Category

2004

2004, مقالات, نشرة رعيتي

الحشمة/ الأحد 8 آب 2004/ العدد 32

أرجو ان تفهم المرأة أنَّ تمسّك الكنيسة بالحشمة ليس موقفا استبداديا. انه فقط تعبير على ان المرأة ليست وحدها في الكنيسة وان الرجل شريكها في العفة ويقول بولس انها تقدّسه بسبب ما عندها من إخلاص وتفانٍ. وأرجو ان تفهم انها تسيء إلى عفته إذا كانت تكشف مواضع مثيرة من جسدها وتسيء أيضا إلى عفتها هي. الجسد عندنا ليس مشاعا للأعين الشرهة. هو موضع لقاء حبي مع الزوج في علاقة وجدانية عميقة كان الجنس تعبيرا من تعابيرها. خارج هذه العلاقة الجسم مستور.

المرأة تعرف في حسها وخبرتها أن أي كشف فاضح مثير. هي تعلم الحدود ولا تحتاج إلى تعلّم. نحن ليس عندنا أحكام شرعية تفصّل الأمور تفصيلا. الذوق يكفي لمعرفة ما يجب ستره وما يجوز كشفه بلا نفاق أو اختفاء وراء كلمة ان الموضة هي كذلك. المرأة ليست أسيرة للأزياء ولا هي عارضة أزياء. لا يكفي أن تقول هذا يروقني. فهناك أمور كثيرة في الحياة تروقنا ولكنها تؤذينا وتؤذي الغير. وعيب الكذب والادعاء بأن الطقس حَر. فالرجال أيضا يحسون بالحَرّ ويستترون. وإذا كان علينا ان نراعي الحشمة في كل الظروف فمن باب أولى ان نراعيها في الكنيسة إذ يذهب المؤمنون إليها ليصلوا لا ليشاهدوا معرض أزياء، وما يشكو منه الجميع -رجالا ونساء- مشاهد الأعراس التي تُهتَك فيها العفة هتكًا كبيرًا. ربما كان العذر ان بعد ذلك حفل استقبال. ولكن ماذا يفرض ان يجري الاستقبال بلا احتشام؟

الأذى الأساسي في كل هذا ان يتلهى الرجال عن الصلاة فلا يسمعون الصلاة لأن عيونهم مأخوذة بالإغراء. وما هو أعمق من هذا ان المرأة الهاتكة للباسها نسيت ان جسدها مكان لقاء مع زوجها، فإذا حقّ لها أن تتجمّل من أجله، هل يحقّ لها أن تتجمّل من أجل كل الناس وتجرح طهارتهم؟ أليس في هذا أذى لها ولهم؟

أليس في هذا كبرياء الجمال؟ وإذا كان لا يجوز لأحد أن يعتدّ بذكائه أو مقامه فهل يجوز للمرأة أن تعتدّ بجمالها؟ أليس إظهاره بصورة رخيصة اعتدادًا؟

المعروف عند المحللين ان الإثارة الجنسية فيها الكثير من رغبة التسلّط. انتقامًا من تسلّط المرأة يسعى الرجل إلى الاستبداد بالمرأة عن طريق إغرائها بالمال. وتصير علاقة المحبّة بينهما علاقة السيد بالعبد وتنتقل السيادة منه إليها بالمال ومنها إليه بالإغراء.

هناك ما صار مألوفًا على وجه الإجمال، وهناك ما لن يصير مألوفًا بعد ألف سنة إن كان لا يزال عندنا إيمان بالعفة. المهم الصدق وشيء من الشجاعة حتى لا تضطر المرأة أن تقلّد غيرها بصورة عمياء أو ان تكون أسيرة لمحلات الموضة.

أنتِ مسؤولة عن أخيك الرجل أفي المجالس الاجتماعية والمكتب كان أم في الكنيسة. جسدكِ ليس شيئا من الأشياء، هو مقدس بعد أن مُسِح بالميرون. ولست أرى إمكانية لقدسيته إذا كنت بإرادتك عارضة أزياء.

هذا لا يتطلب منك جهدًا عظيمًا. ليس في الحشمة بطولة. يكفي أن تقرريها إخلاصًا للمسيح ودعمًا لعفة الرجل أخيك.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

يسوع يمشي على المياه/ الأحد أوّل آب 2004 / العدد 31

بعد اعجوبة إكثار الخبز ألزم يسوع تلاميذه ان يعبروا الى بيت صيدا ما يدل ان الأعجوبة تمت على الشاطئ الغربي من بحيرة طبريا. فلما غادروا المعلم،   احس انه في حاجة إلى ان يصلي الى الآب. انتظر في الليل حتى الهزيع الرابع من الليل اي بين الثالثة فجرا والسادسة صباحا. غير ان السفينة التي ركبها التلاميذ صارت في وسط البحيرة والأمواج مضطربة. وهذا كثيرا ما يحصل في بحر الجليل الذي هو بحيرة طبرية.

          سار يسوع اليهم ماشيا على البحر فاضطربوا من الخيال ومن الخوف صرخوا. عند ذاك قال لهم يسوع انا هو. هذه هي العبارة التي استعملها الله في سفر الخروج وكرّرها انجيل يوحنا في مواضع كثيرة. بهذه العبارة دل السيد حقًّا انه هو الإله. اذ ذاك طمأنهم. فقال بطرس: “ان كنتَ انت هو فمُرْني ان آتي اليك على الماء”. قَبِل يسوع هذه الدعوة فقال تعال فكان له ما اراد واخذ يمشي على الماء لأنه كان طالبا يسوع. غير انه لما رأى الريح شديدة خاف وأخذ يغرق فصرخ قائلا يا رب نجني.

          لماذا قال الكتاب رأى الريـح وهي لا يـراها احد ولكنه يسمعهـا. هاجس الكتاب ان يقـول ان الرسول لما رأى يسوع بـات قادرا ان يعـمل كما عمـل يسوع اي ان يمشـي على الميـاه، لما رأى غير يسـوع أخذ يغرق. انت لا تنجــو الا اذا جعـلت المسيـح فقط امام عينيـك فهـو الوحيد الذي يجب ان تنظـر اليه حتى لا تقـع في شراك العالم.

          “عندئذ مد يسوع يده وأمسك به وقال له يا قليل الايمان لماذا شككت”. مثل هذا حصل مع الرسول بعد هذا، بعد حادثة التجلي لما تنبأ السيد عن موته وقيامته. ولما رفض بطرس صلب الرب وانبعاثه قال له السيد: “اذهب عني يا شيطان. انت معثرة لي لا تهتم بما لله لكن بما للناس”. هذا الذي مشى على المياه، لحظة يفقد ايمانه يصير ناقلا لفكر شيطاني وحاملا فكرا شيطانيا.

          هذا ما كرره بطرس لما ادعى انه لن ينكر المسيح ثم انكره.

          وبطرس هنا صورة عن كل الذين يضعف ايمانهم فيحسبون انهم مؤمنون ولكنهم اما ذهنيا واما مسلكيا يجحدون السيد. وعندنا جميعا الخطيئة هي ألاّ تحس بيسوع ناظما حياتك. تسعى الى شيء آخر (المنفعة، الشهوة) يقودك..

          وقد عبّر المعلم عن انزياحنا عنه لما قال لبطرس بعد التجلي: انت لا تهتم بما لله ولكن بما للناس. الفاصل بين الايمان الحقيقي والجحود الأساسي  (حتى بدون حجود كلامي) هو انك، مؤمنا، تهتم بشأن الله وحده  -وهذا هو الايمان- او تهتم حصرا بمصالحك وشهواتك ولا يبقى لله محل عندك.

          فاذا انشغلت بالمخلّص تمشي اليه وذلك فوق المياه اي لا يغرقك بحر هذه الحياة المضطرب. تحس بما يقلقك او يتعبك ولكنك لا تتقلقل. تحمل اتعابك معك الى المسيح. اذ ذاك هو يحملك ويخرجك من العاصفة.

          هذا ما عبر عنه متى بقوله: لما دخلا (اي يسوع وبطرس) السفينة سكنت الريح. كل ما يجب التماسه ان تكون روحنا في سكون المسيح وسلامه.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

عجيبة إكثار الخبز/ الأحد 25 تموز 2004 / العدد 30

يؤكد الإنجيل في عدة مواضع ان سبب صنع العجائب عند يسوع انه كان يقوم بها عن حنان. ما كانت الغاية ان يظهر قوته او ان يبهر الجماهير لتؤمن به.

          إلى هذا عندنا عجيبة إكثار الخبز في البرية. التلاميذ لم يخطر على بالهم الا ان يصرفوا الجموع. كان هذا فكرًا دنيويًا عمليًا. غير ان السيد كان يعرف ان هؤلاء الناس قد لا يجدون لأنفسهم طعامًا فقد تكون قراهم بعيدة عن المكان وقد يجوعون.

          قال السيد: اعطوهم انتم ليأكلوا وقد كان عالمًا انهم لا يستطيعون. أجابوا: “ما عندنا هنا الا خمسة أرغفة وسمكتان”. لعل رقم “خمسة” المذكور هنا كان المُنطَلق لتقديس الأرغفة الخمسة الذي نقوم به عند غروب لأعياد السيدية أو أعياد القديسين. وما من شك انه أساس تقديمنا خمس قربانات عندما نطلب أن تُذكَر أسماء الأحياء والأموات على الصينية في القداس الإلهي. والسمكة صارت في المسيحية الأولى رمزًا والأحرف المؤلفة منها كلمة سمكة في اليونانية يصير كل حرف منها بدءا لكلمات تعني “يسوع المسيح ابن الله المخلّص”.

          تمّت الأعجوبة بعد أن قال الكتـاب عن السيد: “وبارك وكَسَر وأعطى”. هذه هي الأفعال التي نستعملها في القداس عندما نذكر تحويل الخبز الى جسد المسيح والخمر الى دمه.

          تكون هذه الأعجوبة صورة مُسبَقة عن سرّ المناولة. العجائب في الإنجيل الى جانب كونها محسوسة تتضمن تعليمًا روحيا بطريقة الرمز.

          صَرَفَ يسوع الجموع بعد أن أطعمهـم. يبدأ السيد بالأشياء المـاديـة المحسوسة على أن تكـون وسيلـة ليرتفع الإنسان روحيـا وفي هذا يتعلّـم أن يشكر. المهم أن يعرف كلّ منّا ان المسيح هـو الذي يعطيه كل شيء الأمور المتعلقة بالدنيا والأمور المتعلـقة بالخلاص اي الفضائل وفي كل حال يشكر. السائل فضلُـه أقـل من الشاكر. السائل يستفيد ماديًا اذا طلـب خبزًا او مالاً والرب يلبيـه اذا كان هذا لخيـره. اما الذي يطلـب الفضائل فمقامه أعلى لأنه يفهم الأشياء العميقة النافعـة للنـفس. وهذا يعني انه سمـع كلمة يسوع: “اطلبـوا اولا ملكـوت الله والباقي يُزاد لكم”. اذا فهمنا هذا القـول نفهم ايضًا القول الآخر: “ليس بالخبـز وحده يحيا الإنسان”. يبدأ الإنسان حياتـه مع المسيح اذا أدرَك ان أمـور الملكــوت أعظم من أمور هذه الدنيا.

          في الأعجوبة كانوا معًا. هكذا في المناولـة الإلهية يكـونـون معًا. وكما أحسّوا آنذاك انهـم جماعة واحدة لأنهـم أكلـوا خبزًا واحدًا، يحسّون في القداس انهم جماعة المسيح وانهـم إخوة لأنهـم تنـاولـوا الخبزَ السماوي الواحد. يتحـدون بعضهم ببعض بعد ان اتحد كل منهم بالمسيـح. ويعرفون انهم بعد ان أخذوا جسده صاروا هـم أيضًا جسد المسيـح.

          اذا أدرَكتَ انـك تتنـاول كل شيء مـن المخلّص تفهم أيضًا ان أخاك يتنـاول خلاصَـه من المخلّص الوحيـد.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

إلى الشابة في رعيتي/ الأحد 18 تموز 2004 / العدد 29

في كلمة سابقة توجهت إلى الشبان والصبايا معا. وتكلمت على التزام المسيحية بعمق إليكم جميعا وعلى ضرورة المعرفة. ما أقوله لكِ بخاصة اليوم ان المسيح مشت وراءه نساء التزمن قضيته التزاما كبيرا ورافقنه حتى الصليب فيما تركه التلاميذ، وبعد قيامته ظهر أولا إلى شابة هي مريم المجدلية وهي التي أخبرت التلاميذ انها رأت الرب. والمرجح انها مع حاملات الطيب رفيقاتها كانت في العلية التي كان التلاميذ مجتمعين فيها لما حل عليهم الروح القدس، اذ الكتاب يقول انهم «كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة والطلبة مع النساء ومريم أم يسوع ومع إخوته» (أعمال الرسل 1: 14). ثم بعد هذا نرى النساء يخدمن الرسل ويفتحن بيوتهن لإقامة الخدمة الإلهية فيها. وفي كل العصور كان بينهن شهيدات ومنهن صبايا.

ما يجب ان تعرفيه علميا ان الفتاة قوية كالفتى في العلم وهي سابقته في كثير من الجامعات وكثير من الاختصاصات. وما من شك انك مؤهلة لكل المواهب وللإنتاج الفكري الكامل واحتراف كل المهن واننا لا نقبل الوضع العربي المليء بنساء أميات. وما من شك أيضا ان الزوجة المتعلمة مصدر إلهام لزوجها ومصدر تربية واعية لأولادها وسبب أساسي في نموهم العقلي. هذا إذا تيقنتِ ان حياتك لا تقوم فقط على الجمال وانك قادرة على ان تصبحي عظيمة بعقلك وبهائك الروحي واتزان شخصيتك. الجمال لا يبقى طويلا ولكن العلم يبقى، والأبقى من كل شيء أخلاقك الطيبة لان هذا هو الإنسان. كافحي لتكوني كاملة على كل صعيد. أفهم شرعية الزينة المحتشمة وأفهم الأناقة. ولكن هذا قليل بالنسبة إلى الذكاء وبالنسبة إلى المعرفة الواسعة وإلى الإنسانية الكاملة فيك. أنت لست في شيء دون الشاب، وأنت تكملينه إذا نظرت إلى شخصيتك التي الجسد عنصر واحد منها.

وفي وقت موافق في نضجك تتوقين إلى الحب. هذا لا مفر منه وهذا يكملك. لا تهربي منه إذا أطل، ولكن لا تطلبيه بإلحاح ولا تبتذلي في طلبه. كوني على كل رصانتك وعلى هدوئك ما أمكن الهدوء فقد يمدحك هذا وذاك من الناس الذين يطلبون اللهو. لا تضعي ثقتك بكل من أسمعك كلاما معسولا فقد لا يكون صادقا أو قد لا يكون عنده مشروع مرافقة طاهرة نهايتها الزواج. وإذا كنت لا تزالين مراهقة امنعي نفسك عن كل ارتباط لان الارتباط يتطلب النضج الكبير، وكل ارتباط في سن المراهقة يعرضك إلى تقلبات فيك وفي الشاب. انتظري إذا كان لا بد من الانتظار، وعند بلوغك سن الرشد فقط أو ما بعده بسنة أو سنتين أو ثلاث تأملي في وضع هذا الشاب واتخذي قرارك بوعي كامل وبعد مشورة الصادقين الفاهمين.

فإذا توغلت في العاطفة بلا وعي كامل ودخلت حياة زوجية ينقصها الوعي قد تحزنين كل حياتك، وتتعرض حياتك العائلية إلى الدمار ويتشتت أولادك ويضيعون. الحب وحده لا يكفي لترتبطي برجل. فهمه، أخلاقه، قدرته على العمل، مسيحيته الحقيقية هذه هي الأسس الحقيقية للارتباط. بلا هذه الأمور ليس لك من فرح.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

أيها الشبان/ الأحد 11 تموز 2004 / العدد28

أيها الشبان والصبايا انتم أصحاب رؤى وتطلعات إلى الآفاق البعيدة وانتم مستلمون الإنجيل الآن بقوة وحماسة وستحفظونه من بعدنا لتسلموه إلى أولادكم حتى يبقى المسيح جيلا بعد جيل. آمنوا انكم قادرون ان تكونوا أقوياء روحيا. فقد قال يوحنا الحبيب في رسالته الأولى الجامعة: «اكتب إليكم أيها الأحداث لأنكم قد غلبتم الشرير» (2: 13). القوة الروحية ليست حكرا على عمر من الأعمار لأن الروح القدس يشدد كل شريحة من الناس.

أنتم قادرون على الطهارة الكبيرة وعلى العطاء الكبير وان تلتزموا المسيحية كلها فلا تدعوا الكنيسة ملأى بالكهول والشيوخ فقط. فيها تدركون المجد الحقيقي والفرح الكبير. انشدوا المستوى الروحي العالي ولا تدعو أحدا يستهين بحداثتكم لأنكم قادرون على كل فضيلة، والفضيلة بهاء الروح ونضارته.

غير ان هذه النضارة تتجدد فيكم ولا تذبل اذا قررتم بالسعي الروحي الوصول أي مكافحة كل ما يؤذي النفس ويدنسها وتاليا يعرقل العطاء الذي تريدون. ليس احد ايا كانت سنه محكوما لأيّ شر. ليس من خطيئة تلازم الشباب. انتم أحرار إذا أردتم الحرية الكبرى، وهذه لا تنالونها الا إذا أردتم ان تعيشوا في الحق ومن اجل الحق، في الصدق الكامل، في الاستقامة الكاملة ولا ترموا أنفسكم في الخصومات والتبجح والادعاء. في هذا نقصان لإنسانيتكم.

هذا الجمال الروحي تعيشونه في العالم، مع أترابكم ومع الصغار والكبار. المسيح لم يطلب إلى احد ان يخرج من هذا العالم، ولكنه لا يريد أحدا ان يكون أسيرا لهذا العالم وزيفه. كونوا مع الذين يحبونكم، ولكنكم مضطرون ان تعايشوا كل الناس وان تخدموا كل من احتاج إلى خدمة.

هذه الحياة العظيمة تقوى فيكم إذا انخرطتم في رعيتكم وفي حلقات الشباب أو الحلقات الروحية المنعقدة مع الجميع إذ المهم ان نتكاتف في الكنيسة حتى نكون معا كنيسة. هذا التضامن في الفكر المسيحي يقويكم في أداء الشهادة من اجل يسوع. اجل هو يظهر في كل واحد منكم ولكنه يظهر أيضا في الجماعة. هذا يعني انكم تريدون ان تصبحوا حارّين في الروح.

ولكن كونوا أيضا حارّين في الفهم، مجتهدين في دروسكم في المدرسة أو الجامعة أو في المجتمع إذا تخرجتم إذ يطلب الرب ان تخدموا أيضا عن طريق العقل وان تصيروا عظاما في استعدادكم للمهنة التي ستمتهنون. لا يحب الرب الكسالى. امتحنوا كل شيء بعقول نيّرة وتمسّكوا بالأفضل ولا تَدَعُوا الفكر المغلوط يسيطر عليكم. وسوف تعرفون في علومكم أفكارا شريرة. الإنجيل الذي تتسلحون به يعطيكم روح التمييز فترمون الخطأ عن أذهانكم لتكون نيّرة.

ولكن لا بد من الكتب ووسائل المعرفة الأخرى. أنا لست ضد المعلوماتية وما تحصلون منها. ولكنها لا تعوّض عن كتاب. بالكتاب تعرفون الميراث العقلي الذي سبقنا في كل الحضارات. وإذا تخصصتم في العلوم الطبيعية أو الهندسة أو الطب فهذا لا يغنيكم عن الشعر والكتب الأدبية وتلك التي تدعم إيمانكم وتقدم لكم الحجج التي تحتاجون إليها لتدافعوا عن الإيمان.

لا ينبغي ان تنحصروا في اختصاصكم. فأنت لست فقط مهندسا أو محاميا أو طبيبا أو عالما. انتم قبل كل شيء إنسان، وكل الطاقات البشرية فيكم ينبغي ان تنمو في المعرفة تعزية وفرحا وقدرة عطاء. يجب، ما أمكن، ان تمتصوا حقائق هذا الكون لان الرب تجلى في المعرفة ولانها كلما ازدادت تؤهلكم للخدمة.

وكلما ازدادت المعرفة فيكم تصبحون ادنى إلى التواضع وأقرب إلى الخدمة. لا تناموا قبل ان تطالعوا صفحات من الآثار الفكرية العظيمة. إذ ذاك تحسّون ان قامتكم الفكرية صارت أطول مما كانت. ادرسوا الكتب درسا. محّصوها ودوّنوا ما ينبغي تدوينه حتى يتم التزاوج بين إيمانكم والعقل. فالعقل خادم لله وخادم للآخرين الذين تريدون إخراجهم من ظلمة الجهل.

هذا يعني انكم لا تستسلمون للصورة الطاغية على كل وسائل الاعلام. الصورة جزء فقط من المعرفة. الكتاب الجدّي الذي وضعه كاتب فهيم هو الذي يزيدكم فهما.

أبحثتم عن الإيمان أم بحثتم عن المعرفة توخّوا الإتقان ليتغذى الناس بكم. هكذا تكونون جديين، وإذا كنتم كذلك نفرح بكم ويسر الله بكم. وهكذا تصنعون عالما جديدا وتكونون انتم خلائق جديدة.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

التناقض بين الصلاة والعمل/ الأحد 4 تموز 2004 / العدد 27

أنا لا أزال تحت صدمة مجالس الرعية وصدمة المجالس البلدية. انكشف فيها جميعا غياب المسيح عن النفوس وان انساننا عبد لشهوة البغض أو لشهوة السلطة. كنت أتعجب دائما من اشتهاء المجد في بلد صغير كهذا. زاد تعجبي لما رأيت المنافسة لرئاسة مجلس قرية لا تزيد عن ألف شخص أو أقل. أي مجد هذا؟ ولكن يبدو ان «الديك على مزبلته يصيح» وان شدة الخطيئة لا علاقة لها بالأحجام. الشهوة شهوة الزعامة أكنت رئيسا لمليار نسمة كما في الصين أم رئيسًا مؤقتًا لقرية مؤلفة من 500 نسمة.

ما جرى هنا وهناك في انتخابات البلدية موجات من الكذب والنميمة والكلام البطال في ناس كنت تحسبهم مثال الرقي كأنه انفلتت منهم شياطين مكبلة فيهم وذلك فقط ليكسبوا معركة باطلة في جوهرها وفي حجمها الا إذا كان وراء ذلك ارادة في استغلال المؤسسات. والكذب والنميمة وسيلتان من وسائل الكيد. لم اشاهد براعة الذكاء الشيطاني مثلما شاهدته في هذه الانتخابات البلدية. الغاية كانت النجاح بأية وسيلة ولو ديس صيت الخصم.

ان يتصالح القوم أمر اجتماعي ولكنه ليس خلاصا للنفوس. ليس المهم عندنا ان نغض النظر عن سيئات الغير لمصالحة شكلية تبتغي السلم الاجتماعي. المهم ان تصالح الله أي ان تعترف أمامه بالانحراف الذي مرت به نفسك وان تتبين ما دفعك إلى هذا العمل السيء. هل هي شهوة الربح أم شهوة التسلط أم كلتاهما؟

البعض من الذين استعملوا هذه الأساليب الملتوية يذهبون إلى الكنيسة يوم الأحد أي يسمعون: «لنحب بعضنا بعضنا كيما بعزم متفق الخ…». ربما ظنوا انهم محبون ولكن بين جدران الكنيسة، أو يسمعون: «السلام لجميعكم» أي سلام الله إلى قلوبكم بما فيه محبة الإخوة. «نفسي حزينة حتى الموت» لأن رعيتي انقسمت في أماكن مختلفة، وإذا ظل الناس يتوافدون إلى الكنيسة فمعنى ذلك انهم أجساد متراكمة وان المعاني الروحية التي يتلقونها في العبادة لا تخرج فيهم من الكنيسة إلى العالم. يتعلمون الصدق والرحمة من العبادات ولا ينفذون هذه الفضائل في المجتمع. نحن إذًا في تناقض ممزق، مميت.

ولا يكفي ان يقرر الإنسان في ذاته ان يبتعد عن الشر. التصميم الإرادي لا يحوّلك إلى الله. محبتك للرب هي التي تحولك إلى وجهه. ان تعيش في رفقته يجعلك إنسانا جديدا تظهر جدته في الخدمة الإلهية وفي سلوكه في الدنيا.

محبتك لله تنزل عليك من الله نعمة مجانية. والله يكلمك بالكتاب المقدس بعامة وبالعهد الجديد بخاصة. ولذلك ان شئت لنفسك دورا في إدارة القرية، في مجلس بلديتها أو دورا في النيابة أو عملا مهنيا فلا بد ان تسمع إلى كلمة الله لتغير نفسك وتجعلك شفافا لهذه الكلمة.

«الكلام الذي كلمتكم به هو نور وحياة». نور يبدد الظلمات التي هي الكذب والنميمة والحقد.

تلك هي الحياة الجديدة التي تحررك من عصبية العائلة ومن الحزبية الضيقة وتجعلك ساعيا إلى الحقيقة لا تابعا لهذا الزعيم أو ذاك. أنت تابع المسيح حصرا وهو الذي يلهمك مع علمك ما يجب القيام به في حقل التنمية للقرية وتحسينها والنهوض بها مع كل الخيرين أكانوا من عشيرتك أم لم يكونوا. وسر ارتقائك هو أبدا المحبة التي تلقى بها اناسا أو مجموعة ناس ليسوا انسباءك بالضرورة. أنت تلتصق بالحقيقة فإن «اللحم والدم لا يرثان ملكوت الله».

أنت نسيب الصالحين والمجاهدين. أنت لهم ومعهم إذا فهمت انك من عائلة الآب وانكم جميعا اخوة. اذكر دائما قول السيد لتلاميذه: «أحبوا بعضكم بعضا كما أنا أحببتكم». انه أحبنا حتى الموت مع كوننا كنا فجارا. انه أحيانا بقيامته، هذه التي تحيي نفوسنا وتجعلنا قرابين له وتاليا يغتذي منا كل الناس. بالمحبة تذيب بغضك وبغض الآخر لك. وعند ذاك قد ترى ان الآخر أفضل منك للخدمة. لا تكن عبدا لأي تجمُّع. اسعَ إلى تجمُّع يكون الروح القدس روحه، تجمُّع قائم على الفهم ومندفع في العطاء. فليس المهم ان تصل إلى منصب ولكن المهم ان يتم العمل الصالح في القرية والوطن. إذا تحليت بالفهم الروحي وبالإخلاص تتصرف بما يرضي المسيح.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

قائد المئة/ الأحد 27 حزيران 2004 / العدد 26

هذا ضابط روماني مسؤول عن مئة جندي في خدمة هيرودس انتيباس رئيس الربع على الجليل وابن هيرودس الكبير. هذا غالبا ما كان يؤمن بإله اسرائيل اذ بنى لليهود مجمعا (كنيسًا) حسبما روى لوقا (7 :5).

          كون مركزه في الجليل جعله على علم بمعلّم جديد يصنع عجائب اسمه يسوع الناصري. تكلم الضابط بخفر مع السيد. إعلامه يسوع عن الشاب المريض يتضمن ايمانا بقدرة يسوع والتماسا للشفاء. عنده ان الله وراء يسوع او داعم يسوع ليشفي خادمه  او ولده. اللغة اليونانية لا تسمح بالجزم اذ يستعمل الكلمة للاثنين. نحن امام خادم (او ولد) مفلوج لا شيء يدل على انه ابن قائد المئة.

          يتقدم العسكري الى السيد ليقول له: “يا رب لست مستحقا ان تدخل تحت سقفي ولكن قل كلمة واحدة فيبرأ فتاي”. تواضع واضح واعتراف بالخطيئة وإقرار ان النبي الجليلي قادر على الشفاء. قائد المئة هو الذي        يلفت يسوع انه ليس في حاجة الى ان ينتقل الى البيت وان كلمته من بعيد تشفي. رأى السيد ان هذا الايمان اعظم مما رآه عند اليهود. “سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع ابراهيم واسحق ويعقوب  في ملكوت السموات واما بنو الملكوت فيُلقَون في الظلمة البرانية”. وشفي الفتى فورا.

          هذه حادثة اراد متى منها تعليما وهو ان اليهود لا يحتكرون الخلاص ولو جاء الخلاص مما كشفه الله لأنبيائهم قديما. لا يكفي ان تعتز بانتمائك الارثوذكسي وانت لا تعمل شيئا. الايمان ليس فقط ثقة وتصديقًا. انه التزام ايضا. القول: انا مؤمن ولكني لا أصلّي قول لا معنى له.

          والايمان نغذيه. “آمنوا بسبب الكلام الذي كلمتكم به”. كيف تؤمن ما لم تعاشر المسيح بإنجيله والصلوات. كيف تقفز وراء هذه الطبيعة التي تشدك اليها بكل جوارحك ولا يخترقها كلام يسوع؟ يسوع هو قبل كل شيء كلماته أكانت مسكوبة في الكتاب او معبرًا عنها بعباداتنا او مشهودا لها بشجاعة الشهداء وطهارة الأبرار.

          ان لم تتعرف الى الأبرار في رعيتك او رعية اخرى، كيف تعرف ان المسيح فاعل؟ واذا حقق قوته في سواك تدرك عندئذ انه يحركها فيك؟  الارثوذكسيون يظنون انهم يعرفون ديانتهم. هذا صحيح عند البعض. ولكن ان لم يشرح لك احد كيف تفهم؟ ان لم تسمع كيف تؤمن؟

          الايمان مثل اي حركة في النفس، مثل الصداقة، مثل الحب، مثل المتعة الغنية يكون في النفس، في عمقها ولكنه يغذي. الصديق تراه من حين الى آخر. المتاحف الفنّية تقصدها والموسيقى تسمعها. لا شيء يبقى فيك بلا إذكاء. افتح قلبك ليقوى ايمانك وتشدد به لئلا يضعف، فكل خطيئة تحْدِث فيك عاصفة قد تهزه، وتهزه كثيرا.

          الى هذا هذه اعجوبة تعظّـم اهمية الوثنيين في تشكيل الكنيسة. فالخلاص ليس محصورا بإسرائيل الجسدي. انه يمتد الى ما سمّاه بولس “اسرائيل الله” المكون من المؤمنين أعبرانيين كانوا ام من الأمم. “ليس يهودي ولا يوناني (اي وثني) كلكم واحد في المسيح يسوع”. ولهذا ليس ثابتا قول بعض علماء الغرب الميالين الى اليهود ان إنجيل متى يعتبر يسوع شيئا داخل الحركة اليهودية. “اذهبوا وتلمذوا كل الأمم” تؤكد ان ليس من شرخ حقيقي في الكنيسة الاولى بين اليهود والأمم. كلهم دخلوا الميراث وآمنوا بأن الانسان يُبرَّر بالايمان لا بالأحكام التي جاء بها موسى.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الخلل في مجالس الرعية/ الأحد 20 حزيران 2004/ العدد 25

صرتُ أميل إلى الاعتقاد ان أبرشيّة قرى لا يصلح فيها قانون المجالس الذي يرعانا وذلك بسبب تأزمات أهل القرى وخلافاتهم العائلية والشخصية. وقد كلمتكم بهذا كثيرا ولا نزال نراوح مكاننا في كثير من الرعايا. وما يسيطر على الأذهان ان المجلس ينبغي ان يمثل العائلات في حين ان الرئاسة الروحية لما كان عندها وكيلان أو ثلاثة ما كانت تشمل كل العائلات. فالعائلات لها سياستها القروية وتاريخ تناقضاتها وهذا يقف عند عتبات الكنيسة إذ أنت تدخلها تائبا أي حرا من ارتباطات الماضي وتَصادُم اهلك والآخرين.

والأهم من ذلك انك فرد في الجماعة الكنسية ولا تجيء إليها من ذويك. تدخل الكنيسة من تقواك وقوتك على الخدمة وتتحد بزملائك بتقواك وتقواهم وبهذا انتم واحد.

لست أَبغي ان احلل أسباب التصدع القائم برعايانا. فهذا أمر يبحثه علماء الاجتماع ولست أريد ان انظر إلى الوراء. «أنسى ما هو وراء وأتقدم إلى الأمام» كما يقول بولس الرسول. فإذا دعاك الأسقف ان تتجند لخدمة المسيح عن طريق المجلس الرعوي «لا تَستشِرْ لحما ودما» كما قال الرسول أيضا، وتتعاون في داخل المجلس كما تم تعيينه. قد لا تروقك هذه اللائحة ولست أظن أننا نقدر ان نأتي بناس كاملين. فقد تغيب عنا وجوه عظيمة لم يدلنا عليها احد. وقد لا ننجح بتوازن بين العائلات كما يطلب أهل العشائر. بربكم دلوني على طريقة نستطيع بها ان نأتي بأفضل الأشخاص. وإذا كانوا كذلك قد لا ينسجمون مع الآخرين ويتعطل العمل.

وقد لا يعجبك الكاهن ولكن ليس عندي كاهن آخر وقد يعجب سواك. ليس عندي «فبركة» كهنة، ويتقدم القليل الذين حازوا الصفات المطلوبة. ونحن في سعي دائم إلى بعث طلاب إلى معهد اللاهوت وعندنا منهم تسعة الآن.

الحكمة تقول انك أنت تتعامل مع الكاهن الموجود ما لم يرتكب خطايا رهيبة يعاقبه عليها القانون. كذلك أنت مع المطران الموجود ولك ان تبدي له ملاحظاتك. هو حاضر للاستماع إليها.

إذا أردنا إنشاء مجالس غير متعبة فشرط ذلك محبة غير محدودة وتواضع يقصي استبداد الرأي إذ حكم الحياة الكنسية عندنا الشورى وتوزيع المسؤوليات وضبط المال والسجلات وما إلى ذلك والصبر الذي لا قيمة له الا إذا عملنا بوصية السيد: «من يصبر إلى المنتهى يخلُص». وإذا أحس أحدكم انه يشك بالآخر أو استقامته وإخلاصه فعاتبوا بعضكم بعضا بالمحبة وليحكم ذوو الرأي الذين لم يصل إليهم الشك. تمموا أموركم في ما بينكم ولا تقرعوا باب المطرانية للتدخل بالصغائر. لا تجيئوا إلى المطرانية كأنها محكمة. للمطران أشغال أهم من ان يحكم بين ناس ضعفت المحبة فيهم وقلّ الصبر.

استدعوا الروح القدس صادقين قبل الاجتماع ليلهمكم الخير والكلام الحسن والفكر الصائب وما يعود بالخير على رعيتكم ولا تنسوا تعزيز الكاهن في معيشته وإعلاء شأن الفقير فإنه الأول بيننا. لا تكدسوا أموالكم في انتظار مشاريع مستقبلية وبينكم جياع ومرضى وأطفال في المدارس. هؤلاء البشر أفضل من الحجر. وإذا أحببتم الرعية التي انتم خدامها مع الكاهن تشاهد الرعية ذلك وتسخى.

قد يرى أحدكم ان المشروع الذي تقول به الأكثرية ليس أفضل مشروع. لا تحزنوا إذا ارتكب الخطأ ولا تنفصلوا عن الذين صوتوا له. هذه الدنيا تحتمل الصحيح والخطأ. لا شيء يبرر الزعل والحرد المتفشيين في أوساطنا. كونوا واحدا بمحبة يسوع المسيح والإخوة.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

صيادو الناس/ الأحد 13 حزيران 2004 / العدد 24

عند بحيرة طبرية المسمّاة بحر الجليل ايضا دعا يسوع اندراوس وبطرس أخاه ليلتحقا به قائلا: “هلم ورائي فأجعلكما صيادي الناس”، فتركا مصدر رزقهما وتبعاه وهما لا يعلمان الى اين يسير ولكنهما آمنا توا انه يحمل رسالة إلهية. اما من هو فما كانا عندئذ عارفين. بعد الخبرة قال له بطرس: “انت المسيح ابن الله الحي”. وفي الجولة نفسها رأى اخوين هما يعقوب بن زبدى وأخوه يوحنا الذي صار فيما بعد التلميذ الحبيب والكاتب للإنجيل الرابع. هذان لم يكتفيا بترك الشباك كما فعل الاولان. تركا السفينة مع الشباك، وكذلك أباهما الذي كان معهما في الصيد.

          لا تقدر انت ان تتبع المسيح الا اذا تركت شيئا لك او شيئا فيك اي ألاّ تبقى متعلقا بشيء يحول دون التصاقك الكامل بيسوع، ان تترك ما كنت تعتبره مصدر شعورك وهنائك. اجل في الدنيا اشياء جميلة ونافعة وترقي انسانيتك، عائلتك ومهنتك او كلمتك الجذابة او أدبك. هذه كلها تمارسها بإحساسك انك مرتبط بالسيد بصورة كاملة، غير مشروطة وانه هو وحده حياتك          “والباقي يزاد لك” حتى لا يحدث انفصام بين ما تحبه او من تحبه على الأرض وانتمائك الى المسيح.

          كلنا، اكليريكيين وعلمانيين، ملقى عنا هذا الواجب ان نمشي وراء السيد. غير ان الكاهن عندنا محصور بهذه المسيرة وليس له اهتمام آخر إلا اذا سمحت له الرئاسة الروحية بمهنة يرتزق منها (زراعة، تعليم الخ…). ولكن القوانين الكنسية حرّمت عليه ان يكون ذا منصب في الدولة.

          الى هذا فالكاهن رسول الوحدة والسلام في رعيته وكل رعية قد يحتك بها بسبب من ظروفه. ينتج من هذا انها حرّمت عليه ان يتعاطى السياسة، فلا يلتزم حزبا ولا زعيما ولا يدعو الى لائحة انتخابية ولا يذمّ مرشحا ولا ينصح بمرشح اذ يكون قد انحاز وبطلت أبوته لمن انحاز ضده ويكون قد فرّق الرعية وقد يتهمه البعض انه يكون قد استفاد بطريقة من الطرق من هذا الانحياز.

          خارج الوضع الانتخابي ينبغي على الكاهن ان يكون قليل الكلام على اهل السياسة فإنهم دائما يعلمون بالأمر ولا يعادونه وحده ولكنهم يغضبون على الكنيسة نفسها. ولو أراد ان ينتخب فلا يبوح بشيء ولا يتحدث الى زوجته او اولاده عن ذلك فأصواتهم حرة ويجب ان يهرب من صدام عائلي بسبب سياسي.

          السياسة عند الكاهن تبقى فكرا بحتا وقد تصير حديثا على الا تمس الأشخاص. يمكن ان يصبح الكاهن عالما سياسيا وان يتحدث بالمبادئ، ولكن لا يجوز له ان ينزل الى معمعة سياسية على الأرض. هذا يخرب الكنيسة. انت لك معلم واحد وهو المسيح وانت تعمل فقط في حقله. وكل حقل آخر له أربابه وليس لنا شأن في هذا.

          هذا الاستقلال يؤهلك لتعلِّم ولتكرز ببشارة الملكوت. والملكوت اوسع واعمق وأبعد من سياسة البلد. انت للشفاء والتعزية والبنيان وتوحيد المؤمنين بكلمة يسوع، ولا تحتاج الى كلمات اخرى. نحن المسؤولين في الكنيسة لنا وسيلة وحيدة لتحسين العالم وهي كلمة المسيح وان نكون قدوة في الإيمان والعفاف والطهارة. ما عدا ذلك من تحسين ممكن لهذه الدنيا قد نعرفه بالفكر ولايطلب منك احد تعطيل الفكر. ولكن معارك هذا العالم ليست معاركنا وان نفاضل بين سياسي وآخر ليس انشغالنا. نحن “نحيا ونتحرك ونوجد” على ارض الملكوت وحده.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

احد جميع القديسين/ الأحد 6 حزيران 2004 / العدد 23

حل الروح القدس على التلاميذ وأقمنا الذكرى الأحد الماضي. لأنه قدوس يمنح القداسة، ويبين انجيل اليوم انها ليست حكرا على القديسين في السماء. أما سمّى بولس كل المعمَّدين قديسين لكونهم مدعوين بمعموديتهم الى البر والى المجد؟ في القراءة التي اخذناها من متى، يطلب يسوع ان نعترف به قدام الناس، ان نفتخر اننا له، ان نشهد له حتى الموت اذا طُلب الينا الموت. المسيحية هي الديانة الوحيدة في العالم التي تُلزم معتنقيها بالموت في زمن الاضطهاد.

         ولكن قبل شهادة الدم، يريدنا يسوع ان نحبه على كل احد آخر. من طلب احد منك شيئا ضد ما اراده المعلم ولبّيته صرت عدوا للمسيح. انت لا ترضي احدا الا ضمن الشريعة الإلهية. لذلك كل من انتخب ضد قناعاته او بسبب رشوة او مدفوعا بالحقد يكون قد فعل هذا ضد المسيح. والسير مع المسيح فيه ألم كثير اذ فيه احتجاج على هذا العالم وابتعاد عن تصرفات كثيرة يحبها الناس. الفضيلة تفصلك احيانا كثيرة عن احبائك الذين يعتبرونك بسببها أبهل. احيانا توجعك الفضيلة اذ تتطلب جهدا منك كبيرا. وفي كثرة الأحيان ترى نفسك وحيدا.     

لذلك قال المعلم: “من لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني”.

         محبتك ليسوع تطلب منك ان “تترك بيوتا او إخوة او اخوات او أبا او اما او امرأة او اولادًا او حقولا من اجل اسمه”. هذا لا يعني ان ترحل عن بيتك وتبقى في الشارع او ان تترك اقرباءك او اولادك بلا إعالة. هذا يعني الا تكون أسيرا لبيت او عائلة او مال. هذا يعني ان تحرر نفسك من كل شهوة ضارة تطغى عليك وتكبلك فلا تبقى حرا من اجل عطاء نفسك للمسيح وللإخوة المحتاجين اليك ولا سيما الفقراء.

         اذا كنت حقودا مبغضا كاذبا فأنت مقيَّد. السيد يريد لنا حياة سليمة، معطاء، خادمة، منتجة. شرط العمل البنّاء، المثمر حريتك الداخلية، حرية النفس المتأججة بمحبة المعلم. هذه تعيش مع المسيح. هذه ورثت الحياة الأبدية منذ الآن.

         ولكن الكثيرين لا يؤمنون بأن ما يطلبه المسيح نافع للنفس. يحسون ان إرادة السيد نير. يرتكبون الخطيئة ويحلمون ان يرجعوا يوما، ولكن قد يخطفهم الموت ولا يرجعون. الشيء الثاني ان الخطيئة تقسّي القلب اذ يعتاد عليها ويستحبها. واذ ذاك يظل اسيرها وعاجزا عن التوبة. ان تعتاد الرذيلة يغرقك فيها اكثر فأكثر. الشيء الثالث -وهذا افتك- ان تصل الى يوم توقن فيه ان الخير لا نفع فيه. عندئذ لا ترفض الإنجيل من شهوة كما يفعل اي خاطئ، ولكن عقلك يرفضه فيمسي عندك الخير شرا والشر خيرا. وهذا هو التجديف على الروح القدس وخطيئته لا تغتفر.

         اما تصحيح الخطأ فممكن اذا ارتميت في أحضان يسوع قابلا كل كلمة قالها، محاولا تنفيذها في صدق ومروضا نفسك على الكلمة. ان ينزل يسوع اليك وان تقبله من كل قلبك ومن كل عقلك ايضا. وهذا لا يتوفر لك الا اذا صليت كثيرا حتى تَبطل الخطيئة ان تتكلم فيك. وعلى قدر الصلاة ان تتغذى من الإنجيل لأنه “قوة الله للخلاص”. واذا لم تفعل هذا فشهواتك ومصالحك هي التي تتكلم وتُحوّلها انت الى حقيقة وهي الأذى عينه.

         تلك هي طريق القداسة. وهي ممكنة وانت مهندس او طبيب او بائع خضار عائشا في عائلتك ومع اصدقائك، آكلا وشاربا.

         القداسة ليست استثنائية، بطولية. هي تعاش على الأرض ومع اهل الأرض، ولكنها تتطلب وعيا وسهرا متواصلا لعلمك بأن الرب هو الحياة والحرية.

Continue reading