Category

مقالات

1963, لسان الحال, مقالات

في الإيمان والعقل / الأحد 21 نيسان 1963

عرّف كاتب مسيحيّ من القرن الأوّل الإيمان المسيحيّ بأنّه «ثقة بما يُرجى كأنّه حاضر وإيقان بأمور لا تُرى». بهذا المعنى عينه، قال الإمام البيضاويّ إنّ الإيمان «ثقة بالله مع طمأنينة قلب». فإذا ابتدأ فكرنا من الإنسان، يبدو لنا الإيمان قفزة من هذا الإنسان إلى ما فوقه. وإذا كان الإنسان في الحاضر، فالإطمئنان إلى الآخرة خروج إلى ما ليس بعد، إلى ما يتجاوز حدّنا. ولكنّ المؤمن لا يرى أنّ إنسانيّته بُخس حقّها إذا قفز من حيث هو قائم إلى حيث لم يصل. وبالحريّ، ليس الله فوقه، لكنّه فيه. وليست الآخرة بعده، لأنّ المرجوّ يقوم في الراجي. وبالنسبة إليه، التحدّث عن غيبيّة الإيمان هو، بالضبط، نكران لكونه أعمق حقيقة وأفعل وجود. فما عنده من قفزة، لأنّ الله هو المبتدأ.

يبدو لي أنّ الحوار بين المؤمن والجاحد وضع في غير محلّه، لأنّ انطلاق هذا الحوار كان انطلاقًا جحوديًّا. كانت مقدّمته أنّ الإيمان نذهب إليه في حين أنّنا نذهب منه. وقيل إنّ موضوعه أبعد من الإنسان، فأخرج الإنسان عن نطاقه. وكان السؤال الصحيح ليس لماذا لا نأتي نحن إليه، لكن لماذا يذهب هو عنّا. وكانت المعضلة الحقّ لماذا لا نعرف إعطاءه، لا لماذا يعرفون أخذه.

وإذا عرّفنا الإيمان بالثقة، بات واضحًا أنّه لا ينطلق منّا ما لم يلمس الناس ثقتنا بموضوعه. فإذا اختبروا ركوننا إلى الله وعلموا بأنّ هذا الإيمان إنّما يحيينا، عرفوه، عندئذٍ، في أنفسهم كامنًا، فأيقظوه، واكتشفوا ما كان الجهل يغطيّه وما كان الإثم يحجزه. وجملة القول، إنّ الإيمان خبرة داخليّة لحقيقة الله فينا. فإن كانت الخبرة على درجة من الجدّة، عمّت الأرجاء، وأتت المعجزات. فإنّ المعجزة الكبرى أن يعرف الإنسان نفسه قادرًا على اكتناه الله المستقرّ فيه وعلى إحلال الآخرة في حياته لقيامها فيه كالحاضرات.

وإذا عرّفنا الإيمان كذلك، جاز القول بأنّه حسّ. أجل، حسّ إنسانيّ شبيه بحسّ الجمال، إلاّ أنّ موضوعه أخفى من موضوع الجمال. ولكن، كما أنّ الجمال، في هذا وذاك من الفنون، لا يتحسّسه الكثيرون، كذلك الحسّ الدينيّ يمكن أن يكون مفقودًا عند بعضهم. المشكلة الكبرى هي نقل هذا الحسّ، أن تزول العوائق التي تحول دون هذا النقل. القلب الممتدّ إلى الآفاق، العقل المتّضع الذي يعرف حدوده وحدود العلم، من القوى التي تفتح عقل الإنسان إلى تفتّق الإيمان فيه. أجل، الإيمان لا يدركه العقل وحده، لكنّ الإنسان ليس عقلاً محضًا، ليس عقلاً مغلقًا. يمكنه أن يكون عقلاً محبًّا منفتحًا ليس فقط عاى أطراف الدنيا، بل على النفس البشريّة وهي، في سرّها، مكمن الله.

Continue reading
1963, لسان الحال, مقالات

في حياة الأبد / الأحد 20 كانون الثاني 1963

إذا قابلنا، في هذه الزاوية، غير مرّة بين الفانيات والباقيات، فما كان ذلك احتقارًا للزائل، بل إعراض عمّا يذهب منه إلى الفناء. ذلك بأنّ في الزائل ما يبقى، ويخطفه إلى الأبد. إنّ كلّ ما يرفع إلى الدرجات العلى مستقرّ في هذه الدنيا، وهي تغلّفه. ولكنّ كلّ ما صنعه الإنسان من جلال وطهر، كلّ ما أقامه أمام الله في الخلق البشريّ، يمتحنه الله، ويستبقي منه ما كان قادرًا على أن يلج إلى الأبد. شيء من الوجه البشريّ، بعض من لحن وألوان طرحتها ريشة عبقريّة لا بدّ لها من أن تكون، في انطواء الكون، جزًا من السماء.

هذه الدنيا لم تكن لتذهب كلّها، وإلاّ فما معنى الخلق كلّه، ولأيّ سبب تحرّك الله وانعطف علينا، فأوجدنا من عدم؟ إنّ مصنوعات الإنسان التي صَنع بنفحة إلهه، في دنيا الحقّ والجمال والرشد، كيف تتلاشى؟ أثمّة مسوّغ أن يموت، بموت العالم، كلّ نغم ولون؟ أم أنّ جوهر هذا العالم ذاته وما يحمل التاريخ في طيّته من خير ينقل إلى الآخرة، ويخلد فيها؟

الجواب الحقّ أنّ الحياة الأبديّة لا تبتدئ بالموت، بل في الحياة الدنيا، وأنّ هذه الدنيا إنّما تحويها. ذلك بأنّ الأبد انفتاح وجدانيّ على الله منذ الآن وانسكاب المحبّة في قلب الإنسان. هي ليست شيئًا وليست من زمن إن كانت انصباب الأزل فينا. حياة الأبد تيّار من الله ينطلق، ويلفّ الكائنات لفًّا. فمن أحبّ أن يرتمي فيه، رمى فيه أيضًا كلّ حسن خلق وكلّ ما اجتناه من خيرات صالحة للخلود.

من أجل ذلك كانت حياة المؤمن لا إعراضًا عن الموجودات، بل إعراضٌ عن وجهها الزائل، وتمسّك بوجهها الباقي. لأنّ كلّ موجود خليقة الله حسنٌ اصلاً. والإعراض عن الموجود إعراضٌ عن النعمة التي فيه.

إذا كنّا نستطيع أن نُطلّ من المنظور على غير المنظور ومن نغم أرضيّ على أجواق الملائكة، نعي الحسّيّات هذه عينها عنصرًا كُتب له البقاء. وبكلمةٍ أخرى، صحيح من منظار واحد ما قاله أوغسطين في آخر اعترافاته: «كلّ شيء جميل أو ممتاز ينقضي حين يبلغ حدّه، وسيكون له مساء، كما كان له صباح». كلّ شيء جميل ينقضي ما عدا جماله وكلّ شيئ صالح ينقضي إلاّ صلاحه. كلّ هذا قد صعد منذ تكوّن إلى لحيظة من الخلود، لأنّه ليس في الزمن، ولو نشأ فيه. إنّ ما اتّخذه الله من ظلمة هذا العالم يبقى أمامه في نهار أبديّ.

Continue reading
1963, لسان الحال, مقالات

الإنسان الجديد / الأحد 13 كانون الثاني 1963

مرمى الله من إنسانه أن يكون جديدًا. أن يصبح كلّ يوم وكأنّه خلق اليوم، لا يكبّله ماضٍ، ولا يرهنه هوًى. جدّته في اختزان الرؤى الطاهرة وعزيمة الخروج على الفساد الكامن فيه. إنّه يتجدّد، دائمًا، بهذا التخطّي. وهذه الإرادة تجعل الفرق بين المُجدِّد والمتجدّد. فالأوّل يستحدث صورة وأسلوبًا ونظامًا يظنّ أنّ تجديد الحياة في ابتداع الأشكال. ولا ريب أنّ في الشكل الحديث رغبة انعتاق، ولكنّه ليس انعتاقًا جذريًّا. قد يكون تبديل الصيغة في الأدب والفنّ والسياسة والنظام الاحضاريّ مبعثه حلمنا بإنسان جديد. ولكن، هل يُحقَّق هذا الإنسان، لأنّنا انتهجنا نهجًا حديثًا؟ هل مسسنا داخل الإنسان، لأنّنا وضعناه في إطار غير مألوف؟ وبكلمة أخرى، هل الشعور بالجديد ينشئ جدّة حقيقيّة؟ إنّ الجواب كامن في السؤال. الإنسان الجديد هو آخر بالنسبة إلى مفاهيمه القديمة وذهنيّته، لكلّ ما كان عليه، فأمسى كلّ كيانه بكرًا؟ هذا ليس همّه الأوّل تبديل أوضاع، بل هداية نفسه وإنارتها وتحريرها من كلّ ما يحول دون تخطيّها الوجودَ وذاتَها. والأوضاع، أيّة كانت، تتبدّل بتبدّل ما في النفس. فإذا صفت، فالدنيا كلّها لا بدّ من أن تتخذ شكلاً يلائم النفس، هذه تخلق في المنظور ما يناسبها من إطارات.

ولهذا، ليس صحيحًا أنّ النفس المنشغلة بالقيم الروحيّة لا تكترث لما حولها، لتغيّره. إنّها ليست مصابة بحمّى التغيير لإيمانها بأن تطوير الأشكال ليس، بالضرورة، تطوير الحياة، وبأنّ الحديث ليس دائمًا أفضل. النفس المهتدية إلى أعماق الإنسان ولقاءات ربّها ليست على خطّ الصراع بين القديم والحديث، لأنّ مشكلتها أن ترتفع فوق الشرّ الداخليّ إلى فيض المحبّة والطهر الراحض كلّ أدناسنا. ولكنّ هذه النفس عالمة بتماسّنا مع الكون وبتأثيره فينا، ولذلك تحاول أن تجعل منه بيئة صالحة لنموّ الإنسان الخيّر بأقلّ ما يمكن من العوائق. إنّها لا ترى اصطدامًا ما بين محاولة إصلاح النفس. وقد طُرح الإنسان في هذه الدنيا، ليس فقط ليسودها، بل ليتأمّلها، ويحسّ ما يَرتقب اللهَ فيها.

ثورة جذريّة في أشكال الحضارة وعالم السياسة؟ لا مانع أصلاً إذا كانت في خدمة الإنسان العازم على أن يتجدّد كلّ يوم على صورة خالقه. ثورة جذريّة في داخل الإنسان، إشاعة هذه الثورة بالدعوة إلى التطهير الباطنيّ، من شأنها أن تلاقي كلّ حلم جميل تحلم به الإنسانيّة لخيرها. بهذه الثورة وتلك ولقائهما المنسجم، يتكوّن الإنسان الجديد، وينمو.

Continue reading
1962, لسان الحال, مقالات

رأس السنة! / الأحد 30 كانون الأوّل 1962

عيد لا أثر له في التقويم المسيحيّ. لكنّه ذكرى مدنيّة اصطلحت الناس عليها، ليستقبلوا السعادة، وكأنّهم ينتظرون في غدهم ما فات ماضيهم. إنّهم يقفون في نقطةٍ من الزمن تجمع بين عام ينقضي وعام يُدشّن، ونفوسهم مأخوذة بين حنين وشوق. إنّه اغتراب عن حقيقة الآن، عن المشاكل الحاليّة التي في كلّ ذات، ونتباعد عنها بالذكرى حينًا وبالاقتراب أحيانًا. والأمل الذي يدغدغنا إن هو إلاّ حلم ربّما لا يتّصل بواقع النفس أو الدنيا وليس الله مرتكزه. ذلك لأنّ الله لم يَعِدْ بأن يملأ غدنا بما لم يكن في الأمس. وما المقامرة، في هذه المواسم، إلاّ من باب هذا الارتماء في المستقبل، وسبيل من سبل الضياع عن الحاضر القاسي. إنّها، ككلّ هوًى، هرب من صراحة المواجهة. وما الكسب، في القمار، الغايةَ الأولى، لكنّه فقط صورة من صور المغامرة كما أنّ الفريسة ليست غاية القانص.

وحيث إنّ العيد قائم، فلنجدّد معانيه، ونربطه بما يتسامى عن الاصطلاحات الاجتماعيّة. فبالنسبة إلى الماضي، لا يكن وداعه عندنا حنينًا، بل شكر وإرادة. أمّا الشكر، فللَّه الذي أنعم بما أنعم عليه. وأمّا الإرادة، فالبقاء على هذه الخيرات الروحيّة التي نلنا. هذا يفرض أنّ الليلة الفاصلة بين سنة وسنة ليلة نمتحن فيها القلب، لنعرف فيها العطايا التي أمدتّنا السماء بها، فنحمد ربَّ السماء عليها، ونحفظها بالعزيمة والابتهال. هذا يعيّن موقفنا بالنسبة إلى غدنا. فالغد، أيضًا، هبة إذا حمل إلينا نعمًا. وإذا لم يكن تكاثف نعم وتواصلاً في استمداد البركات، فإنّما هو زمنٌ منثور، فارغ من كلّ قيمة. بذا يختلف الأمل عن الرجاء بمعناه الدينيّ، أنّ الأوّل مجرّد توق إلى الأفضل ولا سيّما بسبب تفاهة الحاضر أو نقصه. وأمّا الثاني، فلا يبنى على شوق إنسانيّ إلى الآتي، بل هو التعبير عن توقنا إلى الله صاحب الأزمنة كلّها. فنحن لا نرجو شيئًا من المستقبل، ولكنّا نرجو كلّ شيء من الله ربِّ يومنا وغدنا. وما الغد سوى إمكان وضعه المولى أمامنا، ليكشف فيه وجوهًا عن محبّته لم نكن لنعرفها، أو ليديم علينا نعمًا قديمة، فندرك أمانته ودوام فضله.

ليس الرجاء بشريًّا بوجه من الوجوه. إنّه مبنيّ لا على مفاضلة بين زمن وزمن ولا علاقة له بالتطوّر، لكنّه نابع فقط من الإيمان بأنّ الله قادر على أن يهب ما لم يهب إذا انفتحنا إليه بالبساطة، والتمسناه متواضعين. في فضيلة الرجاء، يكمن هذا التعالي عن الوقت المفتّت الكئيب مع المواجهة الرصينة لكلّ المعضلات، والثقة بأنّ المحاولة الإنسانيّة كلّها تؤول إلى الإخفاق إن لم يكن الله في وسط المحاولة.

لا حنينًا غنائيًّا إلى الماضي، لا اغتيابًا خائفًا عن الحاضر ولا ارتماء خياليًّا في المستقبل، بل شكرًا على الخير في الهنيهات البارّة التي ألَّفت وجودنا الروحيّ. وإذا ولَّت ليلة وأصبحنا، فطلبًا لأويقات مثيلة.

Continue reading
1962, لسان الحال, مقالات

الحرّيّة الكبرى / الأحد 16 كانون الأوّل 1962

هل نحن أحرارٌ أم لا، هل نخلق أعمالنا أم تراها تفرض علينا؟ أمسيّرون نحن أم مخيّرون؟ سؤال تنازع الناس في الجواب عنه في أكثر من دين. وكان أبسط جواب، على المستوى الدينيّ، أنّ الثواب والعقاب يفرضان المسؤوليّة. فالحرّيّة، إذًا، نقطة الانطلاق المستترة لكلّ بحث كتابيّ في سلوك الإنسان، كائنةً ما كانت حرفيّة النصوص واجتهادات المفسّرين.

ولعلّ المسألة تعقّدت بعد ظهور التحليل النفسيّ والقول بالمركّبات التي تقيّد سلوكنا، وكلّها تولد مع الطفولة البعيدة. لقد بتنْا عارفين أنّ تصرّفاتنا غارقة في هوّة اللاوعي السحيقة، حتّى ليخيل إليك أنّ عملك ينبع من غيرك، من كيان تأباه يحكم فيك. هذا، بلا شكّ، يلقي ضوءًا جديدًا على حدود مسؤولّيتنا: بحيث تخفّ هذه بمقدار ما تحدّ حرّيّتنا.

ولكنّ النجاة من وطأة ماضينا ممكنة، وأمامنا هذا الآتي المديد القادر على أن يحمل إلينا طاقة جديدة من الحرّيّة. وما قيل إنّ الحقّ يحرّرنا إلاّ للإشارة إلى أنّ الحرّيّة انفتاح يأتينا الآن، لنبدأ به حياة جديدة أكثر ممّا هي قدرة سُلمت إلينا دفعة، وكبّلتها الوراثة وما يليها من قوى مستعبدة. الحرّيّة أمامنا وفي غدنا. هذه هي القادرة على إعتاقنا من السلاسل. ولذا، أفضل من السؤال عن حرّيّة قديمة أُعطيناها أن نسأل عن حرّيّة حديثة نخلقها فينا. والجواب هو بالإيجاب إن كنّا نؤمن بأنّ الإنسان، ولو غرّقه شرّ كثير، قادر على تخطّي نفسه وعلى خلق روحيّ غير متوقّع.

هو الجهاد الروحيّ يجعلنا مؤمنين بهذه الحرّيّة الآتية، ويكشف لنا طاقات في الإنسان لا تُحَدّ. صحيح أنّ الحرّيّة تُنشئنا وأنّنا قبلها ما كنّا موجودين، ولكنّنا نريد تلك التي تهبها إلينا معرفة الله، لأنّ تلك التي تعني الانفلات من الخلقيّة تعود بنا، في النهاية، إلى عبوديّة أين منها عبوديّة النفس التي اعتراها داء.

التحرّر السيكولوجيّ هدف ولا أشرف. إنّه عتبة الانعتاق من الخطيئة، وإن كان لا يقود إليه حتمًا ولا يستدعيه. هذه الحرّيّة الكبرى، إذا دخلت النفس، صارت فيها مصدر شفاء وطاقات على الإبداع الروحيّ مذهلة. فليس غريبًا إن رأى علمُ النفس الحديث، في الحياة الروحيّة، علاجًا لكلّ داء.

Continue reading
1962, لسان الحال, مقالات

أنثور؟ / الأحد 2 كانون الأوّل 1962

في كتاب «موت الآخرين»، طرح الشاعر رياض نجيب الريّس سؤاله الكبير: على من نثور؟ وتساءل إن كان يجب أن نثور على أحلام، «على الزخم الذي في صدورنا» على تفاهة عقول تحجّرت، «على الزمن». لقد صيغ سؤاله خطأ لغويًّا. فإنّ أجوبته كانت عن هذا: علامَ نثور؟ وكأنّه أدرك أنّ الثورة لا على أشخاص هي، بل على أوضاع أشخاص، ولم يجابه السؤال الأكبر: كيف نكون نحن الثائرين من هؤلاء؟ ما هو مصير الإنسان في ثورة تقوم عليه أو ثورة يقوم بها؟

الثورة على حقيقة الوثبة التي فيها وعلى نشوة الثمرة التي تحمل، تنقصها أبدًا رصانة الاكتراث للأشخاص، ويفوتها دائمًا وقت البحث عمّا إذا كانت المكاسب المتوقّعة خيرًا من القيم المهدورة. لتكون ثوريًّا، يلزمك فعل إيمان بأنّ الآتي هو خير من الحاصل، فعل إيمان من أجله تضحّي بأرواح. وهذا كلّه إلى جانب الطاقة الكبرى من أحقاد لا حدّ لها تجعل العبد سيّدًا والسيّد عبدًا. وبين السيّد والعبد جدل لا ينتهي إلاّ أن نقرّ أنّ المكاسب، مهما عظمت، مؤذية إذا تجاوزت تقديسنا للكرامة الإنسانيّة.

عندما يتساءل شاعرنا الريّس: «أنثور… أم نكبت ونحقد»، أيجهل أنّ في موقف محبّي السلام أو المحافظين كما يسمّونهم – والتسميات اصطلاح – ليس التخاذل دائمًا يسود، لكنّ بطولةَ الصبر وشجاعةَ الشهادةِ والإعلانِ التي تدفع الجماعة إلى إصلاح لا تُزهق فيه روح ولا قيمة؟ ضخامة الثورة في أنّها تطفح ولا تجابه، فيها عنف المراهقة، لا كبر المقاومة السلميّة الناضجة. الاختيار ليس بين الثورة وعدمها، لأنّنا يجب أن نثور دومًا على «تفاهة عقول تحجّرت»، لكنّ الاختيار هو بين العنف واللاعنف، بين التمرّد المراهق وتمرّد الراشدين، بين وثبة خالعة ووثبة بانية لمن يثب بها ومَن تثب عليه. أجل، نحن مع رياض الريّس عندما يقول «لن تخمد النار، لن نطفئ ما في الصدور إلاّ ساعة تموت جفوننا». السلام البنّاء هو حاملٌ تلك الطاقة الثوريّة التي تتحقّق دون تحطيم. إنّ شيئًا في الدنيا لا يتحرّك بغير هذه الطاقة. الإنجازات الروحيّة الكبرى لم تتمّ بدون نار المحبّة الآكلة. والمحبّة هل من زخم ثوريّ أعظم منها إزاء برد الإنسانيّة العميم؟ لن تخمد نار الشهوة إلاّ بنار الروح إذا تأجّجت. هذه هي ثورة الأنقياء التي لا يراها أحد. لا، أيّها الشاعر، أيضًا ساعةَ تموت جفوننا يجب ألاّ تموتَ في نفوسنا النار، ويجب ألاّ يرقد الحبّ. سوف تموت الشهوة، سوف يرقد هذا الحبّ الترابّي الذي يتغذّى من جموحها. ولكنّ الحبّ، الذي لا أنانيةَ فيه، هذه غبطتنا به أنّه لا يرى الموت إلى الأبد.

Continue reading
1962, لسان الحال, مقالات

ألوهة الشوق / الأحد 18 تشرين الثاني 1962

نزوات لا تنقطع واشواق لا تنتهي هذا هو الإنسان. وإذا ارتوى الشوق ووقف جموح النزوة فما ذلك إلاّ إلى حين أو يتحول الشوق إلى آخر. الإنسان، في ضعته وارتفاعه، انصباب ميول الذين سبقوه وتأجج نزعات نفسه. حياتنا هي هذا الإمتداد أيًا كان الهدف.

وراء تنازع الأهداف ينبغي أن يكون ثمة هدف أعلى تنزع الحياة كلها إليه شاء الناس أم أبوا، علموا أم لم يعلموا. بالرغم من كل صراع وعلى تعدد المشارب، هذه الدنيا واحدة والتنافر الذي فيها لا يمزق وحدتها تمزيقًا كليًا ولا يستطيع ولكنه يحجبها. الله ما وراء الحجاب وإليه تسعى الخلائق في ارتقائها. إنه كامن في البشر الخاطئين، وفي أعماقهم حقيقة ولو حجزها الإثم فخفت صوتها أو كاد يختنق. نحن نقدر أن نقوم ضد الله المتخفي في القلوب ولكننا لا نفعل ذلك إلاّ بهذه القوى الفائضة منه على كل مجالنا النفسي. بقوة الله نقاوم الله كما أن الابن الذي كوّنه زرع أبيه قادر أن يشتم أباه. لهذا يرى الله أننا أبناؤه ويجعل شمسه على الأبرار منا والأشرار.

هذه القوى الجامحة من الألوهة القائمة في الكيان الإنساني إلى الله تذهب وليس لها مقرّ إلاّ فيه. يمكن أن تتبعثر وأن تتيه حينًا أو في كل حين. وهي في غليان إلى أن ترتضي الخالق مصبًّا لها. لماذا لا تشبع العين والأحاسيس لا تكتفي بما تستطيب؟ لماذا نتوق إلى ما أبعد من المتعة وأبهى من كل جمال تعرفنا إليه وأعمق من كل حقيقة تتجلى للعقول؟ أليس لأننا نشتهي الله متعة وجمالاً وحقيقة؟ أليس لأن الجزئي لا يُرضي أيّ نهم فينا؟ فنتوق ونحن في الجزئيات إلى الكل ونحن في المرئيات إلى ما لا يرى.

ميولنا في توقها إلى الله تتعثر في الطريق فنلتهي بما هو دون الغاية وإن كانت بالشوق إلى الغاية تسير. ميولنا إذا اعوجّ سيرها نصلحه ولكنّا لا نبيدها لأن من لا شوق له لا إله له.

لا ضرورة للتفتيش عن الله في أسباب الكون بل حسبنا أن نلمسه في امتداد الأشواق إلى اللانهاية.

Continue reading
1962, لسان الحال, مقالات

ألم وخطيئة / الأحد 30 أيلول 1962

ليس من مشكلة تستوقف الإنسان كقضيّة الشرّ، المادّيّ منه والأدبيّ. فأمام مشهد الخطيئة والألم، يتساءل المرء: لماذا كان هذا وما معناه؟ ويتمنّى لو أنّ قدرة الله أعتقته من كلّ معضلة، وضبطته في الخير إلى الأبد، لو سيّرته آلةً لا حرّيّة لها. وكأنّ الإنسان يحسد الحيوان الأعجم والحجر الأصمّ. والحقّ أنّ الإنسان، عندما  يملّ المسؤوليّة، يريد لنفسه وضعًا متقهقر الإنسانيّة، ساقطًا إلى المرتبة البيولوجيّة أو إلى ما أدنى منه. الإنسان، وحده، دون الكائنات الحيّة، قادر على أن يكره الألم، لأنّه يستطيع أن يعقله. إنّه لا يرتضي الحيوانيّة ذاتها وضعًا له، وعنده دون الحيوان رغبةٌ في تدمير نفسه.

في ساعات الفرح والانتصار على الذات، يقدر الانسان على مكانته في مملكة الحياة، ويعرف أنّ الجسم الذي أعطي  إنّما هو ركيزة للروح المتطلّعة إلى آفاق لا تُحدّ. ويدرك، في هذه الأوقات، أنّ حرّيتّه إنّما هي نعمةٌ كبيرة. ويصبح الألم نفسه مصدرًا لتفتّق الخلق وفوهةَ تدفّق للنور. أجل، لا الفلسفة تعطي جوابًا مقنعًا عن أصل الشرّ ولا الدين يبحث في ذلك. كلّ ما يقوله إنّ الشرّ الحقيقيّ الأوحد هو شرّ الإثم وإنّ الخطيئة يمكن اقتحامها. الإيمان، في قصة الخليقة، لا يجيب عن سؤالنا كيف كان الشرّ ولماذا تسلسل الينا. لكنّه يؤكد أنّنا صرنا في الشرّ وأنّ الخطيئة أمست فعّالة قتّالة وأنّ الله وحده، إن سالت قواه فينا نعمةً وحبًّا، قادر على أن ينقذنا من شقائها وموتها. الإيمان يعلّمنا لماذا يجب وكيف يجب أن نخرج من الخطيئة.

الإنسان يعرف أنّ الله ينعطف عليه إذا بلغ الألم عنده كل مبلغ، وأنّه يفتقده في صميم المأساة، وكأنّ الله يتمزّق فيه، ويئنّ. هذا الإنسان، إذا صرخ من الأعماق وتاق إلى ربّه كما تتوق الأرض الظمأى إلى الندى، تتنزّل فيه الرحمة، ويتقبّل الله عنه كلّ صدمة، وينبلج من قلبه الصبح.

الفداء ممكن في كل نفسّ إذا صبرت لا صبرَ الاستسلام إلى قدر غاشم، بل صبر المحبّين الذين يرون في الألم التفاتة من ربّهم، ويتبنّون الحرّيّة مرقاةً إلى الخلاص.

Continue reading
1962, لسان الحال, مقالات

الذين ارتحلوا(1) / الأحد 15 تموّز 1962


[1] لمناسبة سقوط طائرتين واحدة في بومباي والثانية في برنديزي.

فاجعة بومباي وفاجعة برنديزي كيف نحشرهما في منطق، وقد قصفتا أزاهير من لبنان لم تذبل! كلمات البشر، إذا قيلت لذويهم، من تعزيّ، والموت لم يترك لهم جثّة إذا التصقوا بها كانت لهم خيال وجود. هذه المرّة، بلغ الانسلاخ أقسى حدّته، كأنّ شيئًا يوجب أن يطأ الألم كلّ قوانا. والتعبير البشريّ، في موقف كهذا، دائمًا دون الألم قوّة، فلا يواجهه ولا يلاقيه. ولذلك تعزية الله، وحدها، تنفذ إلى الجراح، وتستقرّ فيها صفاء.

الأرواح، التي اختطفت إلى السلام، انقطعت بيننا وبينها صلات اللحم والدم، لتحلّ محلّها رؤية الأبديّة الطهور، رابطة الشركة الكبرى التي تجمع بين أحياء الأرض وأحياء السماء. ومشكلتنا على الصعيد النفسيّ قائمة، لأنّنا لم نتخلّص من هذا الشعور، أنّ الحضور الوحيد هو حضور الناس في حواسّنا، وأنّ احتجابهم عن البصر إنّما هو اختفاء عن الحقيقة. ولكنّ الإيمان قادر على اعتلاء هذا الشعور. ففي الاستقلال الذي يعطيه الإيمان للنفس، وعلى الرغم من شدّة الواقع، ندرك أنّ الذين ذهبوا عنّا إلى جوار ربّهم إنّما هم في الرحمة واليقين، وأدعيتنا تتصاعد من أجلهم، ليصيروا في كامل الرضاء. الإنسان الترابيّ فينا يتمنّى لو أبقاهم سيّد الحياة والموت في حيّز الدنيا، ليكون لنا معهم فيها نصيب. ولكن، من أحبّ الحقيقة على الظلّ واليقينَ على الحيرة، لا يتردّد لحظةً بين الدارين لعلمه بأنّ الراقدين في نور إلههم إنّما بلغوا بالموت نضجهم، لأنّ الرشد في ألاّ يظلّ المرء محيَّرًا بين الزائلات والباقيات، وأن يلازم وجه الله المنير.

وماذا يجني الانسان في عالم الزيف هذا إن بلغ فيه عمرًا طويلاً؟ ماذا تعطي السنُّ نقضيها في المعاصي وفي ترّاهات المجد؟ وماذا يكتسب مِن تقادم الزمان عليه شابٌّ عرف من كثافة الإقبال على الحياة معنى الفرح والخلق وكان في تفتّق قواه، بعلم منه أو من دون علم، يبحث عن حقيقةٍ تروي؟

في حدود الايمان، وعلى ضوء منطقه، النفوسُ المتجرّحة يمكنها أن تطلّ على الضياء. كلومها، ولو بالغة، صائرة إلى الشفاء. أجل، الآثار باقية حتّى النهاية، ولكنّ طمأنينة الله تكون قد انسكبت في القلوب.

Continue reading