Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2013, مقالات, نشرة رعيتي

المواهب / الأحد 4 آب 2013/ العدد 31

نعمة الروح القدس تعطينا مواهب مختلفة يذكر الرسول أوّلها وهي موهبة النبوّة. هذه لا تعني كما يظن الكثيرون موهبة الكلام على المستقبل. هذا جانب منها. انها تعني إيصال كلمة الله عن الحاضر اولاً اي تُبدي ما يطلبه الرب من الكنيسة الآن.

الرب يعطي قوة الخدمـة للقادر على الخدمـة وهي أولاً إعانـة الفقـراء. ثم هناك من وَهبه اللهُ التعليم وفي عصر الرسل هو تعليم الإيمان كاملا اي في كل أقسامه. هو يختلف عن الوعظ الذي يستند الى ما يُقـرأ من الكتـب المقدسـة ولا سيما نصوص العهـد الجديد. اما في الوقت الذي كُتبت فيه هذه الرسالة، فالأناجيل لم تكن قد دُوّنت، ولذلك كان يستند الوعظ على كتُب العهد القديم وربما على ما كتبه بولس قبل رسالته هذه مثل الرسالتين الى أهل كورنثوس. ونحسب أن ما قرأه أهل كورنثوس من بولس وزّعـوه على كنـائس اخرى. هذا كـان طبعًا على أساس أن ما استلمته إحدى الكنائس خصيصًا لها كانت تشعر أن عليها ان توزّعـه على كنـائس اخرى. وهكذا بمرور الوقت، صارت كل كنيسة في القداس الإلهي تقرأ على المؤمنين ليس فقط ما استلمته هي على وجه التخصيص ولكن تقرأ ما أَخذَتْه عن كنائس اخرى. فما من شك مثلا أن كنيسة كورنثوس التي استلمت من الرسول رسالتين وزّعتهما على الكنائس المجاورة. وهكذا باتت كل كنيسة تقـرأ ما استلمته هي من الرسول ومن تلك التي استلمتها كنائس اخرى وهذا كان يتم بالتـوزيع.

الواضح أن بولس تكلم عن مواهب مختلفة. فالخدمة (الاجتماعية) موهبة، والوعظ موهبة اخرى. وغالبا ما كانت كل كنيسة تحصل على المواهب التي استلمتها كنيسة اخرى. فالخدمة لم تكن محصورة في كنيسة واحدة، وما كان الوعظ محصورا، ولا الصدقة محصورة، ولا الإدارة. كلها مواهب وزّعها الروح القدس على كل الكنائس. ولكن في كل كنيسة من وهبه الله موهبة التعليم ومن وهبه مشاركة الفقراء. وتكون هكذا هذه الكنيسة تمتاز بقوة التعليم وتلك بموهبة العطاء. ومع الوقت صارت كل مواهب الروح القدس تنزل على كل كنيسة، فتظهر هكذا مثلا كنيسة الاسكندرية مُحبة للفقراء وكنيسة القسطنطينية قوية بالتعليم. «الروح يهُبّ حيث يشاء» ويوزّع المواهب كما يشاء.

كل المواهب تأتينا من المحبـة ويهـب الـروح القدس هذه الموهبـة لهذا وتلك الموهبـة لذاك كما يرى هو. والروح الإلهي فعّال في هذا بطريقة وفي ذاك بطريقة. والطرُق مجتمعة تكشف عمل الروح في هذه الكنيسة او تلك.

ما يؤكده بولس بعد كلامه عن المواهب أن المهم أن نكون «حارّين بالروح (اي بالروح القدس الساكن فينا)، عابدين الرب» بقلوب طاهرة لا بالشكل الظاهر، مجتهدين، صابرين، مواظبين على الصلاة، «مؤاسين القديسين (اي الفقراء) في احتياجاتهم». هكذا كان بولس ينعت الفقراء بالقديسين لأنهم أَعطوا نفوسهم للرب. وكان يهمّه جدا إضافة الغرباء الذين يجب ان يشعروا انهم إخوة.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

مناداة الله/ الأحد 28 تموز 2013 / العدد 30

لكون الله حدّثنا بالكتاب نكلّمه نحن ايضًا بصلاتنا التي بها نحسّ بها او التي نؤلّفها. هو يريد جوابا من كل واحد لما قاله له. الجواب، إن أحببنا، يمكن أن نأخذه من كتب الصلاة او نضعه نحن. الرب يريدنا أن نسعى الى حوار معه. غالبا ما نستمدّه من الكتب الطقوسية، وهذا لا مفرّ منه اذا استعملنا هذه الكتب وتقيّدنا بها. ولكن صلاتنا الفردية لنا أن نؤلّفها. غير أننا كثيرا ما نؤْثر كلام الرُتب الطقوسية المستعملة في الكنيسة لشعورنا بأن الأقدمين الذين وضعوها أَلهمهم الله اياها. هذا حسن. ولكن لنا في صلاتنا الخاصة أن نضع الكلمات التي نشعر ان الحُب يُلهمنا اياها. الطريقتان ممكنتان والرب لا يفضّل طريقة على اخرى.

المألوف والمضمون أن ما وضعه أسلافُنا في كتب الصلاة نافع لنا. طبعا اذا تلوْنا من كتُب الصلاة ما هو موضوع للسحر او الغروب او سواهما فهذا حسن، ولكن لنا أن نستقي كليا او جزئيا عمّا موضوع وأن نُكلّم الله صباحا ومساء حسب شعورنا في الوقت الذي نصلّي فيه. خبرة العارفين تقول الأفضل أن تختار شيئا من النصوص الموضوعة وأن تضيف عليها ما تؤلفه حسب حاجتك الروحية في الوقت الذي تصلي فيه لأن كلامك الى الرب يتبع احيانا الشعور الذي تكون عليه. فالسؤال الذي تسأل ربك الليلة قد يختلف عن ذاك الذي سألته بالأمس بسبب تغيير حاجتك. اذا لم تتقيد بالصلوات الموضوعة كليا لهذا المساء او ذاك، تعبّر عن حاجتك بالكلام الذي يُلهمك الله به لأنه يريد هو هذا الكلام. اذا لم يُلهمك شيئا جديدا، تأتي بالكلام الذي يصعد من قلبك. المهم أن تفهم ما تقول وأن تحسّ بالكلام الذي تؤلّف لأن الصلاة حوار ويحب الرب كثيرا ما تقوله له حسب شعورك في هذا الوقت او ذاك.

أحيانا كثيرة تُضطرّ ان تقول كلمات لا تعيها كلها او لا تحسّ بها من كل قلبك. ليس هذا بالأمر المهم. انت تتكل على كتُب الصلاة التي عندنا. احيانا تحس بها كثيرًا وأحيانا قليلا. المهم أن تؤمن بما تتلوه، وقد لا يرافق هذا شعور مستفيض. المهم قبولك لهذا الكلام وطاعتك له.

التوازُن في أمر الصلاة الشخصيّة -خارج الطقوس-أن تفهم ما تقول وأن تنتبه الى ما تقول حتى لا يفوتك معنى أراده الله لخلاصك. والمهم مع التوازن تواصُل صلاتك صباح مساء وألا تُهمل أية صلاة اعتدتها انت في هذا الوقت او ذاك.

لا تنسَ انك تُناجي الله، أي كائنا عظيما لا يقبل المُزاح ولا الإهمال ولا تكرار الكلام بلا فهم ولا تمعّن. تابع دائما بالفهم لأنّ الله إله الحكمة اي الفهم. أحيانا تُدركُ أنك لم تُحسّ بالكلمات التي تلوتها. لا تعُد اليها. تابع لأن كل هذا كلام الله. المهم ألا تنسى انك وضعت نفسك في مهابة الله، واذًا لا تُثرثر ولا تهمل متابعة المعاني لأن الله إله المعنى لكونه أوحى للقدماء المعنى، اولئك الذين وضعوا صلواتنا.

آمن في العمق أن أعظم عمل تقوم به أن تُناجي الله. هذا يتطلّب رصانة عقل وانتباه قلب وان تستوعب كل حكمة تقولها. لذلك لا يمكن أن تكون رخيصا في صلاتك، مهملا لمعانيها. اجمع نفسك بكل قواها وشُدّها الى الله اذا كنت في حالة الصلاة.

هو لا يستجيب لك إن أَهملت الانتباه اليه. اربط نفسَك به بكل قواك ليربط نفسه بك.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

إقرأ / الأحد 21 تموز 2013/ العدد 29

يقول بولس الرسول إلى تلميذه تيموثاوس: «اعكُفْ على القراءة والوعظ» (1تيموثاوس 45: 3). يحث الرسول تلميذه على قراءة شخصية للكتاب ولا يرتضي فقط أن يستمع الى ما يُتلى في الكنائس.

فالكتاب المقدس جاء عنده لنطالعه شخصيا ونستدخله كياننا بالفهم والحب. لا يكفي تاليًا أن نستمع الى كلمة الله في الكنائس. يريد أن يقرأها كل واحد لنفسه وأن يسعى الى تفهّمها بما تيسّر له أن يسمع في الكنيسة.

ويقول بولس هذا لتلميذه المدعوّ الى أن يُعلّم. انت قادر أن تُعلّم دائمًا لأنك تقرأ على الدوام اذ بالقراءة تُجدّد فهمك وتُعمّقه. ولا يرتضي بولس أن تقرأ قليلا او من وقت الى آخر ما شئت وما حلا لك اذ يقول: «اعكف على القراءة» ثم يقول «اعكف على الوعظ» فإنك قادر عليه فقط إن قرأت. فالواعظ الذي لا يقرأ يتذكر ما قاله سابقًا ويُردّده. اما إذا قرأ دائمًا، فيُصبح الكتاب الإلهي عنده ينبوع فكر وينبوع حياة. فالكتاب الإلهي ليس فقط كلمات نُكرّرها ونجترّ معانيها. المعاني تفيض دائمًا أي تأتيك من مصدرين: من النص الإلهي بمعناه اللغوي الظاهر، وبالمعنى الذي يُلهمك إياه الروح القدس. النص حيّ لأن الكلمات حيّة بالروح القدس الذي فيها.

«إقرأ»، ولم يقل «اكتف بما قرأت» لأن الروح الإلهي يُلهمك دائمًا إذا أَطعته، وإذا قرأت تتقدّس ويزداد فهمُك. الكلمات الإلهية ليست جامدة فإنها كلمات الروح، وتصبح لذلك مجدّدة نفسك. هناك قلة من الناس استظهرت كتاب الله. هذا لا يكفي لأن الكلمة جديدة بإلهام الروح، وهي تجددك إن أنت قبلتها. كلمة الله ليست رصفًا من الكلام. انها ينبوع. لذلك تجدُ دائمًا، إن أنت تتقدّس، الجديد في كلمة الله. دائما تكتشف معنى جديدا لما كنت تظنّ نفسك عارفه. النص الإلهي يحتوي حياة أبدية اذ به تعرف المسيح الذي يقول بولس انه حياتنا. الكتاب حياة مخزونة في الكلمات المقروءة. فكلما قرأتها يفيض منها ينبوع تحيا انت به، واذا حييت تُجدّد الآخرين.

إقرأ لأن ربك يقول لك دائما أشياء جديدة. تطلع كل كلمة او آية بمعان ماٍ كانت مكشوفة لك في الماضي. ما كتبه عظماء الكتّاب والشعراء لا يكون لك جديدا. ما قاله الله جديد لأن الله جديد ويريد أن يجدّدك بكلامه. لذلك كثيرا ما أتتك الكلمات نفسها بحياة ما كنت تحسب لها حسابًا. فلا تضجر من قراءة مجدّدة لنصوص تظنّ أنك تعرفها لأن الكتاب المقدس ليس كتابا جامدًا. يحرّكه الله لك كلما رأى أن نفسك تطلبه. هذا يعني انك لن تفهم شيئًا مما تقرأ ما لم تكن تائبًا اي راغبًا في محبة الله وطاعتك.

إقرأ ولا تملّ ظانًّا أنك حفظت، فالكلمات إن استعدتَها تتجدّد فيك حيويتها.

إقرأ كل يوم لأنك تجوع الى الله كل يوم، ولا تتّكل على قراءتك الماضية فكثيرا ما تلحظ ان قراءة جديدة تأتيك بحياة جديدة.

المهم أن تُعاشر الرب. وكتابه مَحَلّ لعشرته. انت طالب الله اي طالب لكلمته وليس فقط لمشاعر فيك. انت تزداد محبتك للرب إن عرفت كلماته لأن الله في كلماته.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

كلمات الرب/ الأحد 14 تموز 2013 / العدد 28

يدعو الرب يسوع تلاميذه ليُظهروا أعمالهم الصالحة في سبيل الشهادة والبنيان الروحي لبعضنا البعض. السيد ليس مع إخفاء الصالحات، ولكنه طبعا ليس مع التظاهر. الصالح يبدو للعيان، ولكن لا نفتعل ظهوره. هو يظهر من نفسه.

فإذا رأى الآخرون أعمالنا الصالحة ينتقلون من هذه الرؤية الى أن النعمة أتت لنا بهذه الأفعال فلا يمجّدنا الناس ولكن يمجّدون الآب. وإذا افتخروا بعملنا الصالح وحسبوا انه من الله، لا نفتخر به ولكنا نشكر الله.

العمل الصالح يبدو من نفسه. لا يحتاج الى دعاية. المهم إذا شكرنا لأحد المؤمنين عملا خيرا ألاّ نستسلم لمديحه بل أن نرتفع توا الى أبي الصالحات الذي في السماوات ونشكره.

اما المقطع الذي يقول فيه السيد إني ما جئتُ لأَحُلّ الناموس والأنبياء فليس هو تأكيدا لدوام شريعة موسى المحتوية فرائض كحفظ السبت والإمساك عن بعض الأطعمة وما الى ذلك، إنما هي تأكيد على أن ناموس الفرائض هذا اذا زال إنما تبقى الشريعة الأخلاقية التي لا تزول بزوال مرحلة من الزمان ولكن طبعا تزول الفرائض (السبت، الختان مثلا) فلا يحفظ المسيحيّ وصية الامتناع عن العمل يوم السبت لأننا دخلنا في يوم القيامة، ولا يختن صبيانه لأنهم اتخذوا سر المعمودية.

ليس على المسيحيّ فريضة موروثة من العهد القديم كفريضة الذبائح او السبت او الختان. ليس عليه إلا وصية المحبة التي لا تفرض شكلا.

الايحاء الذي تعطيك المحبة يكشف لك كيف تسلك مع الله وكيف تسلك مع الإخوة. ليس هناك شكل. انت تقوم بالعمل الذي تفرضه عليك كلمة الله والضمير، وأشكال سلوكك تأتيك من هذا الإلهام الداخليّ الموافق لكلمة الله. تبقى في عقلك وقلبك الكلمة وتدلّك على تصرفاتك العملية في هذا الظرف او ذاك وفي يومياتك.

لا تأخذ امرا محددا في العهد القديم. لكن تستمد من المحبة ما يوحي لك ضميرك أن تقوم به. وهذا يتضمّن ألا تُهمل وصية تبدو لك صغيرة من أقوال الله. انت لا تفرّق بين كلمة الله وكلمة اخرى. انت تأخذ كل الكلام الإلهي وتتقبله على ضوء المحبة الإلهية التي نزلت عليك. انت لا تختار بين كلمة تُعجبك كثيرا وكلمة تُعجبك أقلّ. انت لا تحكُم بين كلمات الله. كلّها تُلزمك بكل ما تقول، وتعرف أن لك بكلمات إلهك خلاصا كاملا.

إذا آمنت بربك والتصقت به تؤمن بكل ما قال وتعرف أن لك بذلك بذلك خلاصا، وتعرف أنك تُغني حياتك بكلمات ربك.

تأخذ كل كلمة خرجت من فم الرب لأنه لم يتفوّه بها إلا لخلاصك. انت لا تُضيف كلمات من عندك. في موضوع خلاصك هو يتكلّم. والمشترك بينك وبين المؤمنين هو كلمة الله. كلمات البشر كلها إذا تراكمت لا تصير كلمة الله. فإذا سمعت الناس يتكلمون او يكتبون، عندك أصلا موهبة التمييز التي تجعلك تعرف في ما تسمع من كلمات او تقرأ ما هي كلمات الرب وما ليست كلمات الرب.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

دعوة التلاميذ الأوائل/ الأحد 7 تموز 2013/ العدد 27

بحر الجليل او بحيرة طبرية التي يؤلفها نهر الأردن هو في وسط منطقة الجليل التي عاش فيها السيّد وفيها الناصرة التي دُعي بها يسوع. في المدن الصغيرة التي كانت تحيط بالبحيرة ظهرت بشارة الإنجيل.

التلاميذ الذين دعاهم الرب اليه كانوا من هناك. والبحيرة كانت رزقهم. فيما كان السيد متجولا هناك وهذا كان كثيرا في حياته رأى أخوين هما سمعان الذي سمّاه السيد بطرس فيما بعد واندراوس أخوه يلقيان شبكة في البحر اي في البحيرة. كل التلاميذ ما عدا متّى كانوا صيادين. فقد اختار المعلّم رسله من البيئة التي كان هو منها.

بعد هذا السرد يقول النص الإنجيلي ان الرب توجه الى بطرس وأخيه قائلا: تعاليا اليّ فأجعلكما صيّادي الناس. كيف دخل يسوع هكذا، توًا الى حياتهما وأخرجهما من بيئة الصيد ليجعلهما مبشرين؟ هذا سر شخصيته وجاذبيته. كان معروفا ان بعضا من الروحانيين كانوا يؤلفون جماعات صغيرة تطلب حكمة الله مع بقاء الانسان في مهنته. هنا يكشف يسوع انه صاحب مجموعة تتبع تعليمه اي نهجا روحيا له ضمن شريعة موسى. مثل هذه الجماعات كان معروفا عند يهود ذلك العصر. يبقى اليهودي في الأمة ولكنه يتحرك روحيا مع فئة صغيرة. ينصرف الى حياة تقوى مكثفة.

في كل الأديان ناس تشتد حياتهم الروحية ويتآلفون دون ان ينشقوا عن الجماعة. الذين صاروا تلاميذ ليسوع لم ينفصلوا عن أمة اليهود ولم يتركوا الاجتماعات في السبوت، في تلك القاعات المسماة مجامع. والرب نفسه كان يحضر اجتماع السبت والناس يلتفون بعضهم الى بعض في المجامع بصورة حرة اي بلا انتظام قانوني. يعجبهم هذا المعلّم او ذاك ويلتحقون به او ينضمون الى مجمع يستخدم اللغة اليونانية او اللغة الوطنية الآرامية حسب استعداده العلمي. الى بطرس وأخيه اللذين تركا شباكهما في ذلك الحين ثم عادا في الواقع الى البحر كان يوحنا ويعقوب ابنا زبدى، ويوحنا هو الذي صار يوحنا الحبيب، مع أبيهما في البحر. دعاهما السيد فتركا أشياءهما المادية وأباهما معًا.

ما سرّ يسوع في التأثير على هؤلاء القوم؟ هذه دعوة الى ان نتبعه كلما دعانا، الا نتردد بينه وبين أشياء هذا العالم.

اثنان تركا شباكهما واثنان الى هذا تركا أباهما. أنت اذا أعطيت يسوع قلبك وما فيه تنسى كل شيء آخر فإذا لازمته أخلص له حتى النهاية لأنه يشبعك من ذاته ولا تحتاج الى شيء آخر. أشياء هذه الدنيا تضاف اليك. كل شيء تراه ثانويا اذا ملأ يسوع قلبك. لا بدّ من الأشياء الثانوية ولكن الخطيئة ان تجعلها مكان الشيء الحيوي الأساسي الوحيد وهو ان تلازم يسوع في كل شؤون حياتك.

هذه الدنيا تأخذك الى آفاق كثيرة والى نشاطات كثيرة. هذا لا مفر منه ولكن حيثما ذهبت وحيثما انشغلت اعلم ان مرجعك يسوع وانه هو الذي يملأ قلبك وينعشه. اذا شعرت ان شيئًا صار يأخذ مكان يسوع في قلبك اعلم انك ضللت. عد الى وجهه. أن تلازمه في كل أمورك هذا ما يحييك.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

أحد جميع القديسين/الأحد 30 حزيران 2013/ العدد 26

في كل يوم من السنة عيد لقديس أو أكثر، ولكن هذا التعييد اليوميّ لا يشمل كل القديسين الذين مجّدهم الله وجعلهم إليه في السماء. لذلك تذكُر الكنيسة اليوم الذين طوّبتهم بأسمائهم كلّ يوم والذين لم تُطوّبهم والله يعرفهم.

رأت الكنيسة أن يُخطف فكرنا إلى القديسين الذين جعلهم الله له وهم كثيرون ولا تكفي أيام السنة لتعدادهم بأسمائهم. فأقامت هذا الأحد بعد العنصرة تُقيم فيه ذكراهم. وجاء تعيين هذا الأحد في محلّه لأنّ حلول الروح القدس يقودنا إلى ذكْر القديسين. الروح الإلهي هو مُنشئ القداسة وموطّدها. فكان من الطبيعي بعد أن أقمنا ذكرى للروح القدس أن نقيم ذكرى لمن يُظهرهم ويُظهر أعمالهم في الكنيسة عنيتُ القديسين.

ليس لكلّ قديس نعرفه عيد لأن القديسين يتجاوزون عدد أيام السنة، فاضطررنا أن نقيم ذكرى القديسين مجتمعين، أولئك الذين نعرف سيرتهم والذين لا نعرف سيرتهم. فعدد الـ365 يومًا في السنة لا يكفي لنعيّد فيه لكلّ القديسين الذين طوّبناهم ونعرفهم بأسمائهم. إلى هذا الذين لا نعرفهم بأسمائهم ومجّدهم الله. فتمجيدًا لغير المذكورين في كل أيام السنة وتمجيدًا للذين يعرفهم الله وحده ولم يدخلوا في التقويم أَوجدْنا هذه الذكرى لتشمل كل الذين أَحبّهم الله ونقلهم إليه. انه موقف محبة أن نُخصّص لكل قديس نعرفه ذكرى، وقضية محبة أيضًا أن نُخصّص لمن لا نعرفهم بأسمائهم ذكرى. هذا عندنا شوق إلى القداسة وأن نملأ بذكرى كبارها كل أيام السنة.

يوم بلا وجه قديس نذكره ليس يومًا من الكنيسة. الشغور من استحضار عظمائنا يجعل قلوبنا بلا مرجع. القلب إن لم يجذبه عظماء التقوى ماذا يجذبه؟ السنة سنة الله المقبولة أو هي مجموعة أيام فارغة من ذكر القداسة. إن لم تذكُر عظماء التقوى والبر، من هم الذين تذكُر؟ هناك كبار في هذه الدنيا وحسب مقاييسها. ولكن الأحبّ إلينا في دنيانا من كان يشاركنا تقوانا، من كان من جنسنا في التقوى. هؤلاء المتجانسون في التقوى يؤلّفون الكنيسة. وغير المتجانسين في معرفة المسيح ليسوا له أو ليسوا منه.

نحن الذين استبْقاهم ربّهم في هذه الدنيا ليس بيننا رباط الا الرب نفسه. هذا الرباط يجعلنا كنيسة أي مجتمعا للدهر الآتي، يتخذ هويته من كونه للرب.

نحن لسنا من هذا العالم وإن كنا في العالم. نحن من الدنيا التي ألّفها الرب بمحبّته وهي كنيسته. إليها نحن مشدودون ولو كانت أجسادنا تمشي على الأرض. نحن نتحرّك في الحقيقة مع أهل السماء ونتّجه جميعًا إلى العرش الإلهي لنُشاهد الله ومسيحه ونحيا بهذه المشاهدة.

عندما نعيّد لجميع القديسين ولكل قديس في كل يوم نشهد أن إرادتنا هي القداسة. نعمل في هذه الدنيا كل في مهنته أو وظيفته، ولكن غاية كل أعمالنا أن نبلغ القداسة وأن نسكب فيها القداسة. الطعام والشراب والمسكن والمهنة ليست كل شيء أو ليست الغاية. غاية الوجود فيما نأكل ونشرب ونقوم بأعمالنا اليومية هي ابتغاء الوصول إلى الله. كل نشاط في هذه الدنيا إن لم نطلب فيه الله ورضاه وبركاته هو من هذه الدنيا ويفنى فيها. أما غايتنا الحقيقية فهو أن نلتمس وجه الله ليرضى عنا فنحيا برضاه.

عندما نقيم في يوم واحد ذكرى لجميع القديسين، نشهد أننا نحبهم جميعًا وأننا فوق ذلك طلاب قداسة. لك أن ترغب أن تكون عظيمًا في مهنتك ووافر الصحة أو كاتبًا عظيمًا. هذه كلها جيدة، وإن كنت متواضعًا يباركك الله. ولكن أعظم الأشياء في دنياك ليست بشيء إن لم تكن طريقَك إلى القداسة، إلى كراهية الشر وحب الخير، إلى اللصوق بالله.

لك أن تسعى إلى أن تكون خادمًا لوطنك عظيمًا وطبيبًا حاذقًا أو محاميًا ماهرًا أو كاتبًا جذابًا. هذا كله طيّب، ولكنه محدود، ولكن ما هو غير محدود أن تطلب كمال أخلاقك حسب وصية الرب: «كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل هو».

كل شيء عظيم يأتي من الذي طلب كماله من الله. خارجًا عن ربك يمكن أن تكتمل في أية مهنة على صعيد الاحتراف، وان كنت لا تكتمل بلا أخلاق عظيمة. لا يمكن أن تكون انسانًا كاملاً الا إذا ابتغيت كمالك من الله. قبل ذلك، لك أن تُتقن مهنتك، ولكن هذا ليس الكمال. أنت لا تكتمل الا بالكامل أي إذا تشبّهت بالمسيح.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

حلول الروح القدس/ الأحد 23 حزيران 2013 / العدد 25

اليوم المذكور هنا هو يوم الخمسين بعد الفصح اليهودي. كان الرسل مجتمعين في عليّة صهيون غالبًا، تلك التي تناول فيها السيّد العشاء الأخير مع تلاميذه وأسس فيها سرّ الشكر (خذوا كلوا هذا هو جسدي). وغالبًا كان معهم المسيحيون الآخرون مع النساء حاملات الطيب.

العنصرة التي يصفها الكتاب كانت صورتها «ألسنة منقسمة كأنها من نار استقرّت على كل واحد». كل من التلاميذ تقبّل الروح القدس. نزول الروح هو على كل الكنيسة ولكنّه أيضًا «على كل واحد» كما يقول سفر الأعمال. وهذه العنصرة ذاتها تكررت في ما بعد اذ يتلقى كل مسيحيّ بعد معموديته الروح القدس في سرّ الميرون المقدّس.

امتلأوا كلهم من الروح القدس بمعنى ان الروح نزل على الكنيسة كلها وعلى كل واحد. في القداس ينزل على الكنيسة كلها. في المعمودية مع سر الميرون يأخذه كل معمّد.

عند نزول الروح القدس أخذوا يتكلّمون بلغات أخرى ذكرها بعد أسطر قليلة سفر الأعمال. هل عنى سفر الأعمال أنهم نطقوا بألسنة غير الآرامية التي كان ينطق بها يهود فلسطين أَم أراد أن السامعين صاروا يفهمون هذا الكلام الغريب؟ التفسيران واردان. «كل واحد كان يسمعهم ينطقون بلغته» يمكن ان تعني انهم تطقوا بألسنة أخرى ويفهمها الجميع او أن كل واحد سمع لغته التي وُلد عليها.

سفْرُ الأعمال يُعدّد البلدان التي هاجر اليها اليهود الذين جاؤوا إلى أورشليم للعيد وتعلّموا لغة البلد الذي قطنوه. وهنا يذكُر فصل الأعمال بلدانا مختلفة من الشرق والغرب وشمالي افريقيا. العرب الذين يذكُرهم بين هؤلاء الأقوام كانوا عرب حوران، وليس ما يدلّ على أنّه في ذلك الزّمن الغابر كان اليهود يسكنون الحجاز على أيّة حال. غالبًا أتى اليهود الى الجزيرة العربية نتيجة دمار اورشليم السنة السبعين. هاجر قسم من اهل اورشليم الى الحجاز كما هاجر آخرون الى مناطق اخرى.

يذكر الكتاب شعوبا كثيرة كان منها مَن حَجّ الى فلسطين للفصح. هؤلاء نُسمّيهم أهل الشتات كانوا منتشرين في العالم المتمدّن آنذاك اي في الامبراطوريّة الرومانيّة. هؤلاء عرفهم بولس الرسول في جولاته الثلاث. يذكُرهم سفر الأعمال باسم البلدان التي هاجروا اليها. هؤلاء شهدوا على أنّ الرسل والمسيحيين الأوائل، بعد أن حلّ عليهم الروح القدس، أخذوا ينطقون بلغات اليهود الذين كانوا قد تجمّعوا للعيد في أورشليم.

هذه العنصرة إياها مستمرة في الكنيسة بما يسمّيهم العهد الجديد مواهب الروح القدس في الكنيسة الأولى. وتشترك فيها اليوم، الى هؤلاء، كل الجماعات التي تُقيم القداس الإلهي وينزل عليها الروح في الاستحالة. كما يشارك فيها من خصّه الروح بمواهب خاصة معطاة الى هذا او ذاك لمنفعة الكنيسة كلها.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

استمرار التراث الرسوليّ/ الأحد 16 حزيران 2013 / العدد 24

بولس في عودته الأخيرة من أوربا الى أورشليم ارتأى الا يمرّ بأفسس خشية أن يتأخر في آسيا الصغرى (تركيا الحالية) اذ كان يرغب أن يصل إلى أورشليم يوم العنصرة (اليهوديّ). ففيما كان في ميليتس في البحر، استدعى قسوس أفسس. «فلما وصلوا اليه قال لهم: احذروا لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه». القسوس مُسَمّون هنا أساقفة.

من هذا النص لا نعرف إن كان القس في هذه الفترة دون الأسقف رتبة أَم أن هذا وحدة تسمية مع اختلاف الرتبتين. بعد العصر الرسولي بين اواخر القرن الأول وبدايات الثاني عند القديس إغناطيوس الأنطاكي لا نرى فرقا واضحا بين القس والأسقف مع أن مكانة الأسقف أخذت تبرز.

لاحظوا ان في عبارة «كنيسة الله» لفظة الله هي يهوه العبرية، والواضح في تعبير بولس أن يهوه اي الله هو الذي سكب دمه على الصليب. النص هنا يوحد بين الله والمسيح (الله هو الذي سكب دمه).

عندما يقول ان الله هو الذي سكب دمه يوضح بأعظم وضوح أُلوهية المسيح. هذا هو إيماننا الذي ينقله الينا الرسول بقوله ان الله نفسه هو الذي عُلّق على خشبة.

من هذه الرسالة نفهم بعد هذا أن الذين أُقيموا رؤساء على الرعية يُسمّيهم الرسول أساقفة وتعني المراقبين او الرقباء. والرقيب (المطران) في الكنيسة يراقب صحة التعليم أو أُرثوذكسيته. هذه هي وظيفته الأساسية، وأنت تنظر مبدئيا الى ما يقوله المطران لتعرف منه سلامة العقيدة. ومجموعة الأساقفة في الكنيسة المحلية (مثل الكرسي الأنطاكي)، المنعقد اجتماعهم في المجمع المقدس، هم بالتآزر فيما بينهم يُلقّنوننا الإيمان. فالإيمان يسهر على صحته وسلامته المطارنة مجتمعين في المجمع المقدس برئاسة البطريرك. هذا في الكنيسة المحلية، وفي الكنيسة العالمية مجموعة المجامع المقدسة الأرثوذكسية التعليم هي التي تراقب صحة التعليم في العالم كلّه.

الكنيسة فيها إشراف خلفاء الرسل وهم المطارنة المسؤولون عن حفظ الوديعة سالمة كما أتتنا من تلاميذ المسيح وخلفائهم جيلا بعد جيل.

أنت لا تؤسس كنيسة جديدة ولكنك تحيا من التراث الذي وصل سالمًا بالخلافة الرسولية، فإن من نرسمه مطرانا إنما نجعله حافظا للإيمان القويم، وإذا تثبّتنا أن عنده الإيمان القويم، نعلنه أسقفا على كنيسة الله. يجيئون واحدًا بعد واحد ولكن بالتعليم نفسه، فمن خالف هذا التعليم وشوّهه نعتبره مبتدعا اي آتيا بآرائه الخاصة وليس بالرأي الرسولي.

الإيمان واحد جيلا بعد جيل ولو اختلف أسلوب التعليم. «اومن بإله واحد آب…. ورب واحد يسوع المسيح… وبالروح القدس». وظيفة الكنيسة ان تحفظنا في هذا الإيمان. والأسقف هو الحامل الأساسي لهذا الإيمان.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

العطاء الإلهي/ الأحد 9 حزيران 2013/ العدد 23

ماذا أراد داود النبي بقوله: «كل إنسان كاذبٌ، بماذا أكافئ الرب عن كل ما أعطاني»؟ هل أراد ان الإنسان لا يستطيع ان يعطي الإنسان اذ ليس عنده شيء ومع ذلك يعطي إذا اخذ من الله ووزع فيكون الله هو المعطي وحده؟

هل يجب ان تلغي من ذهنك او من قلبك من أعطاك لتعترف ان الرب معطيك وحده، أَم لك أن ترى أن الإنسان فقير وأنه معطيك مما أَخذ من فوق. في احتسابي أن قمّة غناك أن ترى نفسك فقيرا الى كل إنسان حتى ترى نفسك فقيرا إلى الله.

الله جعلَنا موزّعيه اي موزّعي نعمته لأننا جميعا فقراء، وإن لم نتملكه لا نستطيع عطاء. لقد أراد الله نفسه مترجما بالحب. جعل ذاته وسط التعاطي البشري لنعرفه. «الله لم يره أحدٌ قط. الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبّر». هذا في مطلق التاريخ، ولكن هذا في حقيقة كل زمن نحن فيه. في عطاء نفسك تعطي الله، فما هي نفسك سوى فتات يُترجمه؟ إن أدركت أنت أنك لست بشيء يكون الله فيك فتعطيه. الفقير وحده يأخذ.

«بماذا أُكافئُ الرب عن كل ما أَعطاني»؟ صعوبة السؤال في هذا أنك لا تستطيع أن تكافئ الرب الا بما أعطاك، اي أن تردّ له نفسَهُ. عندما يقول اللاهوتيون عندنا ان الخلاص مشاركة الله وإرادتنا، طبعا لا يريدون أن الله وإرادتنا على مستوى واحد من الوجود او من الفعالية. هناك بينهما التقاء لا نعرف كيف يحصل لأنك إن أَحببتَ الله فهذا منه. انا لست أُنكر الإرادة البشرية اي لا أُلغي الإنسان بمعنى أني أُثبت وجهه امام وجه الله لأعترف له بذات، ولكني أؤكد بالقوّة نفسها انه آخذ هذه الذات بالنعمة. في الشدة لا تستطيع أن تقول إلا هذا: كل شيء نعمة. ربما لا يحس كل إنسان أنه في الجُبّ وأن يدًا يجب أن تنزل لانتشاله. ربما الخاطئون وحدهم يفهمون ما يقولون إذا قالوا ان كل شيء نعمة. لا يستطيع الخاطئ أن يقول انه قام لأنه قرر القيامة. يجب ان يقيمك آخر، وعندنا انه هو الله. في البكاء تقول هذا، وبلا بكاء لا تستطيع ان تكتب لاهوتًا. العقل، معزولا عن الألم او التوبة، لا يأتي بما هو عميق.

عندما يقول اللاهوت التراثيّ ان الخلاص مشاركة بين الله والانسان، لا يجعل الانسان وربّه على مستوى واحد اذ الإنسان لا يُخلّص الإنسان، هو يقبل الخلاص. وسرّ القبول من سرّ النعمة. القبول عطاء إلهيّ، وإذا قلنا ان الخلاص إلهيّ وإنسانيّ معا لا نعني هنا مناصفة تكون فيها المشاركة الانسانية بشرية فقط لا نعمة فيها. المشاركة بين الله والانسان ليست مُحاصصة. ما من عمل انسانيّ خلاصيّ المضمون بلا انعطاف إلهي. فإذا كافأت الله عن كل ما أعطاك، فهذا عمل منه ايضا. أنت لا تعطي إلا ما أَخذته من الله.

أنا لا أُحب كثيرًا التأكيد التقليديّ أن الله والانسان مشتركان أوّلهما بالنعمة وثانيهما بالجهد لأن الجهد نفسه ثمرة النعمة. لا خطر على الانسان إذا حجب نفسه قليلا فانكشفت له النعمة. اللاهوت الشرقيّ ليس عنده مشكلة في هذا لأنه يجمع دائما بين عطاء الرب ومجاهدة الانسان. اللاهوت الشرقيّ لم يجابه قط مشكلة المشاركة بين الله والانسان. هذا هو سر الله الذي نعيشه بالطاعة وهو مؤكّد بالوحي.

«بماذا أُكافئُ الرب عن كل ما أَعطاني» لا تعني أن عندي شيئا ليس من الرب أُكافئه به. كل ما عندي هو منه. ولكنه هو ردّ الحب لي. إنك لا تعطي الله الا ما وهبك. «التي لك مما لك نُقدّمها لك». هل جئت من عندياتك بما رددت لله؟ ليس عندك الا ما وهبك ربك. وسرّ طاعتك داخل في سرّ حبّه.

في الحقيقة إنك لا تكافئ الرب. هو يستردّ لنفسه ما أعطاك فإنه «الألف والياء، البداية والنهاية». انت إذا أَعطيت تبقى عطية الله ولا تنفد ولكنك تُرجع الى الله ما حصلته انت بنعمته.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

انتشار البشارة/ الأحد 2 حزيران 2013/ العدد 22

بعد استشهاد استفانوس، وهو أول الشهداء وأول الشمامسة السبعة، تبدد الرسل أي تركوا فلسطين واجتازوا إلى فينيقية وبعضها لبنان الحاليّ وإلى قبرس القريبة وأنطاكية وكانت عاصمة سوريا الرومانية، وكانت خطتهم الا يكلّموا الا اليهود، وتبشيرهم أسهل من تبشير الوثنيين، وكان اليهود منتشرين في كل مدن الامبراطورية الرومانية التي كانت منها سوريا.

من هؤلاء اليهود كان قبرسيون وقيروانيون، وهؤلاء جزء من ليبيا الحالية، وكنت تجد اليهود في كل أنحاء الامبراطورية الرومانية وخارج فلسطين، وكان لا بد ان تخاطب الناس باليونانية التي كانت لغة المثقفين في العالم المتمدن آنذاك، واليهود أنفسهم خارج فلسطين كانوا مضطرين ان يخاطبوا الناس باليونانية.

اللغة العبرية لم تبقَ لغةً حية، لغة مخاطبة منذ قرون. اليهود كانوا يقرأونها في مجامعهم فقط وتُنقل إلى السامعين باليونانية أو بالآرامية حسب المناطق. لذلك اضطر الرسل والمبشرون المسيحيون أن يخاطبوا الناس بلغة الثقافة آنذاك أي باليونانية. ولما دخلت المسيحية إلى أنطاكية أخذت تُكلم اليونانيين الذين كانوا من أصل وثنيّ أو يهوديّ، فآمن بالرب يسوع كثيرون. فإذا نظرنا إلى كثافة المسيحيين العددية، نرى أن اللغة اليونانية كانت مسيطرة عليهم كالفرنسية عندنا في عصر الاستعمار أو الانكليزية اليوم.

العبرية كان اليهود نسوا التكلم بها بعد جلائهم عن فلسطين إلى بابل. في فلسطين، لما كان السيد على الأرض، لم يكن أحد فيها يتكلم العبرية. كانت لغة قراءة النصوص المقدسة في مجامعهم. السيد نفسه لم يكن يتكلم العبرية ولكن لغة الشعب أي الآرامية المشتقّة منها السريانية. اليوم أهلُنا في معلولا (سوريا) يتكلمون لهجة السيد.

في تلك الأثناء أرسلت كنيسة أورشليم تلميذًا يدعى برنابا إلى أنطاكيا. منها ذهب إلى طرسوس (غير طرطوس) في آسيا الصغرى، وهي مسقط رأس بولس (شاول)، ليطلبه فوجده وذهب به إلى أنطاكية وبشّر معه هذه المدينة سنة كاملة.

في أنطاكية أولاً دُعي التلاميذ «مسيحيين». منذ ذلك الحين لازمتهم هذه التسمية وبطلت واقعيا التسميات القديمة (تلاميذ، إخوة).

عندما نقول نحن «مسيحيين أرثوذكسيين»، ومعناها المستقيمي الرأي، نصف أنفسنا بالمسيحيين أي أتباع يسوع. وبقية الناس أحرار بتسمية أنفسهم كما يشاؤون. نحن نسمّي «مسيحيّا» من آمن بأن يسوع ربّ ومخلّص ومسيح. ما علاقتنا به من حيث اشتراكه أو عدم اشتراكه بالأسرار المقدسة شيء آخر ويختلف حسب الفئة التي ينتمي إليها.

Continue reading