Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2013, مقالات, نشرة رعيتي

استقامة الإيمان/ الأحد13 تشرين الأول 2013/ العدد 41

في كنيستنا عدة تذكارات للآباء القديسين، وهذا الأحد واحد منها. الآباء هم المطارنة الذين اجتمعوا في المجمامع المسكونية السبعة. الهراطقة الذين خرجوا عن الإيمان وانشقّوا عن الكنيسة حاربوها كثيرا وكان لا بد من الرد عليهم، فكان المجمع المسكوني الأول الذي صاغ دستور الإيمان، هذا الذي نتلوه في الخدمة الإلهية: “أومن بإله واحد آب ضابط الكل …”، حتى المجمع المسكوني السابع الذي علّمَنا تكريم الأيقونات. هكذا تقولبت وصيغت العقيدةُ في أقوال وهي العقيدة المستقيمة التي نتمسك بها وهي توضح لنا الإنجيل وتحدد حدود الإيمان، بحيث ان من زاد على هذا الإيمان خرج، ومن أنقص من هذا الإيمان خرج ايضًا.

السؤال هو لماذا وكيف تنشأ هرطقات في الكنيسة؟ لماذا تتكوّن البدَع فيها؟ هذا لأن العقل البشري حُرّ، والانسان يقرأ ولا يفهم أحيانا. هناك من يقرأ ويفهم، لكن أُناسًا كثيرين يزيّفون ما يقرأون بسبب خطاياهم، او بدون سبب هُم لا يفهمون. هذه مأساة حاصلة في الكنيسة، ولا بد للبدع من أن تظهر، ولا بد من أن ينشقّ البعض عن الكنيسة بسببٍ مِن عدم فهمهم. نقرأ في إنجيل لوقا (١٧: ١-٢) “ويلٌ لهذا الانسان الذي عن يده تأتي العثرات، خير له لو طُوّق عُنقه بحجر رحى وطُرح في البحر من أن يُعثر أحد هؤلاء الصغار”. الآباء المطارنة القديسون الذين اجتمعوا بين القرن الرابع والقرن الثامن ووضعوا لنا هذه الدساتير كانوا عالمين أن أكبر خطيئة يرتكبها الانسان هي أن يشقّ الكنيسة. من يأتي بعقيدةٍ لا يتعرّف عليها المؤمنون المستقيمون فهو يجزّئ جسد المسيح.

هناك من يقول: هذا الإنجيل الواحد، تعالوا نتفاهم حوله. لكن الواقع ليس هكذا. الواقع أن القديس أثناسيوس أُسقف الاسكندرية في القرن الرابع كان عنده هذا الإنجيل وفهم منه ما فهمه الجميع ان المسيح إله، إله أزلي غير مخلوق. وكان في المدينة نفسها رجل آخر يُدعى آريوس، كاهن في الكنيسة عينها أخذ الإنجيل وفهم منه ان المسيح ليس بإله وانه مخلوق. الإنجيل أساس ولكن الناس يبنون على هذا الأساس، منهم من يبني بيتًا ثابتًا صحيحًا، ومنهم من يبني بيتًا غير ثابت لأنه يُدخل أفكارًا خاصة من ذاته ومن محيطه او من شهواته.

ولكن من يقول الحقيقة؟ كيف نعرفها؟ هنا تأتي المشاورة. فالمجامع المسكونية كانت مشاورات عالمية بين أساقفة الدنيا المسيحية. الأساقفة قد وضعهم الله، في ما سمعنا اليوم من نص الرسالة، حراسًا على العقيدة كي يسهروا على الرعية التي يُبدّدها الذئب. عملُ المطارنة أن يدرسوا وان يتكلموا باللاهوت وان يعطوا الناس اللاهوت السليم لأن السلوك الصحيح يأتي من الإيمان الصحيح. ولا يستطيع الانسان أن يخلُص بدون إيمان. ليس شغل الكنيسة أن تبني كنائس من حجر وحسب. شغلُها أن تبني الكنائس ليُعلّم فيها الإيمانُ الصحيح. وان كنا بالإيمان المستقيم، فنحن أغنى الناس ونحن أمجد الناس. نحن قائمون لكي نحفظ الإنجيل ونعيش بالإنجيل ونتمتع بجمال المسيح. فيما نحن نقيم ذكرى الآباء القديسين، جدير بنا أن نُجدد ولاءنا للعقيدة المستقيمة وولاءنا للكنيسة كما هي وحيثما تكون في الرعية التي نحن منها لكي يبقى الله بيننا ويسطع إيمانُنا بمحبته الى الأبد.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

من الموت إلى الحياة/ الأحد 6 تشرين الأول 2013/ العدد 40

لنا في إنجيل اليوم صورة شاب ميت ابن أرملة يقيمه السيد. يلتقي السيد الجنازة خارج السوق، والقـوم قـد وصلوا الى المقـابـر، ومع هذا لا يُسلّم المسيحُ للموت، لا يُسلّم لنهائية الموت، ويأمر الفتى أن يقـوم، ويـدفـعـه الى أُمـه.

سيـّد الحياة والموت يستطيع أن يُقيمنـا في اليـوم الأخيـر، وهـو يقيمنـا دومـا. تبـدأ القيـامـة اليـوم في القـلـب البشـريّ حسبمـا أجـاب السيـد أُخـت لعـازر لما قالت ان أخاها سيقوم في اليوم الأخير، قال لها: »انا القيـامـة والحيـاة«. معنـى ذلـك أن من كان للمسيح يتجـاوز كل ترضيض وكل تكسير يُحدثهما الموت فينا والخطيئة. ليس الموت سوى تجمّع خطايا، اذا تكدست طـوال العمر وفعلت في هذا الجسد. النفس والجسد واحد. انهما متماسكان حتى الموت. وينهار الجسد، ينهار بعد أن ورث من الطبيعة فسادها ومن الكون زواله ومن النفس كل تقهقر فيها. تتوافر هذه الاشياء لتحجب الجسد الى حين، لتجعله في الرحمة، حتى اذا انقضت الرحمانية كاملة في اليوم الأخير نُبعث الى الحياة الجديدة التي لنا في المسيح يسوع.

الإيمان من شروطه أن يُحسّ الانسان بأنه معرّض للكسر بالنهاية، انه وحده لا شيء، وان الله كل شيء. الانسان الذي يتبجّح ويحسب انه شيء قد أضاع الإيمان. والانسان الذي يحسب انه لا يستطيع النهوض بعد سقطة هو ايضًا أضاع الرجاء. ولكن الانسان الذي يعرف بآن معًا أنه معرّض للسقوط وقابل للنهوض من بعد سقوطه هو المؤمن الراسخ.

إنجيل اليوم يعطي هذا حجمًا كبيرًا اذ يضعُنا أمام شاب ميت زالت كل حياته منه، وأمام مخلّص حيّ هو كل الحياة. واذا اجتمع الحيّ مع الميت، يحيا الميت من جديد، يحيا مع الحيّ.

انعكاس هذا في حياتنا شرَحَه الرسول بولس في رسالتـه الثـانيـة الى أهـل كـورنثـوس لمّا قـال أن لنا هذا الكنـز، اي كنز النعمة، في آنية خزفية، في آنية من فخّار هشة تُكسر ليكون فضلُ القـوة لله لا للنـاس. كنـز النعـمـة في آنيـة مـن فخار تُكسر ثم يجمع الله القطع بعضها الى بعض حتى يدرك الانسان انـه كـان لا شيء وانه أصبـح بالله شيئا.

ترجمة هذا في حياتنـا اليـوميـة تـرجمـة صعبة ولكنها منقـذة. ليس صحيحًا أن النـاس يعـرفـون أنهم خطأة. خبرتي الكهنوتية دلّتني أن المسيحيين لا يعـرفـون حـقـًا أنهم خطـأة. يقـولـونهـا كلمـة، لـفظـة عنـدما يقـولـون: نحن خطـأة. معـظـم المسيحيين يحسبـون انهـم صالحـون. ولكـن مـن استطـاع أن يعـرف انـه فـي كـل يـوم يـزنـي، فـي عـيـنـيـه او أُذنيـه او في قـلبه يزني، فهذا على طريق القداسة. من استطاع ان يعترف أن تعامُلـه مع الآخـرين في العمـل وفي المجـتمع، فيه سرقة واحتيال، هذا بدأ سر الموت والقيامة. أن نشعر بأننا خطـأة وأن نرى أمامنا يسوع شافيا لكل مـرض، ان نجثـو أمامـه، وأن نـؤمـن بأنـه قـادر أن يعـطـي وبأننا قـادرون ان نُشفى الآن، وأن نبقى عـارفين أن هذا الإناء الفخاريّ يبقى خزفا هشًا، وانه معرّض للسقوط من جديد. وأن نعرف ايضًا أن الفضل لله لا لنا. هذا هو إيماننا. نحن أُناس من فخّار، والله هو إله العطاء والمحبة. الله يجمع الفخّار ويجبله من جديد بالحب الذي عند الفخّاريّ الكبير.

شاب نايين هو كل واحد منا، يقيمه الرب يسوع من الموت ويُسلّمه الى أُمّه الكنيسة كي يفرح فيها وتفرح هي به. هكذا نحيا منبثقين من قلب الفجر في نور المسيح.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

قواعد الأخلاق المسيحية/ الأحد 29 أيلول 2013/ العدد 39

يقول لنا إنجيل اليوم وهو مأخوذ من بشارة الإنجيلي لوقا: “كما تريدون ان يفعل الناس بكم، كذلك افعلوا أنتم بهم”. نجد هذا القول للسيد في إنجيل متى ايضًا (٧: ١٢). هذا قول ثانٍ والقول الأول، ولم يُقرأ اليوم، كان: “ما لا تريدون ان يفعل الناس بكم لا تفعلوه أنتم ايضًا بهم”.

عندنا في إنجيل اليوم قاعدتان أساسيتان في السلوك المسيحي: القاعدة الأولى هي أن نمتنع عن أذى الناس، ألا نشي بأحد، ألا نكذب، ألا نسرق، ألا نقتل. أيّ شيءٍ لا نتمنّاه لأنفسنا ينبغي ألا نفعلـه ضد الآخرين لأن الآخرين، كل الآخرين، هم أبناء الله والرب يفـرح بهـم، يضيئهم جميعًا بوجهه الى اي حيّ انتموا ومن اي فئة جاؤوا. فالناس كلهم لله، شاؤوا أَم أَبَوا، علموا به أَم لم يعلموا. وكما ان الأبنـاء في العائلـة قد لا يعرفون أن أباهم وأمّهم يحبّانهم، قد لا يشعـرون في ذاتهم بمحبة والديهم، مع ان الوالدين يحبّون اولادهم ويريدون لهم كل خير، هكذا الله معنا: يحب، يحب من يعرف نفسه ابنًا له ومن لا يعرف نفسه ابنًا له لأن هذه هي أخلاق الله.

والقاعدة الثانية في السلوك المسيحي أَوجَزَها لنا ربنا بقوله: “كونوا رحماء كما ان أباكم هو رحيم”. هكذا اختُتم إنجيل اليوم بعد أن أعطى السيد فيه أمثلة عن تعليمه: إن أقرضتم أحدًا ولم يدفع لكم فلا تكونوا ضده. لا تنتظروا أن تستوفُوا شيئًا، فالناس قد لا يبادلونكم العطاء بالعطاء.

المسيح لم يقل لنا: إن أحببتم الناس، يُحبّونكم بالضرورة. طبعًا هذه هي القاعدة أننا إذا أحببنا بشكل صحيح وعميق، بإخلاص، يبادلنا الناس المحبة. ولكن هذه ليست قاعدة منتظرة: قد يبادلوننا البُغض. قد لا يقدر انسان أن يحب. ولكن علينا نحن أن نتشبّه بالمسيح الذي أَحبّ أعداءه وغفر لهم وهو على الصليب، لأن المحبة غلاّبة في الأخير، هي دائمًا منتصرة.

هذا يعني أن لا نُقصي أحدًا عن قلوبنا، الا نجعل واحدًا في القلب وواحدًا خارجه. كلهم في الداخل ونعاملهم على هذا الأساس. القربى نُنشئها نحن، نحن نبادر بالاقتراب الى الناس ولا ننتظر منهم شيئًا. البشر في طبيعتهم لا ينفتحون على الآخرين، يتعصّبون لعائلتهم او قريتهم او طائفتهم. يظنون أن عائلتهم خير من بقية العائلات، وأن قريتهم أفضل من غيرها، وان طائفتهم خير من كل الطوائف. والواقع أننا كلنا من هذا الطين، كلنا مجبولون بالخطايا.

ما يقوله لنا الإنجيل هو أنه ليس من مجموعة بشرية امتازت بالأخلاق، هذا غير صحيح. توجد ظروف وانفعالات، ولكن البشر، الى اي مجموعة انتموا، بينهم خطأة كثيرون، كما بينهم محبّون كثيرون. الخطيئة والبر لا يحتكرهما أحد. الخطيئة موزّعة، والقداسة موزّعة.

عندما نجتمع معا لنُقيم الذبيحة الإلهية، نُعلن اننا جميعا واحد في المسيح، واحد في محبته، موزّعون قلوبنا الى الناس جميعا من أطراف الدنيا الى أطرافها، لنبقى أمناء حتى النهاية، والحب عندنا له الكلمة الفصل.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

معنى المناولة/ الأحد 22 أيلول 2013/ العدد 38

إن المناولة او سرّ الشكر كالمعمودية والميرون والزواج والتوبة والكهنوت تُسمّى أسرارا لأن بها شيئًا عظيمًا من صميم الله. نحن أمام شيء عميق محجوب عن الأنظار، ولكن الانسان يستطيع كلما ازداد إيمانه ان يقترب من فهمه. هذا لا يعني أن هناك من يفهم أكثر من غيره بالعقل. الله محاط بنور لا يُدنى منه. هنا اللاهوتيّ القدير والجاهل في الكنيسة يتساويان. لا يستطيع احد منا أن يحلل بعقله أسرار الله. الفرق بيننا ليس فرقا بين عالم وجاهل، لكن الفرق كله بين انسان يصلّي ويدرك في قلبه وانسان لا يمارس ولذلك لا يعرف.

تعلمون ان السيد أخذ التلاميذ الى علية صهيون وهناك أخذ خبزًا وقدّسه وبارك وكسر وأعطاهم قائلا: “خذوا كلوا هذا هو جسدي الذي يُكسر من أجلكم لمغفرة الخطايا”. وهذه الصيغة هي التي اعتمدتها الكنيسة في القداس مقتبسة اياها من الاناجيل ومن رسائل بولس. ثم بعد أن تناولوا طعام العشاء أخذ الكأس وقال: “اشربوا منها كلكم، هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يهـرق عنكـم وعن كثيـرين لمغـفـرة الخطايا”. تناول الخبز ثم الخمـر كما كان يفعل رب العائلة اليهـودي في العشاء الذي يقيمونه ليلة السبت ويتذكرون خروجهم من مصر. عنـدما تنـاول السيد ذلك العشاء في العلّية قـام بطقس عادي ولكنه صبغه بمعنى جديد. أعطى تلاميذه الخبز والخمر لكي يصبحوا مبصرين الى موته مشتركين في قيامته. اذن هذا الذي نتناوله معا في القداس الالهي مدخل لنا في سر الموت وفي سر القيامة. يسوع المسيح في ميلاده وصليبه وقبره وقيامته يأتي الينا في الخبز والكأس صباح كل أحد.

“اصنعوا هذا لذكري. كلما أكلتم من هذا الخبز وشربتم من هذه الكأس تُخبرون بموت الرب الى ان يجيء”. قبل ان يجيء المسيح ثانية، لنا أن نطلبه، ان نلتمس حضوره في ما بيننا. انه يأتي الينا بشكل خفيّ. لن يأتي بمجد الآن. سوف يأتي بمجد في اليوم الأخير، ولكنه قبل ذلك يأتي بصورة غير منظورة على الأرض، متواضعا مخفيا عن الأنظار. لما ارتفع عنا وعد قائلا: “ها انا معكم كل الأيام الى انقضاء الدهر”. كيف يكون معنا الى انقضاء الدهر؟ بالمناولة: “خذوا كلوا هذا هو جسدي… اشربوا منه كلكم هذا هو دمي”. أي انني سأكون معكم في كل حقيقتي كما كنت هناك في فلسطين. أعيش بينكم كما عشت بين اليهودية والجليل. هناك كان التلاميذ يرون فيّ جسدا، وجها، يدين وقامة، وانتم الآن في كل قداس تجتمعون فيه بالصلاة والمحبة والتوبة والتواضع، تتقدمون الى الكاهن بخبز وخمر. يرفع هو هذا الخبز ويرفع هذه الكأس، وبسبب محبتي أجعل هذه الخبزة جسدي وهذا الخمر دمي، اجعلهما كياني، إنها انا. فإذا أخذتموها لن تكونوا آكلين خبزة عادية، ولكنكم تكونون آخذين نفسي وروحي وألوهيتي وكياني.

المسيح محبة لأنه أراد ان يجمعنا الى الله أبيه عن طريق المحبة. وجه من وجوه هذا السر الذي قلما ننتبه اليه هو أن المسيحيين يصبحون كيانا واحدا عندما يتناولون معا. بولس يقول: “انتم جسد واحد لأنكم تأكلون من الخبزة الواحدة” (١كورنثوس ١٠: ١١)، ولذلك تلاحظون أن المسيحيين يستغفرون قبل المناولة كما يفعل الكاهن، اي ان الواحد يطلب العفو، الغفران، من الثاني قبل ان يتناول. المعنى العميق لهذا أن هذا السر (المناولة) هو اتحاد بين المؤمن والمسيح من جهة وبين المؤمن والمؤمن من جهة ثانية. في المناولة يصبح كل منا مسيحا. في لحظة مباركة من لحظات الوجود لا يعرف الانسان إن كان هو على هذه الأرض أم صار في السماء. لا يعرف إن بقي من تراب أَم صار من نور. لا يعرف إن بقي انسانا أَم صار إلهًا.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

الصليب / الأحد 15 أيلول 2013/ العدد 37

لـمــاذا نُصرّ على الصليـب؟ على رسم إشارة الصليب؟ لأننـا نعيـش في نطاقـين: النطـاق النـفسي والنطـاق الجسدي، وكلاهـما يعبُد الـرب. يعبُـدانـه معـًا.

هكذا الـمـصافحــة بين شخصين حيـث اليـد تتحـرك لأن القـلب اختـلـج. هكذا القبـلـة. هـذه ليست اصطنـاعيـة. الـمــصافحـة رمـز، إشـارة تحتــوي معـنـاهـا وتنـقـله.

بالـروح عينـها نتقدم الى الـمـناولـة الإلهيـة وذراعانـا مضمـومتان على الصدر بشكـل صليب. والشمّاس يطـوي الـزنـار الذي يتمـنطـق بـه، يطـويـه بشكـل صليـب على صدره ليـدل على انـه مصلـوب مع الـمـسيـح ومُبيـد الخطيئــة. اما في الـمــعـموديـة فيُعطى الولد صليبا يُعـلّـق في عنـقه لكي يذكُـر على الـدوام ان مخلّصـه حـيّ.

ينبغي ان نتصل بالـلـه بالقـلب كلـما صلَّبـنـا وجوهـنـا لا أن تـأتي علامة الصليـب آلـيّة. نحـن لسنـا في عالـم السحر حيـث الاعتـقاد أن الساحـر اذا قـام ببعـض إشـارات يـأتـي بنـتـيجـة معـيـّنــة. إشارة الصـليـب عنـدنـا مصحــوبـة بذكر الـمخـلّص او الثالــوث جـمـلـةً.

في الاتجاه نفسه ظهر إكرام الصليب كأداة توضع في الكنـائس أو أماكـن اخرى منـذ القرن الثـالث. في القرن السادس نرى الـمـصلوب مرسومـا على الصليـب. ولكن في البـدء نجد يسوع لابسا حلـة ملـوكيـة ومفـتـوح العـينين لكـونـه غـالـب الـمـوت. في العالـم الارثوذكسي لا نعـرف الصليـب عـاريـا. الـمخلّـص مـرسوم دائما، الأمر الذي يجعـل الصليب عنـدنـا أيقـونـة لـها شكـل خاص. ويُستعمـل لـلبركـة ولتقـديـس المــــاء يـوم الظـهـور الالـهي.

أقدم شهادة عن إشارة الصليـب هي مـن القرن الثاني الـمـيلادي. انها ممـارسـة منـذ العصـور الاولى ولـم نبتـدعها ابتـداعا. وحتى الانشقاق سنـة ١٠٥٤ وبُعيده، كان العالـم الـمـسيحي يمارسها على الطـريقـة التي نحتـفـظ بهـا نحن (ثـلاثـة اصابع مضمومـة والاشارة مـن الجبين الى الصدر الى الكـتـف اليمـنى اولا). وعنـدما يرسمـها الكـاهـن على الشعـب يُنــزل يـده مـن فوق الى أسفـل ثم ينـتقـل الى جهـة اليسار قبـل اليمين ليـأتي الـرسـم على يمـين الـمـؤمنين. هذه العلامة يرافقها دائما ذكْر الثالـوث الـمـقدس: باسـم الآب (او الـمجد للآب) والابـن والـروح القـدس او قـدوس الـلـه، او ايّ دعاء يتضمـن معـنى السجود، اذ نشيـر بذلـك الى ان الثالـوث الإلـهي منـذ الأزل صمّـم مـوت الابـن على الصليـب “فالمسيـح ذبيـحٌ قبْـل إنشـاء العـالـم”.

اما الإكرام في العبـادات فيـوما الاربعـاء والجمـعـة مـن كل اسبـوع مركّـزان على “الصليـب الكـريم المحيـي” ربمـا لكـونهما يـومي صيام بـل اول صيـام ظهـر في المسيـحيـة. كذلـك نصوم في ١٤ أيلـول يوم عيد ارتفاع الصليب لأن الصيام نـوع مـن مشاركتنـا آلام السيـد.

الى جانب هذا الـعيد لنـا عيدان آخران. في اول آب عنـدنـا تـزييـح الصليـب اذ كانت الأمـراض تكـثـر في آب في القسطـنطـينـيـة فكـان يُطـاف بـيـن اول آب و١٥ منـه بعـود الصليب في شـوارعها لتقـديس الأمكـنــة ورفع الأمـراض، ثـم يـوضع في مكـان لكي يـراه الشعـب ويسجد لــه. ثـم فـي الأحـد الثـالـث مـن الصوم نعـيّـد فيـه لـلصليـب حتى يشتـدّ حبّـنـا لـلسيـد ولا تتـراخى عـزيمتـنـا بسبـبٍ مـن تـعـب الصـوم.

هكذا نشهـد بالرمـوز والعبـادة لسـر الخـلاص.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

“بالنعمة أنتم مُخلّصون”/ الأحد 8 أيلول 2013/ العدد 36

بعد القيامة الذي صعد الى السماء هو المسيح في جسده لأن الصعود نتيجة القيامة.

قلنا في جسده صعدَ لأنه في ألوهيته كان دائمًا في السماء. نزل من السماء تدل على التجسد والصعود الى السماء تدل على ارتقائه بجسده القائم من الموت الى حضرة الآب والروح القدس.

ان رفـع مـوسى الحيـّة النحاسيـة كـان صـورة عـن رفع السيـّد على الصليـب. هكـذا نـفـهم ان الإيمان بالمصلوب يعطـي الحيـاة الأبـديـة التي قـال عـنـهـا إنـجـيل يوحنا: “والحياة الأبدية هي أن يعرفـوك أنت الإله الحـق وحـدك ويعـرفـوا الذي أرسلته يسـوع المسيـح” ١٧: ٣). هي حياة لنا منذ هـذا العـالـم. ان نعـرف الآب ونعـرف الابن ونتيـجـة لذلـك ان نعـرف الــروح القـدس هـو ان نعيـش فـي الثـالوث القـدوس وبالثالوث الـقـدوس. نحــن نصعـد اليـه وهـو ينـزل الـيـنـا.

نحن نعـرف انه يحبنا لأنه بذل نفسه عنا لما رفع على الخشبـة اذ أحبنا حتى الموت موت الصليب وليس حـب أعظم من هذا. وعند ذاك لا نموت بل تكون لنا الحياة الأبدية.

بموته رفع الدينونة عنا وبتنا مُخلّصيـن بـه. ونـلـنـا الحيـاة الأبـديـة منذ الآن. هي ليست مرجأة الى ما بعد الموت إذ تبدأ فينا بالمعمودية وتستمر بالإيمان. في المسيح لا فرق بين ما هو قبل موتنا وبعد موتنا. وفي المعـمـوديـة نمـوت مـع المسيـح ونقـوم بـه.

هذا هـو بهـاء الإيمان المسيحي اننـا نعـرف اننـا أحيـاء بالمسيح الساكــن فينـا بروحـه ويقضي فينا على أسباب المـوت الروحـي إذ يحيينـا دومـًا بالنعـمة. “بالنعمـة أنتم مُخـلّصــون”. مُخلّصون اليـوم وغـدًا ودائمـًا. أنتـم تتـكــوّنـون مـن الـنعـمة ولا تبقـون فـقـط لحمًا ودمًا لكونكم أبناء الله صـرتـم إلهـييــن وتـبـقــون كذلـك بالإخـلاص.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

يسوع في مجمع الناصرة/ الأحد أول أيلول 2013/العدد 35

يسـوع تجـوّل في الجليل اي في فلسطين الشماليـة، وأهم مدينـة فـي الجليـل النـاصرة التي كانت مدينتـه. توجـّه إلى المجمع الذي يجتمع فيـه اليهـود يـوم السبت وتتـلى عليهـم مقاطع من العهد القديم حسب ترتيب موضوع، فدُفع اليه كتاب إشعياء النبيّ وهو مخطوط مع اسفار اخرى فقرأ فيه، فوجد مقطعًا من السِفْر: “ان روح الرب عليّ…” من نبوءة إشعياء، ففسـّر هذا المقطع على أنه متعلـّق به اي اعتبـره موقعـا نبويـا بالمعنى الذي تعتمـده المسيحيـة اذ رأى ان هذا المقـطع يشيـر اليه او يتنبأ به. هكذا يجـب ان نفـهم ما ورد في إنجيـل اليـوم: “اليوم تمـّت هذه الكتـابـة”، أي اليـوم حقّقتُ ما قـالـه الأنبياء.

المعنى ان يسوع يعلّم ان العهـد القـديم رأى اليه وتحدث عنـه او أشار اليـه. قرأ السيّد إشعياء، وكشف ان قول النبيّ: “ان روح الرب علي” وما يليها الـواردة في سفـر لوقا والمقتبسة من إشعيـاء، كشف ان هذه الأقـوال متعلّقـة بـه.

العهـد القـديـم كـان مـخطوطًـا على صحـائف من البردي (نوع من الـورق) ملفوفة حول بكـرات. وكـان القـارئ يأخذ البكـرة المكتـوب عليهـا المقطـع ويقـرأه. فـي الـواقـع أدار السيـد البكـرة وقـرأ فـيهـا ما ذكـره الإنجيل هنا. كشف يسـوع أن إشعياء يتكـلّم عنـه نبـويـا. أبـان أن الأعـمال المذكـورة عنـد النبـي (تبشيـر المساكيـن، شفـاء العميـان) ستكـون أعمـال المسيـح. لهـذا قـال ان ما قالـه العهـد القـديم عنـه يتـم الآن.

يسـوع يقـرأ العهـد القـديـم ويـفسـّره. أحيـانـًا يـربـط الإنجيليـون حوادث سيـرة السيـد بالعهـد القـديـم، أي يشـرحـون أنـه يشيـر إلى العهـد الجديد بحيـث جـاء هـذا تطبيقـًا لـذاك. يقـول الإنجيليـون أحيـانـًا “ليتـم ما قيـل بالنبي القـائـل” أو شيئـًا كهـذا. انهم يـرون الـرابـط بيـن العهـديـن.

فـي مجمع النـاصرة، السيـد نـفـسـه رأى الـرابـط بين عملـه وشخصه مـن جهـه ونبـوءة إشعيـاء مـن جهـة. بـدا الـرب يسـوع مفسـّرًا لما يتعـلـق بـه فـي العـهـد الـقـديـم. نـرى هـنـا المـخلّص نفسه يفتتـح التـفـسيـر للرسـل مثـل بولس الذين كانـوا يـذكُـرون آيـات مـن الـعـهـد الـقـديـم فـي كـتـبـهـم ويـفـسـّرونـهـا.

هنـا يـجـب أن يعـرف القـارئ المسيـحـيّ انـه لا يستـطيـع ان يـفـهـم شـيـئـًا فـي العـهـد الجـديـد إلا مستـنـدًا إلى العهـد القديم. لذلك كان الانصـراف عـن العـهـد الـقـديـم الذي نلحظـه أحيـانـًا اليـوم انحـرافـًا عـن الخـطّ المـسـيـحـي المـتـّبـع عـنـد آبـائـنـا.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

الوعظ / الأحد25 آب 2013/ العدد 34

عندما يقول الرسول “نحن عاملون مع الله” لا يريد اننا نقوم بجزء من العمل والله بجزء. انها مشاركة ليس لنا فيها حصة الله غائب عنها. أراد بولس ان يعطي لعملنا صورتين واحدة من الفلاحة “أنتم حرث الله” وواحدة من بنيان البيوت “أنتم بناء الله”. والتشبيهان واحد.

ثم يذهب بـولس الى القول انه وضع الأساس ويؤكد انه المسيح. ولا تُعطى انت ان تأتي بأساس آخـر. وكل الذين – بصورة او بأخرى – نعتبـرهم في الكنيسـة هامين جدا ما كانوا يـرون انفسهم الا قائمين على الأساس الواحد الذي هو المسيـح. الآباء ومن بعدهم كبار اللاهـوتيين مفسـرون او ناقـلون للرسالـة ولكنهم لم يأتوا بأساس آخر اذ ليس من أساس آخر. من لا تستطيع ان ترد فكره الى السيد بطريقة او بأخرى ليس بشيء.

هذا لا يعني ان كلام التعليم عندنا هو تكرار لما قيل بحرفيته عند القدامى ولكنه يجب ان يكون مطابقا له في الجوهر او المضمون.

لم يقل الرسول انك تكرر حرف الإنجيل اذ لا يكون عند ذاك فكر يسوع في الكنيسة. أنت تؤيد ما قاله الكتاب بطريقتك وأسلوبك حسب ما يقتضي المقام او لتوصل جوهر الكتاب الى سامعيك او قارئيك. تلاوة الكتاب المقدس لها مكانتها في عباداتنا ولكن التفسير له ايضًا مكانته، من هنا اننا بعد القراءة نعظ اي نحاول تقديم الفكر الإلهي الى الفكر البشري، الى الناس الذين هم أمامنا في الكنيسة. هناك ضرورة لقراءة الكتب المقدسة كما هي لننضبط بكلمة الله كما جاءت وهناك ضرورة لتبليغها. فكما ان بولس نقل الى قرائه المسيحيين العهد القديم بلغتهم اي حسب تربيتهم نحن ننقل الى عقول معاصرينا معنى العهدين القديم والجديد حتى يستوعبوهما.

بفضل التفسير كل نص سابق لعصرك يحتاج الى ان يدخل الى العقول الحاضرة فتأخذ أنت بعين الاعتبار هذه العقول وتخاطبها بلغتها لتصل اليها الحقيقة الإلهية الثابتة.

أنت تأخذ نصًّا معتمدًا في الكنيسة اي إلهي المصدر وتحاول تبليغه الناس كما تعرفهم في ثقافتهم ومسائلهم لكي يصبح الكلام الأبدي في ذائقة الناس. تأخذ هذا الكلام وتمتحنه بالأساس الذي بين يديك اي تمتحن المؤقت بالأبدي فيبقى من المؤقت ما يوافق الأبدي ويندرج الأبدي بالمؤقت ليصلحه ويثبته في ما هو دائم.

الموهبة الروحية عند الواعظ العميق ان يبقى دائمًا مخلصًا للإيمان فلا يبتدع اي لا يأتي بفكر منحرف وان يخاطب العقول التي أمامه بحيث يؤهلها لقبول ما استلمنا من القديسين. على الواعظ كما على المعلّم ان يحرص على ان لا يعلّم آراءه ولكن فكر الرب.

هذا يتطلب الجمع بين الإخلاص لما استلمنا والأسلوب التربوي الذي يؤهل المتكلم ان يصل الى سامعيه.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

الفكر الواحد/ الأحد 18 آب 2013/ العدد 33

عندما يطلب الرسول الى أهل كورنثوس ان يقولوا قولا واحدًا لا يريد أن نقبل اي كلام يقولونه ولو كان واحدًا ولكنه يريد ان يأتي هذا الكلام من روح الرب يسوع.

فالمؤمنون يمكن أن يجتمعوا على خطأ. الإجماع الصادر عن المحبة يدل مبدئيا على ان مصدره المسيح. اذ ذاك يأتي قولا واحدًا لأن المسيح لا يُلهم هذا شيئا وذلك شيئًا آخر. أنت تقبل قولا اذا أتى من روح يسوع.

لقد شجّع بولس على ان يقول المؤمنون قولا واحدًا يأتيهم من إلهام الروح القدس. فإذا تطهروا وكانوا في المسيح لا يمكن ان يختلفوا. اما اذا كان بينهم شقاقات فكلامهم ليس من المسيح.

المسيح يُلهم الناس اليوم ما يوافق الإنجيل. اذا تكلّمت كما يريد الإنجيل لا خوف عليك والجماعة التي تخاطبها، اذ ذاك، تكون قد استلمَت عنك الإنجيل. في ظرف واحد ومكان واحد الذين هم للمسيح يقولون قولا واحدًا في أمور دنياهم. اختلاف الناس كثيرًا ما يعني ان ليس في عقولهم معايير روحية يرجعون اليها. الذين يحتكمون الى الله ان لم يكونوا أغبياء يقولون قولا واحدا. على الأقـل عنـدهم حكمـة المسيـح الأقـوى من حكمة اهل هذا العالم. أنت ان كنت حكيمًا حسب المسيح تذهب بالناس الى هذه الحكمة. انت لا تقتبس مواقفك مما اصطلح الناس عليه على انها الأحسن. في الإنجيل معايير تمكنك من الحكم على ما يجري حولك. هناك تحليلك للأوضاع المحيطة بك ولأحوال عائلتك ووضع طائفتك الاجتماعي وطوائف اخرى. ولكنك لا تحكم انت على الأشياء فقط مما تلحظ حولك. أنت تأتي من فوق، من حقيقة الله التي لا تتغير. هناك كلام إلهي يحييك لأنه ثابت وكلام بشري يأتي من العلم والفلسفة والتأمل بالعيش. كلام الرب لا يلغي واقعية الحياة ولكنك لست عبدًا للواقع. تسكب عليه دائمًا الرؤية الإلهية. أنت وُلدت في الأرض ولكن أعماقك تأتي من السماء. وإذا نزلت من السماء تصعد اليها. أنت حراك بين السماء والأرض ولكنك تبقى مشدودًا الى فكر المسيح الذي “أخلى ذاته واتخذ صورة العبد. وتواضع وأطاع حتى الموت على الصليب” (فيليبي ٢: ٨). ففكر المسيح فينا يعني اولا قبولنا للرب بالإيمان ومن بعد ذلك السلوك بالأعمال الصالحة.

الإيمان والعمل الصالح معًا هما ينبوع القول الأحد لأننا نتكلّم من مصدرين مما أخذنا اولا من كلمة الله وما ألهمنا به العمل الصالح الذي نتممه. هذا هو ايضًا مصدر للفكر فالإيمان يؤتينا العمل والعمل الذي تثمره الفضائل يصير عندنا مصدر فكر مستقيم.

الفكر الصالح وان صدر عن الفرد انما يأتيه من الإلهام الذي جاءه من الصالحين. عندما نتكلم عن استقامة الرأي التي تترجم الكلمة اليونانية “أرثوذكسية” نفهم انها فكر الأنقياء المستنيرين بالإيمان القويم والذي تُمارس به الأعمال الصالحة.

الإيمان ليس عملا فكريا مجردا. هو نفحة إلهية فينا مدعومة بما ورثناه من القديسين والآباء الأوائل. هو ما نزل على الجماعة المصلية كلها. يعبر عن صلاتها. القديسون عندهم إيمان واحد لأنهم أخذوا فكرهم من الإنجيل الواحد والصلاة الواحدة ولكونهم تمرسوا بالفضائل الإلهية الواحدة. هذا هو فكر المسيح.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

الأقوياء والضعفاء/ الأحد 11 آب 2013/ العدد 32

لا يجوز أن يفتخر القويّ على الضعيف، فكل قوة روحية عندنا هي من الله. ولا نعرف سر انحرام الضعيف من القوة. لا يحق للضعيف أن يكتفي بضعفه ويعزّي نفسه بقوله انا هكذا. عليه أن يسعى الى ما هو أحسن لأن موهبة الله لا تنزل علينا آليّا إنما تعمل فينا بمؤازرتنا.

في أية حال كنا عليها، نسعى لأن الترقّي ممكن في كل حال. ليس هناك ذروة نبلغها. هناك دائمًا ذروة أعلى حسب قول الرب “كونوا كاملين”. وان لم تكن هناك حالة كمال قصوى، فنحن مدعوّون إلى أن نتخطّى كل وضع نكون فيه إذ هناك دائمًا الأفضل. لم يضع الرب حدًّا للكمال في السعي، في دوام السعي إذ المُبتغى أن نبلغ الله الذي فوق كل سعي.

كلمة الرجاء التي يذكُرها الرسول في هذه الرسالة تعني أن هناك دومًا مستوى أعلى من الذي وصلنا اليه علينا دائمًا أن نطلبه لنتفوّق على الحال التي نحن عليها، اذ لا يجوز ان نتجمّد في الموضع الروحي الذي وصلنا إليه. الوضع الذي يطلبـه الـرب إلينا هو ليس فقط وضعا الى الأمام، الى المستقبل. انه قبل كل شيء، الوضع الذي يريدنا الله أن نسعى اليه.

وليس المعنى أن الأفضل وضع المستقبل ولكن المعنى أنـه الحالـة هي التي يـريـدنـا الرب أن نكـون عليها. وهذا يتطلّب كما تـوحي الـرسالـة “رجـاء وصبـرا”. والرجاء أن نعمل مع الرب، والصبـر أن نستـمـرّ على العمل معـه. فكـرة العهـد الجـديـد أننا شركاء الله في عمله فنُثمر النعمة التي يعطينـا. نحن لا نتلقّى النعمة وننتـظـر أن تثمـر من ذاتها اذ انها تثمر بقبولنا إياها اي بسكب ما فينا من قوى لنلبّي إيحاء الرب لنا فنكـون وإيـاه واحدًا في العمل. نحن بطاعتنا نقـدّم له مواهبنا، وهو يُثمرها، فيكون كل منا، اذ ذاك، شريكًا له. الله لا يغتصبنـا. ينتظـر تلبيتنـا نـداءه وأن نعمـل معـه. لا يعطّـل الله عقلنا ولا يجعل عقله مكان عقلنا. وإذا قلنا ان الرب يُلهمنا، نريد أنه يعمل من خلال إرادتنا.

نحن في الطبيعة شركـاء اللـه. نصبح هكذا بنعمتـه، اي نصبـح بها أقـوى مما كنا وأنجع. الله لا يلغينا. هو يمدّ بنعمته بشـرًا موجـودين. هو يريدنـا معـه. من المسيحية الإيمان بأننا شركاء الله. لقد تنـازل الله الينا في سر تجسّد ابنه ورفعنا حتى نُتمم خلاصنا معـه وبه. هو يخلّص ناسًا موجـودين ويريدهم أن يحفظـوا ذواتهم لا أن يلغـوا ذواتهم، ولكن لا ذات لهم خارجـا عن عطائـه. لا يريد الرب أن يعمل هو كل حياتنـا. يريد هذه آتية من حياته، ولكن يريد لنا وجـودًا ذاتيا وأن نتخذ بعضُنا بعضا. ليس أحـد مع الآخـر إن لم يكن مع الله. أنت لا تكون مع أخيـك ما لم تكـن اولاً مع ربك. معيّتك معه هي التي تجعل لك معيّة مع أخيك، وهو إذ ذاك يراك واحدًا معه.

إن تقوّيت انت به ُ. وحدك لست بشيء. معه تصبح ذاتك حقًّا. لا يمكنك أن تُكمل نفسك وحدك. إن لم تُرِدْه شريكًا لك لا تصل الى شيء. به انت قويّ.

Continue reading