Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2013, مقالات, نشرة رعيتي

ما بعد الفصح/ الأحد 26 أيار 2013 / العدد 21

ليس شيء ما بعد الفصح لأن القيامة حيّة فينا. انها قائمة في عذاب الصليب اذ به «أتى الفرح في كل العالم». نحن لا نلد الفرح. إننا نتقبّله من انتصار المسيح على الموت، كل موت في حياتنا اليومية وذاك الذي ننتظره في آخر عمرنا. اذا كانت كل نفس ذائقة الموت، فهي أيضًا ذائقة الحياة الجديدة التي تفجّرت من قبر الخلاص.

نذوق هذه الحياة العظمى لأن المسيح أحيانا بموته. في إنجيل يوحنا الذي هو إنجيل الحياة، قيل عن موت السيد: «أَمال رأسه، وأَسلم الروح»، والحال أنك تُسلم الروح ثم تُميل رأسك. أجل أَسلم روحه البشرية، ولكن يحق لك أن تفهم «أمال رأسه وأَسلم الروح» القدس لتكون لنا بذلك العنصرة الأولى. الروح الإلهي الكامل تؤتاه بموت المخلّص. إطلالة القيامة تمتمتُها كانت على الصليب. لا بد للكاتب الإنجيلي أن يُلازم واقعية المحسوس في ما حصل للسيد، ولكن في رؤية الآب اياه هذه كلها أشياء واحده. المصلوبية بقيت فيه، والقيامة بما فيها قيامتنا تأتينا من موته. لقد مات المسيح مرة واحدة، وبعد هذا الذكرى. والذكرى تنقلنا إلى قيامته. وعندنا نحن المؤمنين به ليست القيامة حدثًا يمضي بمضيّ الزمان. انها نعمة دائمة نازلة علينا من السماء. فاذا كان موت السيد حدثًا مضى، إلا أن فاعليته أي إحياءه إيانا لا تزول. وحتى يتم هذا، يجب أن ننسلخ عن الزائلات ليحيا الرب وحده فينا. وإيماننا أننا حيينا منذ أن كان على الصليب معلّقًا. هذه جدلية موت المخلّص وقيامته عندنا. إنه كان حيّا منذ أن عُلّق على الخشبة، فيما كان معلّقًا عليها. في موته وبموته حصلنا على الحياة الأبدية. وفي دقة التعبير بدأت هذه الحياة الأبدية تنزل علينا منه بالإيمان. معنى ذلك أنه ولو مات مرة واحدة تبقى حياته فينا مستمرّة يومًا فيومًا حتى اننا لا نبقى مُلكًا لأنفسنا لأننا بتنا ننظر إليه فقط ونستمدّ حياتنا من حياته حتى نصير واحدًا معه.

إن لم تكن كل حياتك فصحًا، أي عبورًا من الأرض إلى السماء، فلا تزال نائمًا في خطيئتك. نحن لسنا مسيحيين بالمولد. نحن مسيحيون إن كنا نُلازم المسيح يومًا فيومًا، من عمق فينا إلى عمقه هو. كل وجودنا يصبح إلهيًا إن كان سيرًا إلى المسيح أو سيرًا في المسيح. ما كان العيد إلا حثًا لك لتقتبل أن يملأك السيد من حضوره الفصحيّ. هذا الحضور يعطيك حركة فصحيّة أي انتقالاً من مجد إلى مجد «كما من الرب الروح». إن استطعت أن تدرك أنك في الفصح تصير روحًا يصير كل يوم لك عيدًا وتصبح إنسانًا قياميًا لأن القيامة ليست ذكرى وحسب ولكنها واقع يغيّرنا على قدر طاعتنا. أن تتحوّل حقًا إلى إنسان فصحيّ هو أن تقبل صيرورتك جديدًا في المسيح. وتبقى فصحيا إن شئتَ أن تحيا كل يوم في حضرة الرب الغالب لهذا العالم، شاعرًا أنك لست من هذا العالم لكونك تحمل الحياة النازلة عليك من فوق. وهي تُمكّنك من أن تغلب مرارة ما يحلّ فيك أو ما يحلّ عليك ناشرًا فاعلية القيامة التي صارت فيك إلى كل مكان.

هكذا ترى الفصح فيك وفي الإخوة ومن حولكم حتى لا ينغلق العيد على يوم واحد. أنت، بعد أن حلّت فيك بركات العيد، تنقلها إلى من حولك ليصبح كل من نال هذه البركات فصحيّا. وبعد هذا، لك أن تقول كل يوم: «المسيح قام!».

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

الخدمة / الأحد 19 أيار 2013 / العدد 20

الخدمة اليومية كانت مهمَلة عند المسيحيين المتكلمين اليونانية في أورشليم في العهد الرسولي. هؤلاء كانوا من أصل يهودي ساكنين المدينة المقدسة ولا يعرفون لغتها أي الآرامية. غالبًا كان يقال لهم ما يقال في لبنان اليوم: أنت غريب.

والخدمة هذه تعني توزيع الإعاشة. هذه كانت لهم دون تلك التي كانت توزع على المسيحيين المنحدرين من أصل يهودي. كان هذا سلوكًا عُنصريًا. مشكلة اجتماعية ضخمة تطلّبت تدخّلاً من الرسل.

أفضى هذا الاهتمام الرسوليّ إلى إنشاء مؤسسة اجتماعية تُعنى بالفقراء، قائمة على سبعة رجال ذكَرهم سفْر الأعمال. هذا لا يعني انه كانت مجموعة تُعنى حصرًا بالفقراء لأن أولها وهو استفانس قيل عنه انه كان «ممتلئًا من الإيمان والروح القدس» ودلّ خطابُه العظيم بعد اختياره انه كان فهيمًا من الناحية اللاهوتية.

هذا يدلّنا على أن الرسل لم يوجدوا كتلة منصرفة حصرًا إلى الإغاثة والمال لأنهم كانوا يختارون دائمًا الممتلئين من الروح القدس. لذلك ما نراه أحيانًا في الكنيسة المعاصرة من ناس يهتمّون بالمال فقط ومن ناس مهتمّين بالرعاية فقط شيء مستحدث لا علاقة له بفكرنا الأصيل. في الإدارة الكنسيّة عندنا نجد موكلين الرعاية وهم الكهنة وموكلين أمر الفقراء وهم علمانيون. هذا التفريق بين من يهتم بالحياة الروحية فقط ومن يهتم بالإعاشة فقط جديد على التراث. «مَن عملَ وعلّمَ يدعى عظيمًا في ملكوت السموات». أنت تبشّر المساكين كما طلب الرب وتُساعدهم ماديًا أيضًا. العطاء الروحي عندنا مقرون بأعمال الرحمة أي افتقاد المساكين. المرجوّ أن يكون كل خادم في كنيسة الرب مملوءًا من الروح القدس وموهوبًا لأمر العطاء. الكاهن إذا وعظ لا يكتفي بوعظه. يتّجه دائمًا إلى الفقراء ليُسعفهم فيحسّوا انه إلى جانبهم.

الملاحظ في هذا المقطع من سفْر الأعمال أن المُعَدّين للعمل الاجتماعي اختارهم الرسل بحيث أمكننا أن نقول ان التفريق الكامل بين العمل الاجتماعي والعمل الروحي غير وارد في الكنيسة. الموهوب اجتماعيًا ما لم يكن عنده مسحة من الروح القدس لا يؤخذ للخدمة. نحن لا نفرّق بين العطاء الروحيّ وتوزيع الأموال على المحتاجين. كل عطاء عندنا من الروح القدس.

ربما الذين اختارهم الرسل للعمل الاجتماعي صاروا أيضًا بهذا العمل شمامسة. قال هذا بعض من المفسّرين ولا سيما أن الرسل «وضعوا عليهم الأيدي». هذه عبارة معروفة بأنها تدلّ على رسامة. مهما يكن من أمر، هؤلاء أتوا من إدارة الرسل وصلاتهم. نموّ الكنيسة مبنيّ على الصلاة الدائمة، وهي التي تجعل كلمة الله تستقرّ في قلوب المؤمنين، وبهذا المعنى نفهم ما قاله الكتاب أن الكنيسة تنمو.

بعد هذا الكلام قال سفر الأعمال أن عدد التلاميذ كان ينمو في أورشليم وأن الكثير من كهنة اليهود كان يطيع الإيمان ويدخل في الكنيسة.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

لم يبقَ من باب مغلق/ الأحد 12 أيار 2013 / العدد 19

بنعمة القائم من بين الأموات لم يبق من باب مغلق أمام النفس المُحبة للمسيح. هي مفتوحة على آفاق المحبة. كان التلاميذ مجتمعين في بيت مغلق ودخل الرب إليهم وقال لهم «السلام لكم». هو يعطيهم سلامهم ليس كذلك يعطيه الناس.

سلامه صادق وحقيقي بمعنى انه اذا أعطى لهم سلامًا يكون فيهم. فلما رأوا على جسده آثار عذابه فرحوا. فرحوا لأنهم رأوا ان هذا هو الرب ولم يكن خيالا. قيامة الرب لا تُنسينا آلامه، فبجراحه شُفينا كما قال إشعياء. ثم للمرة الثانية سلّم عليهم حتى لا يكون هذا مجرّد تحية بل يكون سلامًا حقيقيًا في نفوسهم لأن السيد يُزيل اضطراب النفس ويمكث فيها. بالسلام الذي قرّ في نفوسهم أَرسلهم أي انهم يحملون إلى العالم سلامه وفيه سلامتهم.

ماذا يحمل سلامه لهم إلى العالم؟ «مَن غَفرتم خطاياهم تُغفر لهم ومن أَمسكتم خطاياهم أُمسكت». هذا الكلام نتج عنه سر التوبة (بما فيها الاعتراف أو الإقرار بالخطايا). من لا يريد التوبة لا يمنحه الله غفرانا.

بعد هذا تجيء حادثة توما. التلاميذ قالوا له «رأينا الرب». كلامهم هذا يعني ان الرب ظهر لهم. توما لم يكن قد سمع أن الرب أراد أن يظهر أو يمكن ان يظهر. قبل القيامة كان التلاميذ جميعا في حالة شك بيسوع وفاعليته. القيامة صارت مفتاح كل الفكر الرسوليّ الذي ظهر في العهد الجديد.

القيامة ليست أمرا سهل الاعتقاد به. كيف يقوم إنسان من موت ويعود إلى ما كان؟ توما إنسان عنده عقل يُحلّل. هل كان عليه مأخذ لأنه لم يأخذ بمجرد كلام التلاميذ؟ ربما كان هذا كل ما أراد يوحنا الإنجيلي أن يقوله. غالبا ما أراد الإنجيليّ أن يوحي أن التلاميذ موضع ثقة. صار واضحًا في ما بعد أن قول الرسل مصدر لإيماننا.

الظهور برهان القيامة. لم يُعاين أحد جثمان يسوع يخرج من القبر. لقد استنتج الرسل هذا مِن ظهوره. هم رأوه ميتا، ورأوا ظهورات فقالوا انه قام.

عند ظهور الرب لتوما وقوله: «عاين يديّ ولا تكن غير مؤمن»، قال هو للسيد: «ربي وإلهي». كلمة «رب» كما هي واردة في اليونانية وكلمة «إله» فيهما أل التعريف بمعنى أنك هو الرب وأنك هو الإله. لا يعني شيئًا كلمة شهود يهوى أن هذه العبارة قد تعني إلها وليس الإله بالمطلق. في العهد القديم ليس من إله غير الله، ولذا كان كلام توما يعني بوضوح أن المسيح هو الله ذاته.

الإيمان هو الذي عبّر عنه توما بقوله للسيد انه هو الإله، وليس من احتمال لوجود إله آخر في العقل اليهودي.

«ربي وإلهي» التي قالها توما اعتراف كامل بأُلوهية يسوع. وقول شهود يهوى انه «رب» وليس «الرب» لا يعني شيئا اذ لا يمكن في الإيمان اليهودي أن يكون هناك رب أو إله وليس الرب والإله. ليس هناك تعدّد آلهة. فإذا قال توما ان يسوع رب أو الرب فالواضح انه هو الرب اذ ليس عند اليهود غير رب واحد.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

فصحنا / الأحد/ 5 أيار 2013 / العدد 18

الفصح يعني العبور. هو عبورنا من هذا الدهر الى الدهر الآتي الذي دشّنتْه قيامة المخلّص. نحن بالتوبة ننتقل إلى وجه الآب. بهذا المعنى كل أيامنا فصح. وفي بدء الكنيسة كان الفصح العيد الوحيد، وهو لا يزال «عيد الأعياد وموسم المواسم».

في الكنيسة الأولى كان العيد يستغرق الأيام الثلاثة: من الجمعة العظيم الى صباح العيد. ثم انتشر العيد في أربعينية مقدسة ننشد فيها «المسيح قام» ونركز عليها بتردادنا العبارة حتى نتربى عليها ونتشبّع منها، والحقيقة ان العبارة تتضمن كل أيامنا. قام بجسده المصلوب والمجلبب بالنور.

ولكون القيامة هي كل حياتنا، نعيّد لها كل أحد الى جانب العيد. وصلواته مخصصة لذِكر انبعاث السيد من بين الأموات. أجل عندنا عيد ولكن كل أحد أحد القيامة اذ لا ذِكر إلا لها.

في الفصح وُلدنا ولادة جديدة. أجل نقول هذا عن معموديتنا، ولكن ما المعمودية إلا مشاركتنا في موت المسيح وقيامته. غلبة السيد للموت هي انبساط القيامة في كل قداس إلهي. ما القداس سوى ذكرى موته وانتصاره! الذبيحة الإلهية مشاركة منّا لمجيئه الأول ومجيئه الثاني. نأخذ هذا القداس الذي أَسّسه في العشاء السرّي وحققه على الصليب وأذاع خبره في الفصح. بسبب من ذلك نحن قياميون ليس فقط بمعنى اننا نؤمن بحدث القيامة ولكن بمعنى انها فاعلة في كل عمل خلاص نقوم به بدءا من معموديتنا. ومعموديتنا هي المنتشرة في كل تقديس نناله في حياتنا المسيحية.

أجل نقيم العيد مرة في السنة ولكننا نذكره ونغنّيه أربعين يوما متتالية الى جانب آحاد السنة.

اذا قلنا اننا فصحيون لا ينحصر هذا في أننا نقيم عيدا للفصح مرة في السنة، ولكن المعنى أننا نُحلّ فينا نصر المسيح بحيث نسعى الى قهر الخطيئة في أجسادنا والى الامتلاء من النعيم الذي في الرب منذ هذا العالم.

العيد يوم أو أسبوع او أربعون يوما، ولكن حقيقة العيد اي الانتصار على الخطيئة تملأ كل يوم نكون فيه قد جاهدنا مع الرب ووعدناه بأيام أفضل اي أكثر امتلاء من نعمته.

المسيحية ليست محصورة بأيام او أعياد. هي دوام العمر ورؤية للمسيح يجدّدها فينا ويجعلنا بها قاهرين للموت. «إنْ حيينا او مُتْنا فللرب نحن».

المسيحية لا تنقطع فينا. هي امتداد وعمق الى أن يخطفنا الله الى رؤيته في اليوم الأخير. مع هذا هي في هذا العالم دوام الرؤية بالكلمة التي نُطالعها والأسرار المقدسة التي نتناولها يوما بعد يوم ونتناول فيها مبرّات القديسين.

الفصح، إن لم يرافقنا كل يوم، نكون فقط قد تذكّرناه. اما اذا رافقنا وكنّا فيه، تكون كل حياتنا عيدًا.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

دخول الرب إلى أورشليم/ الأحد 28 نيسان 2013 / العدد 17

يدخل المخلّص هذه المدينة القاتلة للأنبياء وهو يَعلم انها ستقتله بعد أيام، ولكن الخلاص يجب ان يتم هكذا. ومن قراءتنا لرسالة العيد يتبيّن لنا أن الكلمة الإلهية الواردة في الرسالة تريدنا أن نتهيأ للحدث ليأتي لنا ويتم فينا. كلمة لافتة في هذا النص قوله: «الرب قريب».

هذه كلمة تقال عن كل ظهور للرب يسوع أمام قلوبنا المنتظرة اياه والمتوقّعة لقاءه في الفصح. ومن الواضح أننا ننتظره ما شاء أن يجيء وهو دائما يجيئنا بالروح القدس، وكلما قرع الرب باب القلب اذا فتحنا له يجيء لأن روحه هو الساكن فينا ويجعلنا هيكلا له.

الرب قريب بمعنى أنه أتى ويأتي اليوم ويأتي غدًا. وهذا ما يُظهره بولس في هذه الرسالة اذ قال: “فلتكن طلباتكم معلومة لدى الله بالصلاة والتضرع مع الشكر”. الصلاة تبدأ بالطلبة او السؤال وتلحّ بالتضرع حتى لا تنقطع وقمّتها الأولى الشكر، فاذا تم سؤالنا باستمرار السؤال وهو التضرع تنزل علينا النعمة لنشكر لأن شُكرنا ردّ على ما أخذناه، والشكر يُقرّبنا الى الله اذا أعطى واذا لم يعطِ.

واذا نحن انتهجنا نهج الطلب بالتضرع وأخذنا النعمة، فلنختم أدعيتنا بالشكر لنعترف أن كل دعاء يجب أن ينتهي بمحبة الذي أعطانا كل شيء. فلا نحتفظ فقط لأنفسنا بما يصل الينا بل نُحوّل وجهنا الى الله الذي أعطانا كل نعمة وهِبة. لا تنتهي أهمية الصلاة بما نأخذ ولكن بالشكر لأن وجه الخالق والمخلّص هو ما نحجّ اليه. غايتنا وجهه وأن يرضى. وهذا لا يتحقق فينا الا اذا حفظنا نفوسنا في سلام الله والمصالحة معه بالتنكّر لخطايانا والمكوث أمام وجهه بالتوبة.

لهذا طلب الينا الرسول في رسالة اليوم أن نمكث في الحق والعفاف والعدل والطهارة وحُسن صيت وكل صفة محبّبة، ويطلب أن نثبت على التعليم الرسولي وأن نقتدي بكاتب هذه الرسالة اي بولس. والثبات في ما قاله بولس ممكن اليوم ومطلوب اليوم بحفظ التعليم وتراث آبائنا وأن نقتدي بهم لننال سلام الله.

الرب قريب فلستقبله بالطهارة لأنه لا يسكن في قلب غير طاهر. وكما دخل الى اورشليم في مثل هذا اليوم، فلندعه يدخل الى قلوبنا حتى لا نستقبله كما استقبلته اورشليم المدينة القاتلة للأنبياء ولكن كأورشليم المطهّرة بالقيامة.

لذلك دعا صاحب الرسالة بعد ذكره العفاف والعدل والطهارة وحُسن صيت الى أن نتمسك بها وأن نفتكر بها. ويجترئ بولس أن يطلب إلينا أن نقتدي به لأنه كان يحافظ على فضائل الانجيل.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

السير إلى الفصح/ الأحد 21 نيسان 2013 / العدد 16

ينزل عليك الفصح إن انت طلبته بالإنجيل الذي تقرأ. يجيء اليك الفصح إن أحببته بالتوبة فهي الطريق اليه. الله يريد ان يعطيك الفصح. وليتحقق هذا لا بدّ بعد ان تقول ليسوع: أرسل إليّ فصحك اي اجعلني بحنانك ان أعبرَ اليك.

ان أعبر اليك يفترض ألا أبقى متربعا في ذاتي، أن أريد وجهك وأن اسير اليه بابتعادي عن كل ما يعيقني عن رؤيته. المبتغى أن أُسمّر عينيّ على عينيك، ألا أقف عند وجه بل آخذ كل الوجوه اليك.

أن أسير الى الفصح يعني ألا أقف عند شيء في هذه الدنيا، ان أكمل المسيرة ولو تعبت. ألا يستوقفني شيء تعني ان أعرف ان مسيراتي في هذه الدنيا محطات لأن وجهك هو المحطة الأخيرة.

بعبارة بسيطة ان أمشي إليك هو الا أتوقف عند محطة من محطات حياتي. أن أسير إليك بلا توقف. التوقف هو التوقف عند رغباتي والمبتغى ان أطلب مشيئتك اي أن أمشي دائما اليك. هذا يتطلّب أن أنسلخ عن مصالحي ورغباتي لكي تصبح انت رغبتي الوحيدة وعشقي الوحيد.

في الدنيا وفي نفسي رغبات كثيرة. حقّي أن أحتفظ فقط بما تحبه انت غذِّ فيّ فقط الرغبة إليك لأن كل رغبة لا تتفق مع مشيئتك تقتلني اليوم او غدًا. علّمني ان تكون انت حبي. شدّني إليك لكي لا أتعلّق بشيء من هذا العالم. لن يكون لي عيد إلا اذا صرتَ كل يوم عيدي. أن يأتي اليّ الفصح هو ممكن اذا أخذت أتعلّم ان كل حياتي هي القيامة معك، قيامتي بك. هذا يتطلّب رحمة منك اي نزول نعمتك عليّ. كلّ يوم يصبح عيدا إن تعلّمت فيه انك وحدك فرحي.

علّمني ان أرى وجهك بحيث أطلبه وحده في كلّ وجه. إن أحببتك وأحببت الناس أقدر ان أراك على وجوههم بحيث أرى النور مرتسمًا عليهم. لا تأخذني الى أحد. خذني فقط الى وجهك وان انا رأيته أشدّ كلّ الوجوه اليك فتستنير.

نحن نسكن وجهك ان انت رضيت عنا. واذا طلبنا الناس المهم ان يلتمسوا وجهك على وجوهنا لأننا بلا وجهك نحن فقط من لحم ودم. اما اذا ارتسم علينا نور وجهك يرى الناس فقط نورك.

فيما يقبل الفصح هيئنا سيدي له. العيد هو انت. واذا لم نلقكَ بسبب من الخطيئة نكون صرنا عدما او جهنما. خذنا الى القيامة لكي نصير بها شيئا. كل الدنيا قبل حلولها علينا عتمات. لا تسمح ربِّ بأن يبقى فينا ظلام لأنه الموت. نورك وحده الوجود يا سيد. واذا استنرنا بك نصبح شيئا كثيرا لأنك تكون انت قد أصبحت حياتنا. تعال يا سيد فقد جاء العيد. إن لم تكرم وتنزل الينا لا نكون شيئا ولن يكون عيد.

لا تدع احدا منا وحده. خذنا من صحراء الوجود وأقمنا معك او فيك فأنت وحدك الإقامة. اجعلنا دائما نشتاقك ولا تدع الخطيئة مسافة بيننا وبينك. اطرحها عنا ليكون لك وحدك المقام. فاذا نظر الناس الينا يجدونك. دعنا نتحسس انك انت الوجود من الآن والى ابد الآباد.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

فاعلية الايمان/ الأحد 14 نيسان 2013 / العدد 15

«إن استطعتَ أن تؤمن فكل شيء مستطاع للمؤمن». هذا كلام الرب، والسؤال هو لماذا كل شيء مستطاع للمؤمن. المؤمن، في اللغة، من جعل كل ثقته بالله وتاليا من قبل أن فاعليّة أعماله لا تأتي منه بل من الله، وكأنّ الآية تقول ان ما تفعله بالايمان فأنت فاعله بقوة الله.

العلّة التي كان إنسان هذه الأعجوبة واقعا فيها هي أنه كان فيه روح شرير يسمّى هنا أَبكم اي يسبّب له عدم النطق. ويصوّره الانجيل على انه «يُزبد ويصرف بأسنانه وييبس». هذه ظاهرة مرض عقليّ يقول الإنجيل انه تأتّى عنده من روح شرير.

أمام عجز التلاميذ عن شفاء هذا الشخص، يوبّخ يسوع تلاميذه ويتّهمهم بعدم الايمان. الظاهرة النفسية او العقليّة معروفة. يصفها الإنجيلي بعدم الايمان. لا تشفي الآخر الا اذا آمنت. من هنا قوله: «إن استطعت أن تؤمن فكل شيء مستطاع للمؤمن»، اي إن استطعت أن تقبل الايمان فيك فهو قوة الله. انه يأتي منه اليك. انت تؤمن اذا جعلت الله سببا لأعمالك. تكون، اذ ذاك، متلقّيا إياه فيك.

عندما يقول طالب الأعجوبة: «أؤمن يا سيّد فأَغث عدم ايماني»، اي نجّني من ضعف الايمان اذا اعتراني، يكون عارفًا بأن الشيطان يريد أن يُبعدنا عن الإيمان حتى لا ننال ما نطلبه من الله. الشيطان عارف بأن خلاصنا من الايمان. لذلك يريدنا أن نشكّك، والايمان يتطلّب إخراج كل شك. لذلك قال السيّد للروح الأبكم الأصمّ: «أنا آمُرُك أنِ اخرُجْ منه ولا تعُدْ تدخُل فيه».

عندما أَمرَ يسوعُ الروح الشرير أن يخرج من المريض، انتفض انتفاضا كبيرا وخرج، فصار الرجل كالميت. وعلّق الربّ على هذه الحادثة بقوله: «ان هذا الجنس (أيّ جنس؟) لا يخرج الا بالصلاة والصوم»، وفي المخطوطات الأصلية كلمة صوم ليست واردة. يبقى، اذ ذاك، أن نفهم أن الشر لا يخرج من انسان الا بالصلاة. هو متحكّم ويحتاج خروجه الى أقوى منه. فقط إذا اكتسبنا حريتنا في المسيح نتوقع الغلبة على الشرير.

لماذا كل هذا الإصرار على الصلاة من قبل السيّد؟ هنا يجب أن تأخذها بمعناها العميق. اذا كانت الصلاة تعني باللغة العربيّة الوصل، يكون الرب نازلا علينا بكلماته وخارجا منا الى الناس والعالم بكلماته. الصلاة قوة الله اذ «الروح القدس هو الذي يشفع فينا بأنّات لا توصف» (رومية 8: 26). الإله المسكوب فينا هو الذي يدعو ذاته اذا نحن صلّينا. الصلاة حركة منه فينا الى ذاتنا. نحن لا نعطيه شيئا في ذاته. كل شيء فيه. نحن نعترف به فنُوجد. الصلاة التماسُ وجوده وقراره فينا.

الصلاة تُحيي الايمان، تأخذه الى أعماقه كما تتجدد فيه. الايمان فيه تحرّكٌ عقليّ ولكنه فوق ذلك. انه خطفُ العقل الى الله الذي كيانه حُب. اجل، الايمان فاعل بذاته، غير أن محبتنا لله تجعله عميقا. الايمان والصلاة مترادفان، يغذّي أحدهما الآخر الى أن يجتمعا في رؤيتنا لله. واذاوصلنا الى الرؤية في اليوم الأخير لا يبقى سواهما. فاذا كانت الرؤية، تبطل الصلاة ويبطل الايمان.

بعد وصولك الى حبك لله، لا يبقى شيء تقوله. الرؤية هي القول الأخير. هي اللصوق بالرب ذاته. وعند اللصوق، يبطل القول.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

مسيرة صيامنا/ الأحد 7 نيسان 2013 / العدد 14

من أجمل ما في صيامنا انه في أيامه الطويلة يبقينا في عمق الروح القدس وعمق روحنا. اذ نستطيب بقاءنا في هذا الجهاد الطيب قاطفين منه أطايب الروح. من جمالات هذا الموسم بقاء كل يوم منه حاملا ارسالا من الروح القدس الى كل منا بحيث يحمل كل يوم الكلمات الجميلة إياها ويطيب النفس بالنعمة الواحدة المستمرة. وهذا يوضح ان القصد الإلهي ان نأكل كلمات الرب كما أمر الرب حزقيال قديما.

عندما يقول السيد: «أنا الخبز النازل من السماء» يريد انه حقا غذاء لنفوسنا بمعنى انه يسكب نفسه في نفوسنا وعقله في عقولنا لنصير معه واحدا كما وعدنا في صلاة الكاهن العظيم التي رفعها الى الآب في العشاء السريّ. والخبز السماويّ يعني اولا كلمته. كذلك يعني القرابين الإلهية. مسيرتنا مع يسوع المبارك مسيرة الى الوحدة معه ووحدتنا به مع جميع البشر.

مؤسسة الصوم وجدت منذ البدايات لتجعلنا في حركة الى القيامة. لولا الفصح ما وجد الصوم الأربعيني المقدس. الصوم فيه حمية ولكن جوهره أن ننتقل من طعام الأرض الى الطعام السماوي يوما بعد يوم بالصلوات المتاحة لنا والإمساك عن كل ما هو غير إلهي لكي يصبح المسيح ذاته طعاما. هو أراد ان يصبح طعاما لنا. وكما يتحول الطعام الى جسدنا يصير السيد واحدا مع كياننا بحيث يصح قوله: أنا أنتم وأنتم أنا. لقد قال المخلص المبارك: «أبي يعطيكم الخبز السماوي الحق لأن خبز الله هو الذي ينزل من السماء ويعطي الحياة للعالم» (يوحنا 6: 32 و33).

معظم الشرّاح يقولون ان المُراد بهذا هو القربان المقدس. هذا صحيح ولكن المراد الأول هو المسيح نفسه المعطى لنا بكلامه اولا ثم المعطى بجسده ودمه الكريمين. نحن نتقبل المسيح مباشرة بالروح القدس وفي صوَر مختلفة بالكلمة الإنجيلية والخدم الإلهية وإلهام روحه القدوس، ذلك الذي يعطي كل إنسان اذا قرأ الكتاب العزيز أو شارك في صلواتنا أو أحب الفقراء وزار المرضى وافتقد الفقراء.

الصيام ليس فقط حمية عن طعام. وهو قبل كل شيء اتحاد روحنا بيسوع وان نقبل كل نعمة منه وان تطابق سيرتنا كل كلامه.

الحمية وسيلة لتذكرنا بأن طعامنا الحقيقي هو الخبز النازل من السماء. نحن نمسك عن خبز الأرض لنتوقع نزول الطعام الإلهي في قلوبنا.

كل ما نقوم به بمحبتنا ليسوع يوصلنا الى وجهه المبارك. كل أشياء الدنيا مجرد وسيلة لنرى وجهه. «ليرتسم علينا نور وجهك يا رب». اذا لم ينزل علينا هذا النور نبقى في عتمات خطايانا.

الصيام موسم غفران الرب لنا لأنه موسم توبتنا. نحن طلاب وجهه والباقي نعطاه زيادة. الصوم مسيرتنا الى الفصح وفي الفصح تزول خطايانا ونرتقي الى وجه السيد. نوره ينزل علينا كل يوم. في كل يوم نتوق الى الفصح. ونعطى العيد جزئيا يوما بعد يوم حتى لا يبقى فينا أثر للظلام.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

مشلول كفرناحوم/ الأحد 31 آذار 2013 / العدد 13

كفرناحوم إلى الشمال الغربي من بحيرة طبريا هي في الجليل الذي كان المسرح الأساسي لبشارة يسوع. كان السيد آنذاك في بيت لأحد الأتباع. أتى الناس إلى الرب بمن سمي مخلعا اي مشلولا بلغة اليوم.

كان الرب يعلّم. كان التعليم نشاطه الأساسي وكان يرافقه الشفاء عند وجود مرضى.بعد ان نقب الأربعة حاملو المريض السقف دلّوا المريض بسرير. السقف في ذلك المكان كان من خشب فوقه طين ويسهل نقبه. توًّا قال الرب لهذا المريض: «يا بني مغفورة لك خطاياك». هو ورفقاؤه ما كان همهم هذا الأمر. الأولية عند يسوع كانت المغفرة.

قال الكتَبَة: «هذا يتكلّم بالتجديف. لعلّهم كانوا في هذا القول صادقين لكونهم لم يعرفوا ان يسوع يحمل قوة الله ويعبّر عن فكر الله. قالوا: «من يقدر أن يغفر الخطايا الا الله وحده؟».

كلام كهذا فيه جرأة لأن اليهود لم يكونوا عالمين ان هذا هو ابن الله ولم يعرفوا ان بشريا يمكن ان يكون ابن الله. كان طبيعيا ان يظنّوا ان في هذا القول تجديفًا كاملا. التجديف كان في هذا ان يسوع وهو عندهم بشر محض. قبل مجيء المسيح إلى العالم وقيامته من بين الأموات لم يكن ممكنًا أن يؤمن يهودي بأن الله له أن يأخذ صورة إنسان. اعتبار ان الله له أن يتّخذ شكل بشر كان يفوق كل عقل يهودي. هذا ما قاله أحد صراحةً في العهد القديم. لذلك كان من الطبيعي أن يتهموا المخلّص بالتجديف. وكان طبيعيًّا أن يعرف يسوع هذا. «لماذا تفكرون بهذا في قلوبكم؟ سألهم: ما الأيسر أن يُقال مغفورة لك خطاياك أم أن يُقال قم واحمل سريرك وامشِ؟ لم يجب هو كلاميا عن السؤال الذي طرحه. أجاب بإتيانه فعلاً، بأمره المريض أن يقوم ويسير تأييدًا لقوله: مغفورة لك خطاياك.

أكّد السيد سلطانه على شيئين: على الجسد أولا وعلى الغفران ثانيا. والغفران شيء جديد لم يعرف اليهود في نظامهم الديني ان بشريا حامله. إذًا لا بدّ عندهم أن يكون الناصري قد استحدث شيئًا في الفكر اليهودي (إذا لم يكن مجدّفًا) وهو ان الله يفوّض بشرًا غفران الخطايا.

هذا ما قاله يسوع عن نفسه. أيكون هذا البشري نازلا من عند الله؟ هذا لم يشاهده أحد في هذا الشعب من قبل. لم يعرف اليهود فكرة ان الرب فوّض نبيًّا أمرًا كهذا. قوّة الله عندهم لم تكن تنتقل إلى نبي. هل يسوع الناصري نبي؟ أعجوبة يسوع أتت دعمًا لقوله انه يغفر الخطايا. كان هذا صعبًا عليهم لأنهم ما كانوا يعلمون ان الله قادر أن يفوّض إنسانًا قدرةَ الشفاء.

حضور الله في جسد هذا النبي الجديد (يسوع) كان أمرًا مستَغربا. من هو إذًا هذا الذي يتصرّف وكأن الله فوّضه قدرة إلهية؟ أليس دور يسوع الناصري في شفاء المرضى شيئًا خارقًا، جديدًا؟ إزاء هذا هل من مخرج سوى الإنسان؟

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

من إنجيل اليوم/ الأحد 24 آذار 2013/ العدد 12

«أراد يسوع الخروج إلى الجليل» الذي كان المسرح الأساسي لبشارته. هناك وجد فيليبس فقال له اتبعني، فصار من الاثني عشر. هذا كان من بيت صيدا اي من الجليل، من جوار بحيرة طبريّة.

يقول الكتاب انّ بيت صيدا كانت مدينة أندراوس وأخيه بطرس. بعض التلاميذ كانوا يجمعون بعضهم بعضا الى يسوع وكان الاعجاب ينتقل. فيليبس بدوره وجد نثنائيل.

هذا يبدو أنه كان منكبّا على دراسة الكتب المقدسة اي العهد القديم. ولكون فيليبس كان يعرف أن هذا العلم هو علم التوراة، قال ان هذا الذي كتب عنه موسى في الناموس (أي كتُب موسى الخمسة) والأنبياء قد وجدناه، وسمّاه يسوع بن يوسف، وهذا اسمه الرسميّ لأن الإنسان يُنسب الى أبيه او المظْنون أباه. وكان يُعرف باسم يسوع الناصريّ بالنسبة الى المدينة التي عاش فيها.

كانت الناصرة محتقَرة ربما لأن بعضًا من أهلها كانوا من الأمم أي وثنيين. ربما بسبب من هذا قالوا: أَمِنَ الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح؟ جواب فيليبس كان: تعال وانظر. لستَ في حاجة الى مناقشة عن هذه المدينة او تلك. تعال وانظر هذا الشخص الجديد في أقواله وأفعاله. الخبرة تدحض كلّ ظنّ. الآراء المسبقة قد تُضلّل. تعال واختبر هذا الرجل. «لم يتكلّم إنسان مثل هذا الانسان» هذا ما قاله بعضُ يهود. أي لم يظهر إنسان بهذه الجاذبيّة الروحيّة التي تشدّنا اليه. اليوم، وبعد انتقال يسوع الى السماء، «تعال وانظر» تبقى حقيقة راهنة اذ لا يُشبّه إنسان بمثل هذا الإنسان. لم يسلك أحد بهذا البهاء الروحيّ الذي كان عليه يسوع الناصريّ. ولذلك اذا أردت أن تصبح إنسانا سويّا عليك أن تحاول السلوك الذي سلكه، وأن تردد الأقوال التي قالها. أنت لك هذا اذا شئت.

القول الذي يحدّ كلّ قول: «إنكم من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن البشر». صورة المسيح مستلقيا على الدرجات الواصلة بين السماء والأرض هي صورة الوسيط الوحيد بين الله والناس. وهذا مضمون دور هذا القائم في السماويات والأرضيات. هذه رسالة المسيح الكبرى أنه الرابط الوحيد بين الإلهيات والإنسانيات، بين السماء الهابطة على الأرض والأرض الناهدة الى السماء. المسيح في طبيعته كائن سماويّ وكائن أرضيّ. هو مخلّص الأرض كلها لأنه سماويّ كليا. هو الذي جعل الأرض مسكنًا للسماء فأهّل أهل الأرض أن يصعدوا وراء مسيحهم الى فوق. السماء بكل ما فيها من نِعم الروح القدس تهبط على الأرض لتجعلها سماء.

هذا الالتحام بين ما هو لله وما هو للإنسان جعله المسيح وحده ممكنا فسكن روح الرب الإنسانية بالمسيح يسوع.

Continue reading