Category

2004

2004, مقالات, نشرة رعيتي

تطويب القديسين/ الأحد 30 أيار 2004 / العدد 22

الروح القدس منشئ القداسة ولا يعلمها حقا الا الله. غير ان الكنيسة شهدت منذ البدايات للشهداء على انهم أحباؤها الأوّلون، وأدركت ان صك قرباهم من الرب هو الدم الذي بذلوه. ثم انتبهت إلى الشهادة البيضاء التي كان الجهاد الروحي فيها مثل الدم المسكوب، ورأت نفسها منشدّة إلى هؤلاء وأحست انها قادرة ان تخاطبهم اذ يتوسلون إلى ربنا الواحد في الملكوت ما لا يعني انهم وحدهم في الملكوت. لذلك عندنا احد جميع القديسين بعد اسبوع. ولكن الذين أعلنت الكنيسة قداستهم انما هم قدوة نقتدي بها.

والأساس الذي نرتكز عليه في الكنيسة الارثوذكسية ينطلق من الشرائح الشعبية الواعية التي تصلّي حول الضريح لإحساسها بالسمو الروحي الذي أدركه هذا المؤمن الذي يكرمه المؤمنون. وشيئا فشيئا يعي المجمع المقدس المحلّي أو الاقليمي هذا الأمر ويدرس سيرة الإنسان الجدير بالتطويب درسا مدققا اذ يكون قد عاش بلا لوم، بلا أخطاء جسيمة، فكان تعلقه بالرب ساطعا جدا.

وليس عندنا شرط إتمام هذا الإنسان عجائب. وقد أَعلنّا قداسة ناس لم يكونوا صانعي عجائب. ان السيرة البهية وسلامة العقيدة هما المعياران الوحيدان اللذان نتخذهما بعين الاعتبار. بعد تثبُّت هذين الأمرين، نهيئ النصوص الطقسية (صلاة الغروب وصلاة السَحَر) التي نرفعها بعد اتخاذ المجمع المقدس قراره بالتطويب، ونرسم ايقونة لتوضع في الكنائس. فكل قديس عندنا ينتمي إلى كنيسة مستقلة (القسطنطينية، أنطاكية، موسكو…)، والتواصل القائم بين الكنائس يجعلها تتبنى القديس المعلَن في منطقة معينة، ويبقى قديسا محليا. عندنا اذًا قديسون عالميون (نيقولاوس، جاورجيوس، انطونيوس…) وقديسون محليون (سيرافيم في روسيا، يوسف الدمشقي في الكرسي الانطاكي…).

والتطويب جارٍ اليوم في كل الكنائس الارثوذكسية. ونقرأ عنه في المجلاّت الصادرة عن كل كنيسة. ولكن الكنيسة الارثوذكسية لا تستخدم كثيرا وسائل الإعلام الحديثة او ليس عندها وسائل إعلام.

السؤال الذي يُطرح هو: هل عندنا موقف مِنَ الذين تُعلِنُ قداستَهم كنيسةٌ غير أرثوذكسية؟ نحن لا نأخذ موقفا ايجابيا أو سلبيا، فالمرجعية التي أَعلنت قداسة واحد من الناس غير مرجعتنا. وهذا الذي طوّبوه لا ينتمي إلى الكنيسة المستقيمة الرأي لكي نجعل له ايقونة على جدران كنيسة مستقيمة الرأي. واذا أَحبَّ احد منا ان يكوّن لنفسه رأيا في مطوَّب غير ارثوذكسي فهذا شأنه. والله يوزع مواهب الروح القدس على من شاء. نحن لا نفحص هذا الأمر. وعند إعلان الاتحاد بين الكنائس من الطبيعي ان يتضمن التقويم الكنسي الذين طوّبتهم الكنائس التي كانت منشقّة إحداها عن الأخرى.

لا شيء يمنع -على صعيد فردي- أن تُكرم انت قديسا ليس من كنيستك. غير انه ليس من المعقول ان ينتظم في عداد القديسين المذكورين رسميا. على هذا الأساس ليس من اللياقة الأخوية او ليس من المحبة ان تعترض على ما تقوم به الكنيسة الأخرى. القديسون في سر الله. فاذا لم تسرع كنيسة في «إنتاج» قديسين فلا يعني هذا شيئا. كل القديسين الارثوذكسيين شفعاؤنا أأعلنّا نحن قداستهم أَم أَعلنها مجمع آخر. انت تنتظم في ما تقوله كنيستك وتفرح للقداسة الحقيقية فيها أأعلنت عن قديسين جدد أم لم تعلن.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

بعد الانتخابات/ الأحد 23 أيار 2004/ العدد 21

في إنجيل اليوم جاء يسوع ليعطي الناس حياة أبدية، تلك التي يعطيها الله نفسه وابنه، أي القداسة التي تبدأ هنا وتستمر بعد الموت. أي شيء غير هذا هو من هذا العالم، ويزول بزوال العالم. المحبة وحدها تبقى وهي القداسة. ويقول السيد في قراءة اليوم: «مَجِّدْني أنت يا أبتِ عندك بالمجد الذي كان لي عندك مِن قَبل كون العالم» (يوحنا 17: 5). ان يضمك يسوع إلى صدره هو المجد. اما المجد الدنيوي فهو انتفاخ. والذي يسعى اليه لا يقدر ان يرى مجد الله.

أنت لك ان تسابق الآخرين في سبيل الخدمة، ولكن ليس لك ان تكرههم أو تفتري عليهم لأن في هذا تجريحا. ومن تجرحه لا يبقى أخاك أو لا تبقى أنت أخاه. هناك ناس وصلوا إلى مراكز وفي محافظات غير الجبل سيصل بعض. الذي وصل بطهارة كبيرة تَقرَّبَ من الله، ومن لم يكن كامل الطهارة يرحمه ربه ان تاب. ومن استعمل طرقا ملتوية ندعو له بالتوبة ولا ندينه إذ له من يدينه. اما وقد وصل بعض، فلا داعي إلى التوتر ولا تجوز المقاطعة. لأن مَن وصل وصل، فاجعل تعاونا بينك وبينه خدمةً للمدينة أو القرية. فقد يحتاج إلى رأيك وإلى تعاونك إذا أردت خير البيئة التي أنت منها. وإذا اعتبرنا ان الأمور ما كان يجب ان تُسَيَّس، فلتبقَ السياسة على صعيد التعامل مع الدولة والنواب القادمين. ولكن آن الوقت لتنفك بعض التحالفات الظرفية من أجل تعاون الجميع على أساس ان المدينة أو القرية قضاياها كهرباء وماء وطرقات وتشجير وثقافة. وقد تختلفون فيما إذا كانت الكهرباء أولية أو الطريق. وهذا موضع للنقاش، ولا ينبغي ان يرفض المجلس البلدي رأيا خارجا عنه إذا كان صحيحا مدعوما بالحجة.

في الإنجيل اليوم يقول السيد: «أيها الآب القدوس احفظهم باسمك الذين أَعطيتَهم لي ليكونوا واحدا كما نحن واحد» (يوحنا 17: 11). هذا يعني لي أولا ان أبناء هذه الأبرشية بعد ان انقسموا لأسباب انتخابية ينبغي ان يعودوا واحدا في كنيسة الله لأن الكنيسة أهم من مجالس البلدية. وكما نقول في هذا الزمان الفصحي: «لنقُلْ يا إخوة» اي لنتصرف كإخوة. فالذين من الضيعة هم أنفسهم في الكنيسة. فلا معنى لاجتماعهم فيها إن اختلفوا في الضيعة. هذا تناقض. والكنيسة كلها روح. والضيعة يجب ان تكون روحا. الضيعة هي الكنيسة المتحركة في البيت والشوارع والمعاملات. الخلل الذي حصل في النفوس لا ينبغي ان يُخلّ بعلاقاتنا في الكنيسة إذ نكون قد ضيّعنا القرية والكنيسة معا.

لك ان تراقب المجلس البلدي وأن تُبيّن له تقصيره، كما لك ان تشجعه وتنصره عندما يستحق ذلك. جادل ما شئت ولكن في تهذيب، وافرح للأشياء الحسنة التي يقوم بها مَن كانوا لك خصوما، إذ المهم ان ينجح الخير أكان ذلك عن يدك أم عن يد الآخرين. وفيما أنت تهدأ ان كنت على لائحة ان تسأل نفسك إذا ترشحت طلبا لخير بلدتك أم ترشحت توقعا لدعم سياسي حاليا كان أم متوقعا، أم انك ترشحت بغضا أو نكاية أم خنوعا لزعيم. أنت مدعو ان تفحص قلبك كما نقول نحن الأرثوذكسيين. وقد لا يكون الفائزون استعملوا طرقا غير التي استعملتها أنت أي تكونون متساوين بالضعف. لعل التحرك البشري أيا كان لا يخلو من ضعف. ألا رحمنا الله جميعا لأننا في حاجة إلى غفرانه جميعا.

في المناطق الشمالية من هذه الأبرشية حاولوا الوفاق، وان لم يتوفر فكونوا في سلام أي اجعلوا المسابقة رياضية التي يهنئ فيها الخاسرُ الرابحَ. لعلها مناسبة ان أكرر ان القاعدة ان تشاركوا جميعا ليأتي المجلس البلدي حاملا مشاعركم وأفكاركم. ولا تتشكّوا إن بقيتم متقاعسين.

ثم حيث حضورنا كثيف فلا مبرر لنخسر مقاعد. هذه هي اللعبة التمثيلية في البلد. غير اننا لسنا طائفيين بالمعنى الضيق. هناك توازنات محلية تُقدّرونها أنتم محليا، وتعرفون اني لم أتدخل في مكان، ولا أَوحيت بأي اسم، وما تابعت السباق. ومَن نجح يعمل لخير البلدة لا لخير طائفة. فالماء والكهرباء والخبز والطريق والنظافة واحدة لكل المواطنين. لعلنا في البلديات نحدّ من جموح المتعصبين.

بارككم الله على هذا الخط ليكون «فرح المسيح كاملا فيكم». كونوا اطهارا في كل حين.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

بدل اكاليل/ الأحد 16 أيار 2004 / العدد 20

دخلت هذه العادة الى مآتمنا رغبة من المؤمنين ان يساعدوا الكنيسة عوضا عن الزهور التي كانوا يشترونها من باعة الزهور. وذلك منذ بضع عشرات من السنين وتعممت حتى باتت في بعض الكنائس اعظم دخل لها. وفي الأمر إحسان وتعزيز المودة مع اهل الميت اذ يطلعون على لائحة المتبرعين.

          الهيأة المسؤولة عن قبض هذا المال هي مجلس الرعية. هذا واضح. ثم من فترة قصيرة اخذنا نرى جمعيات ذات طابع خيري مرخصًا لها من المراجع المسؤولة او غير مرخص لها تُقاسِمُ الكنيسة على هذه التبرعات، وربما كانت جماعات اخرى ليس المجال هنا لأناقش انتماءها، حتى سمعنا من يقول ان هذا المال يرسَل الى اهل الميت.

          نحن لا نمنع احدا ان يجود بماله على من شاء ومتى شاء. ولكن ليس لأحد حق ان يضع طاولة عند مدخل الكنيسة وهي موكولة الى وكلائها فقط. حمى الكنيسة او ارضها ليست مشاعا للضيعة لتعمل فيها اية هيأة ما تشاء، وقد يتم هذا بسطوة او رضاء ابنائنا. ولو وضعت طاولة هذه المجموعة في مكان آخر فهذه منافسة مع الكنيسة واضحة.

          اما العادة السيئة الأخرى والضاغطة اكثر فأكثر فالقول ان هذا الدخل هو لأهل الميت. هذا كلام جديد لم يكن لنا عهد به. عيب ان نجعل من الموت سببا تربح منه العائلة مالا. ليس من يرغم العائلة الفقيرة ان تقوم بنفقات ليس لها حاجة كعادة تقديم السجائر للمعزّين او ان تشتري تابوتا غاليا وان تدعو عددا كبيرا من الكهنة. ورجاؤنا ان يفهم الكاهن ان العائلة ليست مضطرة ان تدفع له شيئا. ليس من الكياسة بشيء ان ننفق كثيرا حتى ينفق الناس علينا.

          اما اذا أحس مجلس الرعية ان العائلة تحتاج الى دعم فيدعمها بصورة دائمة. ولا مانع بعد ان يكون قبض “بدل الاكاليل” ان يدعمها بالمبلغ الذي يراه مناسبا.

          رجوعا الى الجمعيات الخيرية المرخصة لا اعتراض عليها. ولكن روح القانون الذي انشأ مجالس الرعايا منذ ثلاثين سنة ونيف كان من افكارنا ان مجلس الرعية هو الذي يقوم بمساعدة الإخوة المحتاجين باسم الكنيسة كلها لا باسم فئة من الفئات. مع ذلك لم تلغِ الرئاسة الروحية الجمعيات الخيرية المنبثقة عنها. ولكن كل موضوع المشاركة الخيرية ينبغي ان يعالَج بروح الإخاء والتعاون فلا يلغي احد منا الآخر وليكن تنسيق.

          اريد ان تفهموا بأن ما تدفعونه “بدل اكاليل” انما تُقرضونه الله. فعلاقتكم ليست مع مجلس الرعية. انها مع الرب. قد لا يعجبكم هذا او ذاك من مجلس الرعية. ولكنا نعيش مع الموجود. قد لا يعجبك الكاهن في كل جوانب تصرفه. ولكنك تعيش مع الموجود. القضية ليست قضية مزاج. ينبغي ان نتعلم التعاون في الكنيسة فلا نكون فيها احزابا. ليس في الكنيسة حواجز بين مؤمن ومؤمن.

          نحن ليس عندنا تنظيم مالي كما في المجتمعات التي تُدفع فيها اشتراكات. اهلنا ابدعوا نظام “بدل الأكاليل” لسد الحاجة في كنيسة يدخلها القليلون في الآحاد، وفي كثير من كنائسنا الدخل قليل. فهل نأتي         اليوم بضرب “بدل الأكاليل” لنجعل مساهمتنا قليلة؟

          انا ارجو الارثوذكس الذين ينتمون الى هيئات مستقلة او جمعيات ان يتركوا شأن الموت للكنيسة فهي التي تصلّي من اجله وتعزي اهله. وليكن لنا الإحساس بالمشاركة في هذه المناسبة.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

ميول يهودية في الغرب/ الأحد 9 أيار 2004 / العدد 19

الكثيرون من لاهوتيي الغرب مسحورون باليهودية واليهود. كبير في الأحبار سمّاهم «الإخوة الأبكار». ويعتبرون العهد القديم لا يزال يشرعنهم على انهم شعب الله، مع ان آباءنا قالوا جميعا ان الكنيسة هي اسرائيل الجديد، وان العهد الشرعي بات الآن بين الله والكنيسة بدم يسوع.

هذا الخط قائم تسعين سنة تحديدا، ولكنه غدا اكثر وضوحا بعد مجزرة اليهود على عهد هتلر في الحرب العالمية الثانية، فأخذت هذه المجزرة تعقّد المسيحيين الغربيين مع ان رجلا واحدا اقترفها. والمسيحية الغربية بنصوص لها واضحة شجبت التفريق العُنصُري كما شجبت ذبح هؤلاء اليهود. كيف تستطيع حادثة، ولو على هذه الفظاعة التي لا توصف، تستطيع ان تُحدث انحرافا في اللاهوت الغربي عمّا ورثناه عن آبائنا القديسين، ونحن نعلم ان المواقف اللاهوتية مبنية على كلمة الله وحدها لا على حادثة من حوادث الزمان.

من مظاهر هذا الميل إلى اليهودية ما جاء في وثيقة من مجمع الفاتيكان الثاني في اواسط الستينات جاء فيها ان «ما ارتُكب اثناء آلام المخلّص لا يمكن ان يُنسب إلى كل اليهود العائشين آنذاك ولا الى يهود عصرنا». ردُّنا على هذا ان الإنجيل لم يكن في وارد تبرئة فئة من ناحية القانون الجزائي، وما كان موقفه موقف محقق عدليّ، ولما قال اليهود: «دمه علينا وعلى اولادنا»، كانوا واعين ان أُمّة اليهود هي التي تقتل السيد وتكلم باسمها قيافا، وعندما كان الأنبياء يؤثّمون اسرائيل كان اسرائيل عندهم آثما وما كانوا يهتمون لهذا الفرد أو ذاك. إلى جانب اليهود، كل البشرية مذنبة الى المسيح ولا تتبرأ بوثيقة مجمعية ولكن بتوبتها اليه واقتبالها المعمودية. لا يستطيع احد نيابة عن السيد ان يعطي احدا من الناس إفادة بحُسْن سلوك.

يضاف إلى هذا ان المؤرخ اليهودي الفرنسيJules Isaac حاور خلال سنوات البابا بيوس الثاني عشر ليُقنعه بتلطيف علاقة الكنيسة الكاثوليكية باليهود، وأمست المسيحية الغربية في حالة ندم لما فعلته باليهود في القرون الوسطى، والندامة واجبها، ولكنها قتلت كثيرا من المسلمين في إسبانيا والمسيحيين في الغرب والمسيحيين الارثوذكس اثناء الحملات الصليبية على الشرق حتى اعتذر عن كل ذلك البابا الحالي مؤخرا، ولكن ما سيطر على المسيحية الغربية كثيرا هو الاعتذار من اليهود.

هذا اذا لم اتكلم على السينما حيث تجد رموزا يهودية، واذا لم اتكلم على مشاهد عارضات الأزياء وهنّ نصف عاريات ويعلّقن احيانا صلبانا كبيرة على أعناقهن للدلالة على ان العراء انما يختص بالمسيحيات.

إلى هذا برنامج كبير في محطة arte الفرنسية-الألمانية يدعى Corpus Christi اي جسد المسيح، دعي اليه قسس كاثوليك وانجيليون وربانيون (حاخامون) ولاسيما من الجامعة العبرية، وفيه باسم علم التاريخ تشويه للأناجيل ودحض لكل موقف التراث المسيحي المتعلق بالمخلّص. وفي هذا البرنامج تأويلات مبنية على افتراضات، وتركيز على «إخوة يسوع» المعروف عند آبائنا انهم أنسباء له، ولفظة أخ باللغة العبرية تشمل ابن العم وابن الخال او الخالة، وذلك للتشكيك ببتولية مريم.

ويقدَّم الآن برنامج من المحطة نفسها عن نشأة المسيحية، الغاية منه تبيان ان تبشير يسوع انما هو حركة يهودية، وان مسيحية يسوع يمكن اعتبارها فرقة من الفرق اليهودية حتى جاء بولس وأسس هو (لا المسيح) المسيحية التي نحن نعرفها. وهنا ايضا بعض المتكلمين علماء من الجامعة العبرية في القدس.

لهذا شطبت الكنيسة اللاتينية من طقوس الأسبوع المقدس جُمَلاً تتّهم اليهود بأنهم هم الذين قتلوا المسيح. وأخذ الفكر الغربي يقول ان الرومان لا اليهود مسؤولون عن قتل السيد مع انهم هم الذين حاكوا الموآمرة وهم الذين اتّهموه بالتجديف وساقوه الى بيلاطس البنطي الوالي وهم الذين قالوا: اصلبه، اصلبه.

ويشدد الغربيون تشديدا كبيرا على اصول المسيح اليهودية في الجسد. غير ان بولس يقول: «اننا لا نعرف الآن المسيح حسب الجسد بل حسب الروح». وما يهمّنا على الأكثر انه كلمة الله المتجسد الذي يفوق كل عِرْق وجنس. نحن نعرفه مخلّص العالم، وأتى اليه المؤمنون به من بين اليهود ومن الأمم، واكثر المسيحيين من اصل وثني ولا علاقة لهم بشريعة موسى التي حرّرَنا منها مجمع الرسل الذي انعقد في اورشليم. متى يهتدي إخوتنا في الغرب إلى المسيح كما رآه آباؤنا المشترَكون قبل هذه الموجة الضالة!

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الانتخابات البلدية/ الأحد 2 أيار 2004/ العدد 18

هذا ليس بتوجيه سياسي. انه توجيه وطني يقع على عاتق كل واحد منا بناء على قول الرب: «أَعطُوا ما لقيصر لقيصر» وبناء على دعوة الرسل في العهد الجديد ان يُكرموا الملك. فالبلد بلدنا ولا نستطيع ان نغيب عن مسؤولياتنا فيه وتاليا عن القيام بواجبنا تجاه لبنان. واي فراغ نتركه انما هو يؤذي المصلحة الوطنية ويجعلنا غير فاعلين.

كلكم يعلم علم اليقين اني لم أتدخل لمصلحة احد ولم أُشِرْ على احد المؤمنين بأن يضع اسما على لائحة. المطرانية لا تقوم بأي عمل سياسي. وهذا هو الخط الأرثوذكسي الدائم. جلّ ما أقوله لأبناء القرى التي لم تنتخب بعد ان يكونوا واعين لمصلحة قريتهم بحيث يختارون العقلاء والفهماء والطاهرين الذين لا يسعون إلى كبرياء او منفعة مادية. وإذا أمكن الوفاق فهذا حسن، وإذا لم يمكن فأقله ان نكون أعفّاء اللسان ولا نطعن بأحد طعنا جارحا ولو جاز إبداء الرأي والانتقاد السياسي. المهم ان نبقى إخوة وينجح من ينجح ويخسر من يخسر.

واما القرى التي أُجريت فيها الانتخابات حتى صدور هذه الكلمة، فإني أرجو أبنائي الأرثوذكسيين ان ينسوا الأحقاد إذا ظهرت حتى تلتئم الجراح ولا نعيش على العداوات وهي مؤذية. لكم ان تظلوا مراقبين للمجلس البلدي الذي صار مسؤولا عن الضيعة حتى يُحسن الأداء. فالمعركة قد انتهت والخاسر يهنئ الناجح بمعنى ان يتمنى له الخير ويحثه على خدمة المواطنين ويلفته إلى الحاجات المحلية. فلا بد ان يكون بعض من اعضاء هذه المجالس فيهم صلاح وفهم. نحن في حاجة إلى مشاورات بين جميع الناس في القضايا الكبرى وان نتقبل الرأي الصائب أَصَدَرَ عن محازبين أم خصوم.

ذلك ان المجلس البلدي كان لتنمية القرية عمرانيا وثقافيا. فمن المفروض العناية بالطرقات الداخلية والكهرباء والماء والنظافة إلى جانب التوعية الوطنية وتقوية الثقافة (مكتبة، محاضرات، فنون جميلة الخ…). وهذا كله لا ينبغي ان يسيَّس. وإذا كان لا مفر من بعض سياسة، فلا بد ان نذكر ان صالح القرية هو الخيار الأوّل، وان وحدة أهاليها مبتغى من مبتغيات القائمين على الكراسي.

المنصب السياسي لم يوجد لانتفاخ صاحبه ولا لاستغلال الموارد ولا للهدر ولا لمنفعة الأقرباء والأنسباء. هو قائم للخدمة فقط، ومعنى ذلك تخصيص وقت كافٍ لمواجهة المسائل المطروحة وسد حاجات المواطن والتفكير بشيء جديد ينفع الناس. وقد قال يسوع: «من أراد ان يصير فيكم عظيما يكون لكم خادما. ومن أراد ان يصير فيكم أولاً يكون للجميع عبدا» (مرقس 10: 43 و44). لذلك يصغي المجلس البلدي للناس، للوجهاء والصغار، ويسعى سعيا حثيثا للحصول على المال الذي يحتاج اليه أمِنَ الدولة كان أم من المواطنين.

وإذا اجتمع في المجلس اعضاء من تيارات سياسية مختلفة، فلا يرفض أحد اقتراحا جيدا أجاء من اصدقائه السياسيين أم من خصومه، فالاختلاف السياسي لا ينبغي ان يدفعنا إلى رفض اقتراح جيد، نافع للضيعة. وحدة الضيعة هي منفعة الضيعة. فالتكتل السياسي مؤذٍ في المجلس البلدي إذا كان يعني ألاّ ننصاع إلى الرأي الصالح.

لا توافق إلا على الخير. لا تستغلوا مناصبكم لدعم نائب أو وزير. المجلس البلدي قائم على استقلال القرية، على اللامركزية. النيابة مركزية وتقوم على سياسة عامة تشمل البلد والدوائر الانتخابية البرلمانية. لا بد من التشاور مع النافذين في الدولة لأنهم ينفعونكم فيها، ولكن لا يجيّركم أحد لنفسه. أنتم أعضاء مجالس بلدية مسؤولون عن قراكم وقد تكونون مسؤولين في اتحاد بلديات. هذا هو أُفقكم الشرعي.

وفي كل هذا كونوا أمناء ودارسين للملفات ومناقشين للمسائل بصورة علمية ومنهجية هادئة، واحملوا بعضكم بعضا بالصبر ولا تنساقوا إلى الطائفية. فالبلدية لا طائفية في هيكليتها ومقاصدها. كونوا للإنسان الذي حولكم ولا تطلبوا مجدا باطلا. همكم ان يفرح الله بعملكم وان يكافئكم برضاه، واعلموا ان السياسة الكبرى هي الاستقامة وان الاستقامة الكاملة في المحبة الكاملة.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

تقاليد الناس/ الأحد 25 نيسان 2004 / العدد 17

بسبب غياب التعليم والوعظ خلال أجيال سابقة أو لأسباب اجتماعية، تنشأ عادات في وسط الشعب المسيحي هي مغلوطة بالمقياس الكنسي. فقد لاحظت المجامع القديمة أن بعض الناس يطلبون عمادة أولادهم في البيوت ومنعت ذلك. ومع هذا استمرت هذه العادة في بعض الأماكن حتى الجيل السابق حتى جدّدنا المنع. فالناس نسوا أن العمادة هي الانضمام إلى عضوية الكنيسة وتاليًا تتمّ في كنيسة الرعيّة. وبهذا المعنى خاطب السيد الفريسيين وقال لهم: “لماذا تتعدّون وصية الله حسب تقليدكم؟” (متى 15 :3). وقد سمى بولس الرسول هذه المخالفات “تقليد الناس” (كولوسي 2: 8).

            كذلك منذ جيل في كثير من الأماكن كثير من الناس اخذوا يقيمون أعراسهم في البيوت مع أن الإكليل سرّ كنسي. قبل هذا الانجراف كان يقام في الكنيسة. الآن يظهر في هذه الأبرشية ميل لإقامة الإكليل في الفنادق أو في ساحاتها في الهواء الطلق، وحجّة الناس أنهم نظموا الاستقبال بعد العرس في الفندق. إذا كان الإكليل وقفة في حضرة الله والقديسين، لا بد أن يكون في الكنيسة، وليذهب العريسان بعد ذلك حيث شاءا. أنا أتمنى على المؤمنين ألا يطلبوا فيما بعد تدبيرا استثنائيا.

            مثل الإكليل في الهواء الطلق بدأ بواحد منذ سنوات قليلة ثم انتشر. هذا لأقول ان هناك عادات اجتماعية تصبح تقاليد ويقولون لك: الكنيسة عملت كذا وكذا، والواقع ان امرا كهذا لم يأت من روح المسيحية.

            هناك شيء كان شائعا في كل هذا الكرسي الأنطاكي وهو ان المؤمنين كانوا يأتون صباح الخميس العظيم ويعترفون ويتناولون كل بمفرده بلا قداس ويذهبون توا إلى بيوتهم. أتمنى ألا يقع كاهن في هذه الغلطة إذ ليس عندنا مناولة لا تكون الجزء الأخير من القداس الإلهي. المناولة عمل جماعي يتم في الخدمة الإلهية. فلا مانع من إقامة قداس الخميس العظيم باكرًا جدًا ليتسنى للمؤمنين الاشتراك به ولا يتناولون من ذخيرة المرضى أو الكأس المحفوظة منذ يوم الأربعاء العظيم.

            ثم كنت قد أشرت على كل الكنائس ان تقتني “إبيتافيون” اي ايقونة المسيح في القبر التي نطوف بها يوم الجمعة العظيم مساء وذلك بعد ان اكتشفت ان بعض الكنائس تستعمل محملا وضع فيه صليب وزهور. لست اعلم كيف دخلت هذه العادة إلى الكنائس. ولكن ليس لها أساس كنسي، فكتبنا تتكلم على الابيتافيون ويكون محاطا بالزهور، وفي آخر الخدمة يقبله المؤمنون ويدفع اليهم الكاهن زهرة علامة على فرح القيامة.

            يجب على الكهنة تعليم المؤمنين الأصول لأن هذه الأصول بُنيت على منطق لاهوتي. نحن يهمنا ان نعود بالمؤمنين الى التقليد الكنسي الصحيح لئلا تضللهم العادات المستحدثة. قد تكون تسربت الينا منذ مئة سنة او اكثر، ولكن الخطأ الشائع لا يصير شرعيا بتقادم الزمان عليه.

            ما يساعد الكاهن ان يبقى في افضل تقويم ان يتقيد بما عنده من كتب طقسية وان يقرأ ويسأل زملاءه الأكثر اطلاعا.

            لا تلح على الكاهن كي يسايرك. ليس عنده مصلحة ليأمرك بما يمر بخاطره اذ يقول لك ما تريده الكنيسة المقدسة وانت تخلص بتعاليمها وتراثها. ولا تقل     له انك رأيت هذه العادة او تلك في كنيسة اخرى او عند الكاهن الفلاني. اجل يتفاوت الكهنة بالعلم. انت تتقيد بمن هو أعلم.

            مرارا كتبت الى مجالس الرعية ان يتقيدوا بتعليماتنا لأننا نحب ان تكون الرعية مثالية، مستقيمة في شأن الطقوس على الأقل. والكتاب يقول: “أطيعوا مدبّريكم”. والرئاسة الروحية ليست مزاجية لتفرض ما يمر بخاطرها. هي تميز بين التقليد الصحيح والعادات الدخيلة.

            لا تتمسكوا بأنفسكم. تمسكوا بالمسيح وما تقوله كنيسته. بسبب محبتكم للسيد استقوا معلوماتكم من الذين يعلمون، ولا تصبكم صدمة اذا قال لكم مرشدوكم شيئا ما كنتم تعرفونه لأنهم يسهرون على خلاص نفوسكم. نفوسكم تخلص بكلمة الله وما استلمناه من القديسين. “لتكن اموركم بلياقة وترتيب” (بولس الرسول) اي بالترتيب الذي وصل الينا ويحافظ عليه الأساقفة. وتابعوا مجيئكم الى الكنيسة ولا تكونوا موسميين فالله يريدكم دائما في بيته المقدس. هذه هي الطريقة الوحيدة لتكونوا ليسوع.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

هذا الأحد (أحد التجديدات أو أحد توما)/ الأحد 18 نيسان 2004 / العدد 16

جاء الفصح كشفًا لقوة المسيح ولكنه جاء ايضا لبث هذه القوة فينا، لجعلنا قياميين نحيا بنفحات السيد، واذا كنا غير منتصرين بعد على الموت الجسدي وعلى المرض فعلى الأقل نحن منتصرون على الخطيئة او قادرون بالفصح ان ننتعش ونعود الى وجه يسوع الذي يطرد كل مشهد خبيث من امامنا وكل إغراء ساحر او يقيمنا من نشوة الإغراء. فالأحد الجديد هو الأحد المجدد ايانا. ولذلك تقرأ الكنيسة من قداس الفصح انجيل يوحنا حتى نهايته وهو المتركز بنوع خاص على ألوهية السيد وعلى قوى التجديد التي يمدنا بها، على ذكر خبز الحياة وعلى إعلان السيد نفسه “الطريق والحق والحياة”.

         كذلك تقرأ الكنيسة في الرسائل اعمال الرسل الذي هو كتاب عن الروح القدس وآثاره في كنائس عن طريق البشارة، والبشارة تجديد للشعوب باقتبالها كلمة الله والمعمودية. وتكرار “المسيح قام” اربعين يوما حتى الصعود شهادة على ان المسيحي يحيا بمسيحه او انه يريد ذلك.

         فكما ان السيد قام وأراد ان يحتفظ بأثر المسامير في يديه وأثر طعنة جنبه بالحربة، يبدو الانسان المتجدد بالمسيح غير مكتمل او غير منزه عن كل الشهوات ما خلا قلة من الكبار. غير ان الحركة التي تسيّره هي حركة الفصح. انه ناهض اساسا ونهضوي مع انه يتعب من الخطيئة. لا تزول الخطيئة آليا بمجرد قيامنا بالأعياد ولا حتى اذا اعترفنا بخطايانا لدى الكاهن. هناك شروش تبقى او ميول تعود او لا تكون التوبة عميقة. ولذلك كان لا بد من العودة باستمرار، بجهاد كبير مضنٍ الى وجه يسوع الحي.

         نحن نحيا على الرجاء. المسيح يفتتح الحياة الأبدية فينا بالإيمان والأسرار، غير ان الحياة الأبدية لا تكتمل الا بالقيامة العامة. ولذلك لا معنى لقول كل الحركات المعمدانية بما فيها من يسمون انفسهم المتجددين انهم خلصوا. الخلاص يعني ان المسيح هو المخلص وان اساس الخلاص موضوع وانت تبني على الأساس الموضوع. ولكن هناك بناء. عندما يقول بولس: “تمموا خلاصكم بخوف ورعدة” انما يتوقع ان يكون للمؤمن دور وهو ان يستلم هذا الخلاص كما تستلم انت طعاما على مائدة وانت لم تأتِ بالطعام من عندك. هناك عمل دشنه يسوع على الصليب ووزعه على التلاميذ والمجتمعين معهم بالروح القدس ولا يزال يوزعه بالكلمة والأسرار، والا فما معنى الكلمة والأسرار؟

         انت تقرأ الكلمة فتصير فيك ومنك واياك، اي لك معها مشاركة ولا تتغنى فقط بها. الكلمة موجودة فيك لترافقك من الحضور الاول للسيد حتى الحضور الثاني.

         نظام وجود الكلمة وامتدادها الى الخدم الإلهية يعني اننا مخلصون على الرجاء وان فصحنا هو امنية. فمع انك تقيم العيد كل سنة وتجدده كل احد، ليس لك في الحقيقة الا الفصح الأخير اعني تمتعك بظفر المخلص وحياته في الملكوت السماوي.

         عندما يقول الرسول: “اننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته” يريد اننا بالمعمودية نسير الى موته والى انتصاره. ولكن هذه مسيرة تبدأ ولا تنتهي بمجرد نزولنا الى الماء وخروجنا منه. كل شيء في المسيحية حركة لأن المسيح حركة بالروح القدس. وفي الملكوت ننتقل “من مجد الى مجد” فيبدو لنا الله اجمل واجمل.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الفصح/ الأحد 11 نيسان 2004 / العدد 15

يذكر الإنجيل الصلب فالإنزال عن الصليب فالدفن ويتحدث عن القبر الفارغ من الجسد ويقول ان الحجر قد دُحرج وان المخلص شوهد بعد هذا مرات عديدة وتكلم مع التلاميذ. اذًا “انه لقد قام”. يؤكد الكتاب انه مات وان العسكر تأكدوا من موته. كذلك اصحابه والتلاميذ والنسوة حاملات الطيب. وعندنا على ما ورد عند يوحنا أثر الحربة في جنبه والمسامير في يديه. اي عندنا هذا التأكيد الكبير ان الإنسان الذي ظهر للتلاميذ والإخوة هو ذاته الذي عُلق على الخشبة. عندنا انتقال من حالة الميت الى حالة الحي المتحرك المتكلم المشارك الرسل طعامهم على بحيرة طبرية والمرافق تلميذي عمواس الى قريتهم والكاسر لهما الخبز.

            عندنا ما هو قبل الدفن وما بعد الدفن ما لا يدع مجالا للشك في ان هذا الذي دُفن هو اياه الذي قام وجعل توما يلمسه ويفتش جنبه ويوآكل التلاميذ. هذا التحول من حالة ميت حقيقي الى حالة حي حقيقي هو ما سمّاه الكتاب قيامة. القيامة اذًا واقعة وقعت. وهذا القائم لم يشاهده فقط الأحد عشر وحاملات الطيب. ثم “ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمئة اخ اكثرهم باقٍ الى الآن ولكن بعضهم قد رقدوا. وبعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل اجمعين. وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لي انا -اي بولس- (1كورنثوس 15: 6-8). عندنا اذًا اكثر من خمسمئة شاهدٍ رأوا الرب حيًا. ونقل الينا بولس شهادتهم وهو وضع هذا في الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس المكتوبة حوالى 11 سنة بعد قيامة المخلص، الأمر الذي يجعلها حدثا تاريخيا مؤكدا.

            صح اننا نؤمن بأن القيامة حدثت، ولكنا نؤمن بها بناء على شهادة شهود عيان. انها اذًا ليست مجرد رواية اتصلت بالاوائل بمجرد نقل متواتر. ودُوّن الحدث في الأناجيل الأربعة واعمال الرسل وكتابات بولس، ولا نجد حدثا في التاريخ اقوى منها من حيث عدد الشهود. من هذا ننطلق لنؤكد ايماننا بها.

            اما كيف كان جسد الرب؟ لم يكن شبحا وقد جاء انه تكلم وان به جراحا وانه اشترك في موائد. عندنا جسم حقيقي. ولكن هل صار على نوعية تختلف عن اجسادنا الترابية هذه؟ يقول الكتاب انه دخل على التلاميذ والأبواب مغلقة اي لم يكن امام يسوع حواجز تحول دون حضوره حيثما شاء، بمعنى ان يسوع الظافر لا يخضع لقوانين التنقل في المكان. هو لا ينتقل. انه يحضر. لقد تجاوز بقيامته نواميس الطبيعة التي تجعلنا نحن خاضعين للمدى.

            عندنا شيء من توضيح هذا في ما قاله الرسول عن اجسادنا الممجَّدة اي التي نكون عليها بعد القيامة العامة. هذه الأجساد كانت فاسدة هنا. يقول بولس عنها: “يقوم الموتى عادمي فساد ونحن نتغير. لأن هذا الفاسد لا بد ان يلبس عدم فساد، وهذا المائت ان يلبس عدم موت” (1كورنثوس 15: 15-53). بقي يسوع في عدم فساد كما كان، ولكن جسده “لبس عدم موت” اي لبس الخلود. وهذا ما يؤكده الرسول في موضع آخر: “ان كنا قد متنا مع المسيح نؤمن اننا سنحيا ايضا معه. عالمين ان المسيح بعدما أقيم من الأموات لا يموت ايضا. لا يسود عليه الموت بعد” (رومية 5: 8 و9).

            لذلك لا محل للسؤال: اين المسيح الآن؟ لا محل لهذا السؤال لأن السيد ليس خاضعا لقوانين الزمان والمكان. هو جالس عن يمين الآب، وليس لنا ان نهتم بحدود مكانية له. نحن نحيا مع يسوع ونحيا به ومن أجله. وقيامته فعالة بكلمته والكنيسة وسر القرابين المقدسة والشهداء وحياة القديسين المغبوطين وحياة المؤمنين كل على قدر طاعته للآب. القيامة مشعة ونفرح بها في العيد وفي كل يوم، وهي التي تنقذنا من الخطيئة ومن الموت لنكون في اليوم الاخير على صورة المخلّص الظافر.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الأسبوع العظيم/ الأحد 4 نيسان 2004 / العدد 14

يسوع يدخل المدينة القاتلة ملكا ولكن ملكه لن يعلن الا على الصليب الذي أراده اليهود أداة إذلال للسيد وجعله هو مطرح مجده. “الآن (في الموت) تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه”.

          أسلموه الى الموت حسدا غير عارفين ان هذا الموت يؤول الى خلاصهم اذا قبلوا يسوع مخلصا لهم. ولما أماتوه لم تبق لهم رسالة ولم يبق لهم معنى وصار المؤمنون بيسوع شعب الله.

          انه لقد افتدانا بدمه وجعلنا “امة مقدسة” وخلائق جديدة فنتجدد بالمعمودية ونغتذي بالقرابين الإلهية والغفران والمحبة. وكشف لنا قوة حياتنا الجديدة بالعشاء السري لما اخذ خبزا وباركه وكسره وقال لنا: “خذوا كلوا هذا هو جسدي” ثم اخذ الكاس وباركها وقال لنا: “اشربوا منه كلكم هذا هو دمي”. وبعد حلول الروح القدس على التلاميذ اخذنا نقيم القداس الإلهي لكي نحيا بجسد المسيح ودمه الكريمين اي نحيا بذات المسيح ونستمد حياتنا من حياته.

          وأدركنا بموت السيد انه هو معشوقنا وان الكنيسة ليست سوى هذه الجماعة التي تعرف انها محبوبة وتعيش بهذا الحب. اجل هناك عبادات وتنظيم كنسي وقوانين ولكن هذه كلها لباس للمسيح وتجليات له وهي ليست قائمة الا لكونها نفحات منه.

          وصرنا نعرف ان “الختن يأتي في نصف الليل” والختن هو العريس ويأتينا عريسا للنفس المؤمنة في ظلام خطيئتها ويمحو الخطيئة بدمه ونقترن به بلا انقطاع هذا اذا لم نقم بدور يهوذا خائنين او بدور بطرس جاحدين ولكنا نقوم بدور لص اليمين القائل: “اذكرني يا رب متى أتيت في ملكوتك”. اذكرني اي لا تنسني وانا خروف من خرافك. اذكرني باسمي حبيبا لديك لأحيا بهذا الحب الذي تدفقه علي.

          هكذا نقف امام الصليب ناظررين الى المصلوب وحده غير متلهين بشهواتنا وأطماعنا واحقادنا اذ لا شيء فيها يساوي المحبة التي انسكبت علينا. ونكافح ضعفاتنا لأنها تعطل رؤيتنا ليسوع واتحادنا به. فاذا ادركنا اننا نحيا برؤويته ايانا ورؤيتنا اياه نصير في النور الذي يغسل نفوسنا من كل دنس وتملانا من حضرة المسيح فيكون الكل في كل كياننا بحيث امكننا ان نقول مع الرسول: “لست انا احيا بل المسيح يحيا فيّ”.

          وحتى نتدرب على هذه المعاني لا بد لنا ان نشترك بالخدم التي تقام في الأسبوع العظيم فلا نبتعد عنها الا اذا كنا في اشغالنا. فالصلوات هذه تحوي كل معاني الخلاص ونصل بها الى هدوء النفس وسلامها. والطريقة المثلى لتنقيتنا ان نقتبل المناولة الإلهية في كل قداس في هذا الأسبوع الطيب حتى لا تبقى هوة بيننا وبين المسيح.

          والقرابين الإلهية هي فصحنا في الآحاد والأعياد لأنها قيامتنا حسب قول السيد لمرتا: “انا القيامة والحياة”. فاذا كان العيد ذكرى لنهوض السيد من بين الأموات ففي المناولة الإلهية تتحقق قيامة النفس. نحن قوم فصحيون نستبق القيامة العامة بتطهر القلب ورجوعه الى الآب والابن في الروح القدس.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الأحد الخامس/ الأحد 28 آذار 2004 / العدد 13

هذا الأحد وهو الأخير من الصوم نصل فيه الى قمة الحديث عن التوبة، هذه التي لا يدركها احد حتى النهاية لأنها تعني ان لا شيء فيك يفرقك عن الله ولكن المحبين يسوع يسعون اليها في حزن على خطاياهم على رجاء الاستمرار في السعي. التوقف هو الخطيئة. وحتى تتبلور التوبة وضعت الكنيسة امامنا مريم المصرية نموذجا اذ كانت ساقطة حتى القاع ورفعتها توبتها حتى الذروة. هل انت مثلها طالب الجهاد جديا، حتى الدم كما يوحي الرسول، ام كان الرجوع أمنيات فقط، تقطعه لأن وجه المسيح لم يسحرك بعد حتى رغبة الانسلاخ عن خطاياك وانت بلا شك تعرفها واحدة واحدة. هل كنت مصرا على معاصيك وانت صائم؟ يبقى لك ان تسبح في مياه المسيح في هذا الأسبوع حتى تستطيب المخلص وتسلم له في الأسبوع العظيم، حتى اذا ادركتك الأيام الأخيرة منه تكون ذقت حلاوته.

            تهزني قطعة في صلاة السَحَر (وبلا صلاة السحر لا تكون ماشيا على دروب الجلجلة)، هذه القطعة التي مستهلها: “ليس ملكوت الله طعاما وشرابا بل برا ونسكا مع قداسة”. ويأتي تفسير هذا الكلام بكلام آخر: “ان الرجل البار هو الذي يرحم النهار كله”. عندما تحيا الرحمة حقا لا يبقى لك مجال للبخل، للكبرياء. ان ترحم هو ان تخرج من انغلاقك لتجعل الآخرين ليس في حضنك ولكن في احضان أبيهم الذي في السموات. ان ترحم يبدأ بمعرفتك ان المخلص رحمك انت ايضا بدمه وطهر ضميرك من الأعمال الميتة لتخدم الله الحي.

            انت انسان رحيم ان فهمت هذه القولة في إنجيل اليوم: “من أراد ان يكون عظيما فيكم فليكن لكم خادما… فإن ابن البشر لم يأت ليُخدَم بل ليخدُم وليبذل نفسه فداء عن كثيرين”. انت زوجا مجرد خادم لأهل بيتك. انت كاهنا او وزيرا او عالما او فيلسوفا خادم للذين تعايش. انت لا تطلب اي شيء لك. انت يكفيك من دنياك ان تأكل وتشرب وتضع علمك وقدراتك كلها ووقتك وانتباهك في سبيل الآخرين.

            بهذا انت ترافق المسيح حثيما ذهب. وعند ذاك تستطيع ان تقول لمن كان ميتا في خطاياه: “يا لعازر هلم خارجا”. سيقولها السيد في آخر الأسبوع. ولك ان تقول هذا اذا قبلت ان يقيمك يسوع من كل معاثرك. وانت تقوم فقط اذا آمنت بكلمة المعلم لمرتا اخت لعازر: “انا القيامة والحياة”. ليس في هذا القول حجب لإيماننا بالقيامة الأخيرة، ولكنه تأكيد لإيمانك بأن يسوع قادر على احيائك الآن. ذلك لأنه لا يقبل ان ترجئ التوبة. “اليوم، اليوم وليس غدًا”. انت تلقى وجهه في اليوم الذي انت فيه فقد لا يكون لك غد، واذا كنت تعيش ليوم آخر فقد لا تنهض فيه، فتموت الى الأبد تحت الغضب الإلهي.

            الناس لا يؤمنون بهذا الغضب لأنهم يؤثرون ملذاتهم على الرجوع الى وجهه. اما الذين يحبون وجهه فإنه يغنيهم عن كل الوجود. ايضا كلامه لمرتا: “من كان حيا وآمن بي فلن يموت الى الأبد” اي لا يموت اليوم ولا غدا ولا في الدهر الآتي.

            الخطيئة ساحرة ولكنها كاذبة اي تغري الى حين وتبدي لك انها تملأك سرورا ولكن في الأخير تملأك مرارة. وبعد ارتكابها ترى نفسك في الجحيم قبل ان تنقضّ عليك الجحيم في اليوم الأخير لو ثابرت على المعصية. ولكن ان عرفت ان المسيح هو قيامتك وحياتك فأنت في السماء قبل ان تنتقل الى السماء في اليوم الأخير. الله قال لك الأشياء الجدية ولا يمزح فلا تمازحه لأنه لا يهزأ به. هو جدي كثيرا. السير معه يكلفك كثيرا. يكلف الانقطاع عن مئة امر وامر، ولكن نتيجة لهذا الانقطاع ينزل عليك الخبز السماوي الذي مَن أكل منه يحيا الى الأبد.

Continue reading