Category

2004

2004, مقالات, نشرة رعيتي

الإنجيل الذي بعد الظهور/ الأحد 11 كانون الثاني 2004 / العدد 2

لعيد الظهور الإلهي اهمية في عباداتنا بحيث تأتي التلاوات الإنجيلية من العيد حتى الـ 13 من الشهر متعلقة بالعيد وكذلك السبت بعد العيد والاحد الذي نحن فيه ما يبين ان هذا العيد هو المحور بعد الفصح.

            يستهل الإنجيل هذا الفصل بقوله ان السيد ترك مدينته الناصرة غالبا لأنه لم يلق فيها شعبية وسكن في مدينة كفرناحوم الواقعة على ضفاف بحيرة طبرية. مؤلفة من خليط من الأعراق وهامة تجاريا، الأمر الذي يسهل وجود مستمعين الى البشارة. ويقول عنها متى انها في جليل الأمم اذ كان فيها وثنيون في الماضي.

            يقتبس متى مقطعا من اشعيا النبي: “ارض زبولون وارض نفتاليم…” وفي هذا إشارة الى هذين السبطين اللذين قطنا تلك الأرض عند توزيعها على قبائل اسرائيل عند فتح ارض كنعان. كلمة “عبر الأردن” المذكورة هنا تعني شرقي الأردن كما كانت مسماة الى ايامنا قبل ضم الضفة الغربية اليها على عهد الملك عبد الله الهاشمي.

            هذا الشعب الجالس في الظلمة وفي بقعة الموت -اذ لم يكن المسيح قد أتاهم- قد ابصر نورا عظيما بمجيء المخلص. ماذا تعمل انت ان أشرق عليك نور بعد ان كنت في العتمة؟ ترى نفسك في فرح اقتباله، ترى نفسك كليا في النور. ماذا كان على اليهود ان يعملوا. قال لهم: “توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات”. ما تعني كلمة “توبوا”؟ هي تعني بلا ريب الا يسرق السارق فيما بعد، ويكف القاتل عن القتل، وما الى ذلك من وصايا. ولكنها تعني ما هو اعمق. ففي اللغة التوبة تعني التحول، ان تقتبس فكر الله وتبدل به فكرك اذ الخطايا تنبع من الفكر السيء. فاذا رأيت ان الله هو كل الوجود يأتي ذهنك منه ويمتلئ قلبك من قلبه فلا تسيّرك افكارك ولكن يسيرك فكر الله، ولا تنطق الا بما نطق الله به، ولا تحب الا الأشياء التي الله يحبها. هكذا تتم الوحدة بينك وبين الرب فكأنك وجهه الى الناس وكأنك لسانه وكأن يديك -اي فعلك- يداه. فاذا ادركت هذه الحال تكون تائبا.

            لماذا يجب ان تتوب؟ يجيب متى: “قد اقترب ملكوت السموات”. ملكوت السموات يعني ملكوت الله المستعملة في اماكن اخرى من العهد الجديد. تكلم يسوع كثيرا عن الملكوت بأمثال. هو سيأتي حسبما جاء في الصلاة الربية. “ليأتِ ملكوتك”. ولكن الملكوت حاضر منذ الآن بمجيء الملك. وانت مقبول فيه الآن ان آمنت بيسوع وأحببته. هو يعطيك الملكوت عربونا ويعطيك اياه كاملا في اليوم الأخير. وبين الآن واليوم الأخير تحيا في الكنيسة ويتجلى فيها الملكوت بالكلمة والاسرار الإلهية. فكلما اتجهت الى يسوع بقراءة الكلمة والصلاة وتغذيت من جسده ودمه تتغير من الداخل ان كنت صادقا. كل ما يجري في الكنيسة يرسخك في الملكوت. المهم الا تأتي بشيء يكون حاجزا دون تملك المسيح بقلبك. واذا كان قلبك غير منفتح له فلا تنفعك صلاة ولا عمل خير اذ لا يكون هذا خيرا في الحقيقة. اما اذا انفصلت عن الشر وكل شبه شر وامسكت عن كل كلام باطل ومجد باطل وعن كل كبرياء يضمك المسيح الى صدره ويجعلك من ابناء الملكوت اذ قال بعض آبائنا ان الملكوت هو الروح القدس. بالقداسة  تذوق طعم الملكوت منذ الآن.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الظهور الإلهي/ الأحد 4 كانون الثاني 2004 / العدد 1

اعتمد يسوع في نهر الأردن فغطته المياه ليصوّر موته ثم صعد من الماء ليصوّر قيامته. وهذا صار كي نصبح شركاءه في الآلام وشركاءه في النصر. ولكونه اقتبل الموت بهذه الصورة الرمزية قال له الآب: “انت ابني الحبيب الذي به سُررتُ”. هو ابنه منذ الأزل اي له جوهره، وكذلك هو حبيبه لأنه ارتضى ان يموت حبا بنا نحن البشر.

         وكما ظهر له أبوه وروحه، يحب الثالوث القدوس ان يظهر علينا لنتمكن من احتمال شقاء هذا العالم وننهض منه على الرجاء. ومن اجل ذلك ننال في المعمودية الصبغة التي نالها هو بدمه. والمعمودية مسيرة مستمرة. فكلما غلبنا الخطيئة واغتسلنا بدموعنا وعدنا اليه بالطاعة تتجدد معموديتنا فينا لأن الروح القدس يجددنا كل يوم ان أردنا التجدد. هذا يتطلب ان نقول للسيد: ها أنذا، ها انا مستعد لطاعتك حسب قوله: “من احبني يحفظ وصاياي”. نتيجة لذلك نحب الإخوة، واذا احسّوا انهم محبوبون تزداد ثقتهم بالرب اذ يعلمون انهم ليسوا متروكين للعزلة والضجر والحزن، ولكن صدور الإخوة تضمّهم واذا رأوا ذلك يفهمون ان صدر يسوع هو الذي يضمهم وانهم باتوا ابناء بالابن الوحيد. ويكفيهم هذا فرحا، وبهذا الفرح تكون السماء قد انعطفت عليهم ورفعتهم اليها.

         وتأتي الحروب ويفتك الفقر بنا ونحس بضعف البلد ويأس الكثيرين، ولكن اذا نزل الرضاء الإلهي علينا نعالج الآخرين باللطف ونخفف عنهم مصائبهم. وتبقى الحروب ويبقى الفقر والمرض، ولكن في وسط كل هذا نعرف ان الله لا يتركنا وانه هو الذي يداوينا وسط هذا الفراغ الذي أُلقينا فيه. فنحن لا نسقط في الجب ولا نترضض لأن يد الرب تنشلنا من وطأة المحنة.

         يسري التاريخ ولا تتغير فيه اشياء كثيرة. قال يسوع: “الفقراء معكم في كل حين”، وكان يمكن ان يقول: “المرض والفقر والخطيئة معكم في كل حين”، ولكني انا رفيقكم في كل محنة ورفيق بكم واحملكم كما يحمل الراعي الخروف المكسور. الخلاص ليس الخلاص من الاوجاع بالضرورة. فهذا لا يحصل عليه كل واحد. ولكن الخلاص خلاص من الخطيئة ومن غضب الله على الخاطئين. وهذا هو المجد او هذا هو السلام. وهكذا نعيش في مملكة الحب التي هي وحدها المملكة الحقيقية في هذا العالم. انها كامنة في القلوب ويسطع نورها على القادرين ان يشاهدوا النور.

         هذه الاستنارة لنا ان نعيشها مع بعض الإخوة الذين يؤمنون بها. هناك دائما في كل مكان تجمعات مستنيرة بالنعمة. هؤلاء هم الرعية. اما الأعمال والمشاريع الظاهرة فلا اهمية لها الا اذا زادتنا قربى من يسوع. دائما كان النور ملْك القلّة. ولكن القلة هي التي تخلّص العالم. الرعية ليست بالإنجازات العمرانية وان كان علينا ان نتابعها ليتعزى الكثيرون. نحن لا نفتخر بالعمران. انه لا شيء ان لم يبعث فينا الفرح ويقربنا الى التقوى.

         والرعية تسطع اذا ازداد قراء الإنجيل فيها وكثر الذين يشتركون في الذبيحة الإلهية والذين يحسنون الى المساكين. الرعية لا فاعلية لها ان لم تركز نشاطها على المحتاجين الذين يحبهم يسوع لأنهم اخوته الصغار وليس لهم عضد سواه. مشروعكم الاول قبل كل بناء ان تبنوا نفوسكم بالعطاء وان يفرح هؤلاء الإخوة. ألم تسمعوا ما قاله الله عن المحسن: “بدد اعطى المساكين فيدوم برّه الى الأبد”؟

         هؤلاء المحبون هم الذين ينزل عليهم الظهور الإلهي. اما ان تنضح بيوتنا بالماء المقدس وما عقدنا النيّة على مشاركة اموالنا، فيبقى الماء ماء ولا يصير نعمة. اما قرأتم: “ان العطاء مغبوط اكثر من الأخذ”؟ انا لا شيء يعزيني مثل ان اسمع ان هذه الرعية كريمة جدا. اعرف، اذ ذاك، انها وفية لمعموديتها.

Continue reading