Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2011, مقالات, نشرة رعيتي

شغف السلطة/ الأحد 10 نيسان 2011 / العدد 15

يعقوب ويوحنا ابنا زبدى أَظهرا أنهما كانا محبّين للسلطة فطلبا الى يسوع أن يجعلهما وزيرين في مملكته التي ظنّا أنها مملكة سياسية. رفض السيد أن ينفّذ لهما هذه الشهوة. هو ما جاء ليُنشئ دولة على الأرض ولكن أن يغيّر كل شيء بالإنجيل. تلميذ المسيح لا يطمح أن يخدمه عن طريق السياسة. نحن لنا لغة أخرى وأساليب أخرى.

بعد سقوط التلميذين يعقوب ويوحنا، قال يسوع لتلاميذه: «أنتم تعلمون أن الذين يُحسبون رؤساء الأُمم يسودونهم، وأن عظماءهم يتسلّطون عليهم». في الكنيسة ليس أحد يجعل نفسه سيدا، وما من أحد يتسلّط على الآخرين. السلطة بمعنى الأمر والنهي والاستعلاء والتلذّذ بإعطاء الأوامر وبأن نُطاع ليست من العهد الجديد. حياتنا في العهد الجديد كله خدمة، وانت تأخذ مكانتك من الخدمة. لذلك أَكمل السيد كلامه بقوله: «من أراد أن يصير فيكم عظيما، يكون لكم خادما». عظمتك إذًا بمقدار الخدمة. علاقتك بالناس تبدأ من دخولك في خدمتهم. بعد هذا، أَكمل يسوع هذا المعنى بقوله: «من أراد أن يصير فيكم أولاً، يكون للجميع عبدا». العبد في الحضارات القديمة ليس له إرادة بذاته. إرادته إرادة سيده. هو لا شيء أمام سيده.

في الكنيسة والمجتمع انت تلبّي رغبات الآخرين. تتحسّس حاجات الآخرين لتُلبّيها حسب استطاعتك. «كنتُ جائعا فأَطعمتموني وعطشانًا فسقيتموني وعريانا فكسوتموني».

ويختم السيد هذا المقطع بقوله: «لأن ابن الانسان أيضا لم يأت ليُخدم بل ليَخدم وليبذل نفسه فديةً عن كثيرين». هذا الكلام صدى لقوله قبل ذلك بقليل لمّا تكلم عن آلامه وموته وقيامته. تموت أنت في الخدمة. تبذل نفسك في العناية اليومية، الدقيقة بكل من جعله الله في طريق حياتك.

هذا الفصل من مرقس يُلائم فترة الصوم التي نحن فيها لأنها خدمة مخصّصة للفقراء ولرعاية أَحدنا للآخر. الصوم بعضٌ منه حمية عن طعام، ولكنه خدمة للآخرين إذ نصلّي من أجلهم.

هذا أحد يتجلّى فيه عطاءُ مريم المصرية حياتَها ليسوع. خَدَمَتْه وخدَمَتْنا جميعا لما تأمّلنا توبتها. الآخرون هم كل شيء. اذا هم أخذوا منك ما أَعطيتهم يشعرون أن المسيح هو الذي يُعطيهم، ويشعرون أنهم يعظُمون بنعمته، واذا هم كبروا بها تمتدّ منهم الى إخوتهم. تتلازم في هذا الموسم الطيّب الصلوات ومشاركة الفقراء بالعطاء والصلاة. هذه كلها اذا اجتمعت تغدو مسيرةَ تواضُعٍ وطريقا للملكوت.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

شفاء الإيمان/ الأحد 3 نيسان 2011/ العدد 14

ولدٌ مريض يقول أبوه للمعلّم سائلاً الشفاء «ابني به روحٌ أبكم» اي روح شرير سبّب له الخرس وعوارض مرضيّة تدل على داء الصرع. الوالد يطلب الشفاء «إن استطعت شيئا فتحنّنْ علينا وأَغثنا». إيمانه بيسوع غير واضح، إلا أنه سمع بأن الناصريّ صانع عجائب، فلماذا لا أطلب أعجوبة. المسيح يواجه هذه النفس المضطربة. يلاقي هذه الرجل على طريق شكّه فيقول له: «إن استطعت أن تؤمن فكل شيء مستطاع للمؤمن». الرب يتنازل اليه علّه يتحرك، لعلّه يؤمن. يبكي هذا الرجل كأنه رأى في سؤال يسوع له دعوة الى ايمانٍ متتزعزع عنده.

عند ذاك، يقول هذا الرجل: «إني أومن يا سيد، فأَعنّي على رغم عدم ايماني»، والأفضل انها تعني: قوِّ رغبتي في الإيمان ورغبتي في شفاء ولدي.

لمّا سأل التلاميذ المعلّم: «لماذا لم نستطع نحن أن نُخرجه؟»، قال لهم «إن هذا الجنس لا يمكن أن يخرج الا بالصلاة والصوم». ربما أرادت الكنيسة قراءة هذا الفصل من مرقس في هذا الموسم الصياميّ لكون النص جمع بين الصلاة والصوم، وهما رُكنا هذه الفترة الصيامية.

الصوم يدلّ على أن تفريغ البطن من الطعام هو إرادة أن نملأ شخصيتنا الداخلية من كلمة الله، ومن هذه الزاوية هو والصلاة واحد. والصلاة هنا لا تعني مجموعة صلوات مرتّبة كل يوم طقوسا محدّدة، ولكنها الشركة مع الله، الاتحاد به بحيث إذا طلبت شفاء مريض مثلا يكون الله هو الفاعل بواسطتك هذا الشفاء، اي تكون وربك قائما بالعمل نفسه.

التلاميذ لم يكونوا، عند ذاك، أصحاب هذه القدرة. ما كان الروح القدس نازلا عليهم وما كان ملأَهم بتلك النعمة التي تراهم عليها في سفر أعمال الرسل. المرضُ غالبا ما كان هبوطا للكيان، تخلّفًا ما، أزمةً ما، والسلامة هي ما يريده الله. غالبا ما كانت نهوضا وتسهيلا لسيرنا نحو الله وعلامة للكمال الروحي. لذلك يريدها الله ويمهّد لها بواسطة المؤهلين لاستنزالها من الله. يهيء لها بإيمان من يشفى وإيمان المحتاج الى السلامة. لذلك وضع الله سرّ مسحة المرضى الذي يعبّر عن حنان الرب ودعوة الى شكره وتسبحته.

الله في المؤمن يعطيه المؤمن لمن احتاجَ الله. فكما تدفع الإنسان الى توبة بالإله الذي انت تائب اليه، تلتمس من الإله القدير فيك أن يحلّ على المريض ليقوم من كبوته ويلتصق بربه بالصحة.

المقطع الأخير هذه التلاوة الإنجيلية هو ما نسمّيه الإعلان الثاني عن الآلام، وهذا سرد في طريقنا الى القيامة التي هي غاية الصوم الذي نحن فيه. ومع أن يسوع أعلن قبل ذلك موتَه وقيامتَه، بقي التلاميذ غير فاهمين لأنهم لن يفهموا غاية آلامه إلا بعد أن تكون قد حصلت وتمّت القيامة ونزل عليهم الروح القدس. أعمال الخلاص الذي قام به السيد لا تدخل إليك وتحوّلك إلا بالصلاة والصوم.

يشفى هذا الشاب ويصير إنسانا جديدا بقوة يسوع، وأنت بدورك في الكنيسة تجعل إخوتك والناس خارج الكنيسة أحياء ومُلامسين المسيح إن صرت إنسانا جديدا، او بالحري المسيح الذي حوّلك اليه بالصلاة والصوم يجعل كل الناس خلائق جديدة، ينطقون بعظائم الله، ولا يبقى أحدٌ أَخرس كما كان الولد المصاب في هذا هذا الفصل الإنجيليّ الذي نُقيم فيه ذكرى القديس يوحنا السُلّمي مُعلّم النُسك في الصوم والصلاة.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

السجود للصليب/ الأحد 27 آذار 2011 / العدد 13

العبارة تعني السجود للمصلوب. ينتج عن هذا العلاقةُ بين يسوع والمؤمن، والعلاقة تبدأ باتباع السيد. كيف يكون؟ من أراد أن يتبع المعلّم فليكفر بنفسه، فليخلص من حُبّه للأنا، من عبادته لنفسه، ثم يحمل صليبه، آلامه، فليتحمّل مصاعب حياته ويتبعني الى حيث أشاء. بعد هذا يشرح الرب هذا الكلام بأكثر وضوح: «من أراد أن يُخلّص نفسه يُهلكها» إذ لا خلاص إلا بالجهد والتعب.

«ومن أَهلَكَ نفسَه (أي من جاهد وتعب) مِن أجلي ومن أجل الإنجيل يُخلّصها».

هنا نصل الى القمّة: «ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه، أَم ماذا يعطي الإنسان فداءً عن نفسه». خلاص نفسك بمحبة يسوع واكتساب فضائل الإنجيل يُساويان العالم كله (المال، التسلّط، الملذّات). كل ما يؤذي نفسك ترميه جانبا وتتسلّط على كل رغباتك.

يُلخّص يسوع هذا الكلام بقوله: «مَن يستحيي بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ يستحيي به ابنُ البشر متى أتى في مجد أبيه مع الملائكة القديسين». هذا إشارة الى الدينونة. يسوع لا يعترف بك إن لم تعترف انت به. ليس في الدينونة مزاح.

عندما تُقابل يسوع هنا وبعد موتك ينبغي أن كلامك في هذه الدنيا كان بلا عيب، وأن تصرفاتك كانت بلا عيب. اذا كنت موافقا ليسوع في كل شيء يُعطيك مجده.

في آخر هذه القراءة يقول السيد لمحبّيه: «الحق أقول لكم إن قوما من القائمين ههنا لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله آتيا بقوّة». المعنى الأرجح أن ما قصده السيد أن بعض الذين كانوا يسمعونه لن يموتوا حتى يروا قيامة المخلّص. سينسكب عليهم المجد.

هذا الإنجيل الذي يقع في الأحد الثالث من الصوم، وهو الأحد الذي يفتتح منتصف الصوم، يدعونا الى التقشّف الذي نذوقه في هذا الموسم الذي يرفع مستوى النسك والتشدّد بمحبة المسيح ونُحسّ فيه ببدايات الفرح.

المصلوب تتحدث عنه رسالة اليوم اذ تُسمّي ابنَ الله رئيسَ كهنة، ورئاسة الكهنوت حقّقها في موته على الخشبة. وعليها جُرّب في كل شيء ما خلا الخطيئة.

بعد هذا يفسّر صاحب رئاسة الكهنوت «لم يُمجّد نفسه» ولكن مجّدَه الذي قال له: «انت ابني وأنا اليوم ولدتُك».

هذا يعني أن المسيح، الذي هو ابن الله في جوهره الأزلي، أعلى ايضا ابنا في بشريته لما رُفع على الصليب تأكيدا لما قاله له الآب «انت كاهن الى الأبد على رتبة ملكيصادق».

Continue reading
2011, نشرة رعيتي

شفاء المشلول/ الاحد 20 آذار 2011/ العدد 12

بعد تجوال للبشارة في الجليل، عاد يسوع الى كفرناحوم المدينة التي اتخذها مسكنًا له بعد الناصرة. «وسُمع انه في بيت» او في البيت. هل كان يسكن مع بطرس ام ان هذا كان بيتا استأجره. في هذا المكان أُتي إليه بمخلع، اي بمشلول كما نقول اليوم، يحمله أربعة رجال لم يتمكنوا من دخول المنزل بسبب ازدحام الناس عند الباب فصعدوا الى السطح وكشفوا السقف ونقبوه ودلّوا المحمل المُسمّى هنا سريرًا.

في فلسطين كما في جبل لبنان قبل زمن غير بعيد كان عندنا بيوت سقفها من تراب موضوع على خشب، وكنا نستعمل المحدلة لرصّ التراب منعا لتسرّب المطر.

كلام يسوع للمريض: «يا بنيّ، مغفورة لك خطاياك». جعل اليهود يعتبرون هذا الكلام تجديفا لأنه يتضمن أن بشريا جعل نفسه إلها إذ في نظرهم كان يسوع فقط إنسانا. ولم يشاهد بشر في العهد القديم -نبيا كان ام معلمًا للشريعة -يقول لإنسان آخر: مغفورة لك خطاياك.

عند تعجبهم قال لهم الرب: «ما الأيسر أأن يُقال مغفورة لك خطاياك، أم أن يُقال قم واحمل سريرك وامش». غير ان السيد أراد أن يثبت صحة كلامه فقال للمخلع: «لك أقول قم واحمل سريرك واذهب الى بيتك».

لماذا قال يسوع اولا: مغفورة لك خطاياك؟ الجواب لأن لغفران الخطايا أهمية أكثر من الشفاء، واليهود كانوا يعتقدون ان المرض نتيجة الخطيئة. العهد الجديد لا يقول هذا. ففي إنجيل المولود أعمى في يوحنا يقول عنه الرب: «لا هذا أخطأ ولا أبواه» ليولد أعمى.

تمّت الأعجوبة وشاهدها الجميع.

من العبر التي نقتبسها من المعجزة هذا: أن نقتنع ان الشفاء الروحي أهم من الشفاء الجسدي. فإذا اعترانا مرض، المهم اولا أن نطلب من الرب النجاة من الخطيئة وأن نتوب دائمًا أبدًا. هناك عبرة أخرى أن نذهب بكل خاطئ الى يسوع كما ذهب بالمشلول الأربعة الى السيد، وكما حملوه نحمل نحن الخاطئ بسلوكنا الجميل فيهتدي به او نهديه بالكلام الحسن ليترك خطيئته.

نحن لا نلوم الخاطئ فقط، لكن نعظه بالكلام الطيّب ونكشف له حسنات الفضيلة التي خالفها وذلك بروح الوداعة. فالخطر علينا أن نؤدبه بقسوة. القسوة فيها استعلاء. نؤدب من سقط بلطف شديد لئلا يبقى على خطيئته. نذكرُه كلَّ يوم أمام يسوع. نبكي من أجله ليتلقاه برحمته.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

أحدُ الأُرثوذكسيّة/ الأحد 13 آذار 2011 / العدد 11

بعد أن باشرنا الصوم الأحد الماضي ومارسنا شيئا من التقشف والإمساك، وبعد أن كثّفنا صلواتنا، رأت الكنيسة أن تُخصّص هذا الأحد لتذكيرنا بأننا نصوم ليقوى إيماننا، فسمّت هذا الأحد أحد الأرثوذكسية وهي كلمة يونانية تعني استقامة الرأي. فإن لم يكن اعتقادك بالله مستقيما يكون صومك باطلا.

وذكرت في رسالة اليوم قديسين من العهد القديم، وذكّرتنا بآلامهم (توتير الأعضاء، الضرب… الهزء، الجلد، السجن، الرجم، الموت بحد السيف). وقالت الرسالة انهم كلهم مشهود لهم بالإيمان.

الى هذا وضعت الكنيسة في الأحد الثاني من الصوم ذكرى للقديس غريغوريوس بالاماس (القرن الرابع عشر) الذي أَوضح الإيمان الأرثوذكسي بصورة قوية في تعليمه عن النعمة الإلهية غير المخلوقة.

اما الفصل الإنجيلي فيتضمّن دعوة الرسل كما رواها يوحنا. المذكور أولاً بينهم هو فيليبّس الذي كان من بيت صيدا (وهي غير صيدا اللبنانية). من هذه هذه المدينة كان أندراوس وأخوه بطرس. الرسول يجد شخصا آخر يضمّه يسوع الى من صاروا اثني عشر. من آمن يبث الإيمان الى آخر. رابع المدعوّين كان نثنائيل الذي رفض أن يأتي نبي من الناصرة.

غير أن يسوع قبله. كشف السيد نفسه لهذا الذي شكّ فيه فاعترف به: «انت ابنُ الله، انت ملكُ إسرائيل». فكان تعليق السيد: «الحق الحق أقول لكم انكم من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن البشر».

المسيح جامع السماء والارض وهو وحده الوسيط بين الله والناس. هذا هو إيماننا. الأُرثوذكسية تُلخّص بهذا الكلام.

آباء العهد القديم نظروا الى المسيح فآمنوا بالآتي. أما نحن فقد آمنّا أنه أتى. هذا إيمان واحد. غير أن الأقدمين «لم ينالوا الموعد لأن الله سبق فنظر لنا شيئا أفضل أن لا يكمُلوا بدوننا». إذ لا يخلُص احد قبل رؤيته الصليب والقيامة. آباء العهد القديم شاهدوا المسيح عن طريق النبوءة. نحن شاهدناه بإنجيله اي بما تحقّق.

الرسل والإخوة رأوه بعيونهم. نحن لم نره بالعين. قبلناه بسبب الرسل الذين بشّرونا به بالإنجيل وآمنّا به بالكنيسة التي يحتضنها هو وتنقله هي بالبشارة والأسرار المقدسة.

أحد الأرثوذكسية يجمع بين من رأوه جسديا والذين لم يروه جسديا. نرجو أن يحفظنا الرب في الإيمان المستقيم ويمنع عنا البدعة والشذوذ والسقوط في الفكر المنحرف. وهذا يحتاج الى جهاد المحافظة على القراءة الدينية المستمرّة وعلى مشاركتنا الخدم الإلهية والصلاة ولاسيما في هذا الموسم المبارك الذي نتهيأ فيه للفصح المجيد.

اذًا دعوتُنا هي الى الصيام الطيّب والمطالعة التي تُقدّس النفس وتُجدّد فيها النباهة. يرضى الله عنا إذا صُمنا كإخوة مع كل الكنيسة لنسير معا الى القيامة.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الغفران / الأحد 6 آذار 2011 / العدد 10

غدًا الاثنين نرجو الله أن يدخلنا الصيام بنعمته إذ لا يصوم الإنسان إلا بقوّتها فيذكّرنا بولس بأن «قد تناهى الليل واقترب النهار». النور في أسابيع الجهاد الآتي سينسكب علينا ونسير خطوة خطوة الى ضياء الفصح ونتجلّى بالرضاء في حضرة الله. في الرسالة يدعونا بولس الى مكافحة الشهوات المؤذية، وفي الإنجيل حديث أول عن الغفران وحديث آخر عن مكافحة شهوة المال الرهيبة.

لماذا الكلام عن الغفران؟ لأنك تصوم مع الآخر ومن أجل الآخر. ليس موضوع الصيام في حقيقته أن تأكل أو لا تأكل. الموضوع أن تحب. دائما الآخر قبلك. انت متطهّر من أجله. فإذا أنت غفرت له ما أساء إليك يندفع الى محبة الرب له فيقبل الرب وربما يقبلك ايضا في غفران مماثل. مرادك أن تشفي الذي أساء اليك وألا تنتقم.

إن أساء إليك أخوك يكون منتقما لإساءة أصابته. يحسّ أنه يدفع عن نفسه جرحا جرحه. إذا لم تغفر للآخر تكون حافظا عليه شرّه ومتمسكا بكبريائك المصدومة. اما إذا غفرت تكون قد تجاوزت هذه الصدمة. اترك كل شيء لله فهو يشفيك ويشفي الآخر.

هكذا تكون حرا من نفسك ومن وطأة البغض عليك. كذلك أنت حرّ من صومك اذ لا ينبغي أن تُحسّ أنك كسبت على الله حقا يسجله لصالحك. لذلك يقول لك السيد: «إذا صُمت فادهن رأسك واغسل وجهك لئلا تظهر للناس صائما بل لأبيك الذي في الخفية وأبوك الذي في الخفية يجازيك علانية». العلاقة بينك وبين الله كلها في القلب وفيه بدايات السماوات، والعالم الخارجي السطحي ليس بشيء. الإمساك مجرّد ترويض لنفس تطلب وحدتها مع الرب.

الوحدة العميقة مع الرب يرى إنجيل متى أنها الحرية من وطأة المال علينا اذ يقول: «لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض… لكن اكنزوا لكم كنوزا في السماء». لا شيء يجرّدنا من حريتنا الداخلية كما يجرّدنا المال: الطعام ايضا يملكنا حتى الاستعباد. ماذا ينفعك الصيام اذا استولت عليك شهوة الملك؟

وينتهي الفصل الإنجيلي بقول يسوع: «حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم». سيادة الله على القلب لا تتّفق مع سيادة المال عليه. اسعَ اذًا ألاّ يكون كنزُك في المال اذ يكون عندئذ سيدا على قلبك.

ادخلْ اذًا صيامك ولا تشبع لأن الطعام ولو صياميا لا يكون حياتك. العفة هي قناعتك أنه يُستغنى عن كل شيء. التحرر من كل ما تحسبه ضروريا هو الخطوة الأولى الى صعودك سُلّم الفضائل. اذ ذاك، تكون قد قبلت سيادة الله عليك. صلِّ كثيرا حتى لا يسيطر عليك شيء. هذا أول تمرين لك في هذا الصيام العظيم.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الدينونة / الأحد 27 شباط 2011/العدد 9

قبل دخولنا الصيام يجب أن نمتحن قلوبنا فإن كانت ملوثة لا ينفعنا الصيام. ستكون دينونة علينا يتحدّث عنها إنجيل اليوم الذي يكشف فيه المسيح نفسه ديانا، وصورة الدينونة أن هناك تمييزا بين الذين عملوا الصالحات والذين عملوا السيئات، والصالحون يسمّيهم السيد مبارَكين، ولمّا عرف الرب بسابق معرفته أنهم سيعملون الصالحات أَعدّ لهم المُلك قبل إنشاء العالم أي انهم سيملكون مع المسيح. إنهم عرفوه في حياتهم هنا. كيف وهم لم يروه؟ والأشرار جهلوه في حياتهم هنا. كيف وهم لم يروه؟

يقول الرب يسوع للصالحين «جعتُ فأطعمتموني وعطشتُ فسقيتموني»، ثم يذكر احوالا أُخرى يقول انه كان فيها مع أنه لم يمرّ شخصيا في كل هذه الأحوال، فيردّون عليه «متى كنت جائعا أو عريانا أو محبوسا فلم نسعفك؟». يردّ عليهم بقوله: «بما أنكم فعلتم ذلك بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه». المعنى أنه كان جائعا في الجائع وغريبا في الغريب ومريضا في المريض أي انه وحّد نفسه بكل محتاج. «الله لم يره أحد قط»، أنت تراه في الجائع والمحبوس والمريض.

اذا لم تحبّ أخًا محتاجا لا تكون قد أَحببت المسيح، واذا أحببته تكون قد أحببت المسيح بحب. في المبدأ اذا أَعطيتَ الجائع والمريض بزيارته والسجين بزيارته أيضا تكون قد أَعطيت المسيح.

مقابل الاهتمام بالآخر خطيئة الغفلة وهي التغاضي عن الآخر والبخل بالعاطفة. ليس البخل فقط ألاّ تعطي المحتاج مالا، ولكن ألاّ تعطيه محبة، أن تترك المريض في عزلته والمحبوس في عزلته. أنت تعرف أن المعزول أو المتروك ينتعش بقبول الآخرين، يحسّ بنفسه موجودا. المرض ليس فقط الوجع إو الحمّى، ولكنه الإحساس بفرقة الآخرين.

المسيح يسمّي كل هؤلاء المتروكين إخوته الصغار أي الذين يستصغرهم الناس. اذا أَغفلنا الشفقة والتقرّب من الضعفاء ورفْعهم بتواضعنا أمامهم الى أعلى منزلة، نكون قد أَغفلنا الرب نفسه وانعزلنا عنه. لذلك نذهب الى عذاب أبديّ.

ليس معنى هذا فقط أن جهنّم تنتظرنا من بعد القيامة، ولكنا نُرمى في عذاب الضمير في هذا العالم. نكون متروكين من المسيح. أما إذا اقتربنا من المحتاجين نشعر بأن الرب يسوع قد اقترب إلينا.

السماء مشاركة ليس فقط مع الله ولكنها مشاركة مع الذين أحببناهم هنا ورفعناهم بالمحبة الى ربهم. السماء هي شركة القديسين. في الملكوت يفنى كل حزن ونسكُن في الفرح ويُساكن أحدُنا الآخر ويرى وجهه طافحًا في الفرح. أما في جهنم فيقول آباؤنا ان أحدا لا يرى وجه أحد بل يكون كل واحد مكبّلا الى ظهر الآخر.

هذه صورة تقول ان ليس في جهنّم مشاركة، وليس أحد أَخًا لأحد. في مشاعر الإخاء نلج باب الصيام وفيه انقطاع في سبيل الفقراء وتعزيز لهم حتى يحلّ الفصح علينا جميعا بالفرح وقوة المشاركة.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

الابن الشاطر/ الأحد 20 شباط 2011/ العدد 8

حكى يسوع كثيرًا عن التوبة صراحة. هنا يؤلف حكاية تُصوّر هذا التعليم تصويرا. وتدور الحكاية او المثل هكذا: انسان كان له ابنان، الصغير أراد ان يأخذ مسبقًا حصته من الإرث وأن يفترق عن بيت الأهل، والآخر لم يرد القسمة بل أراد البقاء في البيت. الصغير أخذ كل أمتعته وعاش في بلد بعيد على هواه عائشا في الخلاعة. أنفق كل شيء إذ حدثت في الغربة مجاعة وحاول أن يعيش بمال قليل يجنيه من عمله ولكن كسبه كان قليلا.

فكر بالعودة الى بيت العائلة وأن يقول لأبيه انه ابنه أي أن يعترف بخطاياه. فيما هو غير بعيد عن البيت رآه أبوه. هل كان الرجل على شرفة او على سطح مطلّ على آخر طريق العودة؟ هل انه لم ييأس من عودة ابنه؟ هل كان يتوقّع أن يقع الشاب في خسارة اقتصادية لكونه ذهب لينفق لا ليجمع ثروة؟

«رآه أبوه فتحنّن عليه وأسرع وألقى بنفسه على عنقه وقبّله». لم يوبّخه، لم يلُمه، لم يقل له ان السلوك الحَسن كان أفضل من السلوك السيء. اكتفى بأن يعانقه وان يعطيه الحلة الاولى ويلبسه فقد كان ممزَّق الثياب ككل انسان جاع وما كان عنده ان يشتري ثوبا. وذبح له العجل المُسّمن وقال للخدّام: «ان ابني كان ميتًا فعاش وكان ضالا فوُجد». سمّاه ابنه اي لم يقطع العلاقة به.

وكان في الحاشية غناء ورقص، وتعجب من هذا الابن الذي بقي حرا وغضب لكونه اعتبر ان أباه كان ظالمًا ففصل نفسه روحيا عن العائلة ولم يُرد أن يدخل، وأخذ يُمنن أباه واعتبر نفسه بارّا. كيف يُعامل الأزعر مثل الطاهر؟ كيف يفضّل الولد الساقط على الذي لم يسقط؟ هذا ما كان يدور في فكره. أيكون جزاء الزاني أن يعامل مثل الذي بقي طاهرًا؟

منطق الآب كان منطقًا آخر. البار أُعامله كصاحب البيت. يأكل ويشرب ويتنعم بكل ما في البيت. تنعّم الى الحدّ الأقصى وليس من حقّه أن يُعاقب أخاه. والمال للأب وهو حرّ به. ولم يمنع عن الكبير شيئًا. لم يحرمه شيئًا. العجل المُسمّن له والخاتم والحذاء، وله الحق أن يعطيها كلها لمَن شذّ ومرق.

كان قلب الوالد همّه أن يخلص ابنه المتمرّد وأن يقول له انه لا يزال يحبّه، وأحسّ الوالد بأن ابنه الصغير كان كالميت وسمّاه الإنجيل ميتًا.

هذا المثل الذي سُمّي «مثل الابن الشاطر» في تراثنا هو في الحقيقة، اذا اعتبرنا الولدين، «مثل الوالد الحنون» الذي غفَر للولد المُتمرّد وعامل بالعدل الولد الأكبر. عامل كل واحد بأسلوب ولكن بالمحبّة الواحدة. يسوع جاء ليخلّص الخطأة، وإذا ميّزهم فلكي يحسّوا ويتوبوا ويعودوا الى وجه الآب السماوي.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

الفرّيسيّ والعشّار/ الأحد 13 شباط 2011/ العدد 7

عندما يحلّ هذا الأحد نحسّ أننا نقترب من الصيام. فهذا اليوم يدشّن موسم التريودي الذي هو كتاب يحتوي على نصوص الأناجيل التي تسبق الصيام حتى ينتهي الكتاب هذا بما يُدخلنا الى الفصح.

المشهد أن إنسانَين صعدا الى هيكل أورشليم ليصلّيا، أحدهما فرّيسيّ والآخر عشّار. ذكرنا هنا كثيرا الفرّيسيين الذين هم حزب دينيّ متشدد في الحفاظ على الشريعة وأضاف عليها أحكامًا لم تردْ في الشريعة. واصطدم مع هذا الحزب الرب يسوع مرات عديدة لكونهم مرائين. لم يكن المخلّص ضد مواقفهم اللاهوتية ولا سيما أنهم يُجارون المسيح لأنه هو وهم يعلمون القيامة، وغيرهم من اليهود لا يؤمنون بالقيامة. كان المعلّم ضد سلوكهم وكبريائهم.

الشخص الآخر كان عشّارا أي جابي ضرائب للرومان، والعشّارون كانوا معروفين سلوكيا أنهم يسرقون منها ولا يدفعون الأموال كلها للسلطات.

الفرّيسي يتكبّر على العشّار ويتّهمه بالفسق والظلم، ويفتخر بأنه يصوم مرتين في الأسبوع مع ان ناموس موسى لم يكن يتطلّب هذا، ويفتخر بأنه يُعشّر كل ما هو له مع أن المواد البسيطة كالخضار والفاكهة لم يكن مطلوبا تعشيرها.

إزاء هذا، يقف العشّار الخاطئ وعيناه الى الأرض، ويبستغفر إذ يقول: «أللهمّ ارحمني انا الخاطئ».

هذا مَثَل إنجيليّ أي إنه حكاية حكاها يسوع ليعطي اليهود درسا فيقول ان العشّار ترك الهيكل مبرّرا أمام الله وذاك لم يكن، حتى يصل الى القول: «من رفع نفسه اتّضع ومن وضع نفسه ارتفع».

نبدأ اذًا في هذا الأحد الممهّد للصيام بدرس في التواضع. ليس للصيام من قيمة بلا تواضع. لا يفتخر أحد بصيامه. يفتخر بالرحمة التي تنزل عليه من الله وتغفر له خطاياه. فلا يفتخرنّ أحد بأي عمل من أعماله لأننا كما يقول باسيليوس الكبير في قدّاسه «لم نصنع شيئا صالحا أمام الله».

لقد قال بولس الرسول: «من اعتبر نفسه شيئا فهو لا شيء». الله وحده يرفعنا ونحن على مستوى الأرض. يرفعنا بمحبته وغفرانه. من حسب نفسه كلا شيء يجعله ربه شيئا. وقد علّمنا المخلّص هذا بإصرار لمّا قال: «تعلّموا مني اني وديع ومتواضع القلب». المطلوب سلاسة العلاقات مع الناس، لطف التعامل بحيث لا نجرح أحدًا ولا نُحزن أحدًا وبالمحبة نُفرح الآخرين وذلك في كل حين.

فلنتّخذ الصيام المقبل موسم رجوع الى الله، رجوع عميق من كل جوارح قلوبنا حتى لا يسكن هذا القلب إلا الآب والابن والروح القدس، فنشاهد الثالثوث ساكنا في قلوبنا في الأسبوع العظيم والفصح.

Continue reading
2011, مقالات, نشرة رعيتي

المؤمن هيكل الله/ الأحد 6 شباط 2011/ العدد 6

بولس يتخطّى هيكل أورشليم الحجريّ كما تخطّاه سيّده، ويُعلّم أهل كورنثوس أنهم هُم (بالمعمودية والأسرار والإيمان وكل ما جاء به العهد الجديد) هيكل حيّ لله. وبنى كلامه ليس خروجا على العهد القديم ولكن تأسيسا عليه بواسطة ربنا يسوع المسيح (راجع مثلا حزقيال 37: 27 و إرميا 25: 11).

«سأَسكُنُ فيهم وأَسيرُ في ما بينهم» تُشير الى خروج الشعب من مصر بقيادة موسى، ولكن القائد الحقيقي هو الله الذي يجعل شعبه يعبُر بريّة سيناء الى أرض الكنعانيين (فلسطين). هذا بصيغة المستقبل. ولكن السكن الحقيقي لله فينا وسيره معنا ليس انتقالا من مكان الى مكان ولكن من حالة عبودية الخطيئة الى حالة البِرّ بيسوع المسيح.

أما قوله للعبرانيين قديما «اخرُجوا من بينهم» فإلى أين؟ لا تعني طبعا ابنوا مملكة سياسية بإخراج كل الأجانب. هذا غير ممكن عمليّا. هو الانفصال من أعمالهم. ابنوا جماعة مؤمنة هي الكنيسة التي بطبيعتها هي منتشرة في كل العالم ومدعوّة الى الانتشار بسبب قوله: «اذهبوا وتلمِذوا كل الأمم». سوف تتميّزون بمحبتكم لأبناء الكنيسة ولغير أبنائها. قلت ستتميّزون لأن المحبة هي الرُكن الوحيد للأخلاق المسيحية. أنتم في حالة تجدّد دائم.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو، اذا كان المخلّص قال صراحة اننا هيكل حيّ لله، لماذا نبني نحن معابد؟ تاريخيا لم تعرف المسيحية معابد في القرنين الأولين لأن المؤمنين كانوا يجتمعون في مكان واحد في كل قرية او حيّ في المدينة ويُقيمون القداس فيه. وأوّل كنيسة مبنيّة كنيسة كانت في صور. فكرة تكريس الكنائس جاءت متأخرة. قدسيّة الكنيسة هي بالإنجيل الذي يُقرأ فيها فيصير هذا المكان مكان منبر لكلمة الله، ولهذا يصير الوعظ أساسيا لتفسير كلمة الله او نقلها الى المؤمنين. والقدسيّة ناتجة ثانية من القداس الإلهي وبقية الأسرار.

واقع كنائسنا أنها قاعات كبيرة اضطرّت اليها الجماعة لتكون معا. أن نكون معا يوم القيامة اي الأحد، هذا هو المبتغى لنكون قياميين.

بعد هذا دلّ الواقع على أن الحيّ الكبير يحتاج الى كنيسة، ويستحيل على المؤمنين أن يجتمعوا كلهم في الكاتدرائية. أحيانا تُشاد كنيسة لا لحاجة عدد من المؤمنين ولكن بسبب تقوى إنسان ميسور يريد كنيسة على اسم شفيعه. هذا معروف في هذه الأبرشية.

إنّ كنائسنا وجمالها لا ينبغي أن يُنسينا أننا نحن البشر كنيسة المسيح أولاً. في الاتحاد السوفياتي قبل انهياره، في العشرينات، كانت أربع كنائس حتى وصلت الى ما يقارب العشر على عهد خروتشوف، وبقي الأرثوذكس موجودين. من يهتم أن يكون هو عضوا حيا في جسد المسيح، حاملا الإنجيل في عقله وقلبه ومتحدثا بالإنجيل؟ إن لم نكن معا ومتحركين معا بالكلمة، تكون عندنا معابد حجرية لا كنائس.

Continue reading