الأحد الثاني من الصوم /الأحد 19 آذار 1995 / العدد 12
أعلنت الكنيسة البيزنطية قداسة غريغوريوس بالاماس اسقف تسالونيكي السنة ال1368 وعيّنت عيده في الأحد الثاني من الصوم وجاء تقديس الرجل بناء على مجمعين عقدا في السنة ال 1341 و 1351 اللذين حددا ان الانسان قابل للتأليه او التأله بمعنى انه يشترك في النعمة الإلهية غير المخلوقة وإن كان لا يساهم في الجوهر الإلهي. الانسان يصير إلها بالنور الإلهي غير الحسي الذي ينسكب عليه اذا ادرك عدم الانفعال وتحرر كليا من الشهوة فبلغ الصفاء. وهذا ممكن في هذه الحياة.
النفس والجسد معا يشتركان في المسيح في هذا العالم. ضد هذا النزعة الفلسفية اليونانية التي تفرق بين الروح والمادة. هذه الفلسفة قائمة على نظرة ثنائية الى الانسان، الأمر الذي يعطل وحدة الشخصية الانسانية. النظرة الارثوذكسية تقول ان خبرة التقشف او النسك اساسية لرؤية الله. عكسها الحركة العقلانية التي تجنح الى حكمة هذا العالم.
يصرّ الارثوذكسيون على اننا اذا تطهرنا بالفضيلة نخرج من الأنا، نتجاوزها اذ يجب ان نتخطى المحسوس والمعقول ونغوص على الصلاة ونمتلئ من جمال الروح القدس. فما من معرفة ممكنة لله الا بالتطهر من الهوى. ان المعرفة الحقيقية لا تأتي من الدراسة ولكن الطهارة تميز بين ما هو صالح ونافع وما ليس كذلك.
ان خطأ الذين حطموا الايقونات وخطأ الذين يؤمنون بالعقل وحده هو انهم جميعا يرون صداما بين الروح والمادة وما علموا ان الروح والمادة صارا معا من بعد تجسد الكلمة الإلهي.
ان مكانة المادة في الحياة الروحية حملتنا الى تكريم الايقونة وكذلك مكانة الجسد في الحياة الروحية نلمسها في الصوم الذي يقيم النفس والجسد كليهما في المسيح. وهكذا يأتي النسك اعترافا عقائديا عندنا. فالصوم ليس فيه بتر للجسد ولا تعظيم رخيص له فاذا تفلتت رغبات الجسد لا يكون مشدودا الى الروح ولكن إن ضبطناه يصير مكانا للروح القدس. نحن نحافظ على كل وظائف الجسد. قد ننقطع بالإمساك جزئيا ومؤقتا عن الطعام لكي نفهم ان الجسد ليس للجوف ولكن للرب والرب سيبد الجوف ويبقى الجسد في النور. يعيد الينا في القيامة الجسد نفسه الذي كان منا ولكن بلا الوظائف الزائلة التي كانت له على هذه الارض. يجعله نورانيا بسبب النور الذي اقتبلناه بالمعمودية والقرابين الإلهية. ان القربان الذي نكون قد تناولناه هو الذي يبعثنا الى القيامة. “انا الخبز الحي الذي نزل من السماء. من يأكلْ من هذا الخبز يحيَ للأبد” (يوحنا 6: 51).
هذا يبعدنا عما يقوله اعداؤنا من اننا ضد الجسد. نحن ضد الجسد الذي يعصى الله بالتفلت. كذلك نحن لسنا ضد العقل ولكنا مع العقل الخاضع لكلة الله، الناشئ من كلمة الله. بعدها تأتي كلمة الانسان. نحن لسنا ضد الغرائز ان انضطبت، فقد كفّرنا في القرن الرابع الذين حرّموا الزواج واللحم والخمر. هذه الثلاث الله باركها. نحن ضد الإسراف في كل شيء والإفراط. فاذا اقتبلنا الزواج نقدسه بالطهارة والصلاة والمحبة، بلا هذه كلها يتحول الى متعة والى انانية.
هذه الرؤية نتربى عليها لأن كل رؤية صالحة تتربى بالاستمرار وتتغذى بقراءة الكلمة. كانت اهمية القديس غريغوريوس بالاماس ان رأى كل ذلك وقال لمثقفي عصره المكتفين بالفلسفة ان هذه لا تفهم شيئا بلا إله. ولذلك لا نخوض نحن جدلا فلسفيا الا من حيث انه قد يساعد على الايمان ولكننا لا نصل الى النور من خلال الفلسفة. المسيحية ليست ايديولوجية تصارع ايديولوجيات. انها حب لله وذوق له وطاعة. نحن المسيحيين لاهوتيون جميعا لا بمعنى اننا حملة شهادات من معاهد لاهوت بل من حيث اننا نتحدث عن الله من خبرتنا له بالرياضات الروحية ومحبتنا للقريب ومراقبة حركة الفكر وحركة الحواس. نحن لا نسلّط ذهنا مجردا على الأفكار التي تُفرض علينا ولكننا نسلّط النور الإلهي فنحكم في كل شيء ولا يحكم فينا احد.
هذا هو معنى الأحد الثاني من الصوم.
Continue reading