Category

مقالات

2012, جريدة النهار, مقالات

البغض / السبت 17 تشرين الثاني 2012

«انهم أبغضوني بلا سبب» (مزمور 29: 15) وفي ترجمة حديثة «بحماسة يبغضونني». هل كان صاحب لسان العرب واعيا وعيا عميقا لما عرّفه على انه نقيض الحب. أليس هو أسوأ من ذلك بكثير؟ فإن للحب مراتب او كثافات. اما البغض فهو العداء بالذات بحيث لا تبقى عند المبغض ذرّة واحدة من المحبة.

انه بدءًا، فصل الآخر عن نفسك وعيشك موته فيك ولو كنت لا تريد إماتته الجسديّة خوفا من عواقبها في دنيا الجزاء او لكونك لم توهب شجاعة الإبادة للآخر. ولكن شهوة القتل قائمة فيك. ليس هناك نصف بغض او ربع بغض. هناك ذوق قتل انت خائف من اتمامه. الذات فيك اعني أعمق كيانك نافرة من ذاته ولا تلتقيان في الخيال لأنك في خياله غير موجود. المقولة الداخلية فيك هي محو الآخر.

هناك نفوس مبغضة. لا تتأثر بالمحبة المسكوبة عليها. هناك مطويون على الكراهية ونفوس منفتحة على الحب. هذا سر الإثم كما يقول بولس ولا نعرف كيف انغلق ناس على عتمات نفوسهم ولماذا رحّبوا بالظلام. نلاحظ احيانا ان بعضا تأذّوا من كلام او معاملة ولم يقدروا على تحمّلها. كأن الآخر قتلهم او قرأوا معاملته قتلا فوضعوا في وجوده سلبية رهيبة فهموها انها تلغيهم.

في هذه الحال سبب ولكن المسبب ضخم جدا لا يفهم بخلل نفساني على ما أرى ولكنه يفهم بأهواء كثيرة معششة انفجرت بلا معادلة بين من آذى ومن تأذّى، هناك خروج عن العقل الطبيعي او المألوف للدخول في عواصف لا نفهمها بالتحليل بحيث لا نستطيع ان نلمس صلة بين الضربة التي حدثت وردّة الفعل عليها. عند غياب الصلة بين ما قام به المعتدي وما قام المعتدى عليه لكوننا قد خرجنا عن المألوف من المعقول ودخلنا في عالم الجنون.

نحن في انعدام المحاكمة، في غياب العقل، في الانفعال الكامل، ولذا قال الكتاب: «انهم أبغضوني بلا سبب» وتضخم السبب الى حجم يزيد كثيرا عن سبب انفعالي حتى صحّ قول المزامير «انهم ابغضوني بلا سبب».

#   #   #

ما المسيرة التي توصل الى البغض؟ في هذا يسعفني القديس دوروثيوس الغزاوي وكان ناسكا من غزة في القرن السادس للميلاد. هذا يقول: الضغينة شيء والبغض شيئ آخر ثم السخط واخيرا الكدر. نساكنا كانوا يعرفون الخطيئة في جزئياتها. جاؤوا الى ما يشبه علم النفس من علمهم بالخطيئة.

في العهد القديم الغضب والبغض متلاقيان او متلازمان وكأن الغضب تعبير خارجي للبغض. الغضب يشبه بالنار. يحرق صاحبه وقد يحرق من انصبّ عليه. هناك ايضا حديث عن غضب الله وهذا من باب التشبيه. على هذا هناك رجاء على ان يعبّر الغضب. ما من شك عند الأبرار ان ثمّة إمكانا للتحرّر من الشهوات والبغض في قراءتي شهوة رهيبة لا تضربها الا عاصفة من المحبة تنزل برضاء الرب فقط لأن القلب على طبيعته يقصفه البغض قصفًا شديدا.

كثيرا ما وقع علينا بغض المبغضين من حسدهم بلا كلمة جارحة. فهناك من لا يريدك موهوبا او ناجحا او جميلا او فصيحا او طاهرا او متقدسا. لذلك يصبّ عليك كل المساوئ بعد ان يخترعها اختراعا ليقتلك ادبيا. وكثيرا ما استعمل النميمة لكي يلطّخ سمعتك فيجعلك سارقًا وناهبا او كذوبا ولا تعجب ان قال هذا ولم يكن فيك شيء منه. هناك ناس عندهم رغبة التحطيم وقد لا تنتشر الكذبة انتشارا رهيبا. من يرد الكذب والناس بسطاء او أغبياء وتلصق بك التهمة عشرات من السنين ولا يقطعها احد.

كثرة من الصادقين لا يصدقهم احد لأن الآهون ان يصدّق الكاذبون. احيانا كثيرة انت ذبيح الى الأبد ويراك الله وحده وهو وحده يزكيك، وقد لا يعرف هذا ابدا في هذه الحياة الدنيا. ويجب ان تكون مكتفيا بتزكية الله حتى لا تحزن فتبكي وحدك والرب وحده يمسح كل دمعة عن عينيك.

#   #   #

انت تحمل مبغضك بقوتك الوحيدة التي هي الغفران. لا شيء يؤكّد ان الغفران يشفي العدو ولكن لا حيلة لك فقد كتب: «احبّوا أعداءكم. باركوا لاعينيكم. أحسنوا الى مبغضيكم… لأنكم ان احببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم» (متى 5: 44-46).

رجاؤنا شفاء المبغضين حتى يستقيم العالم. «العالم واقع كلّه تحت الشرور» (1يوحنا 5: 19). هذا لا يقودنا الى اليأس ولكن قد يقودنا الى ألم شديد اذا كنا نحب خلاص الناس.

خلاص العالم سعي من المتقدسين وصلاة لهم لا تنقطع. المحبة في الأخير تنتصر ولكن قد لا نعرف في حياتنا نصرها. الرجاء هو ايضا سعي. ونحن مخلّصون على الرجاء.

لا ينبغي ان تذهب نفوسنا ضدّ الخطأة. لا نكرههم. نكره خطاياهم. ولا نبغض المبغضين. لا نيأس من توبتهم واذا عادوا الى ربّهم لا شيء يفرحنا مثل توبتهم لأنها وحدها تنقذ نفوسهم من شرورها. متى يصبح المبغض قياميا؟

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

من قريبي؟/ الأحد 11 تشرين الثاني 2012 / العدد 46

الناموسيّ الذي أراد أن يختبر المعلّم طرح عليه سؤلا لاهوتيا: «ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟».

لم يجب السيد هذا الرجل، ولكنه ردّ على سؤاله بسؤال: ماذا كُتب في شريعة موسى؟ فأجاب هذا الرجل: «أَحبب الرب إلهك…». هذه هي الوصية الأولى التي اقتبسها لوقا من سفر التثنية 6: 5، والوصية الثانية: (تحبّ) قريبك مثل نفسك، موجودة في سفر اللاويين 19: 18.

هذا الرجل الذي طرح السؤال على يسوع ليجرّبه قال له يسوع: إفعل هذا فتحيا. إذ ذاك سأل هذا يسوع: «من هو قريبي؟». هذا سؤال ليس سهلا على اليهود لأنهم ما كانوا يحبّون الغرباء.

أجاب يسوع عن هذا السؤال بمَثَل أي بحكاية من عنده وكلّمه عن إنسان يهوديّ كان نازلا من أورشليم الى أريحا فوقع بين لصوص ضربوه. «وتركوه بين حيّ وميت».

مرّ بهذه الطريق يهوديّان آخران أَحدُهما كاهن وآخر لاويّ. اللاويّون سُمّوا كذلك لأنهم من نسل لاوي بن يعقوب. كان من واجباتهم أن يحملوا خيمة الاجتماع إذا رحلوا وينصبوها إذا حلّوا. هذان عبرا عن الجريح حتى جاء سامريّ غريب الجنس والدِين. هذا تحنن على هذا المرميّ على الطريق.

كان السؤال المطروح على يسوع: من هو قريبي؟ لم يُجب الرب. أجاب بسؤال: «أيّ هؤلاء الثلاثة تُرى صار قريبًا للذي وقع بين اللصوص؟». لم يدلّ يسوع على قريب هذا الجريح، بل سأل من هو الذي صار قريبًا له؟ المعنى أنك أنت بالمحبة تجعل ايّ انسان تخدمه قريبًا لك.

أنت إذا صنعت الرحمة مع أحد الناس تصير قريبَه. ردّ يسوع السؤال «من هو قريبي؟». وصار السؤال: مَن أَجعلُه قريبًا لي؟ هذا يعود بنا الى كلام الرب: «أحبب قريبك كنفسك».

بالانتباه الى الآخر، بخدمته ومحبته تجعل الآخر قريبًا لك. لا تفتّش عن قريبك في النسيب او ابن ضيعتك. ليس انسان مخلوقا قريبا لك. أنتَ تجعله كذلك اذا ذهبت اليه وقدّمت له ما يحتاج إليه.

كلام يسوع مفادُه أنْ صِرْ قريبًا لمن وجدتَه على طريق حياتك بانصرافك الى حاجاته.

القربى الروحية تنشأ بين القلوب من خلال العمل في سبيل الآخر.

هي فوق كل قربى جسدية وفوق كل مصلحة. هي عطاء كامل بلا حساب. أنت لا تنتظر شيئا ممن تحب. تحبه لكي يقرب من ربّه.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الجمال / السبت 10 تشرين الثاني 2012

الجمال قائم بذاته وانت تحس به موضوعا خارجا عن عينيك او أذنيك فتلتقطه. يصبح فيك بعد ان كان موضوعا في الكون. لماذا يصبح لك ثم فيك ولا يدركه آخر؟ واذا لم يدركه آخر وكان هذا فيك ممكنا معنى هذا انه كان بينك وبين الموضوع افتراق. لماذا شيء فيك أحدث هذا الافتراق؟ أادراك الجمال محتوم عليك ان كنت سويا واذا اختلفت مع القادرين على تأمّله فبمَ تفسّر هذا الاختلاف؟

اذا اخذت رائعة ليوناردو دافنتشي الجوكوندا يتفق الناس كلّهم على جمالها. قد لا يرون جميعا انها الأجود في مصنوعاته ولكن لم أقرأ أن احدًا رفض اعتبارها تحفة من تحف الدهر. فيها اذًا سطوع يفرض نفسه عليك الا اذا كنت اميا في مجال الفن. بهاؤها يفرض نفسه لأنه قائم فيها ولا مجال للتأويل او التفسير ولا سيما انها ثابتة او غير متحركة بمعنى انها هي التي تأتي اليك وانت تتلقاها وليس لك في ذلك تحيّر او تردد.

هذا يعني ان للجمال الكلاسيكي قواعد استنبطها علماء الجماليات لكونهم شاهدوها في الموضوع الذي تأمّلوه وتحرّكهم العاطفي او الانفعالي بالموضوع كان قليلا وتمسكوا بالأسس التي اتفق عليها اهل الفن او اهل تفسير الفن هذا اذا تبنينا قول ارسطو ان الفن يقلد الطبيعة.

من هذا المنظار اظنّ انه يصح اعتبار ان مثقفي الفن الكلاسيكي والجاهلين به ليسوا بعيدين بعضهم عن بعض في تقديرهم. انهم يقيسون العمل الفني بالطبيعة التي يعرفون وقبولهم بالطابع الجمالي للمنتج يفرض نفسه عليهم. اجل إحساس العارفين أقوى من إحساس غير المتدربين على الرسم وهذا ما يوحي لهم تفسيرا غير وارد عند العامة. هناك درجات من القبول او تفاوت في كثافة الحس ولكن الفنّ الكلاسيكي يفرض نفسه كالطبيعة التي جاء منها.

اما الفن المعاصر لكونه مفلسفا منذ الانطباعيين فليس امامه الناس واحدا. ذلك ان الناس مختلفو الفلسفة وتاليا مختلفو الأذواق. الفن المعاصر وراءه كلام او يترجم كلاما او خيارا فلسفيا.

هذا لا يمنع المختارين ان يخترقوه لاقتناعهم بالفكر الذي جاء به او لقدرتهم على تحسس الطاقات عند الفنان المعاصر او تحسس نفسه الذي يقول هو انها تمخضت بالمنتج الفني، اذا استطعت انت ان تصل الى ما كان في نفس المبدعين اذا ابدعوا يقال انك التقطت الرسالة. هذا لا يعني انك فهمت. فالفن الحديث يستغني عن الإدراك العقلي. يجب ان يدخل الفن اليك دخولا فيه من التلمّس الداخلي، الوجداني ما لا يفرض تماسا عقلانيا.

#   #   #

مناصرو الفن الحديث وذائقوه لا يرون ضرورة ان يتصور بعض الجمال بالعقل او ان يعبر به. لا يقلقهم ان يرسموا قامة بلا رأس. يريدون ان ترى قامة ما التي نعرفها بعيوننا. يريدون ان ينقلوا احساسهم اليك كما تكون في نفوسهم بحيث تتحسس القطعة الفنية كما تستطيع وتخرجها لوحة كما تعرف بلا قاعدة فتأتي القطعة من تحسس غامض عند صانع الشيء فينتقل منه اليك ما ينتقل وليس همّ الفنان ان تكون متفقًا معه بما يمكن تفسيره وهو لا يناقشك بما تحس ولكنه يريدك ان تقبل.

الفن لم يبقَ لغة متفقا على مكوناتها، لغة قابلة للتفسير. المتأمّل فيه يعترف لك انه اقتبل شيئا او لم يتقبل. بعض من الناس مَن يرى ان هذا الفنّ لغة تواصل. هل من تواصل بالإحساس فقط بلا واسطة العقل اي خارجا عن الوضوح؟ يبقى انسجام الألوان الذي هو نوع من الموسيقى ولكن لا موضوع.

المدى الجمالي عند المعاصرين خارج عن المدى الفكري اي عن الكل الانساني المتماسك. قد لا يحس الانسان الحالي بضرورة الترابط بين العقل والشعور ويقبل ان يعيش بتفاعلات عاطفية او غريزيّة لا يشرف عليها الوجدان البشري المطهر.

#   #   #

لقد أخذنا عن افلاطون ان الكيان البشري كما كيان المدينة قائم على الجمال والخير والحق وهذا ثالوث غير قابل للتجزئة. فانهزام العقل امام الجمال هو انهزام الخير الذي ينقينا وانهزام الحق الذي لولاه لما قامت انسانيتنا اذ نكون قد اصبحنا عواصف داخلية تجعلنا في تخبّط داخلي غير قابل للتهدئة.

الجمال مرتبط بالأحاسيس مصدرا وتلقيا، هذا اذا أردنا الا نتحدث عن الجمال الروحي الذي هو في مدى القداسة. هذا يجعل التقاطنا للجمال معرضا للهشاشة او مختلطا بأهوائنا. الجمال عند وصوله الينا بالفهم والحس في حاجة دائما الى تنقية في وجداناتنا حتى لا يخامره عنصر ضدّ الخير او ضدّ الحق. وهذا طبعا دقيق جدا.

بكلام آخر اذا سعينا الى قبول الجمال فينا علينا ان نسعى معه الى دعوة الخير والحق الى قلوبنا فاذا انقسم الثالوث الذي اشرنا اليه وتبعثر الجمال والخير والحق نصبح على غير هدى. بلا التناسق الوجداني بين هذه العناصر الثلاثة يفنى التوازن البشري فينا ونقع في هذه المغالطة الرهيبة القائلة بإمكان فصل الجمال عن الخير والحق.

عبادة الجمال بدعة رهيبة اذا استقل عمّا يلازمه في الوجدان النقي اعني اللصوق بالخير والحقيقة. دون هاتين القوتين فينا يصبح الجمال إبادة للنفس فتصير هذه مقبرة للجمال نفسه.

القيامة من موت النفس هي في الجمع بين الوحدة بين الجمال والحقيقة والخير، هذا هو الثالوث الذي رآه الإغريق قبل ان يسكن الإنجيل قلوب البشر.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

مقام المطران في الكنيسة/ الأحد 4 تشرين الثاني 2012 / العدد 45

يعلم المؤمنون أن المطران رأس الأبرشية والأبرشية هي الكنيسة المحلية وفيها كل صفات الكنيسة الجامعة. هي مقدسة ورسولية. هي ليست مجزأة. هذه الكنيسة الواحدة برئاسة المطران موجودة كليا في كل رعية من رعايانا، والأبرشية تحل وتربط في كل مكان. المطران يقرر في كل مكان. ولكونه أبًا يقرر بمحبة وبما ينفع الرعية المحلية وبالمشاورة مع الكاهن ومجلس الرعية لأن المحبة تربطنا ومن أحب لا يستبدّ.

نحن خطونا معا خطوات عظيمة حتى لا تنفرد رعية بقرارها، وما من شك أن روح الرب منتشرة في كل مكان ولكن لم نبلغ الكمال حتى الآن اي معرفة أن الكاهن او مجلسه في تشاور دائم مع رئيس الكهنة لتتم كل أعمالنا بلياقة وترتيب كما يريد الرسول.

وهذا يعني أنه لا بد من طلب البركة من المطران لكل عمل. فإذا بدأنا بالحجر فكل عمل جديد فيه مثل الترميم او تغيير مبنى الكنيسة او تشييد بيت او رسم جدران الكنيسة يتطلب إذنا واضحا من الرئاسة الروحية. فهل من المعقول أن يزور الأسقف رعية ويرى أشياء جديدة لم يسمع بها؟

الوجود القانونيّ والمؤسس لاهوتيا هو للأبرشية ككل وهذه لها رئيس. هذا هو موقف الكنيسة الأرثوذكسية. نحن واحد، وهذه الوحدة تقوم على التشاور والتفاهم وعلى البركة الإلهية التي ينقلها الى المؤمنين مَن تسلّم القيادة الروحية بينهم. المؤكد أن بعضا من إخواننا مصابون بمرض الانعزالية وبمرض الشعور انهم أحرار في كنيسة القرية وكلامهم أن آباءهم أسسوا وأورثوا المؤمنين ما أوقفوه. حسب الإنجيل، المعطي يعطي مجانًا ولا يطلب شيئا لنفسه او لأولاده وأحفاده. إنها نعمة له من ربّه أنه قدّم ما قدّم. إنها بركة له واذا جاز له شيء فهو شكرنا له. غير أن هذا لا يعطيه ولا لعائلته سلطة على الكنيسة.

الكنيسة المحليّة قائمة بجهود الجميع. وأعضاؤها يتشاورون على رجاء العمل الدائم. غير ان الرئيس الروحي هو الذي يأمر بالعمل. نسمع أحيانا مثل هذا الكلام: «الأوقاف ملكنا. نعمل في الضيعة ما نشاء». بالحقيقة حسب النظام المدنيّ أن الأوقاف هي ملك الطائفة جميعا، والمتولّي الأوقاف بنظر الدولة والقضاء هو رئيس الكنيسة.

اما في الرؤية الروحية فالوقف لله وليس مُلكا لأحد. الكنيسة كلها اي كنيسة الأبرشية الممثلة برئيس الكنيسة هي التي تُحرّك الأوقاف.

الى هذا هناك أُمور فنيّة لها أربابها وليس كل شخص عالما بها. لذلك تحتاط المطرانية بأهل الخبرة لمنفعة الجميع. اذا كنا إخوة او أبناء لا يكون المطران معزولا عن الرأي.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

المجانية / السبت 3 تشرين الثاني 2012

«مجانا أخذتم مجانا أعطوا» (متى 10: 8). اذا ارادكم ربكم ان تحبوه فهذه المحبة تتربون بها وتنعمون بها ولا يكسب الله منكم شيئا. هو يبادر بمحبتكم لتفيدوا انتم من استمرارها فيكم، لتصبحوا حبا اي قادرين ابدا على تلقي عطفه فإن حنانه كل شيء. انتم لكم صورة اذا سكن فيكم من حيث انه هو الذي يشكل كلا منكم بشرا سويا.

والرب يعرفكم ابناء له وهو اوجدكم بهذه الصفة وستبقون ابناء لأن ابوته باقية الى الأبد ولا يريد منكم الا ان تحبوا بعضكم بعضا لتنوجدوا بهذا الرباط ويراكم عقدا واحدا آتين من رضائه.

هكذا يعامل الخالق كل مخلوقاته بدءًا من الانسان. يعطي بلا حساب ولا يقدر الانسان ان يرد له شيئا سوى طاعته وتعود على الانسان نفعا له. »بماذا اكافئ الرب عن كل ما اعطاني؟« سؤال طرحه الانسان على نفسه بعد ان عامله الرب برأفاته. ولما أدرك الإنسان بعد السؤال انه لا يستطيع ان يعطي ربه شيئا قال: »كأس الخلاص أقبل وباسم الرب أدعو«. وكأس الخلاص من الرب الى الرب. والدعاء من قلب الإنسان الساكن الله فيه اي ان الرب يخاطب نفسه اذا دعاه الانسان.

واذا قال الكتاب: «الروح يشفع فينا بأنات لا توصف» (رومية 8: 26) معنى ذلك انك اذا خاطبت الروح القدس بصلاتك فإنما هو يخاطب نفسه. بتعبير آخر هو الذي يصلّي فيك ويأخذ ناسوتك الى لاهوته حتى لا يعلق في ناسوتيتك شيء من الفساد. بكلام آخر الرب يعيرك نفسه لتعود نفسك بك اليه فيستريح اليك وتقر فيه. انت لك ان تكون تاجرا في التقوى وهذا ما يقوله الكتاب ولكن الله ليس بتاجر. هو لا يبادلك بشيء. انه يبادلك نفسه. انت لا تسترضي الله بشيء. انك تسترضيه فقط بالايمان اي ترد له ما اعطاك ثم يكرر عطاءه كل يوم وانت تذوقه جديدا لأن ربك دائما جديد بالينبوع الذي فيه وانت، على قدر نعمته، تحس انك أمسيت كائنا جديدا كأنك مخلوق عند فجر كل يوم ، كأنك ترى ربّك محييك صباح مساء لأنه لا يريدك على حس العتاقة ولا يرضاك قابعا في الموت الروحي فيبعثك حيا وكأنك لم تمت في خطيئة فإنه ينساها ولا يسجلها في ذاكرته التي لا تحفظ الا عودتك اليه.

#   #

#

ويريدك ان تبذل نفسك للناس غير طالب منّة ولا شكورا حتى لا تكون تاجرا ان عاملتهم. فاذا كنت فقيرا الى الله فلست فقيرًا الى أحد واذا أعطاك احد شيئا فيكون معطيا مما وهبه الله. لك ان تشكر لكل مخلوق ما أعطاك. ولكن ان شكرته فليس لتعرف نفسك مدينا ولكن ليعرف هو انه مدين للرب. لا تنسَ ان تعيد الناس الى الرب. لا يسوغ ان يحسوا بفضل عليك. هذه تجارة. المهم ان يؤمنوا انهم بنعمة الله أحبوك وخدموك. فاذا عرفوا انهم أحبّة الله يكونون اذا اعطوك عائدين الى ربّهم.

نحن عند وصيته ان احببنا بعضنا بعضا وهذا يربينا. ولكن من نحب اذا احببنا؟ في الحقيقة نريد ان يصبح الآخر إلهيا. اجل نحن نؤلف مجتمعا من الذين يحبون الله. الله يمتد او ينتشر اذا صحت الصورة بمعنى انه يضع حضرته فيّ ويضعها فيك. انه لا ينتقل. انه يسكن حيث يرحب به. هو لا يقتحم، لا يغتصب. هو يتأنسن فيك ويتأنسن بمن اختار. هو خفي فيك ويجعلك تتكلم باسمه. ولكن حذار ان تنسى انك تستعير كلامه الذي يصير كلامك بمعنى واحد وهو ان تطيع. سلوكك البهي هو كلمته. والكلمات التي وضعها ما قامت في كتابه فقط لتقرأها ولكن لتصيرها. هو سيرى في اليوم الأخير اذا صرتها وان لم تفعل تكون بقيت أميا بالمعنى الروحي.

انه يريدنا ان نصير بالمحبة كلمة واحدة وان بدونا بسبب من رؤيتنا اجسادا مختلفة. واذا قلنا اننا أضحينا كلمة واحدة فلنعني اننا بتنا حياة واحدة في سر المشاركة التي تجعل المؤمنين واحدا. هذه الوحدة اذا قامت بيننا ينكشف الله واحدا لنا وانكشافه كذلك يجعلنا انسانية واحدة قائمة بحبه هذا الباذل لنا حبيبه الوحيد.

في هذه الرؤية يصبح العشق الإلهي فينا كيانا اي انه ينزل علينا من هذا الذي احبّنا اولا وجعلنا له. واذا استأثر بنا فلمنفعتنا نحن، لنموّنا به، لسيرنا اليه والأولى ان نقول سيرنا فيه.

نحن لا نصير فقط بنعمته ولكننا نصيرها. احد كبارنا قال اننا نكون بحبه بلا بدء. هذا طبعا سرّ لا كنه له عقليا ولكنك بمحبوبيّتك تدرك كل شيء وتفهم ان النعمة مبثوثة فيك ان انت أطعت حتى ينتهي عقلك كله الى قلبك.

#   #

#

هذه كانت غاية الخلق واذا كان الله لا يحتاج الى خلق العالم والإنسان يكون قد برأك ليفيض حبّه عليك، لتصير كائن حب على صورته وحسب مثاله.

هل بعد هذا لك ان تتصور مجتمع حب؟ طبعا كان هذا هو مبتغاه في الخلق. انت ليس لك مبتغى آخر اذ ليس لك غذاء آخر او صورة بقاء وليس لك مع الآخرين صلة. الصلة انت تقيمها مع الآخرين بقوّة العطاء الذي فيك.

هذا مجتمع القديسين الذين اختطف بعضهم اليه والذين يقيم بعضهم على الأرض في ملكوته. ان الذين اخذهم اليه بعد ان ادركوا هذه الصورة والذين استبقاهم على هذه الأرض بعد ان نحتهم بالنعمة هم الأبناء الذين يؤثرهم والذين لم يدركوا جمال هذه الصورة يرحمهم حتى يفهموا ويصيروا. يصيرون اذا فهموا انه اعطاهم كل جمال فيهم مجانا فيشكرون وهو بأمانته الى نفسه يغدق دوما عليهم العطاء ليحسوا انهم اخذوا مجانا فتعلو قاماتهم اليه حتى يلامسوا عرشه ويظلوا هناك.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

مع المسيح صُلبتُ/ الأحد 28 تشرين الأول 2012 / العدد 44

«مع المسيح صُلبتُ». العبارة تدل على المسيح الحاوي في نفسه كل أحبائه. العبارة المرادفة لها والتي يستعملها بولس كثيرًا هي «في المسيح» وتدل على أن الرب يسوع أخذنا في ذاته، جعلنا فيه لمّا تمّم خلاصنا بموته.

بعد هذا القول اللافت عند الرسول قوله «صُلبتُ فأَحيا». وفي هذه الكلمات دلّ بولس على أن حياتنا الجديدة أوُتيناها من موت المسيح إذ على الصليب بدأ خلاصنا بمعنى أننا نلنا الحياة الجديدة.

بعد أن قال بولس «فأحيا» استدرك فقال «لا أنا، بل المسيحُ يحيا فيّ». ارتكز هذا على الوحدة القائمة بين كل واحد منّا والمسيح. فإذا ملأني الرب يسوع بكل نعمة من عنده يكون هو الحيّ فيّ وتنسكب حياته فيّ بالروح القدس. من أَحب المسيح بقوة يكون قد أخذ المحبة التي أَحبنا المسيحُ بها. دائمًا تبدأ المحبة بالمسيح، ونحن نستجيب لها بطاعة وصاياه.

بعد هذا يقول الرسول: «ما لي من الحياة في الجسد انا أَحياه في الإيمان بابن الله». هو يريد الحياة في المسيح. وعبارة «في الجسد» تعني من كل كياني. انها الحياة التي يسكبها الروح الإلهي فينا، ولا يقصد بها حياتنا البيولوجية. هناك حياة أقوى تنزل علينا من فوق. هذه يعطيها الإيمان اذ الإيمان حياة جديدة تبدأ عندنا بالمعمودية وتنمو بالإيمان ونغذّيها بصلواتنا والأسرار الإلهية. أحيا في إيماني بابن الله لأنه، ساكنًا فينا، يعطيني الإيمان به.

إذا آمنت بابن الله أَعرف أنه أَحبّني وبذل نفسه عني. كل الإيمان في حقيقته وعمقه أن أعرف أن الله أَحبّني. هذه هي المرة الوحيدة التي يوضح فيها بولس أن يسوع يحبه هو، ولا يقول أَحبّنا. كل مؤمن مخصّص بحب يسوع له. إنه لمهم جدا أن تعرف نفسك حبيب الرب وأن تفهم هذه العلاقة الخاصة بينك وبين المخلّص. ما هي حياة المسيح فيك؟ أَوضحها بولس بقوله: «وبَذل نفسه عني» والمعنى طبعا أنه مات ثم قام لخلاصي.

الإيمان بابن الله يعطينا الحياة الأبدية، وهي تبدأ من هنا علاقة وجود مع المسيح. الحياة الأبدية لا تعني حصرًا تلك التي ننالها بعد الموت إذ هي تبدأ بالمعمودية وتقوى بالإيمان. تُسمّى «أبدية» لأنها لا تنقطع بالموت فالنعمة تنزل على كل الأحياء وعلى الأموات الذين هم أحياء في المسيح.

تبدأ حياتنا بالمسيح بالإيمان ونغذيها بالكلمة الإلهية ومناولة جسد الرب واستمرار ثقتنا بالله. هذه هي الحياة في المسيح المحيي كل مؤمن بها. ما من أُمنية أعظم لإنسان من أن يحيا المسيحُ فيه ويحيا هو في المسيح.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

القتل / السبت 27 تشرين الأول 2012

أول خطيئة ارتكبها الإنسان حسب السرد التوراتي انه عصى أمر الله بأكله من شجرة في الفردوس منع من أكل ثمارها. بعد هذا اختبأ من وجه الرب اذ فرّق العصيان بينه وبين إلهه وترسخ في استكباره وصار واحدا مع تراب الأرض. والاستكبار ابادة الإنسان لصورة ربّه فيه.

والخطيئة الثانية قتل قايين لأخيه هابيل. أليس كل قتيل أخا للقاتل. ولما عاتب الرب قايين قائلاً: «أين هابيل أخوك» قال «لا أعلم. أحارس أنا لأخي». تحجب الأخوّة عن القلب المبيد. يبدأ الانفصال أي التشتت عن الآخر. الوحدة كانت في الحياة. انها نازلة على الناس واحدة وتزرع فيهم سر وحدتهم.

أنت لا ترزق الآخر حياة. تلحظها فيه وتدرك ان سرها الأساسي في انها معطاة أي انك تلقيتها من واحد وهو الله الذي فوّض رجلا وامرأة بمدك بها إلى ان تعود إليه وقت تحدد حكمته ذلك. الحياة في الجنس البشري تنتقل انتقالا منذ مئة وخمسين ومليون سنة ليستمر تمجيد الله بنا فاذا اوقفتها عمدا في اخيك البريء تكون قد تنكرت لهذا التمجيد وأقمت نفسك إلها كما فعل آدم.

ثم جاءت الوصية: «لا تقتل» (خروج 20: 13). الحديث عن القتلى في العهد القديم طويل. غير ان الكتاب الإلهي لا يفلسف التمنع عن ابادة الآخر. هذا امر إلهي تحيا أنت به ويحيا به المؤمنون. في هذا الأمر لا يجدد العهد الجديد شيئا أو يأتي بتفسير اذ لا يزول حرف واحد من الناموس (متى 5: 18). غير ان السيد يذهب إلى ما هو أعمق من الوصية القديمة فيمنع الغضب الذي يأتي بها ويمنع الخصومة. إماتة الآخر تبدأ هنا.

وفي الإسلام «من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا» (سورة المائدة، 22). كذلك يمنع القرآن الانتقام بقوله: «لئن بسطت اليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يديّ اليك لأقتلك اني أخاف الله ربّ العالمين» (المائدة، 28).

#   #

#

بالمعنى نفسه: «لا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق» (الأنعام، 151). كثيرا ما أتى القتل من الخوف، من الظن ان الآخر يحرض نفسه على قتلي. ألغيه قبل ان يلغيني. وفي هذا انا محتاج ان أنأى بنفسي عن الله لأتمكّن من تقرير ذبح الآخر. في حالة الفتنة كل امرئ عثرة لي. أنا سلطتي وهذه تأمر لتنبسط. وفي آخر تحليل مدى الدنيا لي. ومن لا استسيغه يعرقل بسط نفوذي على دنياي. ومن اريد اقتحامه يلغيني حتى لو لم يكن متعمدا أذاي. انا لا اشك في انه يريدني ان اموت. فلئلا يكون هذا يجب ان يموت هو.

لا يكون هذا اذا زال خوفي اما بقراءة لي جديدة لواقعي بحيث افهم بالتحليل ان خشيتي الآخر عنصر من عناصر قوته فإقدامه على القتل. والموقف الأعلى والأفعل ايماني بغلبة ايماني وقوة علوية تنزل عليّ وتمدّني بصمود امام الخطر فيحصل ما يحصل وأنا امجد الله في حياتي ومماتي. اكون في هذا قد بذلت نفسي لله الذي يرعاني في محياي ومماتي ويجعلني في اية حالة من الحياة في نصرة منه.

ان رؤيتك للحياة وإزالتها مرتبطة بإيمانك أو عدم ايمانك. أمام هذه المشكلة الكبيرة في بلدنا لا يبدو منذ اربعين سنة اننا على دين قوي فعففنا عن القتل أو اننا على دين ضعيف فقتلنا. يهون علينا ان نقول قاتلنا من أجل قضية. من قاتل لا يحمل الثأر ولا الكراهية أو بغض الذين انتموا إلى عقيدة دينية اخرى. والواقع اننا كنا نختبئ وراء ما نسميه ديننا لأننا نقتل خائفين من ذواتنا أولا ومما يبدو ضعفنا ثم خائفين من الآخرين معتقدين اننا محاربون ولسنا قتلة. مرة في الحرب بسبب خطأ مطبعي اتهمني احدهم اني اتهم ابناء طائفته انهم قتلوا ويبدو اني كتبتها مع اني كنت أود ان أقول انهم قاتلوا.

أنا غير مؤهّل جنائيا أو موضوعيا ان أدلّ على القتلة أو القاتلين وان افرّق بينهم. الفرد الذي عاش بعد الحرب وحمل السلاح يفحص قلبه أو ضميره ويعترف لنفسه عما اذا قتل أو قاتل. ولكني استقبلت مرة محاربا اعترف لي انه كان قاتلا وقرأت صفحات بالفرنسية كتبتها امرأتان اعترفتا بأن هذه الحرب كانت باطلة من البدء إلى النهاية. أنا هنا اشهد أو ابلغ ما سمعت.

ان السهولة الكبيرة في القتل في هذا البلد تدلّ على انّ الذين ارتكبوه وهم كثر لا يؤمنون حقا بالله أو لا يدخلونه في مجال الحياة والموت. قال لي طبيب كبير في الأمراض العقلية ان لبنان عنده اعظم نسبة من الجنون في العالم ولما سألته عن السبب قال ان كل من خرج من المصح يجب ان يكون عنده في الحي أو القرية مصح للأمراض العقلية لئلا ينتكس.

غير ان عددا منا قليلا دخل مصحا للأمراض العقلية. لماذا اذًا عندنا هذه النسبة الفظيعة؟ هل لأن ثمّة عوامل تصادم بيننا كامنة في تشكيلتنا المجتمعيّة؟ هل ان بغض الطوائف الأخرى ليس بغضا بالحقيقة بل خوف؟ هل الآخر من حيث هو مختلف مخيف؟

لعلّ السوال الأصعب هو هل نحن مؤمنون بالله معينا وحاضنا أو أبا أم اننا ننتمي بحسب قوانين الدولة إلى أديان لا يعنينا منها وجود إله حي يحيينا في نفوسنا ويدفعنا إلى السلام.

لماذا يقتني اللبناني سلاحا في بيته؟ هل لأنه يخشى الاعتداء أم يتوقع الاعتداء وعند ذاك هو خائف. ماذا يعمل الواعظ وهمّه الأول خلاص النفوس؟ هل معلّمو مادة الديانة في المدارس ينشئون شبابا شجاعا أم ينشئون مؤمنين بإله يزجّ الخطأة في جهنّم وهم تاليا يربونهم على الخوف.

ماذا يعني الايمان ان لم يعنِ الاطمئنان إلى الرب وإلى سلامه. حسرتنا ان يذهب الناس ضحايا قاتلين كانوا أم مقتولين. هل الأهميّة للاحتجاج أم للتوبة؟

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

حتى يوجع العطاء (الأم تريزا) / السبت 6 تشرين الأول 2012

أن يأخذ الطفل الجديد ما يُعطى من طعام، ان يبتلع كل ما يستطيع فمه ابتلاعه، أن يلتهم كل شيء، هذا هو المنهج العادي في حياتنا اليومية. الأنا هي ما نريدها مركزا للوجود. ما آكله يصير جسدي. ما أتعلمه يصبح عقلي أنا.

لست أريد بهذا ان الإنسان اناني كله او انه مركز ذاته وليس فيه حركة الى الآخرين او لا يرى نفسه منوجدا في الآخرين وبهم. الإنسان ايضا عطاء وهذا يعني ان فيه قوّة الإنعطاف.

ولست هنا بصدد التحديد لمصدر العطاء عنده. نحن نقول ان هذا يأتي من الرب الساكن فيه او ان هذا نعمة مجانية من فوق وان ليس للإنسان فضل في حسناته ليس بمعنى انه لا يجاهد ليكسب المحبة ولكن بمعنى انها، اساسا وانطلاقا، نازلة عليه »فبالنعمة انتم مخلصون«. الخير الله مصدره اولا لأنه هو المبادر وهو المحب ونحن ما استطعنا ان نحب الا بعد ان عرفنا انه هو الذي يحبنا وفهمنا اننا قادرون على أن ننشئ الآخرين بالمحبة لإحساسنا باننا محبوبون.

نحن لا نخلق الخير فينا. نؤتاه. اجل، نكافح انانيتنا لاستلامه. نستجيب للإلهام الإلهي فينا. استودع الإنسان حب الآخر. ومن الناس من استجاب بقوة وبنيت نفسه بهذه الإستجابة. فمنا من يستجيب بنفس يسوقها الله اليه بسرعة ومنا من يتعب كثيرا ليطوع نفسه لربّه. هذا تلاقٍ بيننا وبين الإله الحبيب وهو يعرف سر ذاته فترى نفسك منسابا اليه او ترى نفسك مجرورا اليه بدفع منه كأنك غير مشتاق اليه.

هناك من يعشق الخطيئة عشقا صارما كأنّه يبيت فيها ويتآلفان كأنها خلقت معه وتحن اليه كما يحن اليها وهناك من لا يود هذه الإلفة ولا يسعى اليها ولا يريحه الا صدمها لأن قلبه غدا مقر الرب او عرشه. يحس بعض الناس انهم خلقوا على الفضيلة وكأنهم لا يجاهدون لكسبها وتشعر انت ان سواهم جبلوا بالرذائل جبلة رهيبة وان ربك فقط قادر ان يزرع فيهم حضورا له يأنسون اليه قليلا او لا يأنسون ولكنهم تذكروا كلامه الذي يرن احيانا في مسامع قلوبهم ويوقظهم ايقاظا شديدا فتنسلخ هذه القلوب عن الإغراء لأن النعمة أمست أقدر فيهم من معاصيهم.

#   #

#

واذا لامستك النعمة او استقرّت فيك فأغرتك وصرت لها عاشقا فلا يجذبك شيء آخر ويشدّك الرب الى لذائذه فتألف الألوهة فيك اذ تصبح منك او تصبح منها واذا بك انسانًا نزل من فوق.

«في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي… وجدني الحرس الطائف في المدينة فقلت أرأيتم من تحبه نفسي. فما جاوزتهم الا قليلا حتى وجدت فأمسكته ولم أرخه» (نشيد الانشاد 1: 3-4).

ما في البال من الايمان يقود الى المحبة اي الى طاعة الرب. ولكنك انت تتقبل الايمان بالنعمة التي تنزل عليك فتدفعك الى ان تحب الله. انا لست أنكر أن محبتك له تترجم نفسها بحفظك وصاياه ولكن ان تعرف نفسك حبيبه هو الدافع الكبير الى طاعته.

ان تعرف نفسك حبيا هو ان تعرف انك استلمت كل قوة الله على بذل نفسه. «هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل نفسه» (يوحنا 3: 16). الله معطى وليس فقط معطيا. هو على يديك او تسلل الى قلبك. ماذا يعني يسوع بقوله: «ان أحبني احد يحفظ كلامي ويحبه ابي واليه نأتي ونجعل فيه منزلا» (يوحنا 14: 25). اذا آمنّا بكلام يسوع هذا نفهم ان الله ليس فقط فوقنا او علينا ولكنه فينا. في هذا تكمن قدرة المسيحيين على تجاوز انفسهم الى الألوهة وان يكونوا في دوام الصعود. هذا صعب وقليل ولكن فيه وعدا ونحن امام هذا النداء حتى نصير منه.

#   #

#

بنعمة هذه الحقيقة نصبح قادرين على العطاء في هذه الدنيا اي ان نصير في الآخرين بالحب او ان نصير الآخرين. فاذا لم تذهب الى الآخر لتتساكنا او لتكون اياه لا تكون قد استقللت عن ذاتك. «من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني» (متى 16: 24). تنسلخ اذًا عن الأنا المنطوية والطاوية لتدخل اليك ذات المسيح. في أدنى الايمان تصبح معه بمعنى انك لا تريد ان تعرف ما هو لك وما هو له او توقن انك لست بشيء وانك تصير اليه فمنه ولا ترى هوة بينكما الا لإيمانك بأن كلّ ما فيك من بهاء يأتي من رحمته. فاذا آمنت بأنك أخذت منه كلّ نعمة تصير قادرا على العطاء اي معبرا للنعمة. ما هو من بشريّتك البحتة ليس فيه شيء ليعطى. انت معطٍ ما أخذت والآخر يستلم ما انسكب عليك من فوق.

ان بشريّتك بحدّ نفسها تفهة. انت يؤلّهك ايمانك اي يصبّ فيك كل قدرة الله. انت توزّع هذه القدرة وتعرف ان ما يطلبه ربك منك ان تنسى بشريتك المخلوقة او تتجاوزها لتعطي ما نزل عليك من الخالق اذ يبغي الله منك ان توزعه على أقرانك فانه ملكه وانت تعرف ان الناس يتلقونه بانعطافك عليهم ومشاركتهم هذا الكنز الذي انت مؤتمن عليه.

قد يوجعك ان يطلب الله اليك كل لحظة ان تعطي ذاتك فقد يوسوس لك الشيطان انك لست مسؤولا عن الناس بهذا القدر الذي عرفته من كتبنا المقدسة. رغبة الانطواء تقرع على باب القلب احيانا. انها من الكبرياء. ولكن اذكر ان كل جمال فيك يأتيك من العلي وانك لا تملكه الا بوصفك أمينا له. انت في دوام الانسكاب حتى تنوجد بالرؤية التي يراك الله فيها. واذا شاهدت الناس يلتمعون بالنعمة تحس ان ربك وحده أعطى وهو وحده يختار ان يوزع حتى يصبح الآخرون امة الله في الكون اي الذين يحملون حضرته.

هذه هي السماء قبل ان يصعدنا الله من القبور.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

إنجيل بولس/ الأحد 21 تشرين الأول 2012 / العدد 43

كلمة إنجيل التي يستعملها بولس تعني مضمون البشارة التي بشّر بها. هي طبعًا لا تعني الأناجيل الأربعة التي لم تكن دُوّنت بعد. إنجيله ليس بحسب الإنسان، أي لم يكتبه إنسان، ولم يعلّمه إياه إنسان، وفي الواقع لم يشاهد رسولا من الاثني عشر او تابعا لهم قبل ان يعلّم.

يوضح هذا بقوله: «كنتُ أَضطهد كنيسة الله بإفراط وأُدمّرها». هذا مؤكّد في سفْر أعمال الرسل عندما يتكلّم هذا السفْر عن اهتدائه. «أما شاول (اي بولس) فكان لم يزل ينفث تهددا وقتلا على التلاميذ» (أعمال 9: 1). قبل ظهور السيد له على طريق دمشق، كان اكثر من بقية اليهود «غيرةً على تقليدات آبائه»، والغيرة اليهوديّة جعلته يذهب الى أورشليم «ليسُوقهم موثقين الى أورشليم».

في طريقه الى دمشق لإتمام هذه المهمة، دعاه الله بنعمته «ليُعلن ابنه فيّ لأُبشّر به بين الأمم». كان المفروض عقليّا أن يصعد الى أورشليم ليتّصل بالرسل الذين قبله. المهم عنده إدراكه أن الله أفرزه من جوف أُمّه كما أَفرز الأنبياء القدامى، اي جعله خصّيصه، فلما أدرك انه للرب ذهب الى ديار العرب. لفظة «العربية» التي يستعملها تعني هذا القسم من بلاد العرب القريب من دمشق ربما حوران او البتراء في الأردن اليوم.

لا يبدو أنه أقام طويلا في أي مكان لكونه كان يتوقّع اصطدامه بالسلطات المدنية التي كانت تريد قمع المسيحيين.

في ديار العرب (حوران) كان الحُكم لملك الأنباط المدعوّ الحارث الرابع. وإذ خشي بولس القمع مِن قَبل الحارث رجع الى دمشق. يقول: «بعد ثلاث سنين رجعتُ الى دمشق». هل يحسب هذه السنين من بعد ظهور الرب له، أَم بعد رجوعه الى دمشق؟ لسنا نعلم على وجه الدقة.

بعد هذه التنقلات أَحسّ أنه لا بد له أن يصعد الى اورشليم حيث كان بطرس مقيمًا. واضح أن بطرس لم يكن قد رحل عن فلسطين الى البشارة، فمكث عنده خمسة عشر يوما.

لماذا اراد بولس لقاء بطرس ويعقوب أخي الرب؟ بطرس لأنه قائد الاثني عشر، ويعقوب لأنه من عائلة الرب. يعقوب هذا مذكور في مرقس 6: 3. كان يعقوب مهمّا في كنيسة اورشليم، بل عرفه التقليد انه اول أُسقف عليها. هذا قد يعني ان يعقوب بقي في هذا المقام حتى رجْمِهِ مِن قبل رئيس الكهنة.

اللافت في هذا المقطع أن بولس يؤسس مهامّه ومسؤوليته الرسولية على اتصاله المباشر بالرب يسوع بمعنى أنه لم يستمدّ رسوليته من سلطانه التعليميّ لأن الجماعة الرسولية لم تُعيّنه ولكن الرب يسوع اختاره.

على هذا الاختيار يؤسس كل تعليمه، ويطلب الالتزام بهذا التعليم.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

ما الدينونة؟ / السبت 20 تشرين الأول 2012

لما كنت أتتلمذ في فتوتي على رهبان فرنسيين كان يقال لنا ان ثمّة دينونة خاصة عند الموت ودينونة عامة في اليوم الأخير. في هذا الزمن المبكر كنت أواصل التعليم الأرثوذكسي وما عثرت على هذه الثنائية فيه وكنت أقول لنفسي حسبي الدينونة العامة ورهبتها.

بعد هذا فهمت ان الكنيسة الشرقية تقول انك بعد الموت تدرك وضعك امام الله وانك في انتظار المكافأة ان لم تكن مثقلا بالمعاصي وان هذا بدء فرح وان لم يكن الغبطة الكاملة. والى هذا انت في انتظار القصاص الأخير ان كنت تحمل خطايا كثيرة فهذا بعض من عقاب.

ثم في شيخوختي اقتربت من فكرة الدينونة الخاصة وما تبنيت العبارة نفسها لأن كنيستي لا تستعملها. اقتنعت منذ وقت يسير ان ساعة الموت ساعة مواجهة مع الخالق والمواجهة رهيبة لأنك تبدو امامه في ثقل خطاياك وتاليا في تنافر وطبيعة الرب. وتحس ان هذا اللقاء هو ضمن مصيرك الأبدي ولو أعلن الله رحمته في المبدأ او في بدء التقائك به ومنتهاه.

لا يزين لي ان ثمة مقاضاة لك تحدد مصيرك الأبدي. وان يكون الله قاضيا فهذه صورة عن الحقوق ولو تكلمت عنها كتبنا المقدسة وهذه الكتب تحكي حكاية الانسان مع الله من حيث المبدأ ولكن الحكاية الكبرى هي في اللقاء فور فراقك هذه الأرض. الصورة التي استعملها هي ان المسيح يأتي الى جانبك في التابوت ويكلمك همسا وهو همسة توبيخ. ربما كان يسوع في هذا الاجتماع رقيقا ولكنه في طاعة أبيه لا تهون عنده المعصية لأنها تجرح رأفات ابيه بك. انت لم تقم بشيء لتضمد جراح الآب. انت تبقى عدوا بالخطيئة ويبقى الآب يضمك الى صدره او يجعلك الابن على صدره ويرى الآب ذلك ويتحنن دون ان يترك لومه اياك لأنه لو ترك اللوم يصبح متحيزا لك وليس متحيزا لشريعته.

#   #   #

وبشريعته وحدها تتقدم لأنك لا تستطيع ان تداعب الخطيئة وتبقى منه قريبا. قربك ببهائك الروحي لأن الرب ليس عنده زمرة يدنيها منه وزمرة يباعدها عنه. انت ان كنت له تصبح منه فيرى نفسه فيك لأنك ان صرت نقيا تصير مرآته والرب بطبيعته يحب نفسه فيك ويسألك دائما اذا قبلته وهو يعرف انك عنده او انك ظللت بعيدا عنه ساعيا الى نفسك لتستعلي بها وتقيم في كبريائها وتجعل كبرياءك منزلك كما تجعل الله في منزل بعيد.

كل قصتك مع الله ان تجعله اليك او الا تجعله اليك. واذا أقصيته – وهذا ما نفعله في الخطيئة – تلغي نفسك من الوجود الحق لتخلق لنفسك وجودا يغشك ويقيمك في اوهام الوجود. الخطيئة هي التي جعلتك تظن انك موجود بقوتك لا بقوة ربك اي انها تجعلك بعيدا عنه وساميا الى سراب يخدعك.

كل القصة ان تعرف انك انت نزيل الكيان الإلهي الذي فيك او نزيل الهيامات التي تصطنعها لنفسك في خوفك من الله. هل انت انسان الخوف ام انسان الثقة. هل انت مجتر لنفسك والخديعة المعششة فيك ام انت ملقى في حضن الآب ناسيا لذائذك وترفك لتشعر بأنك أمسيت ابنا اي ساكنا في هذه الأرض ملكوت الله النازل عليك بحنان الآب.

حنانه ان آمنت به يحول عينيك الى عينيه فتدرك انك موجود بنظرته اليك. وهذه النظرة ان التقطها تجعلك تفحص قلبك حسب العبارة الأرثوذكسية او تفحص ضميرك وفق العبارة الغربية. طوبى لك اذا رأيت الله في قلبك ورأيته يحرك نبضات الروح فيك وتبقى في نفسك بعد انطفاء الجسد.

#   #   #

ان أصرّ بعض ان يتحدّث عن دينونة خاصة أقول ان كل لحظة من حياتنا دينونة خاصة ان كنا يقظين بمعنى ان وعينا الروحي يجعلنا واقفين دائما في حضرة الله فنرى ان خطيئتنا تضربنا وان ابتعادنا عنه هو الموت. كل خطيئة موت ودون ان اتقرب من نيتشه الا تعبيرا اقول ان موت الخطيئة هو موت الله. ما أقبح وجود الذي يقتل الله في نفسه وهو غير عالم انه بذا يبيد نفسه من الوجود الحق ويجعل جهنم النار مقيمة في نفسه قبل ان تأخذها الشياطين ان لم يتب.

والتوبة تعني للخاطئ اكتشافه ان مسالكه كانت خاطئة وان كل رأيه في الله كان مغلوطًا لأنه كان يوهم نفسه ان المعصية ليست بمعصية وانها ضرورية للحياة وربما ما كان يسعى ان يحافظ في نفسه على الله او استعمل في ما كان أبعد من هذا ان يحسب نفسه قادرًا ان يستبقي له كيانا خارجا عن الكيان الإلهي.

قصتنا بمعايشة النفس للخطيئة رهيبة جدا لأنها قائمة على مغالطة كبرى انك قادر ان تعيش بلا إله وأقله انك قادر ان ترجئ لقاءك به وتاليا تعني ان ليس لك فكرة عن رهبة الموت وما يستتبعه هذا فيك.

الخاطئ ليس فقط منحرفًا سلوكيا. انه منحرف فكريا بمعنى انه ذو فكر مغلوط. التوبة ان تخلع عنك هذا الفكر ليكون لك الفكر الذي كان في المسيح يسوع كما قال بولس او ما يشبه هذا التعبير ان كنت على غير ديانة بولس.

ربِّ نجّنا من الخطيئة وقرّبنا من وجهك لنحيا.

Continue reading