؤية.

القراءة الإنجيلية ركّزت مع ذلك على يوحنا الإنجيليّ، وسمّت موته انتقالاً كما سّمت رقاد والدة الإله انتقالا. في كنيستنا هو أول شخص نُسمّيه لاهوتيا فنقول «يوحنا اللاهوتي» اذ لم يكتب احد من الانجيليين عن أُلوهية المسيح كما كتب هو.

نُسمّي اثنين آخرَين لاهوتيَين فقط وهما غريغوريوس النزيانزيّ وسمعان اللاهوتي الحديث، والواضح أنه يُحلّق كما لم يُحلّق سواه.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

أحيا في المسيح/ الأحد 19 أيلول 2010 / العدد 38

قيامة المسيح لم تكن لبولس حدثًا مضى نتعلّم منه انما كان واقعا فاعلا في النفس مستمرا في المؤمنين. كانت هي قيامتهم العامة ولكنها هي امتداد في حياة المؤمن. وهذا التغيير الروحي الدائم في حياة المؤمن هو الذي ينقلنا من ناموس موسى الى الحياة الجديدة.

في هذا يقول الرسول: «إني بالناموس مُتّ بالناموس لكي أحيا لله». أراد أن المسيحي اذا لم يتبع فرائض الناموس الطقسية اذ لا يُبرّر بها يتبع شريعة المحبة فيُصلب مع المسيح. هذا مكرّر في مواضع اخرى في الرسائل. اذا انصلبت أي صلبت كل أهوائي فأحيا مع المسيح الذي قام من بين الأموات.

غير أنه يسعى الى تعبير آخر فيقول: «لا أنا بل المسيح يحيا فيّ». الرسول يُبيد الأنا، فذاتُه ليست هو، ولكنها المسيح. هذا يعني إطفاء الشهوات كليا، انعدام الرغبات المؤذية، اندماج المؤمن بالمسيح اندماجا كليا.

أخيرا يقول «ما لي من الحياة في الجسد أنا أحياه في إيمان ابن الله الذي أَحبّني وبذل نفسه عني». أي في تطهري من الأنا المنكمشة، المنغلقة تبقى فيّ حياة نازلة عليّ من السماء. هذه هي إيماني بابن الله الذي أحبني. هنا المرة الوحيدة التي لا يقول: «أَحبّنا» بالجمع او ما هو بهذا المعنى. انا شخصيا هدف خلاصه. انا هو الذي من أجله نزل الرب يسوع الى العالم «وبذل نفسه عني».

هذا هو سرّ الصليب الذي تكلّم عنه بولس مرات كثيرة. صلْبُ المخلّص وقيامته وإنجيله هي عنده شيء واحد. غير أن هذا كله ينصبّ في الإنسان فهو مصلوب وقائم وحامل كلمة الله وهو مهلك نفسه بالجهاد كما يقول إنجيل اليوم وذلك من أجل إعلاء كلمة الله ونشرها. ولا يستطيع إنسان أن يحملها ما لم يقبل صلب نفسه لينال على الأرض قيامة روحية في التنقية من العيوب والآثام. النفس في هذه القراءة الإنجيلية أي الذات هي أفضل من الكون كله. ولذلك لا تقدر أن تبيعها بشيء من هذه الدنيا.

المال واللذة والنفوذ والسلطة كل هذه لا تساوي النفس البشرية الحرّة من المعاصي والقادرة بخوف الله أن تتحكّم بشؤون الدنيا بطهارة وتواضع وبلا تسلّط على احد.

غير أن سلطان الإنسان على نفسه لا يحصل المرء عليه بمجرد عمل الإرادة وإصرارها على أمور الإنسان، ولكن السلطان المسيحي في عمل الإنسان يأتي من سلطان الله عليه. بتقبّلنا الله نذهب الى الناس والى الأشياء لتكون العلاقة ليس فقط سليمة ولكن نافعة لنا وللآخرين.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

صليب المسيح/ الأحد 12 أيلول 2010 / العدد 37

قلت في غير موضع ان بولس لما قال، هنا وثمة، «انطروا ما أعظم الأحرف التي كتبتُها إليكم بيدي» كان قد أخذ القلم، وهو قصبة، من يد الكاتب، اذ كان بولس يُملي ربما لأنه كان ضعيف النظر. فأخذ القلم وكتب بحروف كبيرة يراها، وكل حرف في اليونانية منفصل عن الآخر.

ما موضوع هذا المقطع؟ هناك فئة في الكنيسة كانت تريد أن تُلزم الوثنيين المهتدين الى أن يختتنوا وأن يتبعوا شرائع موسى الطقسيّة. وهذا مخالف لقرار مجمع أورشليم الذي لم يُخضع الوثنيين المهتدين أن يعبُروا بالديانة اليهودية إذا اعتنقوا المسيحية.

كان اذًا في غلاطية مَن لم يحترم قرار المجمع الرسولي. شجب بولس من نُسمّيهم المسيحيين المتهوّدين، وشجب افتخارهم بالختان اذ قال: «حاشى لي أن أفتخر إلا بصليب ربّنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالم لي وانا صُلبت للعالم». وكأنه يقول ان فرائض الشريعة هي من هذا العالم، فإذا هي صُلبت (أو ماتت) فأنا حيّ.

وتتصاعد لهجة الرسول ليقول: «ليس الختان شيئا ولا القلف» (او الغرلة في ترجمة أُخرى) بل الخليقة الجديدة التي تحصل فينا بالعماد.المعمودية هي انعكاس موت المسيح فينا وقيامته.فما لنا وللختان الذي كان علامة العهد بين الله وإبراهيم.اما علامة العهد الجديد فينا فهي دم المسيح واستتباعا المعمودية حتى يصل الرسول الى القول: «كل الذين يسلكون بحسب هذا القانون فعليهم سلامٌ ورحمةٌ وعلى اسرائيلِ (بكسر اللام) الله».

التفسير الشائع لعبارة «إسرائيلِ الله» هو أنها الكنيسة التي تتضمّن إسرائيل القديم الذي اهتدى والوثنيين الذين انضمّوا بالعماد.

يتعب بولس من هذه الحالة ويقول: «فلا يجلبْ علَيّ أحدٌ أتعابا في ما بعد فإني حاملٌ في جسدي سماتِ الرب يسوع».

هذه السمات او العلامات في جسدي هي الآلام التي تكبّدها بولس من اليهود والوثنيين.«جلدني اليهود خمس مراتٍ أربعين جلدة الا واحدة. ضُربتُ بالعصيّ ثلاث مرات، رُجمتُ مرة واحدة، انكسرت بي السفينة ثلاث مرات. قضيتُ ليلة ونهارا في عرض البحر» (2كورنثوس 11: 24 و25).

هذا كان عنده انعكاس صَلْب المسيح في جسده ما يعني أن هذه الآلام تُبطل استمرار تطبيقنا لناموس موسى في وجهه الشرعي.

في هذا الأحد الذي قبل عيد ارتفاع الصليب نستعدّ للعيد بإعجابنا بأوجاع الرسل والقديسين وبمعرفتنا، كما يقول إنجيل اليوم، أن الله «هكذا أحبّ العالم حتى بذل ابنه الوحيد».

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

آلام بولس وقيامة المسيحيين/ الأحد 5 أيلول 2010 / العدد 36

بولس رأى في هذا المقطع أن الله الذي أمر عند الخلق ظهور النور هو إيّاه الذي أَشرق عليه عند اهتدائه حيث شاهد النور على وجه المسيح القائم من بين الأموات. بعد هذا يتكلّم عن المؤمنين الذين يُشرق نورُ المسيح في قلوبهم. الإشراق الذي ناله هو يبدو له حسيًّا وقد ملأ كل حياته.

يُشرق المسيحُ على بولس ليعطي المؤمنين معرفة مجد الله الذي نزل عليه على طريق دمشق. بولس كان يفكّر أن كل ما استلمه من يسوع مفيد لخدمته الرسولية.

ولكن حتى لا يستكبر قال: «لنا هذا الكنز بآنيةٍ خزفية» ليوحي أننا ضعاف من جهة، ومن جهة أُخرى ليشدد أن ما نرثه من الله.

بعد هذا يشير بولس الى أزمات صعبة لم تجعله في إحباط. ما حصل له في آسيا (تركيا الحالية) يدلّ على أخطار مميتة. مع أنه متضايق في كل شيء لم يكن ينحصر، ومع أنه مُتحيّر لم يكن ييأس، ومع أنه مضطهَد لكنه لم يكن مخذولا، ومع أنه مطروح لم يهلك، وكل هذا عائد الى أنّه حامل في جسده إماتة الرب يسوع. في كل هذه المضايقات بقي بولس على الرجاء.

هذا عائد الى أنّه متّحد بالّرب يسوع دائمًا وفي خدمته كل يوم. المجد يأتي فقط الى الذين يتألّمون. موت يسوع ينعكس على الذين يصبرون. إنهم يتخلّصون من كل الضيقات لتظهر فيهم حياة المسيح. ألم وقيامة عَرفهما السيد ويعرفهما أحباؤه. وذهبت محبّة بولس للمسيحيين إلى أن الموت الذي يذوقه هو يصير حياة للمؤمنين. ذلك أن للرسول «روح الإيمان»، وبنى هذا على قول العهد القديم: «آمنتُ ولذلك تكلّمت». ويؤكّد هذا بقوله: «نحن أيضًا نؤمن ولذلك نتكلّم». نتكلّم برغم كل الضيقات «عالمين أن الذي أقام الرب يسوع سيُقيمنا نحن أيضًا بيسوع». موت السيد وقيامته ينعكسان منذ هذا الوجود في المؤمنين. القيامة في حياة المؤمنين الآن هي فاعلة ليكملوا الخدمة. هنا بولس لا يتكلّم على القيامة الأخيرة ولكن القيامة بالصبر اليوم. هذا معنى قوله: «ننتصب معكم». دائمًا المؤمنون همّه إذ يقول: «لأن كل شيء هو من أجلكم»، وهو أيضًا يخدم من أجلهم «لكي تتكاثر النعمة بِشُكر الأكثرين».

إنّ تكاثُر المؤمنين يزيد الشكر لله، وبهذا يسطع مجد الله.

بولس هو في حركتين: الأولى قبوله لكل الضيقات لمجد الله، والثانية إظهار مجد الله في المؤمنين. دائمًا الرسول واحد مع الكنائس التي أسسها. المهمّ عنده أن تبقى قوية وفي حالة شكر مهما حلّ في الرسول من آلام. بولس دائمًا ينسى نفسه لكي يتمجّد المسيح في المؤمنين وينمُوا هم فيه.

ما أعظم هذا الرجل الذي ينسى دائمًا نفسه فيحبّ الإخوة الذين كسبهم للإيمان، فإذا تقووا يعظم المسيح، ولا يذكر الرسول عظمته هو. المهم عنده أن تصبح الكنيسة عظيمة بعظمة المسيح لأنها هي وجهه المُطلّ على العالم فتبقى الرسالة أي لا يبقى المسيح محجوبًا. المسيح معشوق بولس ويُترجِم عشقه له بتأسيس كنائس جديدة.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

قطع رأس يوحنا المعمدان/ الأحد 29 آب 2010 / العدد 35

جاء هذا الخبر عند مرقس مداورة اذ نص إنجيل مرقس على أن هيرودس سمع بخبر يسوع فقال ان يوحنا المعمدان قد قام من بين الأموات، ثم تأتي الرواية عن قتل المعمدان. لماذا هيرودس أمسك يوحنا وزجّه في السجن؟ الجواب لأن الملك تزوّج «هيروديا» امرأة أخيه فيلبس.

ما الخطأ في ذلك؟ لنفترض أن أخاه كان حيا. إذ ذاك، يكون هذا زنا. أما إذا كانت هيروديا مطلّقة فزواجها يخالف شريعة موسى القائلة: «عورة امرأة أخيك لا تكشف» (لاويين 18: 16). ولو كان زوجها ميتا يكون الزواج مخالفا للناموس إن كان عندها ولد إذ يقول سفر التثنية: «اذا سكن إخوة معا ومات واحد منهم وليس له ابن فلا تصر امرأة الميت الى خارج لرجل أجنبي» (25: 5). بنظر المعمدان كان في الأمر زنا او مخالفة صريحة للناموس.

نتج عن هذا التأنيب للملك أن هيروديا سعت الى قتل النبي. غير أن الملك «كان يخاف من يوحنا لعلمه بأنه رجل بار وقدّيس ويحافظ عليه». ويقول الإنجيل ايضًا ان الملك كان «يسمع الى يوحنا بانبساط» ما يعني أنه كان يتردّد على البلاط ولكنه انقسم داخليا عن هذه الصداقة بسبب سقوط الملك الأخلاقيّ.

في هذا الجو «صنع هيرودس في مولده عشاء لكبار المملكة»، وجاءت ابنة هيرويا ورقصت رقصا فرديًا لا بد أنه كان خليعا وأَعجبت الملك. وباقي القصة سرده الكتاب الإلهي. فقتل المليكُ يوحنا المعمدان. ثم دفن جثة يوحنا تلاميذه، ولا نعرف شيئا عنها، ولا عن رأسه نعرف شيئا. وتزعم كنائس عديدة في العالم أن عندها هذا الرأس، ولكن ليس شيء من هذا أكيدا. الأغلب أن الجثمان كله دُفن في فلسطين واندثرت المعالم.

الدرس الذي لنا من هذه الحادثة أن النبي يقول الحق للكبير والصغير ولا يخشى أحدا حفاظا منه على كلمة الله. الله لا الملوك ولا العظماء وحده المطاع. الدرس الآخر أن هيرودس كان أولا ضحية الطعام والسكر، ووقع ثانيا في شهوة العيون. كل هذا مجتمعا قتل المعمدان.

الخلاصة من هذا كلّه أنك إن كنتَ إنسانا روحانيا لا تُساير احدا. تلوم أباك او إخوتك او أصدقاءك بقوة كلمة الله لأنك تريدهم أن يتنقّوا من كل خطيئة اقترفوها. أنت لا تحب أحدا على الله لأنك تكون قد سلّمته الى الشيطان الذي أغراه. يمكن أن تموت لأنك قلت الحقيقة. شهادة الدم تفرض نفسها حتى يتمجّد الله بسفكِ دمِك كما تمجّد بشهادةِ كلامك.

من هذه الخلاصة ايضا أن «شهوة العيون وشهوة الجسد» كما يسمّيها يوحنا الإنجيلي في رسالته الجامعة الأولى تُبيد صاحبها ويمكن أن تجعله قاتلا. الخطيئة لها أثر على مرتكبها ولها أثر في النفوس. لا تمرّ كمرور الريح. الخطيئة رهيبة ايضا لأنها تُولّد خطيئات أخرى.

قطع رأس يوحنا دعوة كل واحد منا الى التوبة.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

توصيات بولس الأخيرة/ الأحد 22 آب 2010 / العدد 34

هكذا تنتهي الرسالة الأولى الى كورنثوس. بولس حريص على أن يتقوّى المؤمنون بالإيمان، ولا ينسى أن يوصيهم بالمحبة التي كلّمهم عليها في هذا النشيد العظيم الذي يحويه الإصحاح 13 من الرسالة. ثم يذكر أسماء معاونيه. أوّلهم استفاناس وبيته وهم باكورة الذين بشّرهم في منطقة آخائية. من أسباب أهمية هذه العائلة أنها خدمت من سمّاهم القديسين وعنى بهم فقراء أورشليم. وجمع المال لهؤلاء لعب في عمله دورًا كبيرًا.

طلبه أن يخضع المؤمنون لهؤلاء غالبًا ما يدلّ على أنّهم كانوا أصحاب مسؤولية في الكنيسة. هو ذكر القُسس والأساقفة في سفْر الأعمال. ولكنّه في رسائله الكبرى كهذه لا يتكلّم على مقامات محدودة.

بعد هذا يكرّر ذكره لاستفاناس ويذكر معه فورتوناتوس وأخائكوس. هؤلاء غالبًا الذين حملوا رسالة أهل كورنثوس الى بولس.

«تُسلّم عليكم كنائس آسيا» وبالدرجة الأولى طبعًا كنيسة أفسس العظمى وقد قضى فيها الرسول زمنًا طويلا. يضيف للتخصيص: «يُسلّم عليكم في الرب كثيرًا أَكيلا وبْرسكلة» وهي زوجته وهما عمودان في كنيسة أفسس وبيتهما يأوي الكنيسة أي الجماعة.

يُلّح بولس على إرسال السلام ويطلب أن يُسلّم بعضهم على بعض «بقبلةٍ مقدّسة». هنا يشير الى سلام في المسيح. نوع من رمز انتمائهم الى الكنيسة. بعد هذا بقليل، أي في منتصف القرن الثاني، يشهد القديس يوستينوس الفيلسوف الشهيد أن القبلة صارت جزءا من القداس الإلهي. اليوم يُمارسها الأسقف والكهنة في ما بينهم في الهيكل. لا شك أنها بقيت قرونًا عديدة تُتبادل بين المؤمنين. في الكنيسة اللاتينية استُعيض عنها بالمصافحة.

«والسلام بيدي أنا بولس». من الواضح أن بولس كان يُملي رسائله الى الكتّاب الذين كانوا يُرافقونه في تجواله. هذه الرسالة أملاها على تيموثاوس. هنا أخذ من تلميذه القلم وكتب هذه العبارة التي تدلّ على التوقيع في تلك الأزمنة. وغالبًا ما أراد أن يُعبّر لأهل كورنثوس عن شعوره الخاصّ نحوهم.

إلى هذا يفرز الرسول من الكنيسة الذين لا يُحبّون ربّنا يسوع المسيح. لا يشير الى اعتقاد منحرف عندهم وقد أشار الى انحرافات في الرسالة.

بعد «فليكن مفروزًا»، جاءت في معظم الترجمات بما فيها الأميركية العربية «ماران أَتا» الآرامية السريانية التي كتبها بولس بالحرف اليوناني وتعني «أتى الرب» أو تعني «تعال يا رب» (اللغة اليونانية لا تفصل بين الحروف، ولذا أمكنك أن تقرأها هكذا او هكذا). ربما لم يجدها المترجم الأرثوذكسي يعقوب صرّوف في المخطوطة التي اعتمدها. وينهي الرسول رسالته بقوله: «نعمةُ ربنا يسوع المسيح معكم»، ثم يقول: «محبتي مع جميعكم في المسيح يسوع». واضح بعد تعليمه العقيدة، ولا سيما في قيامة الأموات، أتى بولس على ذكر مودته الشخصية لأهل كورنثوس.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

معيشة الإكليروس/ الأحد 8 آب 2010 / العدد 32

في رسالة بولس المنشورة اليوم: «إنْ كنّا نحن قد زرعنا لكم الروحيّات، أفيكون عظيما أن نحصد منكم الجسديّات». معنى ذلك أن الرسل لهم أن يعيشوا من تبرّعات المؤمنين وتاليًا خلفاء الرسل. ليس معنى ذلك أن الكاهن يطلب حقا له. فليس بين الراعي والرعية علاقة حقوق. إنها علاقة محبة. في البدايات كان الكاهن يعيش من مهنةٍ له بدليل أن أحد آبائنا وضع لائحة بالمهن الممنوعة على الإكليركيّ (خمّار، سائق عربة، تاجر…). والبعض في بلادنا كانوا فلاحين، وبعض هم معلّمون في المدارس اليوم. وقلّة عزيزة قد تكفيها موارد خاصة بها.

غير أن الكنيسة بسبب تكاثر المؤمنين رأت أن ينحصر الكاهن بعمله الرعائي، ودلّتنا الخبرة أن الكاهن الغيور الورع نشيط. فإلى جانب الخدم الإلهية الكثيرة عندنا، يحتاج أبناء رعيته أن يلازمهم كل الوقت اذ يطلبونه في أيّ وقت (معمودية طارئة، جنازة، زيارات عائلية).

الفكرة البسيطة التي عرضها بولس أن مَن أَعطاك حياةً روحيّة طوال نهاره وفي قسم من ليله ليس عنده متّسع من الوقت ليقوم بنشاط دنيوي. أنت تتكفّل اذًا كل معيشته ومعيشة عائلته.

ورأت الكنيسة في القرن الرابع أنه يجب أن تُجمّد ما تملك لتستثمره، وهذا هو الوقف لإعالة الفقراء والإكليروس. ثم توسّعنا في بعض الأبرشيات بالإنفاق (مدارس أولاد الكهنة، تطبيبهم مع عائلاتهم). غير أن الوقف ليس عظيما جدا في بعض الأبرشيات بحيث إن دخْله لا يكفي. هناك قرى كثيرة لا وقف فيها. وصينية يوم الأحد لا تكفي لأن المؤمنين الأرثوذكسيين في أغنى كنيسة لا يتجاوزون 20% في أحسن حال.

عليك إذًا أن تدفع مباشرة للكاهن بوتيرةٍ أنت تُحدّدها دون أن تنتظر مناسبة صلاة. تكون مثلا قد عمّدت كل أولادك وربما توفّي والداك. من هنا أن بعض الرعايا وضعت لنفسها نظام اشتراك عائليّ تُحدّده كل عائلة كما تشاء. واذا غاب هذا النظام تقنع ذاتك بأن تعطي الكاهن ما تشاء في الشهر أو السنة، طالبا فقط رضا الله عليك وغفران خطاياك بالكرَم.

وإذا تَوغّل الكاهن في معرفة اللاهوت، يزداد علمًا بالعقيدة ويُربّي نفسك على محبة المخلّص. الكاهن المثقّف قليلا او كثيرا يشتري كتبا ليتعلّم ويُعلّم. الى هذا هل فكّرت ببنيه وبناته، بعلومهم في الثانوية والجامعة؟ لماذا يجب أن يبقى ابنُه جاهلا أَم شبه جاهل؟ لماذا لا تُقدّم له كل سبل الثقافة؟ لماذا لا يسافر ليزداد اطّلاعا على ثقافات الدنيا؟ لماذا لا يشترك في مؤتمر لاهوتيّ إذا دُعي اليه؟ هذه أمور تتطلّب كلها أموالا.

لا ينبغي أن يعيش في ترف يؤذيه. ولا ينبغي أن يعيش في فقر مدقع يؤذيه. هذا الذي يطلب لك أن «تقضي بقية أيام حياتك بسلام وتوبة» ألا يستحقّ منك دعما. ما مبلغ هذا الدعم؟ عطاؤك المادي ينشئ بينك وبين هذا الرجل تعاطفا يُقوّي شعور كل منكما. هذا جزء من الحياة الروحية.

Continue reading