بحر الجليل الذي كان يسوع يمشي على ضفافه هو نفسه بحيرة طبرية. وكانت القرى المحيطة به مسرح التبشير الاول للسيد اذ كان هو ساكنا كفرناحوم بعد الناصرة. على هذه الضفة التقى في البدء أخوين: اول المذكورين هنا هو سمعان المدعو بطرس باليونانية التي كانت محكيّة في الجليل. هنا متى يورد اسم الرسول كما سمّاه الرب فيما بعد. اي ان يسوع اشتق اسم بيتروس كما في اليونانية من بترا التي تعني الصخرة، وأراد بها السيد ان ايمان الرجل بالمسيح هو الصخرة التي بُنيت عليها الكنيسة.

كان هو وأخوه أندراوس (وهذا اسم يوناني ايضا) يلقيان الشبكة وغالبا ما كانت مستديرة مع أثقال فيها. اختار يسوع هذين لأنه أحس بالروح الذي فيه انهما سوف يصبحان خادمين للإنجيل فقال لهما: «هلمّ ورائي فأجعلكما صيادَي الناس».

ربما كان يفكر بأنهما سيصدّقانه بعد موته وقيامته وحلول الروح القدس عليهما. ان اندماج الاثني عشر بالمعلّم كان بطيئا وفيه تردد طوال السنوات الثلاث التي قضاها في الدعوة الى الانجيل.

وبعد ان التحق هذان به، خطا خطوات ورأى أخوين آخرين من تلك المنطقة وهما يعقوب بن زبدى وأخوه يوحنا مع أبيهما على الشاطئ يصلحان شباكهما فدعاهما. ولا يكتفي الإنجيل بأن يقول: «تركا السفينة» بل أضاف: «وتركا أباهما وتبعاه». ترك الأب أصعب من ترك الشباك.

بعد هذا يقول متى عن المعلّم انه كان يطوف الجليل كله ومساحته ليست صغيرة فالبحيرة طولها 12 كيلومترا وعلى صفافها عدة قرى، وكان يعلّم في مجامع اليهود، والمجمع هو قاعة كبرى في كل بلدة فيها الكتاب المقدس، والنشاط الأساسي فيها هو قراءة الكلمة والوعظ الذي يأتي مباشرة بعد القراءة.

أهمية الوعظ في ان العهد القديم كان يتلى باللغة العبرية التي نسيها اليهود بعد ان صاروا في منفى بابل (العراق)، وصاروا يتكلمون الآرامية (وهي أصل السريانية) التي كانت لغة الحضارة في المشرق آنذاك. فيسوع علّم الناس بالآرامية، وبها كان يخاطب تلاميذه. ولما كان يحتاج ان يستشهد بالكتاب المقدس، كان يتلو الآيات بالعبرية ثم يترجمها الى الآرامية.

كان اذًا يكرز ببشارة الملكوت، والجملة التي كان يؤسس عليها تعليمه كانت هذه: «توبوا فقد اقترب ملكوت الله» (او ملكوت السموات)، اي انه كان يدعوهم الى الرجوع الى الله الذي صار باديا لهم بمسيحه. اقترب ملكوت الله لأني انا بينكم. سأُظهره لكم بمواعظي، بعجائبي ثم بموتي وقيامتي.

ثم يذكر متى الانجيلي في آخر هذا المقطع «انه كان يشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب». ليس لكي يثبت صحة تعليمه، فالشفاء بالصلاة كان معروفا عند اليهود. الغاية من الشفاء قالها الإنجيل في موضع آخر انه كان يتحنن عليهم.