Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2010, مقالات, نشرة رعيتي

والدة الإله/ الأحد في 21 تشرين الثاني 2010 / العدد 47

عيد دخولها الى هيكل اورشليم منذ طفولتها يعود الى ما بين القرنين السادس والثامن للميلاد. هو عيد رمزيّ معناه أن الله هيّأ مريم منذ وقت باكر لتصبح أُمّ يسوع وتُقدّم لنا الخلاص به.

ما من حدثٍ مذكورة فيه العذراء قبل البشارة.

اختيرت القراءة الإنجيلية اليوم لنذكر مريم باسمها، ولكن المذكورة في القراءة هي أُخت ألعازر. التلاوة الإنجيلية تتحدث عن بيت فيه مرتا وعن أُخت لها اسمها مريم. هذه «جلستْ عند قدمي يسوع تسمع كلامه». هاجسها لاهوتيّ. اما مرتا فكانت مرتبكة بشؤون البيت. هذا أمر ذو أهمية ولا سيما أن عندها ضيفا كريما.

نعرف من إنجيل يوحنا أن هذا البيت كان في بيت عنيا. بعد دخول يسوع البيت وجلوسه، قالت مرتا للسيد: «يا رب أما يعنيك أن أختي قد تركتني أَخدم وحدي؟ فقل لها أن تساعدني». يسوع يستطيع أن «يمون» في هذا البيت. إذ ذاك أجابها المعلم: «مرتا، مرتا، إنك مهتمّة ومضطربة في أمور كثيرة، وإنما الحاجة الى واحد». لم يقل: الحاجة الى شيء واحد، ولكنه قال: الى واحد. ربما عنَت الكلمة الحاجة الى شخص واحد وهو أنا. ثم أكمل قوله: «فاختارت مريمُ النصيب الصالح الذي لا يُنزع منها». العمل الأصلح أن نُصغي الى يسوع ونسمع كلامه وتاليا أن نُحبه.

ينتهي الكلام عن مرتا ومريم. يبدأ كلام آخر من موضع آخر في إنجيل لوقا، اقتبسته الكنيسة من هذا الموضع وأَلصقته بالكلام الذي جرى بين يسوع ومرتا ومريم. في هذا الكلام الأخير «رفعت امرأةٌ صوتها وقالت له: طوبى للبطن الذي حَمَلَكَ». هذا كلام فيه تعظيم لوالدة الإله دون أن يتبيّن سبب هذا التعظيم. يسوع لا يُبدي رأيه المباشر في هذا التعظيم ولكنه يقول: «بل طوبى للذين يسمعون كلمة الله ويحفظونها». ليس المعنى أنّ الرب يُقلل من أهمية أُمومة مريم له. ولكنه يرفع أهميتها الى كونها تسمع كلمة الله وتحفظها. أهم من علاقات الدم علاقة الانسان بكلمة الله سماعًا وحفظًا.

هل يعني هذا أن والدة الإله كانت تقرأ الكتاب المقدس؟ هناك أيقونات تُمثّلها قارئة لما جاءها الملاك. هذا ليس غريبا، فما من شك أن علماء اليهود كانوا يُعلّمون المؤمنين. هؤلاء أكانوا أُمّيين أَم قرّاء كانوا يستمعون الى الكلمة في الكنيس يوم السبت كما يستمعون الى المواعظ في اللغة الدارجة.

هذا العيد إشارة من إشارات عديدة على أهمية مريم العذراء، في الوجدان الأرثوذكسيّ. اللافت أن النصوص المريميّة طوال الأسبوع وعلى امتداد الشهور كثيرة جدا. التابع ليسوع لا يسعه أن يُهمل في تقواه مكانة مريم في التجسد الإلهيّ.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

السامري الشفوق/ الأحد 14 تشرين الثاني 2010 / العدد 46

مَثَل أي حكاية، من أجمل أمثال الإنجيل التي تدلّ على الرحمة المجّانية. تبدأ القصة بسؤال أحد علماء الشريعة (هذا هو معنى كلمة ناموسيّ)، والسؤال الذي طرحه هذا صادرٌ عن سوء نيّة، وهو «ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟». أجاب السيّد عن السؤال بسؤال: «ماذا كُتب في الناموس (أي في شريعة موسى)؟». أَعطني جوابا من الكتاب. فأجاب هذا الرجل: «أَحْبب الربّ إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قدرتك ومن كل ذهنك وقريبَك كنفسك». هذه الوصية هي في الحقيقة مجموعة وصيتين، إحداها من تثنية الاشتراع (6: 4)، والأخرى من سفر اللاويين (19: 18).

أمام كلام يسوع سأل هذا المعلم الرب: ومَن قريبي؟ فقال له ان إنسانا كان منحدرا من اورشليم الى أريحا، فوقع بين لصوص اعتدوا عليه. في القرن الرابع يؤكد المغبوط إيرونيموس أن هذه الطريق الوعرة كانت مملوءة ببدوٍ يسرقون المارّة. كان كاهن من خدّام الهيكل نازلا من هناك من بعد أن أدّى خدمته الكهنوتية في الهيكل، كان نازلا الى أريحا حيث كان بيته. ثم مرّ لاويّ وهو من الذين كانوا يخدمون الهيكل. كلاهما عبَرَ ولم يهتمّ بهذا الجريح الملقى على الطريق. والمفروض أنهما تعلّما شيئا من الشريعة.

أخيرا مرّ سامريّ وهو غريب الجنس والدين أو ذو يهوديّة منحرفة. السامريون كانوا يَقبلون كتب موسى الخمسة وكانوا يرفضون كتب الأنبياء. هذا السامريّ كان علمانيا، تاجرا غالبا يمرّ بهذه الطريق. هذا استوقفه مشهد هذا الجريح «فلما رآه تحنّن»، وأخذ يهتمّ به وبجراحه، وأتى به الى فندق يرتاح فيه بعد أن ضمّد جراحه سريعا إذ صبّ عليها زيتا وخمرا، وكان أملُه أن يُكمل صاحب الفندق العناية به وأَعطى الإنجيل تفاصيل عن هذا.

انتظر المعلّم الناموسيّ جوابا من يسوع، ولكن الرب ردّ على سؤاله (مَن هو قريبي)، فقال هذا الرجل الذي صنع معه الرحمة. الرب لم يحدّد له من هو قريب الإنسان. لم يوضح له من هو القريب مباشرة. سؤال يسوع كان: «أيّ هؤلاء الثلاثة تحسب صار قريبا للذي وقع بين اللصوص؟». نحن لا نقول من هو القريب. نحن ندفع الإنسان أن يصير قريبا بالرحمة والمحبة لأي إنسان من جنسه او من دينه او ليس من جنسه ولا دينه.

هذا المثل يكمل كلام يسوع: «أَحبوا بعضُكم بعضا»، وإن كانت تعني أصلا أَحبوا أهل الإيمان، إنّما شرَحها بولس بقوله: «أَحسنوا الى جميع الناس ولا سيّما الى أهل الإيمان». ليست المحبة محصورة بشخص او بفئة، ولا علاقة لها بانتماء المُحسن الى عقيدة ولا بعلاقة المحسَن اليه بعقيدة او حزب. السامري الشاذّة عقيدته أَحسنَ الى سواه.

لا تنظر الى أية صفة في المحتاج لتعطيه بمحبة او تخدمه. أَعطِ ما عندك أو أعطِ نفسك بمحبة ترَ وجه الله على مَن ساعدت وأَحببت.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

المسيح سلامُنا/ الأحد 7 تشرين الثاني 2010 / العدد 45

من هموم بولس في هذا الفصل من الرسالة الى أهل أفسس أن يُبين الوحدة التي قامت بموت المسيح وقيامته بين اليهود والأمم (الوثنية). لذلك ذهب الرسول الى القول الأخير، فلم يقل ان الرب أقام السلام، ولكنه قال انه هو السلام. كان اليهود يحتقرون الوثنيين، فجاء بولس وقال ان السيد «جعل الاثنين (أي الأُمتين) واحدًا، ونقض في جسده حائط السياج الحاجز (وهو الناموس الفاصل بينهما) وأبطل ناموس الوصايا» أي الفرائض الشرعية (لا تمسّ الموت، منع أكل الخنزير) لا الفرائض الأخلاقية المتمثّلة خصوصا في الوصايا العشر.

لم يقل بولس في رسالته ان اليهود والأمم صاروا أُمة. قيلت في مكان آخر انهم صاروا «إنسانا واحدا جديدا»، ويعني بذلك أنهم صاروا جسد المسيح. وأوضح توا بعد ذلك أن هذا صار في الصلب. ينتج من الصلب البشارة بالسلام.

ينتج من هذه الوحدة أن لليهود والأمم معا التوصل الى الآب في روح واحد أي في الروح القدس الواحد. فاذا كنتم في طريق واحد الى الله «فلستم غُرَباء بعد ونُزلاء». إنكم جميعا إخوة في الكنيسة و«مواطنون القديسين». ربما عنى بهذه العبارة مسيحيي أورشليم، وربما عنى جميع المؤمنين، وهي عبارة مرادفة لمن سماهم أهل بين الله.

«وقد بُنيتُم على أساس الرسل والأنبياء». يعني بالرسل طبعا الاثني عشر. «وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي». أما «الأنبياء» فتعني كلمة الأنبياء في العهد القديم، وهذا ما يُثبت لنا المعاني التي قصدها الله في العهد القديم الذي بقي في الكنيسة يُقرأ عشية الأعياد الكبرى وفي صلوات الصوم ومنها القداس السابق تقديسه.

وأيّة كانت الحجارة القديمة والحجارة الجديدة لهذا البيت (الكنيسة)، يبقى المسيح «حجر الزاوية»، وهو ما يُسمّى في لبنان «حجر الغلق» في بناية العقد الذي تتماسك به كل جدران الغرفة. لذلك يقول الرسول «ينمو هيكلك مقدسا في الرب». وهو هنا لا يريد الكنيسة كمبنى حجريّ ولكن جماعة المؤمنين كمبنى روحي في هذا البناء الروحي تُبنون أنتم يا أهل أفسس أيضا مسكنا لله في الروح (القدس).

بالمعمودية والميرون والقرابين تصبحون حجارة روحية في هذا المبنى الجديد المتناسقة أعضاؤه بالروح القدس. وتنمون كل يوم في الروح الإلهي الذي أخذتموه في المعمودية. كل منكم نال نعمة التبنّي لله، ومجموعتكم أبناء الله ناتجون من احتضان يسوع إياكم.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

المجد الأخير/ الأحد 31 تشرين الأول 2010 / العدد 44

ينطلق بولس، في هذا المقطع من الرسالة إلى أهل أفسس، من رحمة الله للبشر، ثم يسمو الى محبته التي أَحبّنا بها فيما كُنّا تحت نير الخطيئة و«أَحيانا مع المسيح»، وبهذا يقصد أنه أقامنا معه. كنّا في صميم قيامته، وهذا كله لا يأتي من حسناتنا «فإنكم بالنعمة مُخلَصون». والنعمة دائما مجّانيّة أكُنّا على شيء من الصلاح وكثير من الشر. محبته تُملي عليه أن يُنزل علينا نعمته.

ثم على كوننا كنّا في قلب قيامته، يؤكّد من جديد أنه ضَمّنا اليه في قيامته و«أَجلسنا اللهُ في السمويات في المسيح يسوع». وهذه الحقيقة نُعيّد لها يوم خميس الصعود. ومعنى ذلك أنه لمّا جلس يسوع عن يمين الآب في بشريته كنّا معه في صميم البشرية.

جلوس السيد عن يمين الآب وعدٌ للبشرية المؤمنة بهذا الجلوس نفسه. هو نزل إلينا بالتجسّد وعاد الى الآب بالصلب والقيامة.

ويرى بولس الرسول أن نتيجة هذا الصعود أن يُظهر الآبُ في كل الأزمنة الآتية «فَرْطَ غنى نعمته». هو في حالة الذهول امام عظمة هذه النعمة التي نلناها بالمسيح.

ولكن، حتى لا يظنّ القارئ أنه بجهاده سيصعد الى الله، أكّد ثانيةً أننا بالنعمة مخلّصون، وهي تنزل علينا بواسطة الإيمان الذي يسكبه الله مجانا على أحبائه، ويؤكد ذلك بقوله: «ذلك ليس منكم إنما هو عطيّةُ الله». الله عنده هو دائما المبدئ وهو يكلل الذين أخذوا الإيمان. فالله اذًا هو المنتهى.

ثم ينتقل الى فكرة مرتبطة بما سبق: «نحن صُنْعُه مخلوقين في المسيح يسوع». وهنا يُبيّن بولس أن الخلْق الأول إنما أُعطيناه بواسطة المسيح، وأن لنا خلْقا جديدا الآن بالمعمودية. غاية الخلْق الأول والخلْق الثاني أننا مصنوعون للأعمال الصالحة التي «سبق الله فأَعدّنا لنسلُك فيها».

نحن نأخذ بالنعمة والطاعة قوة الأعمال الصالحة. ندخل الى أرض الله دخولا. نأخذ من ثمارها ونُصبح إلهيين. كل قوة الله تصبح فينا بالإيمان، وإذا عرفنا أن الايمان يُكوّننا نتّجه الى معطي الإيمان أي الثالوث القدوس.

هذا هو بهاء الإنسان المسيحي أنه دائما يجيء من الله وينمو بالله ويسكن في حضن الله بالشكر والتسبيح وكل صلاة. عندما نفتتح الخدمة الإلهية بقولنا: «أيها الملك السماوي» يقينُنا أنه ينسكب فينا ويأخذ كل كياننا ويجعل كياننا يصلّي. بلا انسكاب الله فيك لا تستطيع أن تقول كلمة واحدة حتى تصل الى السماء وترتّل مع الملائكة لمجد الله.

المسيح مجد، وقيامته مجد، ونحن إن آمنّا حقيقة نصبح في حالة التمجيد هنا وفي السماء.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

الخليقة الجديدة/ الأحد 24 تشرين الأول 2010 /العدد 43

كان بولس يُملي على كاتبٍ من أعوانه ربما لأنه كان شحيح النظر على ما قاله بعض المفسّرين. هذا المقطع من الرسالة الى أهل غلاطية استهلّه بقوله: «انظروا ما أعظم الكتابات التي كتبتُها بيدي» مع أنه كان قد وقّع الرسالة في مطلعها على عادة القدماء. عندما يقول هنا: «انظروا ما أعظم الكتابات التي كتبتُها اليكم بيدي» يكون قد طلب من سكرتيره أن يُسلّمه القلم ليكتب بخطّه بالحروف الكبيرة وهي منفصلة بعضها عن بعض باليونانية.

أراد أن يُبيّن لهم محبّته لهم، أن يُعطي شعورًا حميميًا. القضية التي يُثيرها أن بعض المسيحيين الذين كانوا يُقرّبون أنفسهم من يعقوب أسقف اورشليم كانوا يرون أن الختانة كانت شرطًا لدخول المسيحية، وكان بولس مع الرسل عقدوا في اورشليم مجمعًا رفضوا فيه الختان.

رفض الرسول الافتخار بختانةٍ أُبطلت لأنها كانت علامة في الجسد بين الله وإبراهيم أي علاقة لعهد قديم، ولم تبقَ حاجةٌ اليها لأن العهد بيننا وبين الله هو بدم يسوع الذي به استغنينا عن العلامة العتيقة بين الله وإبراهيم.

لذلك انتقل الرسول توًا الى القول: «حاشى لي أن أفتخر إلا بربنا يسوع المسيح». أي افتخار هذا؟ إنه افتخار بالصليب. فعندما يقول انه «بالصليب صُلبَ العالم لي» أي ماتَ العالم، «وأنا صُلبتُ للعالم» أي إذا ظنَّ أهل العالم أنهم أحياء فأنا ميت، ويريد بالعالم العالم الشرير.

ويعود الى مسألة الختان ليقول: «في المسيح يسوع ليس الختان بشيء ولا القلف (اي عدم الختان) بل الخليقة الجديدة» التي تصيرُها انت اذا تجددت بالإيمان به ونلت المعمودية التي تُميت شهواتك وتعطيك مفاعيل قيامة المسيح حسبما قال بولس في الرسالة الى أهل رومية.

هذا هو القانون الجديد ليس بمعنى التشريع ولكن بمعنى قاعدة الحياة الأبدية. الذين يتبعون هذه القاعدة عليهم سلامٌ ورحمةٌ وعلى إسرائيلِ (بكسْر اللام) اللهِ. هنا يشير الى إسرائيل الجديد وهو مؤلف من يهود مهتدين ووثنيين مهتدين ويؤلفون معا أُمّة الله والشعب المقدس.

فاليهودية القديمة مع التلمود الذي كتبَتْهُ خمسمئة سنة بعد الميلاد لم تبقَ يهودية الأنبياء. صارت هجينة، ولا يُسمع اولئك المسيحيون القائلون ان لنا مع اليهود الحاليين كتابا واحدا. ولا يهمنا فقط- اذا لم يظهر التلمود- أن نقرأ موسى والأنبياء معا لأنت المهم أن تقرأ العهد القديم على ضوء العهد الجديد أي موجّها من الله الى رؤية المسيح.

الصليب بات مركز إيماننا بمعنى أنه أَظهر الخلاص وأَعدّ لقيامة المخلّص. وسعيُنا بسبب الجلجلة والقيامة أن نصير خلائق جديدة نحيا بالإيمان وبوعود معموديتنا.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

جبل آثوس/ الأحد 17 تشرين الأول 2010 / العدد 42

في أواخر الألفية الأولى، أسس القديس أثناسيوس (5 تمّوز) الحياة الرهبانية في جبل آثوس، وهو شبه جزيرة في شمالي اليونان، فبُني عشرون ديرًا مستقلّ الواحد عن الآخر حسب النظام الأرثوذكسي يعيشون حياة صلاة ونسك (لا يأكلون لحمًا أبدًا). وللأديرة إدارة مركزية مؤلفة من مندوبي الأديرة. الى جانب هذه الديورة صوامع مستقلّة يختلي فيها راهب او أكثر.

جزيرة مشجّرة كلها ولا سيما بشجر الكستناء الذي يصنع الرهبان منه ما يحتاجون اليه من خشبيات كالأبواب وغيرها.

يفيقون ساعتين او ثلاثا بعد منتصف الليل ويؤدّون الخِدَم الإلهية طويلة واقفين في أداء موسيقيّ صحيح. وبعد صلوات الصباح وصلاة الغروب يتناولون وجبتين من الطعام، ويذهب كل واحد الى عمله: عمل يدويّ، فلاحة، دراسات لاهوتية.

من حيث الجنسية، العنصر اليوناني سائد، ولكن هناك ثلاثة أديرة مؤلفة من الروسيين والصرب والبلغار، وهناك بعض الآخرين اعتنقوا الأرثوذكسية وهم من أصول مختلفة.

إلى جانب الخدَم الإلهية يستقبلون حجاجًا من الرجال ويقدمون لهم ضيافة ويعيشون في الأديرة الجميلة جدا وهي تختلف بهندستها. ألوان الجدران الخارجية مختلفة والقباب الكبيرة والصغيرة تعلو السطوح. إلى جانب الكنيسة الرئيسية، في كل دير كنائس صغرى (4 أو 5 أو أكثر) يذهب اليها الرهبان عند انتهاء صلاة السحَر لإقامة القداس الإلهي.

صوَر القديسين في كل مكان ولا سيما أيقونة والدة الإله شفيعة هذه الجزيرة. كل قاعات الطعام جدرانها مليئة بالأيقونات الجدارية وكأنك تأكل في حضرة القديسين.

إلى هذا المكان ذهبنا أنا ومطران اوربا السيد يوحنا (يازجي) ومطران طرابلس السيد أفرام (كرياكوس) وكل منا معه مرافق. وكنا ننتقل من دير الى آخر بالسيارة على طرقات ترابية.

كنا نتخاطب باللغة اليونانية مباشرة او بالترجمة، وأقمنا القداس الإلهيّ بالعربية، ورافقَنا طلاب لاهوت أنطاكيّون كانوا يسهّلون لنا التواصل.

كان الرهبان يكرمون المطارنة الأنطاكيين تكريمًا كبيرًا من حيث الاستقبال في كنيسة كل دير بحفاوة نادرة. الاتصال اللغوي كان صعبًا ولكن اتصال القلوب كان سهلا وقويًا. يبدو أن أنطاكية لها مقام خاص عندهم، والشرق بعامّة يحرّك قلوبهم.

نحن استلمنا نعمة فوق نعمة وأحسسنا أن كل من كان قادرًا أن يسافر الى اليونان لا بد له أن يزور الجبل المقدس لأنه متعة لا بعدها متعة، فإذا كانت الطبيعة جميلة جدا فالتقوى أجمل.

مركز للعبادة الأرثوذكسية استثنائيّ القوة والإلهام. لا تعود انت من هذا التجمّع الرهبانيّ العظيم إلا غنيًّا بما ينزل عليك من بركات التقوى الظاهرة أمام عينيك.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

مَثَل الزارع/ الأحد 16 تشرين الأول 2010 / العدد 42

في كل زَرْع زارع وزَرْع مثل القمح وأرض مزروعة أو نحاول أن تكون مزروعة. هذه أشياء قالها يسوع في مَثَل هو ألّفه. يسوع من الناحية الأدبية في الأناجيل الإزائية اي الثلاثة الأولى واضع أمثال.

في هذا المثل يتكلم اولاً على أنواع الأرض. نوعٌ من الحَب في أرض أولى وقع فيها الحب على الطريق وليس على الأرض فأكلته طيور السماء، وعلى أرض ثانية وقع على الصخر فلم ينبت اذ اختنق بالشوك، وعلى أرض ثالثة نبت وأَعطت الحبةُ مئة ضعف وهذا نادر جدا. فلما سأله التلاميذ عن معنى المثل أَوضح انه للتلاميذ فهم ولغير تلاميذه ليس من فهم. فبخلاف ما يعتقد البعض ليس المثل لتسهيل الفهم. يجب ان يكون قلبك منفتحا لتفهم.

أَدخل يسوعُ تلاميذه في الفهم وقال: الزرع هو كلمة الله، والزارع طبعا هو الله، والله وكلمته واحد. عاد الى الأرض الأولى وأوضح أن الذي وقع على الطريق هُم الذين يأتي إبليس وينتزع الكلمة من قلوبهم. هؤلاء لم يسمعوا شيئا او لم يريدوا أن يسمعوا. هي حال الكثيرين منا. هناك فئة أُخرى تسمع الكلمة الى حين وليس عندها استمرار في الطاعة. ليس لها أصل. وهنا يُصرّ يسوع أن الكلمة الإلهية تضعها انت على الكلمات الإلهية السابقة. انت تُنمي معرفتك للكلمة اذ تُسلم قلبك الى الله. عندك استمرار في تقبّل الكلمة وإلا تقع عند أول تجربة. ليس عندك قوة لصدّ التجارب.

النفس التي تشبه تلك الأرض التي كان فيها شوك هي التي تختنق «بهموم هذه الحياة وغناها وملذّاتها». جزء من هذا الكلام ردّدته الكنيسة في نشيد الشاروبيكون في القداس الإلهي: «لنطرح عنا كل اهتمام دنيويّ»، أي لا تكن الدنيا شاغلتنا او ضاغطة علينا. هذا لا يعني أننا لا نتعاطى في الدنيا عملا، ولكن يبقى قلبنا عند الله. لا تكون الدنيا تحصرنا فيها.

هموم الحياة يوضحها لوقا الإنجيلي بشيئين: الغنى والملذّات. الغنى الذي نستبقيه في جيوبنا او المصارف ولا نشارك الفقراء فيه يستبدّ بنا حتى يصير ربّا. عند ذاك انت تسمع لهمساته او وسوساته ولا يبقى لك وقت او قوة لتسمع لكلمة الله. الغنى يُسيّرك ولا تُسيّرك الكلمة.

أنت عبدٌ لما تسمع له: عبدٌ للمال اذا شئت او عبدٌ لله اذا شئت، عبدٌ للخطيئة او عبدٌ للبرّ. هذا يعني أنك تختزن البرّ في نفسك وتثمر بالبرّ لأنه يزيدك إذا اقتنيته. وهذا يتطلب صبرًا طويلا دائما. والصبر أن تستقبل الله فيك على الدوام ليطرد الرب كل ما يجرّبك اذا جاء المجرّب. أن تحب الله عاملا فيك هذا هو الصبر المسيحيّ. انت لتستمرّ كذلك يعني أنك تتقبّل النعمة اذا نزلت عليك وتُعطيها فورا. هذا يعني ألاّ تؤجّل عمل الخير الى الغد إذ قد لا يكون لك غد. وهذا يعني أن تحب كلمة الله وتؤمن أنها هي التي تُجدّدك وتطرد عنك كل رغبة في الخطيئة.

افهمْ أنك لستَ الزارع وأنك فقط متقبّل الزرع الإلهيّ حتى لا تستكبر. أَطع ربك ولا يبقَ فيك إلا أثره فتصبح إنسانا إلهيا.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

بداءة عمل بولس/ الأحد 10 تشرين الأول 2010 / العدد 41

يتكلم الرسول في هذا المقطع من الرسالة الى أهل غلاطية عن إنجيله قائلا انه تسلّمه بإعلان يسوع المسيح له. واضح أن بولس لا يتكلم عن الأناجيل الأربعة ولم تكن كُتبت بعد. غير أننا نلحظ بعد تدوينها خلال القرن الأول أن مضمون ما علّمه بولس هو ذاته مضمون الأناجيل الأربعة. كل ما علّمه بولس، بطريقة أو بأخرى، هو عن موت السيّد وقيامته، وقال كلمة عن مولده، وسرد الحديث عن العشاء السري.

ثم أوضح الرسول أن الله أفرزه من بطن أمه ودعاه بنعمته ليُعلن ابنه فيه ليُبشّر بين الأمم (الوثنيّة). بولس يحمل تعليما تلقّاه مباشرة من الرب يسوع، وهذا كافٍ لتثبيت صدقيّة بولس الرسول.

أخذ الرسول في هذا المقطع يحكي باختصار سيرته فقال «إني كنتُ أَضطهد كنيسة الله بإفراط»، ومَثل عن ذلك ما ورد في أعمال الرسل عن اشتراكه بمقتل القديس استفانوس. غير أن يسوع ظهر له على طريق دمشق التي كان ذاهبا اليها بتفويض ليُلقي القبض على المسيحيين وغيره يسوع بظهوره له تغييرا كليا إذ جعله تلميذا له حارّا يجوب الأرض كلها لينشئ جماعات مسيحية وإليها بعث برسائله المعروفة عندنا في العهد الجديد ونقرأها في كل قداس كما نقرأ رسائل من غيره من الرسل.

في هذا الفصل يؤكد أنه بعد ظهور الرب لم «يُصغِ الى لحم ودم» أي لم يتردّد باتباع يسوع فأكمل طريقه الى دمشق ليُعمّده حنانيا ويُطلقه من دمشق، فقال إني بعد لقاء حنانيا لم أَصعد الى أورشليم الى الرسل الذين قبلي لأتأكّد من صحة ما أومن به «بل انطلقتُ الى ديار العرب»، ويُرجّح معظم المُفَسرين أن ديار العرب تعني حوران وكانت تُسمّى «العربية» في الإدارة الرومانية، ولا بدّ أنه كان هناك بعض المسيحيين.

لا يقول الكتاب شيئا عمّا فعله بولس في حوران الى جانب الصلاة وتأمّله في العهد القديم الذي يظهر هو في ما كتبه علاقته به. كان بولس يربط معرفته بيسوع بمختَلف أسفار العهد القديم.

ثم يقول «بعد ذلك رجعتُ الى دمشق». لماذا الى دمشق؟ هي المكان الذي ظهر فيه حبّه الأول ليسوع. لا نعرف المدّة التي قضاها في حوران. عندما يقول إني بعد ثلاث سنين صعدتُ الى أورشليم، هل يقصد أنه بقي في الشام ثلاث سنين، أم يقصد ثلاث سنين قضاها في حوران ودمشق معا؟ لا نعرف ولا يهمّنا أن نعرف. بعد هذه السنين الثلاث يقول «صعدتُ الى أورشليم لأزور بطرس». كان لبطرس أهمية خاصة في الجماعة الرسولية. فأقام بولس عنده خمسة عشر يومًا سمع فيها الكثير عن الرب يسوع الذي عايشه بطرس. ثم لم يرَ غيره من الرسل سوى يعقوب أخي الرب. البقيّة كانوا بلا ريب تركوا فلسطين الى البشارة. بعد هذا انطلق بولس الى العالم.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

أحبوا أعداءكم/ الأحد 3 تشرين الأول 2010 / العدد 40

يتساءل الكثيرون كيف نحبّ أعداءنا. هل هذا معقول؟ أول قسم من الجواب أن العدوّ مَن عاداك، اما انت فلا تُعادي أحدا. يمكن أن تحزن ولكن لا تحفظ عليه حقده لأنه أخوك. لا يمكنك أن تحبّه كما طلب السيد إلا إذا اعتبرته أخاك مهما كانت شرور قلبه. يطلب منك الرب أن تعالج قلب هذا الإنسان.

اذكروا مَثَل السامري الشفوق الذي وَجد جريحا يهوديّا في الطريق فأعانه واعتنى به، والسامريّ عدوّ اليهوديّ في الدين، وذلك العداء كان كبيرا في تلك الأيام.

مَن عاداك اليوم، جريح، مصدوم أو ذو مصلحة ضدّك وقد لا تكون آذيته انت، فإذا حقدت عليه تزيده شرا وغايتك أن تشفيه، أن تشفي كل إنسان. لقد جعلك الرب اليوم انت السامري الشفوق اي طبيبا لمن عاداك. وأنت وحدك طبيبه لأنك تعرف مرضه وغيرك لا يعرفه.

في معظم الأحوال هو يقبل غفرانك له. فإذا لم يقبل صلِّ من أجله حتى يصل الى القبول. اذكر عدوّك كل يوم في صلاتك وقدّم اسمه على مذبح الرب لكي تنزل عليه الرحمة. والله يرحم من تطلب انت له الرحمة لأنه «مُنعِم على غير الشاكرين والأبرار».

وتنتهي القراءة بقول السيد «فكونوا رحماء كما أن أباكم السماوي هو رحيم». رحيم تعني في اللغة أن أحشاء الرب تتّسع لكل البشر، فإذا جعل الله كل خلائقه العاقلة في أحضانه فتشبّه انت بالرب ليجعل عدوّك في أحضانه وتلتقي هكذا بهذا العدوّ عند الرب الذي يحبّك ويحبه.

لا لقاء لنا مع إنسان إلا في أعماق الحنان الإلهي. العاطفة البشرية تعلو وتهبط حسب المزاج. ولكنا نحن المؤمنين لا نتصرّف مزاجيا ولكن نتصرّف بالشعور الإلهي اي كأن قلبنا قلب الرب.

واذكر أن الله محبة ولا يفرّق قلبُه بين من يحبونه ومن لا يحبونه لأنهم جميعا أبناؤه. انت اذا كان عندك ولدان، أحدهما لطيف رقيق، وآخر شرس، تحبهما بالمحبة الواحدة، ولكن هناك أسلوبان في التربية، وغاية كل أسلوب لك أن تُصلح ولديك.

الله محبة فإنها العلاقة الوحيدة بين الآب والابن والروح القدس. المحبة هي الوحدانية الإلهية، هي اسم الله.

فالله يتصرّف مربّيا ويستعمل أسلوبا مع هذا وأسلوبا مع ذلك، ولكنه يريد محبة واحدة لكل من البشر. وموت المسيح هو الدليل العظيم على محبته لنا.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

يوحنا الحبيب/ الأحد 26 أيلول 2010 / العدد 39

في عيد انتقال القديس يوحنا الإنجيليّ، تقرأ الكنيسة المقدسة علينا هذا المقطع الذي يتحدّث عن مشهد المصلوب والواقفين عند الصليب بادئا من ذكر ثلاث نساء، مريم أُم يسوع وأُختها مريم زوجة كلاوبا ومريم المجدلية. إذا قارنّا هذا مع مرقس ومتى، نفهم أن مريم المجدلية ومريم أُمّ يعقوب ويوسي وسالومة أُمّ ابني زبدى. وفي إنجيل مرقس يقول الكتاب «أُخَر كثيرات اللواتي صعدن معه الى أورشليم».

أما تسمية مريم أُم يعقوب ويوسي أُخت والدة الإله فتعني نسيبتها، وهذا كثير في الأدب العبريّ وفي الإنجيل. إلا أن إنجيل يوحنا المعتمد اليوم للقراءة فهمتمّ فقط بوالدة الإله والتلميذ الذي كان يسوع يحبّه. وهذا حسب كل التقليد هو يوحنا الإنجيليّ نفسه. يتوجّه السيد الى أُمه قائلا لها «يا امرأة هوذا ابنُكِ». استعمال يسوع لعبارة «يا امرأة» ورد في عرس قانا الجليل. وهذا عندهم كلام عاديّ وليس فيه أي تقليل من الاحترام. ثم يقول الكتاب ان هذا التلميذ أخذها الى خاصته أي آواها عنده.

في هذا التأمل يجب أن نتجاوز شخص يوحنا الى تسميته لنفسه «التلميذ الذي كان يحبّه» والمذكور بهذه الصفة في غير موضع من الكتاب. فإذا تجاوزنا شخصه ابتداءًا من ظاهر النص، أقول ان يسوع جعل مريم أُمّا لكلّ تلميذ حبيب أي لكل مؤمن. إيضاحا لهذا الكلام أقول بلا تأويل إن لمريم أُمومة تجاه كل واحد منا، وكلمة يسوع هذه على الصليب تكفي لنُكرّم والدة الإله.

لا أحد يستطيع أن يعرف على وجه الدقّة ماذا تعني أمومة مريم لكل مؤمن. على الأقل، تعني أن لها صلة رقّة وحنان وشفاعة واحتضان لكل منّا، وأنه لا يسوغ لنا أن نتجاهلها في صلاتنا، وهذا يؤكد ما قالته لنسيبتها أليصابات أُم القديس يوحنا المعمدان: «ها منذ الآن تُطوّبني سائر الأجيال». تُطوّبني تعني اعترافنا بأنها تتمتّع بالطوبى السماوية أي برؤية الله الكاملة.

ونحن لا نقول هذا إلا عن الشهداء الذين لا يفرّقهم شيء عن المسيح. بقية القديسين نقول عنهم انهم في الملكوت يشفعون طبعا بنا، ولكنهم ليسوا على كمال الرؤية.

القراءة الإنجيلية ركّزت مع ذلك على يوحنا الإنجيليّ، وسمّت موته انتقالاً كما سّمت رقاد والدة الإله انتقالا. في كنيستنا هو أول شخص نُسمّيه لاهوتيا فنقول «يوحنا اللاهوتي» اذ لم يكتب احد من الانجيليين عن أُلوهية المسيح كما كتب هو.

نُسمّي اثنين آخرَين لاهوتيَين فقط وهما غريغوريوس النزيانزيّ وسمعان اللاهوتي الحديث، والواضح أنه يُحلّق كما لم يُحلّق سواه.

Continue reading