Category

مقالات

2012, مقالات, نشرة رعيتي

الشهادة والأيقونة/ الأحد 14 تشرين الأول 2012 / العدد 42

«وأهل البدعة بعد الإنذار مرة وأُخرى فأَعرضْ عنه». البدعة في اليونانية الهرطقة وهي الخروج عن الإيمان والإتيان بعقيدة مخالفة له مثلا أن تُنكر أُلوهية المسيح او الثالوث الأقدس أو كون السيد قام من بين الأموات. هكذا كان قديمًا. في تاريخ الهرطقات الكبرى الآريوسية (من صاحبها آريوس) هي اعتبار المسيح بشرًا فقط لا إلهًا.

هذه تصدّى لها المجمع المسكونيّ الأول المعروف بالنيقاويّ من مدينة نيقية حيث اجتمع وسنّ القسم الكبير من قانون الإيمان (أُومن بإله واحد…). لقد انعقدت سبعة مجامع مسكونية، منها المجمع السابع الذي نقيم ذكراه اليوم. إيماننا الأرثوذكسي حدّدته هذه المجامع وسكبته فيصيَغ تُدعى عقائد.

العقيدة هي مجموعة العقائد التي أوضحتها المجامع السبعة او صاغتها بعبارات فسّرها الآباء (أثناسيوس الكبير، يوحنا الذهبيّ الفم، غريغوريوس اللاهوتي، باسيليوس الكبير). العقائد كما صيغت وتفسير الآباء لها هي إيماننا. يبقى الحفاظ على هذا الإيمان عند كل واحد منا. اذا حافظ عليه، نسمّيه أرثوذكسيا اي مستقيم الرأي، غير منحرف الاعتقاد ويمجد الله تمجيدًا سليمًا في الخدمة الإلهية.

في هذا الأحد نقيم ذكرى المجمع السابع المنعقد في أواخر القرن الثامن وحدد إكرامنا للأيقونة وتبنّى ما قاله عنها القديس يوحنا الدمشقي حيث قال اننا لا نعبد الأيقونة ولأننا نُكرمها إكرامًا. والإكرام يعود الى الشخص المصوَّر عليها (السيد أو والدة الإله أو أحد القديسين). وإذا قبّلناها او انحنينا أمامها فهذا ليس سجودا بل تكريم.

نحن لا نعبد الخشبة او اللون او قطعة الفسيفساء، ولكنا نذهب بالعقل والقلب الى الرب يسوع او والدة الإله او القديس المرسوم، وشعورنا ان القديسين موجودون معنا في الكنيسة بروحهم وبرسومهم، وهكذا تتّحد كنيسة السماء وكنيسة الأرض، والبيت الذي توجد فيه أيقونة يحضر فيه صاحبها بإشراف الروح القدس. فهو يطلّ علينا بالأيقونة كما ينسكب في قلوبنا اذا كانت مطيعة له.

بالأيقونة يعيش في بيوتنا السيد له المجد ووالدة الإله والقديسون. بالأيقونة تصبح هذه البيوت مساكن للرب وأحبائه. الأيقونة تحفظنا اذا آمنّا بصاحبها. البيت المليء بها كنيسة. الجدران التي تحملها جدران كنيسة. فالكنيسة ممتدّة الى منازلنا بالقديسين الذين يُساكنوننا.

الأيقونة إشارة على أن السماء والأرض أصبحتا واحدة. اذا ملأت بيتك بالأيقونات تُظهر إيمانك الأرثوذكسي.

الرب يريد منك هذه الشهادة. عندنا شهادة الكلمة والعلامات التي تُظهرها مثل الأيقونات.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الشتم / السبت 13 تشرين الأول 2012

القتل جسدي او معنوي. الشتم صورة من صور القتل. نبيد الآخر بإبادة جسده او محقه او سحقه او نلغي كيانه الداخلي بالكلمة. واذا ظننا ذلك نكون فقط قد محونا أنفسنا. في مرحلة من البغض المبتغى إزالة الآخر فإن لم نتمكن من ذلك او لم نرد إزالته كليا نشطبه عن الذهن او من القلب ونقول هذا باللسان او بالقلم.

هناك اوضاع لنا داخلية لا تبيح وجودنا مع وجود آخر. الثنائية تكون في القلب او لا تكون وان تعترف بالآخر بكل مكوّنات عقله وسلوكه وتباينها وعقلك وسلوكك لأمر يحتاج الى جهد قد يكون عظيما. قبول الفروق بينك وبين الناس يعني انك تعايشهم على رغم الفروق والإقرار انك لست وحدك مالك الحقيقة.

انت لا تعايش الآخر كما هو قائم. انت تعايش صورة له فيك واذا اهتزت الصورة تزول المعايشة. الحياة رقصة صور وهذا مصدر قلق الى ان تطلع عن هذا او ذاك من الناس برؤية ترتاح اليها والرؤية عرضة للتغيرات لأنك تغير الرقصة او تحسب انه هو غيّر رقصته.

ايقاعك الداخلي ليس دائما هو اياه. لبعض من الناس ولا سيما ان كانوا مزاجيين ايقاعات مختلفة. وان كنت على ايقاع داخلي واحد في الصبح والمساء تعطي جوابا واحدا ان سئلت وتبدو ثابتا وهذا قد يزعج ولكنه شرط التعايش السليم. وكثيرا ما تتغير اجوبتك عن اسئلة الناس لأن قناعاتك ليست ثابتة ولأنك تراهم يتغيرون ولعلهم في الحقيقة لم يتغيروا ولكنك انت ترى فيهم الصورة التي تريد ان ترى او قادك مزاجك ان ترى.

وصعوبة التلاقي الحقيقي ان ثمة امزجة راقصة وامزجة غير راقصة وان هناك من يتوخى الحقيقة وهناك من يطلب نفسه ومنافعه ولذائذه. الحقيقة والانا المنطوية والطاوية لا تلتقيان اي ان في الدنيا قاتلا وقتيلا او مشروع قتيل. هناك من انوجد بايمانه او قناعاته وهناك من انوجد بتقلب احواله.

#   #

#

لماذا يتقلب هذا ولا يتقلب ذاك؟ الجواب البسيط ان ثمة من يؤمن بثبات الحقيقة ومن لا يؤمن بثبات الحقيقة لكونه بنفسه كما استلم نفسه من الوجود ولا يعرف ان لها مرجعا وهو الاله الثابت بذاته. قد لا ينكشف له الله بوجهه ولكنه يربط كيانه الداخلي بحقائق قائمة بذاتها ولا تؤثر فيها منفعة من الدنيا او من الوجاهة او من الطائفة او من الحزب. اي هناك من أقام في الحقيقة ويسلم لها وحدها وهناك من أقام في انفعالاته او منافعه وكبرياء يظنها إسلاما للحق.

انسان كهذا موقن ان ما فيه من حق هو اياه الذي يجعل كل انسان قائما في الحق. لذلك يكافح بإصرار لمدّ كل الناس به لحرصه على استقامتهم ولبسهم درع الخلاص وخوذة البرّ. هذا يحمل الإلهام الإلهي ولبقاء هذا الإلهام فيه يجاهد ولسبب من إصراره على الحق يقابله ضعفاء الايمان بالشتم وقصدهم العميق ان يقتلوه او يصفعوه والشتم الغاء مع صورة المحافظة على جسد الآخر. اما محبو الحقيقة فينتظرون اهتداء الناس جميعا وان يصلوا الى الحقيقة ولا ينضبون ولو تألّموا.

الذي لا صبر له على الحقيقة وان تنتشر يستخدم لسانه ليزيل الآخر. «هكذا جعل في اعضائنا اللسان الذي يدنس الجسم كله ويضرم دائرة الكون ويُضرم من جهنم» (يعقوب 3: 6). ويتابع الرسول كلامه عن اللسان: «به (اي باللسان) نبارك الله الآب وبه نلعن الناس الذي قد تكونوا على شبه الله».

يتابع يعقوب قوله ان التصرف الحسن في وداعة الحكمة وهي تطلب الآخر حبيب الله وانت عليك ان تحفظه في هذه المحبوبية لا ان تميت نفسك وتميته بالشتم اذ لا يبقى فيك وجه الآخر ان انت قتلته بالكلام البذيء الذي لا يخرج الا بالغضب.

اذا أعطاك ربك الصبر فأنت في حالة انتظار. كل الرجاء انتظار لأن ربك سوف يأتي لأن الله حركة اليك والى الآخر برجائك.

هذا موقف قد يجعلك في عزلة. الهدوء دائما عزلة عن البشر. انه اجتماع الى الله ولكنك ان احببته تؤثر عشرته على عشرة الغاضبين وحسبك هو وإقامته فيك حتى تقيم الهدأة في قلوب من هم حولك.

لا مهرب لك من تحزبات الناس الا ايمانك بأن ربك يكفيك وبأنك رسوله الى من طلبه ومن لم يطلبه. انت لست وحدك ان استعصمت به. انه هو معطيك قوته لاستمرارك في فضله عليك. لازم نعمته عليك. لست في حاجة الى رضاء الناس. الايمان هو ان تسترضي الله فقط قبل الناس بذلك ام لم يقبلوا.

ولكن حذارِ ان تدنس لسانك . ان عففت به عن الشتم سبيلك الى حسنات كثيرة فيك. عفة اللسان الكاملة نتيجة لرفع الغضب الداخلي عنك وان تجعل ربك ينطق بك.

لا تتكلم الا بعد صبر ومن اجل البنيان. انت لست مدافعا عن نفسك. انت مفوض الحقيقة في الكلمة وفي السلوك. اخضع لمن هداك وبلغ مشيئته. ان كنت على هذه الطاعة يعصم لسانك من الزلل ويعصمه من غضب الشتم ليبقى موطن مباركات ما دمت حيا.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

العطاء/ الأحد 7 تشرين الأول 2012 / العدد 41

يدعو بولس الى ألاّ نبخل في العطاء، الى أن نزرع الخير ويسمّي هذا «زرعًا بالبركات» لأنه في حقيقته، بواسطتنا، عطاء إلهيّ. ويوضح أن القلب هو المعطي، اذ لا يُضطرنا على العطاء الا الدعوة الإلهية التي تدفعنا الى الآخرين. إنهم فرحنا وبهم نكتمل. لذا يقول: «إن الله يُحبّ الـمُعطي المتهلل».

فإذا نظرنا فقط الى بذل ما عندنا من مال، المهم جدا أن نُسرّ للتعزية التي يتعزّى بها من نُعطيه. نحن شاكرون لمن يقبل عطاءنا ونفرح لفرحه. وإذا امتددنا اليه نكون قد اقتربنا من الله وصرنا إليه.

وإذا أَعطينا تنزل علينا نِعَمٌ من الله، وهذه النعم تجعل فينا «كل كفاية كل حين وفي كل شيء». فإذا انسكبت النعمة من فوق لا نبقى محتاجين الى شيء اذ لا شيء يزيد على نعمة الله التي تجعل فينا كل فرح وكل انتعاش. وإذا قبِلنا النعمة من فوق نزداد في كل عمل صالح. بهذا الكلام يؤكد الرسول أن العمل ليس عملا صالحًا إلا إذا كان الله قد أَوحى به لنا حتى لا نكون واعين لمصالحنا ولكن مُطيعين لمشيئة الله التي يوحيها لنا.

بعد هذا الكلام أراد بولس الرسول أن يوضح جانبًا من العمل الصالح فيأتي بكلمة من المزامير: «انه بدّدَ، أَعطى المساكين، فبرّه يدوم الى الأبد». المساكين يحبّهم يسوع بنوع خاص لأنهم اعتبروا الرب ثروتهم ولأن المؤمنين فيهم يذوقون الله طعامًا. هذا الذي يُعطي الفقراءتَحرّرَ من أن يرى مالا محورا لحياته. الآخرون محورُه او مركزه. أنت تذوق الله في المحتاجين، تراه فيهم. كيف تلتقي الله في هذه الدنيا إن لم تلتقه بالناس. المحتاجون إليه هم وجهُه، وأنت الى وجهه إن أَحببتهم. بعد هذا الكلام يعود الرسول الى بدء المقطع المنشور هنا ويوضح أن «الذي يرزُق الزارع زرعًا وخُبزًا للقوت يرزُقكم زرعًا». ويؤكد انه «يرزُقكم بكثرة ويزيد غلال برّكم». الزرع الذي تزرعونه هو زارعه وبكثرة. كل شيء من نعمته. إذا أَطعتموه تكونون قد أدركتم أن هذا من نعمته. إرادتُكم في الخير لا تصبح فاعلة ما لم يمنّ عليكم برضاه. هو ينزل إليكم بمحبته فتكونون أبناءه وحاملين عطاءه وتُعطُون من عطائه.

أمام المواهب الإلهية التي تنزل إليكم «تَستغنُون في كل شيء». لا يبقى فيكم فقر روحيّ. إذا كان الرب بكل قوّته فيكم، فليس من مدى لآخر وليس عندكم حاجة. وهذا يدفعكم الى كل سخاء ولا تبقون بخلاء بأي وجه من وجوه العطاء. هذا السخاء الخالص «يُنشئ فيكم شكرًا لله». لأنكم إذا عرفتم أن كل ما تقومون به هبة لكم لا يبقى فيكم إلا أن تعترفوا بذلك. وتصبح نفسُكم مليئة بالشكر لله وأنتم أمام يديه السخيّتين لتأخذوا منها نعمة.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

الرحمة / الأحد 30 أيلول 2012 / العدد 40

القاعدة الخُلُقية التي تنفّذ بها محبة القريب هي أن نُعامل الناس كما نريدهم أن يُعاملونا. المساواة بالمعاملة حدّ أدنى في التلاقي الوجداني والعملي. ويوضح السيد هذه القاعدة فيقول: «إن أحببتم الذين يُحبّونكم فأيّة منّة لكم». المطلوب منك فوق ذلك أن تعطي أكثر مما تُعطَى. المحبة هي أن تبذل الكثير مما عندك وأن تحبّ بلا حدود.

هذا ما عبّر عنه السيد بقوله: «أَحبّوا أعداءكم». أنت لا تسأل عن صفات حسنة في الآخر حتى تحبّه. أنت لا تحبّ حسنات فيه قد توجد وقد لا توجد. تحبّه كما هو في سُموّه وهبوطه، اذا ظهرت لك فيه مودّة أو لم تظهر. لا تحبّه لكونك استلمت منه شيئًا، وتحبّه اذا حرمك عاطفة منه كنت تنتظرها.

ثم يقول: «أَحسنوا» دون تحديد وجهة الإحسان أو شكل الإحسان. يبدأ الإحسان بالانتباه إلى الآخر، بالنظر الى حاجاته ولا سيما اذا كان قريبا. إن كنت لا تعرف حاجاته اسأله عنها وتدبّر أمورك حتى تجدها له. قد تكون حاجاته مادية وقد تكون معنوية.

إن لم تقدر أن تعطيه مالا لكونه غير متوفر لديك، فأنت دائما قادر أن تعطيه قوّة معنوية او تعزية إن كان حزينا او أن تزوره إن كان مريضا. أحيانا يفضّل أشياء كثيرة عن المال.

أحسن ليس فقط في الكلام ولكن في تبيان صداقتك. لا تبعد عن صديقك لئلا يظن أنك تباعدت عنه في عاطفتك. الكون كله يقوم على القربى. فمن نسيك أو تناساك بادر الى العودة اليه لكي يستعيد الدفء ولا يحسّ بالعزلة. العزلة شيء مرير ومحزن.

دائمًا أَعطِ الآخر فرحًا حتى لا ينتابه يأس ولا يقع في شدّة معنوية. داوِ كل شدة في كل إنسان تعرفه لكي يرى بفضلك وجه الله.

ويختم الإنجيل هذا المقطع بقوله: «كونوا رحماء كما أن أباكم هو رحيم».

الرحمة سعي الى إنقاذ الآخر من كل شدّة ومن كل تجربة الخطايا. الرحمة هي السعة وضم الآخر إليك وبك إلى ربّه. من أَحسّ برحمة الله لا يبقى في الضيق. تتسع نفسه الى كل الخلائق. تقبل كل الناس. تغفر لمن أساء اليها.

الرحمة تجعلك واحدًا مع كثيرين، وتجعل الآخرين موحّدين بالله ومالكين الفرح.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الحملة على الاسلام / السبت 29 أيلول 2012

لماذا هذه الحملة المسعورة على الاسلام من قبل الغرب؟ اذا أردنا ان نعقل الأمور بلا تأويل نقول ان ثمّة شهوة لضرب الاسلام بسخرية وثأر واضح. لماذا التحرّش بالمسلمين اليوم وكأن هناك اوركسترا تنسق بين ناس من مختلف الآفاق كلمات عدائية.

ابتدأت القصة مع الصور الدانماركية حتى وصلت الى هذا الفيلم المسيء الذي شاهدت مقطعا منه أقل ما يقال فيه انه بذيء لطعنه بوضوح بالرسول العربي.

أذهلتني ايضا الطعون في الصحافة الفرنسية ولست أفهم هذا الإكثار من محاربة الإسلام ولا سيما ان الدنيا تبحث عن السلام وان الجو السجالي بين الأديان لم يبقَ له أثر منذ فترة من الزمن طويلة. هل هناك قوى سياسية معيّنة لمكافحة الإسلام؟ ما هو واضح عند المتابعين للشأن الديني في العالم ان الكنائس أخذت بالانفتاح على الديانات الأخرى ولها في هذا الأمر وثائق.

أنت ترى الآن كليات اللاهوت المسيحي في هذا البلد وغيره تعلم الإسلام بطريقة علميّة كاملة كما يعلّمه المسلمون ولا تناقش ولا تساجل. ويعلّم الحضارة العربية الإسلامية في الجامعة اللبنانية مسلمون او مسيحيون. خلال سنوات قمت في الجامعة بهذه المسؤولية ولم يعترض على ذلك احد بقوله انّى لرجل دين مسيحي ان يعلّم مادة الاسلاميّات باعتبارها قسمًا من الحضارة العربية.

ماذا في عقليّة منتجي الأفلام السينمائية او مقالات الصحف ليهاجموا الإسلام؟ كيف بدت هذه الظاهرة؟ جلّ ما أقوله ان المذاهب المسيحية وانا أتابع نشاطها الفكري والعملي ليست مجندة إطلاقا ضد العقيدة الإسلامية. استنتج من هذا ان الرئاسات الروحية المسيحية ليست هي التي أوحت هذا التحرّك الجنوني الذي رأينا بعض مظاهره في الصحافة او السينما. والقيادات الروحية او الفكرية في الإسلام العربي تعرف ذلك.

#  #

#

نحن شاكرون لله ان علماء المسلمين العرب واجهوا هذه الحملات على دينهم بهدوء. بعض من هذا يعود الى ثقتهم بالمسيحيين العرب الذين يبغون العيش مع المسلمين في سلام وفهم.

لست أريد ان أعود الى هذا الفيلم المؤذي الذي طعن بالرسول وانا الذي قرأت سيرة النبي العربي جيدا تيقّنت ان ما عُرض ليس واردا في حياة محمد وان ما ظهرفي هذه الآونة الأخيرة ان هو الّا افتراء لست أعرف مصادره. العمل لا أثر فيه للعلم وتاليا لا يبقى لي ان أقول انه نشاط سياسي استخباراتي كامل.

شأن المسلمين بعد ان أظهروا غضبهم المحق ان يتصرفوا بحكمة ولا يعوز قادتهم هذا. وعلى المسيحيين في دنيانا العربية وفي الغرب ان يناصروا المسلمين لكون المؤمنين بالمسيح يبغون الحق والسلام الديني في بلادنا وفي العالم.

البدء هو في العيش الواحد بما فيه الاحترام الكامل لعقيدة الآخر ضمن الاختلاف العقلي المشروع. أمنيتي ان يفهم كل أهل الغرب الذين يؤلّفون المجتمع المدني ان الحروب الصليبيّة قد ولّت ولو كانت الحرب الحاضرة لا علاقة لها بالصليب.

نحن المسيحيين العرب قررنا منذ الفتح ان نعيش مع المسلمين في سلام ووحدة مجتمعية مع حرية للجميع كاملة. نحن طلاب حرية لجميع المواطنين وأعني بها الحرية المسؤولة عن الآخر والمحبة له.

هي كل أنواع الحرية وتعابيرها ومظاهرها الى ان يسود الدنيا حكم الله وعدله ورعايته. أن تطمئن الى الآخر يعني فيما يعني ان تقبله ممارِسًا لدينه والصورة المجتمعية لدينه وحقّه في الدعوة والصلاة وتربية عائلته وحقّه في كلامه رافضًا في هذا كل ما خالف التهذيب والأخوّة.

منطقتنا تعرف هذا الجو الودّي اذ نعيش الصداقات بين العائلات والأفراد وأصحاب المهن ونتقارب في المودّات ولا نفرّق بين الناس ولكنّا نفرّق بين الفاضل والسيّء من الناس.

#  #

#

المجتمع الطاهر الصادق يتخطى كل التطلّعات الذهنية البحتة. انه معطى إلهيًا يضاف عليه جهد بشريّ موصول اذ لا يأتي السلام عفوا ولكن يجب صقله واذا صقلته تنسكب عليك نعمة الله.

لست أقول ان قدرنا ان نعيش معا ولكن خيارنا ان نعيش معا. المسيحية والاسلام حاضران معا في أمة الله والله راعي أهلهما بانعطافه الدائم حتى الساعة الأخيرة من أزمنة الناس. هذا كله يقتضي صبرا طويلا وإرادة مساكنة طيبة مع الحنان الإلهي.

لا تخلو الدنيا من العصبيات الطارئة يبررها هذا وذاك ولكنا نعرف ان هذه ناتجة من وسوسات الشيطان وان مشيئة الرب ان نتحابّ فنتقابل والفاهمون لهم ان يتناقشوا في ما هو عقلي وفي ما يتجاوز العقل ولكنك لا تستطيع ان تكلّم الآخر الا اذا استطبت كيانه اي قلبه وعمله.

لا نستطيع ان نغضّ النظر عن وجود الآخر او ننسى انه هنا وثمّة ونعترف انه قائم معنا في المدى وفي القلب ولعلّ كل مدانا هو القلب. وفي قراءتي هو عرش الله واذا كان الله إلهي وإله المسلم ففي صورة يعرفها ربك نحن واحد.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

العهدان / الأحد 23 أيلول 2012 / العدد 39

يحتلا مكانة كبرى في الرسالة الى اهل غلاطية اذ الرسالة تبحث في الإيمان الذي ابتدأ مع إبراهيم. على هذا الأساس يسمّي بولس المؤمنين بني إبراهيم مع ان أكثرهم ليسوا من نسله. فبركة إبراهيم «للأمم في المسيح يسوع». الأمم تدل على أن إبراهيم ابو الشعوب جميعا في إيمانهم بالمسيح.

يؤكد بولس في هذا السياق انه «كان لإبراهيم ابنان أحدهما من الجارية (هاجر) والآخر من الحُرّة (سارة)». هنا يستعمل مصطلحين: الجسد والموعد. فالذي جاء من الجارية وُلد بحسب الجسد أي بلا وعد إلهيّ، اما الذي من الحُرّة فبالموعد. وهنا يشرح الرسول لأن هاتين المرأتين ترمزان الى عهدين: أحدهما من طُور بلد العبودية وهي هاجر. ويشرح أن ما تدلّ عليه هاجر هو «طُور سيناء في ديار العرب»، وسيناء اسم لشبه جزيرة سيناء المعترضة بين مصر وفلسطين.

هذا الطُور (او الجبل) يناسب اورشليم الحاليّة مركز الديانة اليهودية، وهي «حاصلة في العبودية مع اولادها» لكونها لم تعرف بعدُ العهدَ الجديد. اورشليم هذه باتت مدينة عاديّة ككل المدن. اما اورشليم العُليا، وهو يقصد الكنيسة، «فهي حُرّة وهي أُمّنا كلنا». نحن نأتي من هذه الأُم التي وَلدتنا بالمعمودية والمعمودية تجعلنا واحدا في كنيسة الرب.

ويسند بولس فكره الى كلام لكتاب في العهد القديم: «افرحي ايتها العاقر التي لم تلد». وبالمعنى نفسه «اصرخي ايتها التي لم تتمخّض لأن اولاد المهجورة اكثر من اولاد ذات الرجل» بالإشارة الى الولادة الجديدة التي هي في المسيح. للمسيحيين أن يفرحوا بالرب يسوع مع أنهم قلّة لأنهم ينظرون الى الإيمان والرجاء والمحبة.

هذا الفصل من الرسالة الى أهل غلاطية يشير الى أننا تحررنا من عتاقة العهد القديم ودخلنا مع المسيح في حياة جديدة. صرنا في المسيح «خلائق جديدة» يتجدّد الكون بنا بعد أن تجددنا نحن بالمسيح.

هذا يتطلب تحرّرا من كل ما هو عتيق في سلوكنا اذ ينسكب علينا دائما الروح القدس الذي به نتعزّى. نحن وإن كنا متكوّنين من هذا الجسد إلا أن حقيقتنا العميقة أن الروح القدس هو الذي يجعلنا أبناء الله لا أبناء آبائنا وأُمهاتنا فقط. بعد هذا نُنشئ الآخرين بتوبتنا وتوبتهم، ونُدخل مَن آمن بيسوع في حياة يسوع الذي يُجدّدنا لأنه هو الجديد الدائم.

والكنيسة جديدة بأبنائها المقدّسين بالروح الإلهي، وفيها يتحرّر الإنسان من الأشياء العتيقة التي التصقت به، وهو ينتمي الى الكنيسة المتجدّدة كل يوم بالأسرار وبخاصة جسد المسيح ودمه ما يجعلنا على صورة المسيح يوما فيومًا.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

رؤية للوحدة المسيحية / السبت 22 أيلول 2012

تحقيق الوحدة المسيحية هاجس الكنائس كلها وتقارب التفاهم فيها في السنوات الأخيرة وليس ذلك فقط بسبب من ألم الانشقاق ولكن بفضل النزاهة والصدق وتعميق الدراسة. طبعا لا يسع انسانا ان يجزم بقرب هذا الحلم لأن تلاقينا في الحق هدية من السماء ولكنا مشينا خطى كتبت علينا من فوق. نزلت علينا انوار لاهوتيين كبار وهم أصحاب تجليات تدعمها تقوى المؤمنين المطلعين منهم والبسطاء بحيث نقدر ان نقول اننا نحيا الآن جو محبة تغلبت على العصبيات القديمة او كادت.

المهم في هذا الجهاد ما اقتنعت به الكنيسة الكاثوليكية فاقتربت كثيرا من الكنيسة الارثوذكسية. هي لا تزال ترى ان كنيسة المسيح فيها كاملة ولكنها ترى ايضا ان لها مع الكنيسة الارثوذكسية شركة شبه كاملة. تقول شبه كاملة لأن الارثوذكسيين لم يقبلوا مجمع الفاتيكان الاول (1870) الذي حدد ان لأسقف رومية ولاية مباشرة وعالمية على الكنيسة كلها وانه معصوم عن الخطأ. ليس هنا المجال لأبسط الموقفين الروماني والشرقي.

غير ان علماء الكثلكة فهموا جميعا ان الكنيسة الجامعة لا تعني حصرا كنيسة العالم مجتمعا ولكنها تعني ايضا الكنيسة المحلية التي تتحقق في الافخارستيا (سر جسد المسيح ودمه) التي تقيمها جماعة سليمة الايمان برئاسة اسقف مستقيم الرأي. على هذا اتفقنا الآن جميعا. اذا الكنيسة المحلية او الإقليمية جامعة وكنيسة المدى البشري الشامل جامعة ايضا.

المدى العالمي يقوده اساقفة متساوون في اسقفيتهم وتحدرهم الرسولي وان نشأ، هنا وهناك، اساقفة متقدمون هم بطاركة العالم المسيحي واولهم في الشرق ـ حسب التعبير الارثوذكسي ـ بابا رومية ولكنه ليس من رئيس تنفيذي حسب الرؤية الارثوذكسية.

لقد اوضح العلماء الكاثوليك ومنهم البابا الحالي لما كان استاذ لاهوت عقائدي في مونيخ ان اسقف رومية لم يتدخل مرة واحدة في شؤون الكنائس الشرقية اي لم يتخذ مرة قرارا اداريا نافذا في الشرق. استنتج من هذا الموقف الذي بات مقبولا انه لا بد من توضيح الاولية البابوية. فهل البابا حاكم عالمي ام «اول بين متساوين» كما يقول الارثوذكسيون.

راتسنجر (البابا الحالي) الذي له تقدير للارثوذكسية عظيم رأى ان الشرق في الوحدة المرجوة حقه ان يبقى اداريا على ما هو عليه اي الا يكون للبابا سلطة تنفيذية فيه وان تسوسه المجامع المقدسة فيه التي ترئس كنائس مستقلة غالبا ما تسمى بطريركيات ولا شيء يمنع ان تنشآ بطريركيات جديدة حيث الاوضاع الثقافية (كما في افريقيا مثلا) تتطلب ذلك.

#   #

#

مع ذلك تبقى عقبات وتساؤلات. في حسباني ان العقبة التي تلي قضية الرئاسة والعصمة هي العقائد التي انفردت الكنيسة الكاثوليكية بتحديدها. فقد تفردت الكثلكة بتحديد عقيدتين تتعلقان بمريم الاولى هي الحبل بها بلا دنس والثانية انتقالها بعد مسيرتها الأرضية (ولا يقال موتها) بالروح والجسد الى السماء. الكنيسة الارثوذكسية مع إجلالها العظيم لمريم تركت الكلام عنها الى الخدمة الالهية (الطقوس) والى حرية اللاهوتيين. هذا الاختلاف يعني على الأقل ان حل هذه العقدة يحتاج الى بحث مشترك لئلا يبقى بعد الوحدة خلاف مذهبي بين الشرق والغرب.

بعد العقبة تأتي المساءلة وهي هذه: ماذا يحل بالطوائف الشرقية الكاثوليكية اذا وصلنا الى اتفاق كامل حول رئاسة البابا وعصمته. السؤال ناتج من ان هذه الطوائف اصبحت كل منها كنيسة متكاملة المعالم والأركان متحدة مع الكرسي البابوي. والمعتقد الكنسي يقول ان ليس الا اسقف واحد في المدينة الواحدة فكيف تبقى ملل وتنظيمات كنسية مختلفة في هذا البلد او ذاك. عندنا اليوم مثلا بطريرك قبطي في مصر وبطريرك للروم الارثوذكس. من منهما سيجلس على كرسي القديس مرقس؟ ما من شك ان شيئا اساسيا يجب ان يتغير لتتحقق الوحدة اقليميا. في منطقتنا خمسة أشخاص لكل منهم لقب بطريرك انطاكيا وسائر المشرق. اذا لم يصبحوا واحدا لا نكون قد حققنا الوحدة في الإطار الإقليمي. الوضع الحاضر لا يمكن ان يستمر ونحن نتكلم عن وحدة. انا ليس عندي حل في المحافظة على سلامة اللاهوت والنظام الكنسي الموروث.

ربما اعطانا الله في المرحلة التي تنتظرنا اجوبة على هذه المسائل المعقدة. الفكر البشري وحده لا يؤتينا حلا ولو تقدمنا كثيرا في تقارب القلوب. اعرف ان المحبة بيننا ان كانت حقا إلهية فيها كل الضوء.

في الوجود المسيحي في هذا المشرق واضح اننا تقدمنا كثيرا في معارج المحبة والتعامل الأخوي. تبقى امور رعائية عملية نحتاج الى مواجهتها معا. حلمي الشخصي في هذه المنطقة ان نتشرق اي ان يستعيد بعض منا ما احتجب من شرقيتهم حتى يزداد تآلفنا العقلي هنا كما قوي تآلفنا الوجداني لا ليصير الكاثوليك الشرقيون جسرا بيننا وبين رومية ولكن ليكشفوا لرومية وحدة اللاهوت الشرقي.

بتأكيد رومية لاهوت الكنيسة المحلية صرنا معها على علاقة بلا واسطة ولكن امنيتنا العميقة ان يلعب كاثوليك الشرق دورا بارزا في مسيرة الوحدة انطلاقا من تراثهم الشرقي.

على هذا المعراج نحن جميعا ومعا في يد الله الذي اذا كرمنا بعطاء الوحدة يجعلنا قديسين في عينيه وهذا ما نرمي اليه في سعينا الى الاتحاد الكامل.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

الوحدة مع المسيح / الأحد 16 أيلول 2012 / العدد 38

«أنا مُتّ للناموس». قولة بولس هذه تعني أني لا أقدر أن أكون حيًّا اذا بقي ناموس موسى فاعلا. بات ميتًا «لكي أحيا لله» بقوة المسيح إذ كنتُ في المسيح لمّا صُلب. كنت أنا أيضًا معلّقًا على الخشبة وعليها صار المسيح حيًّا، وبسبب وحدتي معه صار هو حيًّا فيّ.

كيف يكون هذا؟ ما لي من الحياة على هذه الأرض أنا «أحياه في إيماني بابن الله الذي أَحبّني وبذل نفسه عنّي». سكن الرب يسوع فيّ بموته وقيامته، وهذه السُكنى مبعث إيماني به. هو غدا كل شيء لي.

ولكن هذه السُكنى، حتى تستمرّ، تفترض جهدًا مني. الخلاص ينزل عليّ من الله، ويجب أن أُحافظ عليه بالطاعة. يجب أن أقبله. لذلك قيل في إنجيل اليوم: «من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني». اذا كنت مؤمنًا حقًّا ومعمدًا تشير الى أنك تريد أن تتبع المعلّم. هو يريد أن يجلبَ أتباعَه اليه. هذا لا يتمّ بمجرّد الاعتراف اللساني به. هذا يشترط أن يكفر الإنسان بنفسه اي أن يبتعد عن كل مصلحة في الأرض، عن تسلّط الأنا عليه، أن يطلب سلطان المسيح عليه. هذا هو الكفر بالنفس والاعتراف بأن للرب وحده سيادة عليها. أنتَ إذا قبلتَ بتعاليم يسوع تكون قد أقررت بأنك تريد أن يُحييك بالإنجيل لأنه هو كلمة الحياة والخبز النازل من السماء.

بعد أن تكون كفرت بمنافعك الدنيوية وملذّات الدنيا يبرز أمامك الصليب الذي هو مشقّات الحياة والتجارب والشكوك. يطلب إليك يسوع أن تحمل كل هذه الأتعاب لتقدر أن تتبعه. الى أين تتبعه؟ هو مشى حتى الجلجلة، وهناك لاقى صليبه اي مشقّات العالم بأسره. واذا أنت حملت أتعابك الخاصة كلها بصبر القديسين، تكون التحقت به في الجلجلة ومتّ معه وقمت معه. ليس لك طريق إلا طريقه، وهو نفذ منها الى القيامة، وأنت تنفذ من طريقك الى قيامتك اي الى الفرح الذي يُنزله عليك الروح القدس.

بعد هذا يقول السيد: «لأن من أراد أن يُخلّص نفسه يُهلكها ومن أَهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يُخلّصها». معنى ذلك أنك تبذل نفسك بالجهود التي يطلبها منك. تبذل كل الجهود لا بعضًا منها. وذلك من أجله ومن أجل الإنجيل اي لتظهر فاعلية الإنجيل فيك وليُبثّ في الناس فيظهر نوره في أعمالهم.

ثم يزيد المعلّم كلامه وضوحًا بقوله: «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ أَم ماذا يُعطي الإنسان فداء عن نفسه؟». لو ربح كل أموال الدنيا وكل النفوذ فيها وكل السلطة عليها، وصارت نفسه بهذا مكانًا للشرير، ما نفع هذا الذي ربحه.

المُبتغى أن يربح اللهُ نفسَك بالقداسة التي يريدها الله لك والتي يجب أن تحبّها لأنك إن لم تحبّ القداسة تكون بالضرورة محبا للخطيئة، ولا يمكن ان تجمع الخطيئة والقداسة في قلب واحد وفي وقت واحد.

المسيح يريد لنفسه كل قوّة فيك وكل مواهبك وأن تكون أعمالك لمجده فقط. أنت لا تُظهر نفسك. تُظهر نور المسيح مرتسمًا على وجهك ليأتي الناس الى مسيحهم ويَخلُصوا.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

لاهوتيون أرثوذكس في إيطاليا / السبت 15 أيلول 2012

أجيء من دير بوزه Bose القائم في شمالي ايطاليا بين تورينو وسفح الألب وهو مشهور بانفتاحه الكبير على الكنيسة الأرثوذكسية. وقد أخذت هذه الجماعة الرهبانية منذ عشرين عاما تدعو الى مؤتمر أرثوذكسي صرف كل سنة في أيلول تتناول عقيدة الكنيسة الشرقية من زاوية علم الآباء بخاصة. يدعى علماء أرثوذكسيون الى هذا اللقاء وينضمّ اليهم أحيانا علماء كاثوليك نحوا نحو هذا العلم الذي يقصي بطبيعة موضوعه أي موقف دفاعي او سجال. العلم البحت صار مألوفا في هذه الأوساط. على هذه الطريقة يسير علماء الكتاب المقدس الذي قلما تستطيع تحديد مذهبهم من مجرد قراءة أبحاثهم. البحث بحث ولا يحتمل توترا طائفيا.

منذ الثالث من أيلول اجتمع في هذا المكان ما ينيف عن مئتي شخص مطّلع ليسوا في الضرورة علماء ولكنهم قادرون على الفهم والمشاركة في المناقشات: رهبان وراهبات وكهنة وعوام أتوا من كل صوب. المساهمون الأرثوذكسيون تأخذهم من العالم كله ولا سيما من أوربا الشرقية وتستمع الى ألسنتهم المختلفة. هذا لا يعني أن وحدة العقيدة عند من يعلم تفترض وحدة الفكر وأنماطه.

كل المذاهب المسيحية حل بينها التعدد والتوق الى الوحدة. ولكن هذا مقالا لا ينتهي وان اجتهدنا. هذه المرة بدا هاجس الطبيعة بعنوان: الإنسان والنباتات والأزهار انطلاقا من سفر التكوين مرورا بالمزامير. العهد القديم كان هو مكان التجلي في هذا المجال وتبين أنّ العهد الجديد مقلّ في البحث عن الطبيعة انطلاقا من الكلمة الإلهية. الكلمة هي منبسط المسيح واياه نكتشف للتحدث في الله وتختفي الطبيعة المخلوقة فيه.

لماذا كل هذا الإهتمام بالشجر وما اليه؟ ذلك أنّ الإنسان بات مدمر الطبيعة ومتلفها. ومنذ فترة قصيرة من الزمن غدونا مسكونين بالحفاظ على الخليقة كما خرجت من يد الله وظهر علم البيئة وجهد الحفاظ عليها. كان المجاهدون الخضر في كل مكان ولهم أعمال واسعة وخطوط سياسية في كل البلدان وكان على الكنيسة ان تتكلم بدءا من الوحي وعبورا بالآباء القديسين ولا سيما في الشرق.

وسعينا لاستخراج ذلك من كل صوب تأملي عند كبار آبائنا. واختلفنا اذ يختلف العالمون فغدا المتحمسون للطبيعة الخضراء من وجهة نظر إلهية وغير المتشددين في الحماسة من وجهة النظر هذه اذ لم يلحظ هؤلاء عظيم اهتمام بالموضوع في المصادر الدينية الكبرى. ولكن بدا للأكثرين ان ثمة قولا الهيا في شأن الطبيعة وانه لا بد من ربط الفضاء الطبيعي بالفضاء الإلهي لأن الكلام في الخليقة ان لم يرتبط بالكلام الإلهي وبالوحي يبقى من هذا العالم.

#   #

#

ما من ريب ان الكنيسة تفكر في كل شيء حتى تسود الكلمة الإلهية كل الوجود ولو لم يختلط الكلام الإلهي بالكلام البشري. أجل ليس للكنيسة ان تؤسس جمعيات بيئية ولكن لها ان تدفع المؤمنين الى نشاط بيئي ليذوق الإنسان كونه حارسا للخليقة.

لم نكن على إجماع كامل ولو ذهب الأكثرون الى ضرورة التفكير الديني في الشأن البيئي ولا سيما ان الكنائس القديمة او التراثية تستعمل مواد الطبيعة في صلواتها: الخبز والخمر والقمح المسلوق والعنب والثمار الأخرى والجبن والبيض والزيت وتقدسها لان كل المخلوق قابل للتبريك الإلهي. كثير من الطقوس يقوم على وحدة الكلمة والماء ويقوم بعض من الرتب على استهلاك مواد الطبيعة فتؤكل بعد تقديسها بالكلمة. فبعد ان ألغت المسيحية الذبائح الدموية أدخلت الأطعمة النباتية في بعض من طقوسها وذلك على أساس المشاركة بين الجسد والنفس وذلك لا يتّخذ كامل معناه الا بفكرة الشكر لله على ما أعطى. والكلمة الأساسية في الصلاة المسيحية هي الشكر. مصطلح الشكر هو الذي نسمي به مناولة جسد المسيح ودمه.

الطبيعة تذهب معنا الى الشكر ويذهب جسدنا مع النفس ولكن ذروة الإتحاد بالله على مستوى الروح لا يلغي طبيعتنا الجسدية اذ الجسد عندنا سبيل من سبلنا الى التقديس. هكذا سلك مسيح الرب في تأسيسه العشاء السري الذي هو ذروة اتحادنا بالمخلّص.

#   #

#

ليس الكلام في التجمعات المسيحية اهم شيء في الضرورة. العطاء الروحي يأتيك أولا من الصلاة التي تقيمها والمحبة التي تعيش.

هذا اللقاء في قرية بوزه كان لنا مشاركة صلاة مع الرهبانية التي آوتنا. كنا الى الكنيسة ثلاث مرات في النهار. طبعا كان كل ذلك في الإيطالية التي كانت بالدرجة الأولى تلاوة مزامير. وانا لا أفقه شيئا في الإيطالية ولكنا كنا نرد الكثير منها الى الفرنسية لنفهم ما استطعنا.

الى جانب الصلاة الرهبانية الأعمال اليدوية والعمل الفكري بما فيه من إنتاج كتب باللغة الوطنية وترجمة عن سائر اللغات. مئتا شخص ونيّف معظمهم أرثوذكسي كانوا يشاركون في حياة الجماعة ويجالسونها للطعام على تقشّف معقول.

ما يدهشك في هؤلاء القوم المثقفين بساطة اللباس والعيش بعامة. لا يملكون شيئا على صعيد الأفراد ولكن يملكون عقولهم أو تملكهم عقولهم ولكل منهم سلطان على لسانه مهما تكلّموا من لغات.

ليس سهلا ان تكون قوي الفكر، بسيط المعاش، ومتواضعا، وديعا بآن. ان هذا باب الملكوت لمن يعلمون وباب الصفاء في هذه الدنيا. هؤلاء الناس رفقاؤك الى الحق. واذا اخذوك الى هذه الذروة تحس انك على رغم افتراق الكنيستين انت واحد معهم لأن الوحدة هي الحب.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

الشريعة الجديدة/ الأحد 9 أيلول 2012 / العدد 37

كان همّ بولس الرسول في الرسالة الى أهل غلاطية (آسيا الصغرى) أن يُبيّن أننا تجاوزنا ناموس موسى ودخلنا العهد الجديد. يستهلّ المقطع الذي يُقرأ اليوم بقوله: «انظروا ما أعظم الأحرف التي كتبتُها إليكم بيدي، ويريد بذلك أنه أخذ القلم من الكاتب الذي كان يُملي عليه وكتب هذه الكلمات القليلة بخطّ يده ليُبيّن للقرّاء محبته لهم.

ثم يأخذ موضوع الختان (باللغة العامّية التطهير) ولاحظ أن بعض المتمسّكين بناموس موسى من أبناء الكنيسة كانوا يتمنّون أن يختتن المسيحيون المُهتدون من الوثنية أي أن يَعبُروا بالديانة اليهودية أولاً ويتعمّدوا في ما بعد. صوّر بولس لقرّائه أن هؤلاء يفتخرون بالأجساد المختونة، ورفض هذا فقال: «حاشى لي أن أَفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالم لي وانا صُلبتُ للعالم».

صُلبَ العالمُ لي لأني أَبطلتُ العالم الذي كله تحت الشرير واستعمل كلمة صلبتُه. كذلك قوله: «وأنا صُلبتُ للعالم» اي أن هذا العالم الشرير تخلّص منّي بإماتتي على الصليب (معنويا).

ويُبرّر تحرّره من الختان او عدم الختان إذ يساوي بينهما فيقول: «لأنه في المسيح يسوع (اي بعد أن صرنا في المسيح) ليس الختان بشيء ولا القلف» (او الغرلة بترجمة أخرى، اي عدم الاختتان)، ليس هذا كله بشيء «بل الخليقة الجديدة» اي المتجددة بالإيمان وبالمعمودية.

«وكل الذين يسلُكون بحسب هذا القانون» اي كل الذين يؤمنون بقولي هذا او بإنجيلي كما كان يُعَبّر أحيانا فعليهم سلامٌ ورحمةٌ وعلى إسرائيلِ (بكسر اللام) اللهِ، ويعني به إسرائيل الجديد الذي هو الكنيسة.

لذلك لا تُتعبوني بكل هذا الجدَل الذي لا معنى له لأني «حاملٌ في جسدي سمات الرب يسوع» ويريد بها المشقّات التي تحمّلها هنا وهناك والاضطهادات. علامات تعبي أنا حاملها وسأُتابع طريقي الى الصليب تشبّهًا بالسيّد. وفي الواقع قتلت السلطة الرومانية بولس بحد السيف حوالي السنة الـ67 كما قتلت بطرس بالصلب السنة الـ65.

بعد كل هذا الكلام اللاهوتي يُسلّم على أهل غلاطية بقوله: نعمة ربنا يسوع المسيح مع روحكم أيها الإخوة، آمين.

بهذا تنتهي الرسالة الى أهل غلاطية وهي من أعمق الرسائل لاهوتيا وشبيهة برسالة بولس الى أهل رومية. ما كتبه الرسول العظيم أساسيّ لكل من أحب أن يذوق اللاهوت في العهد الجديد. بولس هو باني الكلام اللاهوتيّ في المسيحية.

Continue reading