Category

2004

2004, مقالات, نشرة رعيتي

كل شيء لكم (1كورنثوس 3: 21)/ الأحد 21 آذار 2004/ العدد 12

في الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس وقد عاد بولس الى الحديث عن بطلان الحكمة الدنيوية وكان قد تحدث عنها في مطلع رسالته استنتج اننا لا نستطيع ان نفتخر بالناس. بأي انسان يعتبر عظيما. فنحن لسنا له ولسنا دونه “فإن كل شيء لكم” (1كورنثوس 3: 21). ويوضح الرسول فكره بقوله: “أبولس ام أبلوس (وهو تلميذ لبولس) ام صفا (بطرس) ام العالم ام الحياة ام الموت ام الأشياء الحاضرة أم المستقبلة كل شيء لكم” بمعنى ان كل شيء هو لخلاصكم. بتعبير آخر بولس بتواضعه لا يريد ان يكون المؤمنون حوله ولكن حول الإنجيل الذي هو يحمله. ليس في الكنيسة من عبودية لشخص ايا كان. ابوك الروحي هو لك، هو خادمك بالكلمة التي يحملها. نحن بسبب مقامنا لسنا زعماء يتحلق الناس حولنا. نحن خدام لكم. يذكر بولس ابلوس وصفا لأنهما كليهما خدما كرسي كورنثوس. الراعي يصير خادما لأنه يموت في عطاء نفسه. المسيح صار راعيا لنفوسنا لكونه حقق على الصليب كونه حَمَل الله.

            ثم يكمل بولس فكره بقوله ان الحياة والموت هما ايضا لكم. الحياة الدائمة في المسيح التي تعطاها من فوق تنبت فيك لتنوجد بالله. والموت تعبره لكي تنال الحياة الدائمة في المسيح. هنا لا فرق عند الرسول بين الموت والحياة. كذلك يشرح ان “الأشياء الحاضرة والمستقبلة” هي لكم. هذه الدنيا بما فيها موضوعة بتصرفكم، الحاضرة منها والآتية (غالبا قصد الملكوت). اشياء الدنيا اذا لم تسيطر عليكم تكون لكم (جمالاً كان هذا ام عائلة ام ثقافة ام نجاحا). كل هذا يهيمن عليه المسيح الكائن في قلوبكم. واذا لم يكن فيها فانتم لستم احرارا وابناء الدنيا، عند ذاك، تسيطر وانتم تابعون. فاذا تبعتم احدا من الناس تفقدون كل حرية واذا فقدتم الحرية لا مسؤولية لكم ولا مساهمة شخصية في بناء هذا العالم الذي طلب الله ان يسكنه بواسطتكم. بدون حريتكم، المتكبرون يسودون هذا العالم.

            بعد ان طلب بولس تحررنا من كل قيد، يختم كلامه بقوله: “وأما انتم فللمسيح والمسيح لله”. انتم للمسيح لأنه المحرر، لأنه وحده مخلصكم، واذا ذهبتم اليه تذهبون الى الطمأنينة والسلام والحياة التي لا يضاف عليها شيء. ففي المسيح تجدون منتهى أمانيكم. وحقيقة مسيرتكم الروحية انكم اذا حرركم المسيح تدركون ان كل شيء في العالم هو لكم لكي تضعوه عند قدمي المخلص لأنكم لا تطمعون بشيء.

            المسيح هو لله اي للآب. فإنه سيُسلّم المُلْكَ لله الآب بعد ان يكون أبطل قوة الشيطان ووضع كل الأعداء تحت قدميه.

            الآن لسنا نرى كل شيء خاضعا له. وهذا يقتضي من قبلنا صبرا كثيرا ورجاء دائما. احيانا نرى ان هذا العالم أمسى كأنه مملكة الشيطان وقد سماه الكتاب رئيس هذا العالم. محبو المسيح الآن يرون سيادة ابليس عاملة في كل مكان، في كل حقل، في ما نقرأ وما نشاهد وما نسمع. مع ذلك نؤمن ان كل شيء سيخضع للمسيح. “ومتى أُخضع له الكل فحينئذ الابن نفسه ايضا (ببشريته) سيَخضع للذي أخضع له الكل كي يكون الله الكل في الكل” (1كورنثوس 15 :28).

            ستظهر عند ذاك سلطة الله على العالم المنظور، على البشر وعلى الخلائق كلها. لا تزول الأشياء. يزول فسادها. قبل هذا، كل شيء لكم لكونكم احرارا في المسيح والمسيح سيد قلوبكم الى الأبد.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

السجود للصليب الكريم/ الأحد 14 آذار 2004 / العدد 11

بعد ثلاثة اسابيع من الصيام لاحظت الكنيسة أُمنا ان المؤمنين او بعضهم قد يتعبون من الجهاد او يملّون او يفترون فوضعت امام قلوبهم هذه الذكرى ليتشددوا. ففي نهاية المجدلة الكبرى نطوف بالصليب موضوعا على صينية مملوءة بالرياحين او بالزهور، وحول الصليب ثلاث شموع مضاءة رمزا للثالوث المقدس. ويطوف الكهنة بهذا، ويأتي المؤمنون لتقبيل الصليب، ويعطيهم الكاهن زهرة بعد ذلك علامة للفرح الذي نلناه بموت الرب.

            ثم يأتي الإنجيل في القداس يقول: “من اراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني” (اي الى الجلجلة في إماتة شهواته المؤذية). ويضع تقابلا بين خلاصنا بالصليب وربح العالم الشرير اذ يقول: “ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه”. طبعا الصيام يكلف جهدا، ولكنه يعطي ايضا فرحا.

            واذا استمعنا جيدا الى صلاة الغروب وصلاة السَحَر نتوجّه فيهما الى الصليب ونقول له -كأنه حي- “اظهر لنا بهاء جمالك” ونسمّيه “فردوسا بهيا للبيعة” (اي الكنيسة) ونعترف انه يمتعنا “بالمجد الأبدي” ونعترف انه “حامل الحياة وظفر العبادة الحسنة”.

            فاذا خاطبنا الصليب، يكون هذا اسلوبا شعريا نقصد به اننا نخاطب المسيح الذي مات من أجلنا ونذكر اننا نلنا به الخلاص. فموت يسوع قيامة الجنس البشري. الصليب كان مطرح الظفر بالخطيئة، وكان أساس قيامتنا. وهو مقام المجد الإلهي بناء على قولة يسوع: “الآن تَمَجَّدَ ابن البشر وتمجد الله فيه” ويشبهها الكثير.

            من هنا ان التعذيب لم يكن سوى طريق الى المجد اذ افترض منطق التجسد ان مَن ساكن الناس في بشريته باتخاذه جسدا من مريم اراد ان يرافق البشر الى آخر محطة لهم في الحياة اعني الموت والقبر. في هذا كان يسوع رفيقا لنا ومحررا، وهذا ما تعنيه كلمة الفادي. افتدانا لا تعني اذًا انه كان فدية على طريقة قانون الجزاء حيث يدفع اهل القاتل لأهل القتيل مبلغا من المال. لمن دفع يسوع؟ انه لا يدفع شيئا للشيطان لأن الشيطان ليس له عليه شيء. ولا يدفع لله ابيه لأن الآب لا يريد موت الخاطئ بل ان يحيا. هو لم يمت بدلا عنا كما يظن بعضهم. لم يذق المسيح عذابا تعويضيا عن عذاب كان لا بد من ان يقع علينا. لا معنى للكلام الذي لا يزال مسيطرا في الغرب بشقّه الكاثوليكي وبعض من الشق البروتستنتي وهو القائل بلسان أَنسلم اسقف كنتوربري: ان الله كان غاضبا على البشرية وحكم عليها بالموت ولا يزول غضبه الا اذا أرضاه إله (وهنا يعني الابن). فالله ليس ساديا، متلذذا بآلام البشرية وآلام مسيحه.

            ما حصل في تحرير المسيح لنا انه إله من جهة وبشر متأله او مؤلَّه. وهذه القوة في طبيعته الإلهية وطبيعته الانسانية المتألهة، هذه القوة نزلت الى مملكة الموت وأماتته من الداخل، فجَرته، وهذا ما نعنيه بقولنا انه “وطئ الموت بالموت”. المسيح على صليبه وضعنا على سكة الحياة، اورثنا الحياة الجديدة التي نكافح فيها الخطيئة.

            واذا كانت فينا هذه الحياة، نقدر ان نتابع جهاد الصوم لأنه “بالصليب قد أتى الفرح في كل العالم” كذلك “نبارك الرب في كل حين ونسبح قيامته لأنه اذ احتمل الصلب من اجلنا بالموت، للموت أباد وحطم”. هذا هو اللاهوت التي نقرأ به الصليب. لذلك لا نبكي على المصلوب في اية خدمة من خدمنا. ننتظر دائما تعزية القيامة.

            وقيامة المخلص كانت كشفا ظاهرا لنصر حصل على الصليب، وأبانت انك “لا تدع قدوسك يرى فسادا”. النور كان في المسيح عند صلبه خفيا. عند فجر الفصح ظهر. بيّن الفصح ان المسيح ظافر. ولهذا كان كل جهد لنرى هذا النصر امرًا هينا. فاذا اقمنا الذكرى اليوم نتشدد ونسير الى ملء الفرح عند صباح العيد.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الصلاة/ الأحد 7 آذار 2004/ العدد 10

ليس من كنيسة في العالم كتبت في الصلاة مثل كنيستنا بدءا من الآباء النساك ومرورا بالآباء اللاهوتيين وذلك جيلا بعد جيل، كأن اهتمام الكنيسة الأرثوذكسية الأول هو الصلاة وأداؤها ومعانيها بحيث يمكن ان تتناول معتقدنا كله من الخِدَم الإلهية التي نقوم بها ومن الصلاة الفردية. كل هذا يبدو طاعة لما ورد عند بولس: «صلوا بلا انقطاع» (1تسالونيكي 5: 17) أو طاعة لكلام السيد: «اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة» (متى 26: 41). عندنا ما يسمى الصلاة غير المنقطعة أو صلاة يسوع أو صلاة القلب: «يا رب، يا يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني أنا الخاطئ». ولكن إذا رأينا إلى العبادات النظامية، عندنا صلاة الساعة الأولى والثالثة والسادسة والتاسعة والغروب وصلاة نصف الليل وصلاة السَحَر أي سبع صلوات يوميا، وفي الترتيب الكنسي يُجمع بعضها إلى بعض في الأديرة وأحيانا في الرعايا، هذا إذا لم نذكر صلاة النوم الصغرى أو الكبرى التي تُعتبر صلاة فردية مع ان كنائسنا في الكرسي الأنطاكي تقيم صلاة النوم الكبرى في الصوم. وذروة كل هذه القداس الإلهي، فيكون عندنا فعليا تسع صلوات.

إذا درسنا مضمون هذه الصلوات نرى ان منها صلوات سؤال عندما نطلب إلى الله حاجة لنا ولا سيما الفضائل حسب قول الرب: «اطلبوا أولا ملكوت الله وبره، والباقي يزاد لكم»، ثانيا صلاة الشكر على ما وهبنا الرب (إياك نشكر)، وأخيرا صلاة التسبيح حيث فكرنا متجه إلى مجد الله بلا سؤال عن شيء وبلا شكر على شيء.

الكتاب المقدس يَعتبر الصلاةَ طبيعيةً عند المؤمن حتى انه خصص لها سفرا من أسفار العهد القديم هو المزامير وتتلوه الكنيسة بكامله كل أسبوع وتقتبس هذا المزمور أو ذاك أو أكثر من مزمور في بعض الخِدَم أو آيات من سفر هنا وثمة. ويذكر الكتاب القديم بعضا من الذين صلوا (ابراهيم، إسحق، موسى، أيوب، يونان الخ…) حتى يجيء العهد الجديد ويذكر صلاة يسوع لأبيه السماوي. ويذكر أعمال الرسل ان الكنيسة كانت تصلّي مجتمعة. وكان تلاميذ المسيح مقتنعين بالصلاة حتى سألوا الرب يسوع ان يعلّمهم كيف يصلّون، فتلا عليهم الصلاة الربية (أبانا الذي في السموات…).

روح الإنجيل ان نصلي فرديا في كل حين بحيث ترتفع الصلاة تلقائيا من القلب، وقد عرّف آباؤنا الصلاة على انها ارتفاع القلب إلى الله. فإذا امتلأ قلبك من حضرته فتجعل كل وقت فراغ لك وقتَ صلاة حتى لا يسكن قلبَك الا الله فلا يساكنه باطل أو فكر شرير، إذ أنّى لك ان تطرد هذا الفكر الا بذكر الله فتذوق هكذا ان الله هو كل حياتك.

ومن أهم الأمور في حياتك الشخصية ان تصلي من اجل الذين أغاظوك فتذكر أسماءهم ليزول عنك وعنهم الحقد. ومن أهم الأمور أيضا ان تستغفر ربك حتى لا تظل الخطيئة معششة فيك. لا تنم قبل ان تستغفر فقد لا تستيقظ عند الصباح. وحتى لا تبقى مجرد سائل كأنك مركّز على الأنا، فاشكر لله ما أعطاك، وإذا سرت في الحب الإلهي فسبح ربك تسبيحا طيبا فيه كل الفرح فتحس عند ذاك انك عشير الرب وأليفه وكأنك صرت عنده كما الملائكة عنده.

صلّ في أي وضع واقفا أو راكعا أو مستلقيا على سريرك. وقبل كل شيء صلّ في ساعة التجربة إذ لا تقدر ان تدفع عنك إغراء الخطيئة لك الا إذا دعوت الرب فيجيء ويصبح درعا بينك وبين الميل الشرير. ليس لنا طريقة لطرد الفكر الخاطئ المفسد عنا الا إذا رجونا إلى الله ان يأتي هو بذاته ويردّ عنا التجربة.

وإذا كثفت الدعاء يوما فيوما، تحس ان فكرك صار فكرا إلهيا أي موافقا لما قاله الله في إنجيله. والإنجيل هو خطاب الله إليك. فإذا سكنَتْ أقواله قلبك يعرف، عند ذاك، قلبك ان يخاطب الرب. دع الله يتكلم فيك ثم ردّ إليه كلامه بالصلاة. ان هذه محبوكة بكلام الكتاب. هي ردّ الكتاب إلى الكتاب.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

احد الأرثوذكسية/ الأحد 29 شباط 2004 / العدد 9

الأحد الأول من الصوم يدعى احد الأرثوذكسية لأن كنيسة القسطنطينية جددت اعتقادها بالأيقونة في الأحد الاول من الصوم السنة الـ 843. فمع ان الكنيسة الجامعة حددت إكرام الأيقونات في المجمع السابع المسكوني، الا ان حرب الايقونات علينا من قِبَل أباطرة بيزنطية لم تتوقف الا في السنة 843. العامة تسمي الذكرى “احد الأيقونات” اذ نطوف بها قبل القداس ونقبّلها، ولكنا نعلن تمسكنا ليس فقط بعقيدة الأيقونات ولكن بكل العقائد المحددة سابقا في المجامع المسكونية، وفي كتبنا الطقسية مطلوب ان نجدد الحرمات على الهراطقة غير ان هذه الممارسة لا يتبعها احد الآن في كرسينا الأنطاكي.

          العقائد هي الإيمان مسكوبا بعبارات قصيرة اوضحتها في ظروف مخالفته من قبل الهراطقة. على سبيل المثال كنا دائما نؤمن بألوهية المسيح، بكونه منذ الازل مع الآب والروح القدس. ولكن بظهور آريوس في القرن الرابع في الاسكندرية الذي قال ان الابن هو اول المخلوقات، جئنا، زيادة في التوضيح، في المجمع المسكوني الاول نقول انه “مساو للآب في الجوهر” اي ان له جوهر الآب وليس دون الآب كالمخلوقات. مساوٍ له في الجوهر عبارة غير موجودة في الكتاب المقدس ولكنا صغناها ولو استعرنا كلمة جوهر من الفلسفة اليونانية لأن آريوس كان يستعمل ضدنا الفلسفة اليونانية.

          العقائد بمعنى العبارات التي وضعتها المجامع لا تزيد شيئا على “الإيمان المسلَّم مرة للقديسين” (يهوذا 3)، ولكنا نتسلح بها لنوضح من جهة ايماننا لأنفسنا، ومن جهة ثانية لنوضحه للغير. فقد تسمع من يسألك: كيف يكون المسيح إلها وانسانا معا؟ هل يتحول الإله الى انسان؟ من هو هذا الذي مات على الصليب؟ لكون هذه المسائل نوقشت، جئنا نقول في المجمع المسكوني الرابع (451) ان المسيح ذو طبيعتين إلهية وانسانية هما معا بلا انفصال ولا انقسام ولا تتحول الواحدة الى الأخرى ولا تنصهر بها، ولا تخسر الألوهة شيئا من ذاتها كما لا ينتقص من شأن بشرية المسيح، ويبقى السيد شخصا واحدا.

          ما اردنا ان نقوله في هذا الأحد ان المغلوط ليس كالصحيح، واننا في صلابة كاملة ضد المنحول وضد الخطأ لأن الخطأ ليس فقط خطأ عقليا ولكنه يفسد النفس والعقل والتصرف. انت لك كيان داخلي واضح سليم اذا قلت ان المسيح إله وانسان معا، ولك كيان ذاتي مشوش اذا قلت انه مجرد انسان. هو الفرق بين ان تكون مستقيم الرأي وان تكون هرطوقيا منحرفا. “الكنيسة، كما قال مكسيموس المعترف، هي استقامة الرأي”. بعض الناس يقولون اننا عنيدون. يريدون بذلك اننا نثبت على الرأي الواحد الذي ورثناه من القدماء. لا يخترع الانسان دينه ولا يغير فيه. الأشياء التي سلّمها الينا الرسل نحافظ عليها ولا نتجاوزها.

          لك ان تفسر، ان توضح، ان تنتقي عبارات جديدة اذا كنت موهوبا، ولكن تحافظ على جوهر ما استلمناه. هذا الموقف كلفنا ان نتحمل اضطهادات هنا وهناك وان يموت لنا شهداء. ولكن الإيمان المستقيم اهم من حياتنا. وقد نكون كسالى هنا وهناك، ولكن استقامة الرأي فيها نفحات وقوة روح قدس من شأنها ان تنهض بنا.

          في نهاية الأسبوع الاول اردنا ان نشهد بهذه الذكرى اننا ايضا نصوم لا من اجل طعام ولكن لنحشر انفسنا في كنيسة الله التي افتداها بدمه كما قال الرسول.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

جهاد الصوم/ الأحد 22 شباط 2004 / العدد 8

الصوم ان تتخصص لإخراج كل الشياطين المعششة في قلبك وقد حالفتها بطريقة او اخرى. ليس الشيطان ذلك الكائن خارجا عن نفسك. انه الساكن فيك بوسوسات مخيفة، تحركك في النهار وفي الليل. وما كانت الحِمية المرتبة في هذه الكنيسة او تلك الا لتدفعك الى التأهب والحذر من ان يعود اليك هذا الروح الشرير الذي طردته يوما او ساعة او لحظة فاستعدت براءة الطفولة والكيان الأصيل.

         يعجبني ان تأتي الكنيسة المارونية بمؤمنيها وتمسح جبين كل منهم في اول يوم من الصيام بالرماد قائلة: “اذكر يا انسان انك تراب والى التراب تعود”. تقول لك ذلك جهرا لتفهم انك لا شيء وانك مدعو الى إحلال يسوع في نفسك ليصبح اياك او تصبح انت اياه. ويعجبني عشية الصيام في الكنيسة الارثوذكسية وهو المدعو احد الغفران ان تأتي بمؤمنيها ليركع كل واحد امام الآخر حتى قدميه ليعني انه عند قدميه ويقول له: “اغفر لي يا اخي انا الخاطئ”، ثم ينتصب ويقبّل احدهما الآخر كأنهما دخلا القيامة منذ الآن. ان أصوم عن اللحم رمز تذكري اني اصوم عن كل معصية باتت فيّ متأصلة.فإذا تبت اقتلع ما كان متأصلا ليبقى فيّ المسيح اصلا.

         الصيام وجود مع المسيح، في الفرح. ولذلك نكثر فيه من الترتيل “الليلويا” اي هللوا لله. ولستَ جائعا جسديا الا لكونك جائعا الى الطعام الإلهي، الى الخبز النازل من السماء. لذلك تتناول في ترتيب خاص جسد الرب ودمه في يومي الأربعاء والجمعة ما خلا الآحاد. وفي صبيحة الأحد تتجدد فيك قيامة المخلص. ولئلا تحسب انك وصلت، تكثر من صلوات التوبة وتسمى الخطايا التي تريد التحرر منها: “روح البطالة والفضول (اي طلب الأشياء الدنيوية) وحب الرئاسة والكلام البطال”. ثم تقابلها بالفضائل وهي: “روح العفة واتضاع الفكر والصبر والمحبة”. والذروة: “هب لي ان اعرف ذنوبي وعيوبي وألا ادين إخوتي”.

         وأقف عند اتضاع الفكر واليه نفتقر كثيرا. لأن الانسان يتذاكى ويستعلي بذكائه اذ يظن ان الآخرين دونه فطنة. الصوم اذًا لقاء مع الآخرين، مع المتواضعين منهم. “انت تراب” وقد ترتفع عن التراب بتمجيد الرب. الامساك رياضة ليس الا لأن الرسول يقول: “الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة والله سيبيد هذا وتلك … ولكن الجسد ليس للزنى بل للرب والرب للجسد… ألستم تعلمون ان اجسادكم هي اعضاء المسيح… ام لستم تعلمون ان جسدكم هو هيكل للروح القدس”. بولس يتخذ الزنى هنا صورة عن الخيانة، كل خيانة للرب وللاخوة.

         انت في هذه الفترة المباركة المملوءة بالصلاة تضرب كل شهوة مؤذية فيك لئلا تستعبدك: شهوة الجسد وشهوة التملك وشهوة السلطة او التسلط على من هم لك اخوة في المسيح. والتروض على ذلك منه الإمساك عن بعض الأطعمة والامتناع عن الطعام ساعات طويلة في النهار. الإمساك ترويض في الكنيسة ومع الكنيسة. فأنت تعمل ما يعمله الإخوة مجتمعين في حضرة الله ولا تقول هذا لا ينفعني. آباؤنا قالوا هذا ينفعك فاقتف آثار آبائك ولا تصنع لك ديانة خاصة بك. انت تنجو بما نجا به الأقدمون وبما ينجو به الطائعون اليوم لهذا المسلك. هكذا تبيد اهواءك ولا يصطادك مجتمع الاستهلاك وفيه منافع قليلة ومضار كثيرة. واذا عرفت الأضرار تحرر منها. المهم ان تعرف انك فقط حر بالمسيح.

         “ليس ملكوت الله طعاما وشرابا بل برا ونسكا مع قداسة”. هذا ما نقوله في الأحد الخامس. نفهم من هذا ان الغاية من الإمساك ان نصبو الى البر والقداسة. هذا هو الحضور الإلهي فينا يكثفه الرب يوما بعد يوم في الأربعينية المقدسة والاسبوع العظيم ليؤهلنا الى رؤية ابنه الحبيب معلقا على الصليب وخارجا من القبر. نحن نعرف ان هذه هي حياتنا كلها ولكنا نذوق ذلك بقوة في حقبة الصوم حتى ان الأتقياء لا يحتملون ان تنتهي. ولكنا نتمرن حتى تبقى ثمارها حية فينا على مدى الحياة. نحن في الروح صائمون ابدا، وفي الترويض صائمون فترة. ولكن المبتغى ان نصير رفقاء المسيح في حبه لنا وإنهاضه ايانا من موت الخطيئة حتى لا نبقى الا قامات من نور.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الانقسام/ الأحد 15 شباط 2004 / العدد 7

الشيطان يقال له باليونانية diabolos (ذيافولوس) أي الذي يقسم الناس في ما بينهم ويزرع الفتنة. والفتنة في العربية الثورة بحيث يقوم الناس على الناس. وهذا يبدأ بسوء الظن، وقالت العرب: «بعض الظن إثم»، وأنا أقول كل الظن إثم ذلك لأنك تتلقى من بعض القوم أخبارا عن الآخرين، فيقال لك هذا كذب مثلا أو هذا سرق، وما لست متأكدا منه تجعله حقيقة. ويضاف إلى هذا تعصبك للعائلة، وقد تكون لهذه خلافات قديمة فترثها أنت. وهذا منتشر في المجتمعات الصغيرة التي لا تقبل فيها عشيرة عشيرة أخرى.

هذا طبعا يطرح على الراعي سؤالا كيف يوفق بين نزعات مختلفة حتى لا تتحول إلى نزاعات وأحقاد صريحة أو مبيتة. تتفحص أنت بعين المحايد الغريب ولا ترى شيئا وتحس بأن البغض قائم بلا مبرر. وقد قال الكتاب: «انهم ابغضوني بلا سبب» (مزمور 35: 19). وإذا انتشر هذا الشعور بين أبناء الكنيسة تصبح هذه مشتتة، مفتتة. والذين هم إخوة في المسيح لا يستطيعون ان يتفاهموا على مشروع أو عمل، وترفض أنت فكر الآخر لمجرد انه ينتمي إلى بيت آخر. ويقضي المسؤولون في الكنيسة وقتا طويلا ليحلوا النزاعات ويقيموا التوازن، والتوازن مستحيل ان لم تتحد القلوب وتتجاوز صراعات قديمة ولا نتقدم معا فتبقى الأشياء في محلها في حين ان الرسول الإلهي بولس قال: «تمموا فرحي حتى تفتكروا فكرا واحدا ولكم محبة واحدة بنفس واحدة مفتكرين شيئا واحدا لا شيئا بتحزب» (فيلبي 2: 2 و3).

كم أتمنى الا يعترضنا التحزب في القرية دون تشكيل مجالس الرعية وسيرها. أكثر من مجلس استغرق مني تشكيله عدة أشهر لتتوافق العيل. كم من وقت نحتاج إلى إقناع المؤمنين ان كلاً منهم شخص كامل ويعيَّن في المجلس بسبب حسناته وتقواه ورقيه وليس بسبب من انتمائه إلى احد البيوت. ما من شك اننا في حاجة إلى ان تمطر السماء علينا نعمة كبيرة لئلا نسعى إلى توازن عائلي بل نسعى إلى تجمع ناس فاضلين أمناء قادرين ان يسندوا الرعية بخوف الله. انتسابك إلى عائلة لا يعني المسيح شيئا. في عينيه أنت انتسبت إليه بالمعمودية، وتبقى له بالإيمان أأتيت من عائلة كبيرة أو صغيرة، راقية كثيرا أو أقل رقيا.

بعد اكتساب عضوية المجلس أنت لا تعظم. تبقى كما كنت. والعضوية ليس فيها وجاهة بل فيها خدمة، والخادم متواضع ولا يفتخر ولا يتسلط على أحد، وقبل كل شيء يظل أمينا، وأهم وجه في الأمانة، الأمانة على المال لأن هذا مال الله، والكاهن والفقراء في حاجة إليه. ولهذا لا بد من مسك دفاتر على الطريقة العلمية حتى تتمكن المطرانية من مراقبتها. المحاسب، أيّ محاسب يصعب عليه ان يعرف المختلس الذكي. ولذلك بنيت علاقتنا على الثقة. فلو، لا سمح الله، عرفنا سارقا فالواجب الأخلاقي يقضي بأن نشكوه لنا. من سكت عنه يكون شريكه.

لا وقف يمكن ضبطه بصورة كاملة. ولذلك إذا اقترحت عائلة أحدا منها عضوا ليخدم معنا فلتقترح من كان نزيها كليا وفهيما بحيث يستطيع ان يناقش بتهذيب وروح مشاركة وهدوء.

يتعبني ان اكرر هذه الأمور ولكني أرى من واجبي ان انبهكم إلى ضرورة الاستقامة الكاملة وفحص الأمور بروية وان يصلح الروحانيون الآخرين بروح الوداعة لئلا يهلك احد. وهكذا تكونون في الرعية وفي المجلس طردتم الشيطان المفتن من وسطكم.

لا شيء يصلحنا يا إخوة سوى المحبة التي تتوخى كمال الجميع والكمال بالتكامل والرفق والتأني وسلام يقصي الحدّة ويجعلنا متكئين على صدر المعلم. فليعمل من استطاع ان يعمل، إذ لا يقدر ان يعمل شيئا من لم يكن كبيرا في المحبة. ولا يتساوى مع غيره الا من غفر ولم يحفظ ضغينة وكان شأنه ان يرفع قدر الآخر. انه لمهم جدا ان نُظهر أصحاب الفضيلة بيننا وان نجعلهم المتقدمين في كل شيء. وإذا أقصينا الفتنة يحل الرضا الإلهي بيننا ونكون أبناء الله. الوحدة، الوحدة. هي التي تعطينا العزيمة وتنجز المشاريع وتكشف للناس وجه يسوع.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

أين نحن من التقارب مع الغربيين؟/ الأحد 8 شباط 2004 / العدد 6

يظن متتبع فكر الكنائس انه قابض على الوحدة قريبا، واذ بالآمال تتبدد فترة تطول أو تقصر. نحن الآن نعبر عاصفة هوجاء يشير إليها أنّ المحادثات الرسمية بيننا وبين روما انقطعت على مستوى اللجنة المشتركة، وبلغ الاختلاف أوجه بسبب النشاط الكاثوليكي المتزايد في بلدان أرثوذكسية مثل روسيا وأوكرانيا. كانت المشكلة بيننا قائمة على وجود الكاثوليك الشرقيين في أوربا الشرقية الذين اعتبرهم الأرثوذكس لا يتمتعون بشرعية كنسية حتى اعترفت اللجنة المشتركة المنعقدة في البلمند السنة الـ1993 انهم غلطة تاريخية ولا يمثلون نموذجا للوحدة.

غير انهم ازدادوا نشاطا في اوربا الشرقية ما عدا رومانيا حيث ضعفوا كثيرا. ولكن التأزم ازداد حدة لسببين بين الكنيسة الروسية والفاتيكان: اولهما ان روما انشأت اربع ابرشيات في روسيا وهيأت حوالى اربعين كاهنا يتقنون اللغة الروسية ليبشروا في روسيا. فاعتبرت موسكو ان تأسيس هذه الأبرشيات يدل على رغبة روما في التوسع على الأراضي الروسية، كما رأت ان الروسي المهتدي الى المسيح ولو عن طريق مبشر لاتيني ينبغي ان يندرج في كنيسته الروسية، كنيسة آبائه وأجداده. وهذا هو السبب الذي يجعل زيارة بابا روما لموسكو مستحيلة الآن.

الا ان انقطاع المحادثات لم يمنع العلاقات الثنائية بين الفاتيكان وهذه الكنيسة او تلك بما في ذلك اتصالات مع الروس. ويدور الحديث الآن على رغبة روما في استئناف هذه المحادثات، ولكنا لا نعلم مدى استعداد الارثوذكسية مجتمعة لقبول هذه الفكرة.

ولكن الى جانب هذه الصعوبات العملانية صعوبات لاهوتية. فالنصوص الصادرة عن الفاتيكان بدءا بوثيقة «الرب يسوع» والرسالة الأخيرة للبابا عن سر الشكر (القربان) تبدو عقبة كأداء دون التفاهم. وثيقة «الرب يسوع» تصرح ان كنيسة المسيح قائمة بكليتها فقط في الكنيسة الكاثوليكية، وهو أشد تصريح حتى الآن يدل على عزل الارثوذكسية من كون كنيسة المسيح قائمة ايضا فيها. اما في ما يختص بالرسالة البابوية عن سر الشكر فقولها ان القرابين يقوم بها اسقف متحد بالبابا، الأمر الذي يوحي بأن القداس الارثوذكسي فيه شيء من الخلل اذ يقيمه اسقف غير متحد بالبابا. أضف الى هذا ان اللقاء الذي عقده «المجلس البابوي لوحدة المسيحيين» عن «الخدمة البطرسية» كان مخيبا لكل الآمال اذ لا تحتوي الوثائق الرومانية فيه ايّ ما يدل على تغيير في الموقف الكاثوليكي المتعلق بمكانة أسقف روما.

هذه الأمور كلها تشير الى ان كنيسة روما في وضع فكري غير متحرك نحونا.

من جهة اخرى هناك تصادمات بين بعض الرئاسات الروحية عندنا. فالروس واليونانيون اختلفوا على من يرئس كنيسة استونيا أهؤلاء ام اولئك، ثم وجدوا صيغة مصالحة. غير ان البطريركية المسكونية مختلفة مع كنيسة اليونان حول من يرئس أبرشية سالونيك. الى هذا يصرّ البطريرك المسكوني على انه هو الذي يرعى المهاجر، وفي هذا هو مختلف مع معظم الكنائس الارثوذكسية. العالم الارثوذكسي لا يؤلف اليوم جبهة متراصة لملاقاة الكنيسة الغربية بفم واحد. اجل لو قبلنا الاجتماع معا الى روما لمباحثات جديدة سنكون واحدا من ناحية العقيدة في مواجهة روما. غير انه يزين لي ان الكنائس الارثوذكسية لن تلبي كلها الدعوة.

الوضع المسيحي العالمي متأزم جدا ويحتاج إلى نعمة إلهية كبرى لتغييره. غير اني لست ارى الآن كيف يمكن لروما ان تلين او كيف تعود الثقة المتزعزعة الآن بين الشرق والغرب.

في هذا المناخ لا يبدو ان احدا يحرّك قضية الفصح لأنها تبدو للرئاسات الروحية ثانوية بالنسبة إلى الوضع العقائدي المتأزم. ثم لا يبدو لي ان شعوبا أرثوذكسية هامة مثل الروس واليونانيين والصرب مستعدون لخوض غمار هذه القضية ولو اراد الرؤساء الروحيون بحث هذه المسألة.

إلى ان يأتي الفرج، علينا ان نحب بعضنا بعضا وان نتعاون في الشؤون العملية كل مع الآخر في بلده بحيث لا نتصادم عملانيا ونقرّب القلوب بعضها إلى بعض ريثما ينقل الله الجبال.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

خواطر رعائيّة/ الأحد أوّل شباط 2004 / العدد 5

انتهى «أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيين». وبحث الموضوع يتطلب مقاربة نظرية قد أعود اليها. غير اني اليوم اود ان أنظر في الوضع العملاني المرميّ عليه الكاثوليكي والارثوذكسي. وأرجو الى القارئ ان يوسع صدره عسى يفهم انني اتوخى ما هو بناء وليس في نيتي انتقاد الاخ الآخر ونحن في مسعى التقارب الصادق. ولكنّ للتقارب شروطًا لتكتمل الثقة بيننا.

من اول هذه الشروط ان يلتحق كل منا بكنيسة رعيته في الآحاد. هذا الكلام مردّه إلى ما عرفته من كثيرين ان شغور كنائسنا من عدد من المؤمنين ان منهم من يفضّل الكنيسة القريبة إلى بيته ايا كان مذهبها. انا عارف اننا لا نغطي بعض المناطق الساحلية قرب بيروت. مع ذلك ليست المسافات طويلة بين منزلك وسن الفيل وانطلياس وجل الديب والمطيلب وما الى ذلك. ربما كان هذا في مناطق اخرى جبلية. انها قضية انتماء وهوية أن تلازم كنيستك، وقضية مشاركة في الأسرار الإلهية، وكنيستنا والكنيسة الغربية لهما الموقف نفسه في تأكيد أن كل واحد يتناول في كنيسته. ومَن يمارس خلاف ذلك يكون «فاتح على حسابو»، والكاهن الذي من غير كنيسته اذا ارتضاه في المناولة قد يريد ان يبيّن ان كنيسته منفتحة واننا مغلقون. ارى انه من واجب الكاهن الكاثوليكي ان يشير على الأرثوذكسي الذي يمارس عنده بالعودة الى كنيسته لا سيما اننا وقّعنا مع الكنيسة الكاثوليكية وثيقة البلمند السنة الـ1993، وقلنا فيها ان الراعي يرعى القطيع الذي سلّمه الله اياه ونتيجة ذلك انه لا يرعى قطيعا آخر. الأخوّة تبدأ من التعامل على الأرض.

في المنطق عينه ان الكاهن بعد عيد الغطاس اذا دار على الرعية لينضحها بالماء المقدس انما يرش منازل أهل رعيته، فلا يقرع الكاهن الكاثوليكي بيتًا ارثوذكسيا ويتطوع لرشه بحجة أننا صرنا واحدًا. نحن في الواقع لم نصر بعد واحدًا وليس أحد منا مفوضًا من الله ليقيم للآخرين خدمة مقدسة. واذا كان لسبب من الأسباب اضطر احدنا للاتصال ببيت من كنيسة اخرى فليكن بمعرفة كاهن هذه العائلة ما عدا علاقات الصداقة وموائد الطعام وما الى ذلك. الأرثوذكسي العادي يخجل من رد كاهن آخر، ولا ينبغي لهذا ان يتجاوز خدمة رعيته. اذ ذاك نسمّي ذلك اقتناصًا ونحن اتفقنا مع الرئاسات الكنسية الاخرى ان هذا يخالف مشيئة الرب.

ثم عندنا تفاهَمَ البطاركة الارثوذكسيون والبطاركة الكاثوليك ان ما يُسمّى «اول قربانة» يتم في الرعية لا في المدرسة. فهمنا ان هذا يتم في الصراحة والصدق الأخوي ولا يلتفّ احد حول هذا القرار. فالمطلوب من المدارس الكاثوليكية الا تأتي بأي عمل ككتاب الى الأهل يطرح قضية «أول قربانة» وموضع تناولها. المطلوب عدم التعاطي اطلاقًا مع التلامذة الارثوذكسيين، مباشرة ومداورة، بهذا الشأن، ولا تأهيلهم بالتعليم لأول قربانة، فهذه تناولها الطفل عند معموديته.

وهل من المستحيل على المدارس الكاثوليكية ان تتبنى جميعًا التعليم الديني المشترك الذي قررناه معا للمدارس الرسمية بحيث يتناول الاولاد نصًا واحدًا ولا يتفرقون؟ يأخذون تنشئة واحدة لا جدل دينيا فيها، هذا اذا تربّى المعلّمون على روح التقارب وان تتسع صدورهم للكل فلا يفاضلون بين كنيسة واخرى ولا يعظّمون واحدة على حساب الأخرى. يجب ان تزول الدفاعيات التي كنا نستعملها في الماضي لنبيّن اننا على حق وان الآخر مخطئ بحيث تكون ساعة الدين وقت استفزاز وتفرقة.

تبقى قضية الصلاة في المؤسسات التربوية. فماذا يعني حضور قداس مفروض على الكل ويتناول القرابين فيه بعض التلامذة ويُقصى الآخرون عنها؟ هل من الضروري في ايام الاسبوع ان نقيم قداسًا ام نتلو صلوات مقبولة لدى كل الكنائس بحيث نقف معًا بلا انزعاج ولا تحفّظ. مشكلة الصلوات الموحَّدة قابلة للحل بروح الأخوّة. يجب ان تفهم ادارات المدارس ان مودتها لتلامذتها تعني احترام عقائدهم بتفاصيل الحياة المدرسية ويومياتها، فتعيدهم الى ذويهم على مذاهبهم ممتلئين من الإنجيل والأخلاق المسيحية. في الإنجيل وسلوكياته طعام كافٍ لكل التلامذة وليس في الإنجيل اقتحام.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الجدل الديني/ الأحد 25 كانون الثاني 2004 / العدد 4

الجدل الديني صعب لأن العارفين الحقيقيين للدين قلة والمدعوون للمعرفة كثيرون. فالعالِم قليلا قد يجد خلافا حيث لا خلاف. فقبل الجدل اقرأ كثيرا لدعم ايمانك بالحجة والا فلازِمِ الصمتَ يحفظك ويحفظ الآخر. ولكن اذا سئلت عن ايمانك فجاوب قدر ما تعرف أو سَلْ عارفا وعد إلى من سألك في ما بعد مزودا.

وتزيد صعوبة المناقشة انها كثيرا ما كانت مقرونة بالانفعال او العصبية. فإن كنت عاجزا عن كظم غضبك لا تقل شيئا لكون الانفعال يؤزم العلاقة بينك وبين من جادلك. الجدل يتطلب الهدوء الكبير وسلامة القلب من كل بغض وسلامته من الجهل. فإن لم تكن قادرا على السلام الداخلي وعفة اللسان، فلا تدخل هذه المغامرة. العفة تقيك التحديات الكبيرة التي فيها التعدي على معتقد الآخر او تجريح من يسائلك.

انت دافع اذا كنت بين مسيحيين عن استقامة الرأي، وأوضح ما نحن نؤمن به بالمراجع المشتركة بيننا اي بالكتاب المقدس والتراث القديم المشترك. فالألفية الاولى واحدة بيننا وبين المسيحيين الغربيين. مثل على ذلك، اذا سألك كاثوليكي: كيف تكون كنيستكم واحدة وليس لها رأس واحد؟ تجيبه: ان الوحدة قد تكون على الشكل البابوي الفردي او تكون على الشكل الجماعي. فنحن رئيس الكنيسة عندنا في الكنيسة المحلية هو الأسقف، والجماعة مع الأسقف فيها كل الكنيسة الجامعة. والأساقفة هم معا في المجمع المقدس. والأساقفة في العالم هم معا في مجامعهم ومع بطاركتهم. على المستوى العالمي عندنا وحدة تنسيق وقرارات المجامع، وعندنا التواصل بين الكنائس. اوضح ما نحن عليه ولا تهاجم بابا رومية فهذه وسيلة الضعفاء. ولا يتراءى للكاثوليكي ان هناك نظاما غير نظامه ربما كان الأقدم في الكنيسة، ويكون، اذ ذاك، على الكنيسة الكاثوليكية ان تخطو خطوات نحو الكنيسة غير المنقسمة في نوع من حركة إصلاح او تجديد. تبقى في هذا السلوك اخا للكاثوليكي ومحافظا بآن على صلابة موقفك على رجاء الوحدة.

اما المسلمون فلا تجادلهم انت بدينهم. انهم لو عرفوه لأدركوا انه يدعوهم الى مجادلتنا بالحسنى. قد يطرحون عليك هذا السؤال: هل تؤمن برسالة محمد؟ لا تجب: انا لست اومن. قد يستفظع محاورك هذا الجواب. انت تجيب مثلا ان الله كلمنا الكلام الأخير بيسوع المسيح. وهذا الكلام يكفينا للخلاص وقد دوِّن في العهد الجديد، واختتم العهد الجديد بسفر الرؤيا. اما ما يقوله القرآن عن النصارى وتكفيره إياهم فبحث لا تدخله لأننا نحن لسنا النصارى الذين يتحدث عنهم. نحن مسيحيون وهذا اسمنا الوحيد، ولسنا اذًا معنيين بتكفير النصارى. انت أكد ايمانك بصلب المسيح وقيامته لأن هذا وارد في الإنجيل ومعظم الذين كتبوه شهود عيان للحادثة او عرفوا الذين شاهدوها. هناك اشياء دقيقة يعرفها المسيحيون المختصون بالإسلاميات. سَلْهُم عن هذه الأمور اذا طُلب اليك توضيحها.

الجدل الأصعب هو مع شهود يهوه والمعمدانيين على مختلف فروعهم. ضد شهود يهوه عندنا كتب كافية. ونهيئ فرق عمل لفحص تعاليمهم ودحضها، وكذلك نهيئ دراسة للبدع الإنجيلية المختلفة التي ليست من الكنائس البروتستنتية التقليدية السائدة. هم لا يبحثون عن الحق، وقلما يستسلمون لحجة دامغة. ولهم تفسير ضيّق وحرفي للكتاب المقدس، ونفسيتهم متشددة ومنغلقة. مثل هؤلاء أمرنا بولس الرسول ان نَحْذَرهم ونتجنّبهم. ولكن لا بد لك ان تتحصن ضدهم بالمعرفة.

اية كانت الجهة التي تناقشك، كن وديعا وحازما بآن. ولكن اعرف كثيرا من المعرفة في حلقات المعرفة والكتب الارثوذكسية التي صارت كثيرة.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الشعوذة، السِحْر…/ الأحد 18 كانون الثاني 2004 / العدد 3

بعض اسئلة بسيطة. هل يستطيع انسان ان يعرف حدثا قبل ان يكون؟ الجواب لا لأن الله حجب هذه الرؤية عن البشر، وقبل ان تكون هي ليست كائنة، وهي قائمة في حرية الذين لهم قدرة عليها، وقد لا تكون في تصميمهم لتعبر من دماغهم الينا. ليس من شيء موجود قبل ان يوجد.

على هذا المبدأ تكون الرقية (الرقوة بالعامية) من باب العرافة. والعرّاف هو المنجّم الذي يدّعي علم الغيب الذي استأثر الله به. على هذا الغرار قراءة فنجان القهوة وكأن الخيوط او الرسوم على الفنجان الحاصلة من حركة الشفتين في الفنجان تدل على شيء. وقد سمّى الكتاب العرافة خطيئة في 1صموئيل 15: 23 وجعلها ارمياء في 14: 14 مرادفة للرؤيا الكاذبة وكذلك حزقيال. وجاء في اعمال الرسل ان بولس أخرج شيطانا من عرّافة (16: 16-18).

كذلك قراءة الأبراج المتفشية في صحف ومنشورات تجعل لك طبعا من الطبائع وتنبئ بأحداث مرتبطة بيوم ولادتك وساعتها ووضع فلكي محدد. قد يكون للنجوم تأثير ما على طبعك، ولكنك انسان حر وليس من قَدَر يحتّم عليك كيف تكون. هناك من حاول في فرنسا في السوربون ان يجعل من التنجيم علما، غير ان اعتقادنا الديني انك لست بآلة وان شيئا ليس محتّما عليك وان لك «حرية ابناء الله» كما يقول بولس الرسول. قراءة خطوط الكف من هذا القبيل، فعُمرك نتيجة الوضع الصحي الذي تكون عليه، وقد يكون هذا مسجَّلا في المورثات او علم الجنات وهو الذي ينبئ باستعدادك لهذا المرض او ذاك ولاسيما السرطان. فهناك تدخل في الجنات وهو علم بات متطورا في السنوات الأخيرة. انت تولد مع برنامج جينيّ، ولا يُنقش شيء من هذا على كفك.

اما قراءة طبعك من خطك فأمر ممكن لأنك إن صُنّفتَ على هذا الطبع اوذاك فقد يؤثّر في كتابتك للحروف والكلمات، ولكن لا يكشف هذا معرفة للمستقبل. ولست اظن ان من يفحص كتابتك يظن شيئا آخر.

وفي المنحى نفسه مناجاة الأرواح، وتُحرّمها الكنيسة تحريما مطلقا، فعندنا انك تخاطب القديسين بالصلاة ولا تتحكم بروح أحد وليس لك سلطان على روح، فالأرواح في سلطان الله وحده. يضاف إلى هذا أن تعاطي هذا الأمر جعله في بلد كالبرازيل دينا قائما بذاته، وجعله هنا وهناك نوعا من السكر او التخدير. مناجاة الأرواح لون من ألوان السِحر لأن السِحر هو عينًا ان تنسب الى نفسك قدرة يستأثر الله بها. جاء في كتاب الله: «لا يوجد فيك من يحرق ابنه او ابنته في النار ولا من يتعاطى عرافة ولا منجّم ولا متكهّن ولا ساحر، ولا من يشعوذ ولا من يستحضر الأشباح او الأرواح ولا من يستشير الموتى، لأن من يصنع ذلك هو قبيحة عند الرب» (تثنية الاشتراع 18: 10-12). ويؤيد العهد الجديد ذلك اذ يرصف سفر الرؤيا القاتلين مع السَحرة وعبّاد الأوثان (21: 8).

الفكرة الأساسية في العهد الجديد ان السِحر هو الاعتقاد بأنك اذا تلَوْتَ بعض الكلمات وقمت ببعض الحركات يحصل تلقائيا ما تريده ان يحصل. هذا يخالف ايماننا بأن الرب وحده بكلمته يغيّر ما في الطبيعة. الصلاة تختلف عن السِحر لكونها رجاء، وهي لا تقدر على شيء الا بنعمة الله. ولا يتقدس عندنا شيء لمجرد ان الكاهن تلا صلاة او قرأ مقطعا من الإنجيل. هو يستدعي الروح القدس على الخبز والخمر فيتحوّلان إلى جسد الرب ودمه بنعمة الروح وليس بمجرد التلاوة. هذا هو الفرق الأساسي بين السِحر والدين.

في هذا المنطق ليس من عين حاسدة قادرة ان تؤذيك، ولذلك كان مخالفة للإيمان ان تُعلّق خرزة زرقاء في عنقك او ان تضع نضوة حصان على باب بيتك لأن مثل هذه الأشياء لا يقيك الأذى. واذا وضعت صليبا في عنقك فإنما هذا شهادة على انك تنتمي إلى يسوع. وليس له بحد نفسه فعل آليّ لأن إشارة الصليب يجب ان تكون مقرونة بالصلاة. ليس من اعجوبة الا بإيمانك بالرب يسوع.

هناك شيء آخر ليس من السِحر ولا الشعوذة، وهو التخاطر télépathie، وهو ان تتناقل الخواطر أو الوجدانيات أو الصور من عقل إلى عقل عن بعد. مثال على ذلك ان امرأة بريطانية رأت او كأنها رأت ان زوجها الضابط في الهند طعنه في ظهره هنديّ بخنجر، وبعد ايام قليلة أخبرتها القيادة العسكرية بحدوث ذلك في الوقت الذي أَحسّت فيه بهذا الأمر. هذه قوى طبيعية تشبه البث التلفيزيوني. بعض الناس عندهم قدرة على التقاط صور من بعيد. كذلك هناك قدرة عند بعض الناس ان يُسقطوا عنقود عنب بمجرد النظر اليه. هذا ليس بمعجزة. ما عدا هذا التخاطر كل تحرّك كهذا الذي وصفناه سابقا سِحر أو شعوذة أو أُكذوبة وكلّه أذى روحي.

Continue reading