Category

2007

2007, مقالات, نشرة رعيتي

الروحيات والجسديات في الكنيسة/ الأحد 12 آب 2007 /العدد 32

في هذا المقطع من الرسالة الأولى الى أهل كورنثوس مناخ جدال حول شخص بولس في هذه الرعية. في بدء الرسالة إشارة الى أحزاب في الكنيسة اذ يقول أحدهم انا لبولس، وآخر انا لأبولّس، والثالث لصفا. في هذا الجو المحموم يقول بولس هنا للمؤمنين: «انتم خَتْم رسالتي». لفظة خَتْم مستعملة في سفر الرؤيا والرسالة الى اهل رومية. ثم استعملت بمعنى موهبة الروح القدس كما نستعملها اليوم عند إقامة سر الميرون.

بعد هذا يعبر الى القول: «ألعلّنا لا سلطان لنا أن نأكل ونشرب؟». مع ذلك كان بولس يرفض ان تسنده الكنيسة ماليا ويعمل عامل خيام ليأكل. هذا كان رده على اعتراض أول.

ثم يقول: «ألعلّنا لا سلطان لنا ان نجول بامرأةٍ أختٍ كسائر الرسل؟». المرأة الأخت طبعا هي الزوجة وتسمّى أختا لإيمانها. تؤكّد الرسائل انه أثناء تبشيره الكنائس لم يكن متزوّجا. هل تزوّج ثم ماتت امرأته فكان في رحلاته التبشيرية بلا امرأة؟ لا نعلم على وجه التأكيد.

ثم يبدو من الكلام على إعاشة بولس انه جرت مناقشة حولها. فجاء يؤكّد من العهد القديم والأعراف اليهوديّة وكلام السيّد نفسه انه يحق له ان يعتاش من الكنيسة ولكنه هو الذي رفض (لم نستعمل هذا السلطان بل نحتمل كل شيء لئلا نسبب تعويقا ما لبشارة المسيح).

ماذا نستنتج من هذا في حالتنا الحاضرة في حياة الكاهن؟

اولا- ان كانت له مهنة ما (تعليم، زراعة، الخ…) وكان الدخل منها كافيا، فله ألاّ يتقاضى شيئا من الكنيسة ويمكن ان يتقاضى مبلغا رمزيا؟

ثانيا- معظم الكهنة ليس لهم دخل من بيوت يؤجّرونها او مهنة يحترفونها. فلهم على الرعية حق. من هنا قول الرسول: «ان كنا قد زرعنا لكم الروحيات أفيكون عظيما ان نحصد منكم الجسديات (المال)؟»

هذه المسألة لم تُحَلّ حتى الآن في بعض الأماكن حَلاّ مرضيا لنقصان في محبة المسؤولين العلمانيين (مجلس الرعية) للكاهن. ولعلّ السبب أحيانا فقر الرعية لصغرها. ولكن في كل حال يجب ان يدير المطران الأمور بحيث لا يبقى الكاهن معوزا كما لا ينبغي ان يكون مترفا. هناك ترتيب لا بد منه رسمي وهذا جارٍ في معظم الرعايا.

غير ان الراتب لا يمنع العطاء الفردي للكاهن بمناسبة خدمة إلهيّة وهذا معروف. ولكن الأجمل من هذا أن يعطي المؤمنُ المسؤولَ الروحي هدية مالية من وقت الى آخر دون ان يكون قام له بخدمة ما (كالإكليل او العمادة). لا شيء يمنع أن نعبّر عن محبّتنا له بهذا الإهداء من وقت الى آخر. ولا يظننّ أحد ان المال يتدفّق على الأسقف او القس او الشماس تدفّقًا. فلا تُحرِج احد الإكليريكيين أن يلتمس منك المال التماسا. لا تجعل الاكليريكي متسوّلا. انت تعبّر عن محبّتك بالعطاء على قدر إمكانك وتعبّر عن شكرك للعطاء الروحي الذي يأتيك منه.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

التجلّي/ الأحد 5 آب 2007/ العدد 31

غدًا نقيم عيد تجلّي الرب، وجرى ذلك حسبما قال معظم القدماء على جبل ثابور ووفق ما قال آخرون انه تم في جبل حرمون وهو جبل الشيخ عندنا.

سرد الحادثة ورد في الأناجيل الثلاثة الأولى والنصوص متشابهة جدا. اصطحب الرب التلاميذ الثلاثة الذين اصطحبهم غير مرة وهم بطرس ويعقوب ويوحنا لكي يشاهدوا مجده قبل ان يشهدوا آلامه، ويعبّر متى عن حادثة التجلّي بقوله: «وتغيّرت هيئته قدامهم واضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور».

ما هي هذه الظاهرة؟ تعليم الكتاب أن النور الإلهي في المسيح كان محجوبا عن الناس والتلاميذ لأنه اتخذ مظهر بشر ليتم الاختلاط الطبيعي بينه وبين الناس. كان يجب ان يعرفوه واحدا منهم. لذلك جاء اليهم ليس ذا مظهر استثنائي.

غير انه، هذه المرة، أراد ان يكشف نور الألوهية الذي كان فيه فأخرج هذا النور على وجهه وعلى ثيابه. حتى بعد القيامة لم يظهر لتلاميذه بشكل نوراني. وإنجيل يوحنا المختص بالكلام عن مجد يسوع رأى مجده هو بالموت على الصليب. النور غير المخلوق الذي كان في المسيح ظهر فقط هذه المرة ليعبّر عن ألوهيته بصورة ساطعة.

هنا يظهر ايليا وموسى، ويقول تراثنا ان ايليا هو النبي النموذج، وان موسى هو ناقل الشريعة الإلهية، وتاليا ان النبوّة والشريعة تحققتا في المسيح. هذان اللذان اشتهيا ان ينظرا مجد الله شاهداه في الحقيقة في شخص يسوع، ولما ظلّلتهم السحابة وهي رمز المجد الإلهي في العهد القديم سُمع صوت الآب: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررتُ. له اسمعوا». هذا هو الكلام عينه الذي قاله الله عند معمودية يسوع. هذا كان تأكيدًا لكون الابن الحبيب هو من طبيعة الآب كما نقول في دستور الايمان. وهذا التأكيد اقتضى ان يظهر المسيح في المجد.

وأخيرا ذهب عنه ايليا وموسى ولم يرَ التلاميذ الا يسوع وحده. واذا اردنا المعنى العميق فليس مجرد وصف يحدث ولكن ليدعونا الكتاب ان نرى المخلّص دائما وحده، لا نمزجه بشيء آخر ولا نعادله بكائن آخر، وان كنا نحب أصدقاءه القديسين والمقربين إليه هنا. وعلى رغم ان القديسين تشبّهوا بالمسيح، يبقى المسيح وحده فلا يكون له شبيه.

واذا رأيناه وحده، ينسكب علينا نوره في القلب وفي الفهم الروحي بحيث تتغيّر حياتنا اذا رأيناه فريدا، فوق الجميع.

عندئذ يكون كل شيء لكل مؤمن به ويدعونا الى ان نلتحم به فنحس منذ هذا العالم اننا آتون منه.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

نحن عاملون مع الله/ الأحد 29 تموز 2007 / العدد 30

هكذا تبدأ رسالة اليوم. وهذا هو أساس التعليم الأرثوذكسي عن الخلاص. فالله هو المخلّص ولكنه لا يعمل ما لم تشاركه إرادتَه اي ما لم تُرِدْ ما يريد. وانت تريد. نحن لا نعلم كيف تلتقي الإرادتان. ولكنا نعلم ان ما ما يعطيه الرب نعمة من لدنه. واذا أنت قبلت النعمة تكون مطيعا لمشيئته التي هي تقديسك.

ثم يأتي بولس بصورة عن هذا اللقاء بين الله والإنسان اذ يقول: «انتم حَرْثُ الله» اي زرعه، وهذا موافق لمَثَل الزارع الذي أتى على لسان المخلّص. والصورة الثانية «انكم ابناء الله». وهذا فيه كلام كثير عند بولس الذي يقول اننا هيكل الله. ومن الواضح ان المسيح هو حجر الزاوية في البناء اي انه هو الذي يمسك بالبناء ويجعله لا ينهار. وفي وصف آخر يقول الرسول بعد ذلك انه هو البنّاء الحكيم اي انا كشفت لكم ان يسوع هو الحجر الأساس ولا يضع أحد أساسا آخر.

بعد هذا يعطي أكثر من تشبيه، فهذا المؤمن يكون ذهبا او فضة او حجارة ثمينة او خشبا او حشيشا او تبنا، وذلك حسب الأعمال التي يقوم بها كل واحد، وعندما يجيء يوم الرب في القيامة ستظهر قيمة كل واحد منا حسب أعماله لأنه «يعلن بالنار» ويريد بذلك الفحص الإلهي، فكما تبين النار ما في كل سكيبة معدنيّة وتفرّق الذهب عن المعادن الأخرى سيبيّن الله أعمالك بالدينونة.

فاذا بنى ايّ منا على الأساس اي على المسيح الأساس فهذا ينال أجرة، وأما مَن كان عمله تبنا او حشيشا فسيخسر و«سيخلص ولكن كمن يمرّ في النار» اي انه لا يَخلُص لأن احدا لا يخلص اذا مرّ بنار الدينونة. هذه صور استعملها الرسول ليقول ان هناك من بنى نفسه على المسيح وهناك مَن لم يبنها. لا مجال هنا اذًا لقول من قال ان الجميع في الأخير سيخلصون. فالإنجيل يتكلمّ على «النار الأبديّة» ولا يقول انها مؤقتة.

اخيرا يلخّص بولس تعليمه عن الخلاص هنا بقوله: «أمَا تعلمون انكم هيكل الله وان روح الله ساكن فيكم» وفي التعليم الأرثوذكسي انه ساكن فيكم وانتم احياء، وساكن فيكم وانتم اموات. ايماننا واضح ان الروح القدس ساكن في النفس بعد فراقها الجسد، وساكن في الأجساد التي في القبور، وان هذا الروح القدس هو الذي سيُحْيي العظام. فبعد الموت تبقى وحدة بين الجسد والروح، والوحدة الموحّدة اياهما هي الروح القدس. الجسد الراقد في القبر ليس جسدًا جامدا الا حسب الظاهر لأنه حامل الروح القدس. فجسد الرب ودمه اللذان نتناولهما لا يفنيان اذا الجسد فَني. في الأجساد المائتة قوة كامنة تُحرّك الأجساد في اليوم الأخير. ليس هناك انفكاك كامل بين جسد الميت وروحه.

ويستنتج بولس من كوننا هيكل الله امرا سلوكيا لنا اذ يقول: «مَن يُفسد هيكل الله (بالخطايا) يفسده الله» لا يشير الرسول الى خطيئة معينة، ولكن كل خطيئة تفسد الهيكل الإلهي الذي هو نحن. ويختم بولس هذا المقطع بقوله: «لأن هيكل الله مقدّس وهو أنتم». وهو لا يقصد ان هيكل الله هو جسدنا ولكنا -روحا وبدنا- هيكل الله. ومن أفسده بأي خطيئة لا يكون قد بنى كيانه على المسيح. فاذا أَفسدتَ كيانك تكون قد تعدّيت على حجر الزاوية الذي هو المسيح.

انت عليك ان تقضي على كل فساد فيك لتبدو لله طاهرا، ليتعرّف عليك المسيح أنك من لحمه ومن عظامه فتدخل لكونك من خاصة الملكوت.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

بولس يكتب الى أهل كورنثوس/ الأحد 22 تموز 2007 / العدد 29

كان بولس يشدّد الكنائس التي أسسها ومنها كنيسة كورنثوس التي أنشأها بعد أن فشلت بشارته في أثينا. في المقطع الذي نقرأه اليوم نلحظ أن كنيسة كورنثوس كانت منقسمة وفيها مشاكل أخرى.

هنا يطلب الرسول الى مؤمني هذه الكنيسة ان يقولوا قولا واحدا وألا يكون بينهم شقاقات وأن يكونوا على رأي واحد هو رأي المسيح. ويقول لهم ان أخبار انقساماتهم وصلت اليه من اهل خلوي، وهؤلاء هم على الأرجح عبيد لامرأة تدعى بهذا الاسم. الانقسامات كانت اساسا قائمة على عواطف شخصية. فمن الناس من كانوا لصفا اي بطرس، فلا بد ان يكون بطرس الرسول قد زار هذه الجماعة كما زارها بولس وأبلّوس، وتحزّب المؤمنون لهذا او ذاك من الثلاثة.

هل كان من الناس مَن تحزّب للمسيح كما يبدو من النص؟ غالبا هؤلاء لم يريدوا ان يتحزّبوا لأحد من الرسل ولكن للرب وحده. فلا يكون، اذ ذاك، عندنا في الحقيقة حزب رابع. الناس اختلقوا هذه الأحزاب بسبب من توتّرات بينهم لأن بولس وبطرس وأبلّوس لم يكونوا هم على خلاف.

الحجّة الأساسيّة التي قدّمها الرسول للمؤمنين أن المسيح جامعهم وهو لم يتجزّأ فليس من رسول يمكن ان يأخذ مكانه. ويشدّد على أنهم لا ينبغي ان يكونوا له (اي لبولس). فهم لم يعتمدوا باسمه.

وعند ذكره للمعمودية انه لم يعمّد الاّ كرسبس الذي هو غالبا رئيس المجمع اليهودي الذي ذكره في سفر الأعمال (18: 8). وغايوس لا بد ان يكون هو المذكور في الرسالة الى اهل رومية، واستفانوس هو من اوائل الذين عمّدهم بولس في اخائية.

لا يوحي الرسول لنا ان العِماد كان قليل الأهمية، ولكن يوحي ان هناك توزيعا للوظائف وان مساعدي بولس هم الذين كانوا يعمّدون.

كان بولس يرى ان وظيفته الأساسيّة كانت في التبشير، وفي النظام الكنسي يُعمَّد هذا وذاك من المؤمنين. ويؤكّد «ان المسيح لم يُرسلني لأُعمّد بل لأُبشّر لا بحكمة كلام لئلا يبطل صليب المسيح».

هنا يشير الرسول إلى انه لم يكن بليغا في الكلام مع انه كان لاهوتيا كبيرا، فإنه لم يُرِدْ ان يأتي الإيمان من فصاحة الكلام او وسائل الخطابة ولكن من القوة الروحية التي في كلمات المبشّر.

هذا المقطع من الرسالة الأولى الى أهل كورنثوس يحذّرنا من الانشقاق في الكنيسة ولا سيّما من الافتخار بهذا الكاهن او ذاك، او الافتخار بهذا الأسقف او ذاك، وبخاصة يحذّرنا من الانفعالات الشخصيّة والغضب.

لقد عَرفَت الكنيسة الأنطاكيّة في القرن العشرين انقسامات كثيرة وتحزّبات لبطريرك او آخر، لمطران او آخر، وتشكّلت فئات لا تصلّي بعضها مع بعض وذلك منذ بدء الثلاثينات من القرن العشرين، وحلَّ الموت انقساما من هذه الانقسامات، واتُّخذت تدابير مصالحة لإنهاء انشقاق آخر. وجعل هذا في نفوس المؤمنين حزنا شديدا وتشنّجات بين العائلات. وكثيرا ما تهددت وحدة الكنيسة بمناسبة انتخاب لبطريرك او رئيس كهنة.

الوحدة لا يُحافَظ عليها الاّ بالتقوى والإيمان أن المسيح واحد. والهزء بالكنيسة كان واضحا عند الأرثوذكسيين وغير الأرثوذكسيين، وبدا الفتور منذ تلك السنوات المحزنة كلما ظهر تصدّع، ونرجو الله ان يزيل عنّا الانقسام لنبقى أشدّاء بالروح.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

من عظة الجبل/ الأحد 15 تموز 2007/ العدد 28

إنجيل اليوم مأخوذ مما يُعرف بالعظة على الجبل وهي مقطع مؤلّف من الإصحاحات الخامس والسادس والسابع من متى. الجزء الذي نقرأه اليوم نستهلّه بكلام المعلّم لتلاميذه: «أنتم نور العالم». لما سمعوه صاروا نورا بكلامه، ولم يكتمل نوره فيهم الا بعد ان انبلج ضياء قيامته وحل عليهم الروح القدس. وهذا كلام موجّه إلينا اذ لا يقبل المسيح ان يبقى فينا أثر للظلام. ماذا يعمل سائر الناس ان اظلمتكم خطاياكم؟

وعندما يؤكّد السيّد ان يضيء نوركم قدام الناس، طبعا لا يريد ان يتباهى احد بنوره، ولكنه يؤكّد أمرا طبيعيا ان النور بالضرورة يظهر.

ثم ينتقل المعلّم الإلهي الى القول: «لا تظنّوا اني أتيت لأحل الناموس والأنبياء. اني لم آت لأحل (او لأنقض) بل لأكمّل» . ليس المعنى ان يسوع جاء ليحافظ على فرائض السبت والختانة ولا ان يحافظ على الهيكل. يريد انه يحافظ على روح الأحكام الموسوية، ولكنه لا يبقيها حرفيا في الكنيسة. فالكنيسة منذ رسائل القديس إغناطيوس الأنطاكي حرّمت بوضوح المحافظة على السبت، فبعد ان سَبَتَ يسوع في القبر حقق الوصية في ذاته ولم يبقَ لها نفع. كذلك قال: «انقضوا هذا الهيكل وانا أبنيه في ثلاثة أيام»، اي انه قال لنا ان جسدي هو بات هيكل الله. كذلك أُلغيت الفرائض التي تفرّق بين اللحوم التي يجوز أكلها وتلك التي لا يجور أكلها.

ثم ماذا عنى السيد بقوله: «اني لم آت لأحل بل لأكمّل»؟ المعنى انه جاء ليقوّي الوصايا بعمقها، ان يملأها من المعنى. «لا تقتل» الوصية القديمة صارت تعني ايضا لا تبغض، لا تكره، لا تغضب على أخيك. لم يزد يسوع وصايا جديدة بل جمعها كلها في وصية المحبة التي قال عنها بولس انها تُكمل الناموس.

«لا يزول حرف واحد او نقطة واحدة من الناموس حتى يتم الكل» لا تعني انه لا يريد حل شريعة من الشرائع، فقد حل الكثير منها، ولكنها تعني حافظوا على المعنى الذي قصده الله من هذه الشرائع ولا تحافظوا على شكلها او قالبها الخارجي. فمن خالف القصد الإلهي يكون صغيرا في ملكوت السموات.

المهم ان تعمل وتعلّم. العمل وحده بلا ايمان ميت هو. والايمان بلا عمل ميت هو. فليس هناك ناس للفكر للاهوتي وناس آخرون للعمل. الانسان الكامل مَن جمع النشاطَين في كيان واحد. وهذا ممكن في المسيحية لأن العمل عندنا يأتي من المحبة والمحبة تأتي من الايمان ويرصفها بولس بعد الإيمان. انت تحب الناس لأن الله أَحبك اولا وأعطاك القدرة لأن تحب، وإن أحببت ربك تريد ان تعرف عنه الشيء الكثير، وهذا هو اللاهوت، فاذا احببت الرب تذهب الى خدمة الأصغرين في الكنيسة. فاذا كنت لا تبالي بالفقراء مثلا فكل ما تعرفه في اللاهوت لا ينفعك شيئا.

وبسبب الجمع بين التعليم والعمل أتت هذه الآية الأخيرة تبيّن لنا ان آباء المجمع الرابع الذين نقيم تذكارهم اليوم قاموا بالنشاط التعليمي والنشاط الخيري. ان ما حدّدوه لنا ان المسيح ذو طبيعتين إلهية وإنسانية معا. جمع العنصرين في أقنوم واحد.

هذه العقيدة تدفعنا الى ان نفهم ان الانسان ايضا على غرار المسيح يجب ان يكون إلهيا على صورة الطبيعة الإلهية في المسيح وان يكون بشريا بآن وألا يفصل هذين العنصرين في شخصيّته. فيه كل قوة الله وقوى الله، وفيه انسانية ينبغي ان تمتلئ من الله، فلا يفقد قوة الله فيه ولا القوة البشرية فيه، ولو كانت البشرة ذاهبة الى التراب تدفعه القوة الإلهية التي انسكبت فيه الى القيامة، ويقوم هذا الجسد الذي اخذ جسد المسيح ودمه.

العقائد انوجدت في الكنيسة لنحيا بها ونسلك بموجبها. وكلها لازمة لخلاصنا. وهكذا قال بولس: «تشبّهوا بي كما أتشبّه انا بالمسيح». انت يمكنك بفضائل الإنجيل ان تصير على صورة المسيح لا إلهيا فقط ولا بدنا فقط بل الاثنين معا.

المجامع السبعة حية فينا وتحيينا فلنتعلّمها وننفّذها لنصبح خلائق جديدة.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

الكنيسة شركة مواهب/ الأحد 8 تموز 2007 / العدد 27

في رسالة اليوم، وهي رسالة الى اهل رومية، يبيّن الرسول ان الكنيسة كنيسة مواهب مختلفة، كلها معطاة من الروح القدس. يبدأ بولس بذكر موهبة النبوءة التي استمرّت في العهد الجديد وهي إعلان الموهوب مشيئة الله الى الكنيسة التي هو منها. وهي ككل المواهب الأخرى ليست محصورة بالإكليروس. ثم يذكر الموهوب الخدمة ويريد بها التحسس بحاجة الفقراء وتقديم الكنيسة كلها العون لهم. والمعلم يريد به من يعلم العقيدة وأساسها موت المسيح وقيامته ويبني كل تعليم عليها ويشتق كل معتقد في الكنيسة منها.

اما الواعظ فهذا الذي يعرف الحاجات الروحية في الرعية التي يعرفها وتتضمّن الدعوة الى فضائل الانجيل واللوم احيانا على الضعف في تطبيقها. طبعا الواعظ يعرف مضمون التعليم وينبه الى التعلق به اذ منه يجيء التنفيذ العملي.

ثم يدعو بولس الى موهبة التصدُّق او الإحسان لتكون الشركة كاملة فلا يعقل ان نتكلم على المحبة ونهمل الفقراء. اما من يسميه المدبر فهذا الذي ينظم عمل الاحسان. فالإدارة ليست مجرد تنظيم لتوزيع المال ولكنه قبل كل شيء محبة. فمن احبّ يدير حسنا.

بعد هذه المواهب المتنوعة والتي يسهر الأسقف على مراقبتها وتحسّن أدائها، يربطها بالرحمة التي هي العناية بالكل. وهذا يقود الرسول الى القول ان المحبة تكون بلا رياء وبلا تفريق بين الإخوة ولا تحيز، واخيرا يشدد -توضيحا- على ان نحب بعضنا بعضا حبا اخويا، وهذا ما يبعد التفريق بين الإخوة أحرارا من الحزبية العائلية لأننا جميعا عائلة الآب، وهذا يقود الى ان نبادر بعضنا بعضا بالاكرام فنعلي كل شخص على نفسنا. ثم ينتقل الى ان نكون غير متكاسلين في الاجتهاد اي مجتهدين كل منا باستغلال موهبته، وهذا كله يقتضي ان نكون حارين بالروح القدس الذي يعطينا وحده كل موهبة.

هذا كله يقودنا الى ان نكون عابدين للرب كأبناء له لا كعبيد، فلا عبادة دون شعورنا بالبنوة لله وبأننا عشراء يسوع. ثم يدعونا بولس الى ان نكون فرحين في الرجاء، ونحن عالمون ان الرجاء هو الفضيلة الثانية بعد الايمان. هذا رجاء الى عطية الله وليس الى الآمال الأرضية التي يهبنا الله اياها اذا كانت نافعة للخلاص وراسخة في طلبنا الملكوت. فاذا طلبناه كما قال السيد يعطى لنا كل شيء. يعطينا ما هو للأرض اذا كان نافعا لاقتنائنا الروح القدس. ومن الرجاء ان نكون صابرين في الضيق، وكل ما في العالم ضيق، ولكنا نتحرر منه باتكالنا على الله. ثم يطلب ان نكون مواظبين على الصلاة، ويعني بها الصلاة الدائمة أفي البيت كانت ام في الشارع ام في الكنيسة، والذي لا يصلي في كل وقت تكون صلاته في الكنيسة غير حارة او هو لا ينتبه اليها اذ القداس ينبغي ان يكون في نفسك بحيث تدخل كل جزء منه الى قلبك ليتم القداس فيك ولا يكون فقط عمل الكاهن. ثم يعود الى الإحسان فيقول: «موآسين القديسين (اي المؤمنين جميعا) في احتياجاتهم». انهم هم مذبح للرب كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم. ومن الموآساة ان نعكف على ضيافة الغرباء التي استقبل بها ابراهيمُ الملائكةَ. وهكذا تنفون صفة الغربة عمن تساعدونهم ويصبح كل منكم قريبا للآخر بالمسيح، أخا له وللمسيح. ثم يختم هذا المقطع من رسالته بقوله: «باركوا الذين يضطهدونكم» ان كانوا وثنيين او كانوا أعضاء في الكنيسة جعل الشيطان في قلوبهم بغضا. وأخيرا: «باركوا ولا تلعنوا». باركوا تعني ان تستنزلوا بركات الله على كل مخلوق وأن تشترطوا عليه ان يحبكم. المحبة مجانية تأتي من روح الرب الذي فيكم. أن تلعنوا يعني ان تبعدوا النفس الأخرى عن رضاء الله عنها. نجِّ من يلعنك بالبركة حتى يصير قريبا من الله فتجتمعوا في الرب. كل انسان ايا كان يستحق بركة منك لتسلم نفسه من الغضب ويتحول الى ربه بالمحبة التي تكون قد أعطيته اياها.

هذه هي كنيسة المواهب التي يكون فيها كل واحد منا سندا للآخر فيرتفع هيكل الله.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

شؤون كهنوتية ورعائية/ الأحد في أول تموز 2007 / العدد 26

نحن في حاجة، الخريف الآتي، إلى طَلَبة بلمنديين يتخرجون بعد أربع سنوات لأن بعض كنائسنا ليس لها كاهن متفرّغ لها ويخدمها كاهن يأتي من مكان آخر، والسبب الثاني ان الكاهن المسنّ قد تُقعده الشيخوخة عن الخدمة. ومشكلة معيشته عند ذاك ينبغي ان نتدارسها بصورة جدية. لا بد لنا من مشاورات كبيرة ندرس فيها أوضاع الكهنة العاجزين عن خدمة كاملة وسليمة. هنا أدعو شبابنا المتحمّسين للإنجيل والملتهبين غيرة للرب ان يجيئوا إليّ لإرسالهم الى معهد اللاهوت ليمتحنهم ثم يتقبّلهم.

الرغبة المُثلى أن يدرس شبابنا اللاهوت قبل رسامتهم لأن في هذا تأسيسا لوعظ مسؤول وتعليم المسيحية في المدارس الرسمية والخاصة وتنوير عقولهم للإجابة عن أسئلة المؤمنين ومواجهة أعداء الإيمان. أحيانا نضطر الى رسامة شاب غير متخرّج بعد أن نتحقّق ان لديه حدًّا أدنى من الفهم الروحي وغيرة على بيت الله.

لقد حاولنا كثيرا التعزيز المعيشي للكاهن، وارتفع المستوى بشكل واضح في معظم الأمكنة، ولكنا لم نصل الى بحبوحة مدهشة في معظم الأماكن. ربما اقتضى منا هذا مشاورات ذات طابع اقتصادي ولكنها مركّزة ايضا على حماسة المؤمنين.

الشيء الأخير أن هذه الأبرشية تستوعب الآن تقريبا نصف أرثوذكس لبنان بسبب الهجرة، وهذا ما يفرض علينا واجب البناء لكنائس جديدة، وقد قمنا بتشييد 31 كنيسة في الجبل المهجّر والمناطق غير المهجّرة ما خلا الترميم هنا وهناك. ولكنا لم نستطع في قريتين على الأقل إكمال الكنيسة، غير اننا نقيم الخدمة الإلهية في قاعات الكنائس.

في المبدأ، كل رعية يجب ان تكون لها كنيستها. أن نقسم بعض الرعايا القائمة لتكون لكل رعية كنيسة وكاهن فهذا امر متعذّر علينا الآن. ولكن نحاول ان نقيم الصلاة بطرق مختلفة، باستئجار بيت مثلا، وكان هذا في النقاش في ساحل بيروت والآن بعد أن توفرت لدينا الأرض سنبدأ قريبًا بمباشرة البناء فور انجاز الترخيص.

عندنا اذًا رعايا يجب تقسيمها ليكون على كل رعية كاهن. ولكن هذا الأمر متعذّر في الأحوال الاقتصادية الحالية. من اجل ذلك رأينا ان نعيّن كاهنا آخر في بعض الأماكن يخدم في كنيسةٍ واحدةٍ رعيةً اخرى، او ننتدب اكثر من كاهن لخدمة رعية كبيرة لاستحالة كاهن واحد ان يخدم مئات من العائلات بصورة كاملة ومرْضية. السبب الآخر لتعدد الكهنة في مكان واحد يعود الى تعدد الاختصاصات في العمل الرعائي. فهذا قد يكون متخصصا في رعاية الاولاد، وهذا أقوى في الوعظ، تتوزّع المهام بين الكهنة الخادمين في كنيسة واحدة.

الرعاية تسود كل اعتبار آخر. في الكنيسة الأولى كان لكل مذبح كاهن. هذا ممكن تطبيقه اذا كان عندنا عدد كافٍ من المعابد. غير ان هذا مستحيل في هذه المنطقة ما لم يرتفع المستوى الاقتصادي في البلد وينمو الأرثوذكسيون في الغيرة والحماسة.

هذا يفترض ان يكون كل كاهن مخْلصا لأخيه الكاهن الآخر، عائشا معه بالمحبة، عارفا أن خراف يسوع لا نقدر ان نتركها لئلا تحصل الخيانة.

واذا كان لا بد من ترتيب قانوني فهذا سهل، والحقيقة ان المحبة وحدها تكفي لحل كل المشاكل التي يمكن ان يواجهها المسؤول.

لا نستطيع ان نترك خروف المسيح مشردا بلا عناية. الكلمة الإلهية يجب ان تصل الى كل من نحن وكلاء المسيح بينهم لنغذيهم بالأسرار الإلهية ولا يموتوا جوعا.

لقد باركَنا اللهُ بكهنة جيدين ومخلصين. نرجو ان يزداد عددهم وان تعلو قيمتهم لنؤدي نحن الرعاة حسابا في الدينونة بلا خجل.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

مولد يوحنا المعمدان/ الأحد في 24 حزيران 2007 / العدد 25

الواضح من قراءة الأناجيل الأربعة أنها تخصص نصوصا طويلة عن القديس يوحنا السابق (لمجيء المسيح) والصابغ (والصبغة بالعربية هي المعمودية). وهو من القلائل جدا الذين لهم عيد مولد. بعض القديسين نعرف تاريخ وفاتهم او استشهادهم، ويوم الشهادة نعتبره يوم مولدهم الحقيقي. لعل تخصيص فصول كاملة ليوحنا مرتبط بأن أول بشارة السيد: «توبوا فقد اقترب ملكوت السموات» هي إياها التي نادى بها يوحنا، أَم كون يوحنا دلّ على السيّد بقوله: «هذا هو حَمَلُ الله الحامل خطايا العالم» وتاليا تنبأ عن صلبه مباشرة كما لم يفعل نبي قبله بهذا الوضوح، أَم السبب يعود الى كون الثالوث القدوس قد ظهر على نهر الأردن فيما كان يعمّد السيّد، أَم ان السبب هو ان يوحنا آخِر نبي في العهد القديم الذي كان موته صورة عن موت السيد. هذه كلها أسباب تجعلني أُقدّر ما دعا الإنجيليين كلهم الى أن يتحدثوا عنه بهذا المقدار.

الفصل المتلوّ اليوم مؤلف من ثلاثة مقاطع جمعتها الكنيسة من مطلع إنجيل لوقا، ونسبها هذا الى التراث الشفهي السابق لكتابته. تقصّى هذه الأمور ولا سيما ان لوقا لا يعرف ما يتعلّق بيوحنا مباشرة لكونه كان أنطاكيًا اي من خارج فلسطين، ولكنه أراد ان يؤكد انه تقصّى عن هذه الأمور مِن الذين سبقوه في كنيسة اورشليم.

روى ما حدث لزخريا والد يوحنا، وذكر ان هذا المولد فيه تدخل إلهي ويُسمّيه الولدَ المنتظَر يوحنا وهي تعني ان الله حن،ّ ولا شك ان الاسم يتجاوز الشخص الى الدور الذي سيلعبه في كشف المسيح للناس. ولهذا السبب يكون عظيما. وهذا الكلام هو من جبرائيل الملاك نفسه الذي بشّر مريم. وهو يشبه والدة الله بأن الملاك قال عنه «ويمتلئ من الروح القدس»، والملاك قال لأم يسوع الشيء نفسه لما سمّاها الممتلئة نعمة.

الجانب السياسي في شخصيته انه يتقدم امام الرب «بروح ايليا وقوّته» أي بحماسة ايليا وشجاعته. ذاك قاوم آخاب الملك، وهذا قاوم هيرودس الملك. ولا مبرر لأن نقول كإحدى الطوائف في بلدنا ان ايليا تقمّص في يوحنا المعمدان. «بروح ايليا» تعني بفضائل ايليا ونفسيّته وأسلوبه في تحدّي العظماء ولا سيما ان اليهود لم يكونوا يعتقدون في التقمّص.

وما شدد عليه لوقا ان أليصابات أصرّت على ان يُدعى يوحنا ولم تتشاور وزوجها حول هذه التسمية لأن زخريا قد صار أبكم، وما عرف الناس رأيه باسم ابنه الا بعد ان أعطوه لوحًا فكتب الاسم ذاته، وعند لوقا هذا يعني ان الاسم جاء للولد بوحي إلهي لزخريا وامرأته.

اذ ذاك انفتح فم الرجل ولسانه. وهو بدوره امتلأ من الروح القدس، وايمان كنيستنا ان أنبياء العهد القديم يحلّ عليهم الروح القدس ليكتبوا. ولذلك نعتبر كلاً من الستة عشر نبيًا الذين وضعوا 16 كتابا قديسين، ويُسمّى المسيحيون بأسمائهم.

في صلاة زخريا يقول: «انه افتقد وصنع فداء لشعبه». معنى ذلك ان زخريا كان يتكلم عن المسيح، لأن المعمدان لم يصنع فداء لشعبه، وتنبأ عن ابنه قائلا: «انكَ تسبق امام وجه الرب لتعِدّ طرقه»، وكأن هنا لوقا يشير الى نبوءة إشعياء التي اتخذها الإنجيل: «أعدّوا طريق الرب».

بعد هذه النبوءة، ينهي لوقا الانجيلي قوله عن الصابغ بهذا الكلام: «اما الصبي فكان ينمو ويتقوّى بالروح» ويريد هنا الروح القدس. ثم يقول: «وكان في البراري الى يوم ظهوره لإسرائيل» اي الى الفترة التي عمّد فيها الشعب. هذا هو الجانب البتولي عنده، وكان هذا النوع من النسك معروفا عندهم ولو قليلا.

العيد العظيم لقديسنا يبقى طبعا عيد قطع رأسه. اذ ذاك ظهر مجد الله فيه.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

إنجيل اليوم/ الأحد في 17 حزيران 2007 / العدد 24

«سراج الجسد العين» التي تفتتح هذه القراءة تعني روح الإنسان وقدرته الأدبية. فإن كانت عينك بسيطة، لا بغض فيها لأحد، فجسدك اي كيانك يكون كله نيّرا. وإن كانت عينك شريرة، أنانية، كل شخصيّتك تكون كذلك. «واذا كان النور فيك ظلاما فالظلام كم يكون»، اذ كانوا يعتقدون قديما ان النور كان في العين. اذ ذاك انت كلك ظلام.

بعد هذا يقول السيد: «لا يستطيع احد ان يعبد ربين»، ويريد بالربين: الله والمال. المال في خدمتك وليس معبودك. هذا يذكّرنا بالمثل الشعبي: «ما بتقدر تحمل بطيختين بيد واحدة». المال اذا صرت عبدا له يأخذ كل قواك ولا يجعلك تطلب شيئا آخر وتحبه على كل الناس. تتشاجر مع زوجتك او إخوتك وأخواتك وأولادك من اجل المال. بالضرورة عاشق المال بخيل ويبخل على اقرب الناس اليه. ويتفاخر بما عنده، ويعتبر نفسه عظيمًا ونافذًا وقويًا. ويريد أن يدور الناس حوله. والرذيلة التي تتبع عشق المال هي حب التسلّط.

غير أنك لا تستطيع أن تتحرر من هذه العبودية إلا اذا أنفقتَ كثيرا على المحتاجين. لهم حق في مالك لأنك أنت مؤتمن عليه ائتمانا لكي يتمتع به المحروم والمريض الذي ليس عنده ثمن الدواء والتلميذ الفقير الذي لا يقدر اهله ان يدفعوا عنه أقساط المدرسة. هؤلاء جميعا إخوتك ومثل اولادك وقد فّوضك الله أمرهم. فاذا جاءك المال حلالا يكون نعمة لكي تتصرف بها في سبيل الآخرين فيصبح لهم نعمة. واذا جاءك حرامًا فمن باب اولى ان توزعه حتى لا تتكاثر خطاياك.

ويكمل يسوع فكره بقوله: «لا تهتموا لأنفسكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون». انه لم يَدْعُنا أن نهمل السعي الى اللباس والطعام والشراب، ولكنه نهانا عن ان يصبح هذا همّا لنا. اجتهد انت حسب واجبك لك ولعائلتك والفقراء. لذلك يتابع فكره بقوله: «أليست النفس أفضل من الطعام، والجسد افضل من اللباس؟». وهو يقصد ان العناية بحياتك الروحية وإنماء فضائلك تأتي بالدرجة الأولى، وبعد ذلك تأتي العناية بالأمور الدنيوية.

ويعطينا مثلا من عالم الطير: «انظروا الى طيور السماء فانها لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الأهراء وأبوكم السماوي يقوتها». الكلمة الأساسية هنا «لا تخزن». اجل في الحياة الاقتصادية العصرية لا بد من ان تحزن فيكون لك حساب في المصرف لتسند نفسك وعائلتك اذا هبط المستوى الاقتصادي، ولكن قم بهذا وانت غير محب للمال بل محب لعائلتك والناس. لا تفرح بأي شيء تقتنيه. لك الحق ان تفرح لأنك تحسب انه لك عطاء تقوم به. لا تفرح بالكسب ولكن بالعطاء.

ثم يقول: «من منكم اذا اهتم يقدر ان يزيد على قامته ذراعا واحدة؟». لا يمنعنا السيد عن السعي ولكنه يمنعنا عن القلق. كذلك لا تخشَ الموت. لعلّ الموت أهم شيء مقلق يخافه تقريبا جميع الناس الا المتأصلون بمحبة الرب تأصلا كبيرا. طبعا راعِ صحّتك، ولكن لا ينشغل بالك بها حتى الاضطراب. اطلب معالجة الأطباء، ولكن لا تمت همّا قبل ان تموت. انت لا تستطيع ان تقدّم الموت او تؤخّره. كنْ واثقًا بالرب، واطلب ان يكون الى جانبك في ساعات الاحتضار، لمعرفتك ان المسيح هو القيامة والحياة. اذا عشت معه تنحلّ كل العقد المتعلّقة بالطعام والمسكن والمعيشة كلها، وتكون مستعدا ان تفارق هذه الحياة وانت مطمئن الى الحياة الأبدية.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

إنجيل اليوم/ الأحد في 10 حزيران 2007 / العدد 23

بحر الجليل الذي كان يسوع يمشي على ضفافه هو نفسه بحيرة طبرية. وكانت القرى المحيطة به مسرح التبشير الاول للسيد اذ كان هو ساكنا كفرناحوم بعد الناصرة. على هذه الضفة التقى في البدء أخوين: اول المذكورين هنا هو سمعان المدعو بطرس باليونانية التي كانت محكيّة في الجليل. هنا متى يورد اسم الرسول كما سمّاه الرب فيما بعد. اي ان يسوع اشتق اسم بيتروس كما في اليونانية من بترا التي تعني الصخرة، وأراد بها السيد ان ايمان الرجل بالمسيح هو الصخرة التي بُنيت عليها الكنيسة.

كان هو وأخوه أندراوس (وهذا اسم يوناني ايضا) يلقيان الشبكة وغالبا ما كانت مستديرة مع أثقال فيها. اختار يسوع هذين لأنه أحس بالروح الذي فيه انهما سوف يصبحان خادمين للإنجيل فقال لهما: «هلمّ ورائي فأجعلكما صيادَي الناس».

ربما كان يفكر بأنهما سيصدّقانه بعد موته وقيامته وحلول الروح القدس عليهما. ان اندماج الاثني عشر بالمعلّم كان بطيئا وفيه تردد طوال السنوات الثلاث التي قضاها في الدعوة الى الانجيل.

وبعد ان التحق هذان به، خطا خطوات ورأى أخوين آخرين من تلك المنطقة وهما يعقوب بن زبدى وأخوه يوحنا مع أبيهما على الشاطئ يصلحان شباكهما فدعاهما. ولا يكتفي الإنجيل بأن يقول: «تركا السفينة» بل أضاف: «وتركا أباهما وتبعاه». ترك الأب أصعب من ترك الشباك.

بعد هذا يقول متى عن المعلّم انه كان يطوف الجليل كله ومساحته ليست صغيرة فالبحيرة طولها 12 كيلومترا وعلى صفافها عدة قرى، وكان يعلّم في مجامع اليهود، والمجمع هو قاعة كبرى في كل بلدة فيها الكتاب المقدس، والنشاط الأساسي فيها هو قراءة الكلمة والوعظ الذي يأتي مباشرة بعد القراءة.

أهمية الوعظ في ان العهد القديم كان يتلى باللغة العبرية التي نسيها اليهود بعد ان صاروا في منفى بابل (العراق)، وصاروا يتكلمون الآرامية (وهي أصل السريانية) التي كانت لغة الحضارة في المشرق آنذاك. فيسوع علّم الناس بالآرامية، وبها كان يخاطب تلاميذه. ولما كان يحتاج ان يستشهد بالكتاب المقدس، كان يتلو الآيات بالعبرية ثم يترجمها الى الآرامية.

كان اذًا يكرز ببشارة الملكوت، والجملة التي كان يؤسس عليها تعليمه كانت هذه: «توبوا فقد اقترب ملكوت الله» (او ملكوت السموات)، اي انه كان يدعوهم الى الرجوع الى الله الذي صار باديا لهم بمسيحه. اقترب ملكوت الله لأني انا بينكم. سأُظهره لكم بمواعظي، بعجائبي ثم بموتي وقيامتي.

ثم يذكر متى الانجيلي في آخر هذا المقطع «انه كان يشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب». ليس لكي يثبت صحة تعليمه، فالشفاء بالصلاة كان معروفا عند اليهود. الغاية من الشفاء قالها الإنجيل في موضع آخر انه كان يتحنن عليهم.

Continue reading