في رسالة بولس المنشورة اليوم: «إنْ كنّا نحن قد زرعنا لكم الروحيّات، أفيكون عظيما أن نحصد منكم الجسديّات». معنى ذلك أن الرسل لهم أن يعيشوا من تبرّعات المؤمنين وتاليًا خلفاء الرسل. ليس معنى ذلك أن الكاهن يطلب حقا له. فليس بين الراعي والرعية علاقة حقوق. إنها علاقة محبة. في البدايات كان الكاهن يعيش من مهنةٍ له بدليل أن أحد آبائنا وضع لائحة بالمهن الممنوعة على الإكليركيّ (خمّار، سائق عربة، تاجر…). والبعض في بلادنا كانوا فلاحين، وبعض هم معلّمون في المدارس اليوم. وقلّة عزيزة قد تكفيها موارد خاصة بها.

غير أن الكنيسة بسبب تكاثر المؤمنين رأت أن ينحصر الكاهن بعمله الرعائي، ودلّتنا الخبرة أن الكاهن الغيور الورع نشيط. فإلى جانب الخدم الإلهية الكثيرة عندنا، يحتاج أبناء رعيته أن يلازمهم كل الوقت اذ يطلبونه في أيّ وقت (معمودية طارئة، جنازة، زيارات عائلية).

الفكرة البسيطة التي عرضها بولس أن مَن أَعطاك حياةً روحيّة طوال نهاره وفي قسم من ليله ليس عنده متّسع من الوقت ليقوم بنشاط دنيوي. أنت تتكفّل اذًا كل معيشته ومعيشة عائلته.

ورأت الكنيسة في القرن الرابع أنه يجب أن تُجمّد ما تملك لتستثمره، وهذا هو الوقف لإعالة الفقراء والإكليروس. ثم توسّعنا في بعض الأبرشيات بالإنفاق (مدارس أولاد الكهنة، تطبيبهم مع عائلاتهم). غير أن الوقف ليس عظيما جدا في بعض الأبرشيات بحيث إن دخْله لا يكفي. هناك قرى كثيرة لا وقف فيها. وصينية يوم الأحد لا تكفي لأن المؤمنين الأرثوذكسيين في أغنى كنيسة لا يتجاوزون 20% في أحسن حال.

عليك إذًا أن تدفع مباشرة للكاهن بوتيرةٍ أنت تُحدّدها دون أن تنتظر مناسبة صلاة. تكون مثلا قد عمّدت كل أولادك وربما توفّي والداك. من هنا أن بعض الرعايا وضعت لنفسها نظام اشتراك عائليّ تُحدّده كل عائلة كما تشاء. واذا غاب هذا النظام تقنع ذاتك بأن تعطي الكاهن ما تشاء في الشهر أو السنة، طالبا فقط رضا الله عليك وغفران خطاياك بالكرَم.

وإذا تَوغّل الكاهن في معرفة اللاهوت، يزداد علمًا بالعقيدة ويُربّي نفسك على محبة المخلّص. الكاهن المثقّف قليلا او كثيرا يشتري كتبا ليتعلّم ويُعلّم. الى هذا هل فكّرت ببنيه وبناته، بعلومهم في الثانوية والجامعة؟ لماذا يجب أن يبقى ابنُه جاهلا أَم شبه جاهل؟ لماذا لا تُقدّم له كل سبل الثقافة؟ لماذا لا يسافر ليزداد اطّلاعا على ثقافات الدنيا؟ لماذا لا يشترك في مؤتمر لاهوتيّ إذا دُعي اليه؟ هذه أمور تتطلّب كلها أموالا.

لا ينبغي أن يعيش في ترف يؤذيه. ولا ينبغي أن يعيش في فقر مدقع يؤذيه. هذا الذي يطلب لك أن «تقضي بقية أيام حياتك بسلام وتوبة» ألا يستحقّ منك دعما. ما مبلغ هذا الدعم؟ عطاؤك المادي ينشئ بينك وبين هذا الرجل تعاطفا يُقوّي شعور كل منكما. هذا جزء من الحياة الروحية.