«مين خلّف ما مات» / الأحد 8 آذار 1964
قول يتسرّب إلى اللسان من وثنيّة قابعة في نفوسنا إن نحن قمنا بواجب العزاء، تأصّل في الأرض، في تتالي الزمان ديانة الكثر، وكأنّه غاب عن فكرنا أنّ جيلاً أو بعضًا من جيل ينقضي وتمحق الذكرى. وحتّى النصب، الذي نقيم لكبير في قومه، كيف يترجم حياة هي توثّب فرادة؟ هذا الكائن الأحد الذي كنتُه أنّى لأولادي أن يحفظوا منه غير الصور الباهتة. هم أيضًا مخلوقات فريدة. الذكرى لا نحملها إلاّ لندلّ بها على الاندثار. هي إنعكاس الموت في من بقي.
لا معنى للكلام على الخلود إلاّ إذا كانت في الدنيا طاقة حياة أقوى من الموت، تبتلعه فور حدوثه، وكأنّه هو، بالحريّ، صورة عن استمرارها. البعث، الذي تكلّمت عليه ديانات الساميّين، ليس انقلابًا من المادّة إلى اللامنظور، لكنّه الإقرار بأنّ كيان الإله الحيّ يستقطب الإنسان، فيتجاوز هذا، بنعمة من عند ربّه، ما كان حدًّا لعيشه إلى حيث البقاء. هو إيمان بالإنسان على قدر ما هو إيمان بالله. بإله نواجه لا بإله فكرة. ليس هو الاعتقاد بتلك الإنسانيّة التي تتعاقب بسبب موت كلّ أفرادها، بل إيمان بكلّ إنسان أتى إلى العالم، بأصالته، بأنّه دنيا قائمة بذاتها لا تُردّ إلى شيء آخر، وليس مثلها شيء. الحديث عن القيامة ويوم الدين وما إليهما صورة عن الكيف للتعبير عن هذا أنّ الله أعدّنا للخلود وأنّ لهذه المقاصد محقّقًا. في هذا المذهب، تنقذنا كلمة من فم الله، وفي ذاك انحدار الألوهة نفسها إلى القبر، لتفجّر فيه قوّة الحياة وغلبتها.
هذه النظرة وتلك، الرحمة تجمعها ما أعمقهما إذا قيستا بما نطق به أخيرًا جان بول سارتر في كتاب «الكلمات». يقول إنّه لم يخش الموت لأنّه كان دائمًا رفيقه، وإنّه لا يعقل نفسه محقّقًا إلاّ ما وراء موته. لا يخفي سارتر جحود مع أنّه، في الأخير، لا يبدو جازمًا. سيوجد إذًا، وهذا قوله، في حافظة الناس. ولذلك عرف، وهو في التاسعة، أنّه سيصبح كاتبًا. ولكن، إذا اندثر ذكره من أرض الأحياء، فمن أين له الوجود الذي يرتقب؟ ولذلك يرتعب لفكرة كارثة قد تودي بالكرة كلّها.
ليس سارتر أعمق من العامّة عندنا إذ قالت: «مين خلّف ما مات». يجترّ هذه الوثنيّة العتيقة. أهمّيّة الإله الحيّ أنّه يقيم وجودي، يعترف بحرّيتي كاملة ولو استعملتها ضدّه، وكأنّه يرضخ لذلك لأنّي بها أثبت نفسي. وما انحنى هو عليّ بكلمة توحي أو رقّة تغفر إلاّ لأنال منهما ما يؤهّلني، إذا أغمضت عينيّ، إلى ولوج ملكوت الحياة.
Continue reading