Category

مقالات

1993, مقالات, نشرة رعيتي

الحسد / الأحد 18 تموز 1993/ العدد 29

ما أكثر الذين يسوّدون صحيفة الناس حسدا. ان نفوسهم هم المعقدة لا تريد ان تعترف بالخير الذي يصدر عن سواهم، يحبون ان يلتمعوا هم وحدهم، لذلك اذا سمعوا من يمدح احد الناس يقولون: ولكن. ويفضلون الا يظهر الخير إطلاقا ان لم يكن عن أيديهم. لذلك يموتون في عزلتهم. لم يقدروا ان يجعلوا لأنفسهم شركاء في الخير، في الرؤية. في انزوائهم هذا المميت لا يفرحون بالحق ولا يرجون الا ان ينتفخوا حتى تبدو انجازاتهم وتُحسب لهم. يعيشون لا من محبة الغير ولكن من الإطراء.

يحتاطون أنفسهم بالضعاف لأنهم لا يحتملون المواجهة. المواجهة ان يكون الوجه للوجه اي ان أعترف بك وتعترف بي. ان اعترف بك يعني ان انتظر صدور الحقيقة عنك، ان تكون من رأيك، ان اتنازل عن موقفي اذا تبينتُ خطأه. ان اتنازل لك يعني انك موجود. ان تكون انت موجودا يعني اني انا لا املأ الساحة وحدي.

الحسود في عقله وفي تعامله يزيلك من الوجود. ولهذا كان الحسد مقرونا دائما بالغضب فإن الصراخ درجة من درجات العقل. انا ألغيك بصوتي. لذلك كان اليهود يصرخون لما هتفوا لبيلاطس: اصلبه، اصلبه. انت تصلب من تحسده. تعطل عمله او لا ترغب اليه في عمل. وكلما فعل الحاسد ذلك توغل في انعزاله. يقول الإنجيل عن موت السيد انهم «كانوا قد اسلموه حسدا» (مرقس 15: 10). انه كان قد أثبت للشعب ان الفريسيين والمستلمين الكنيسة اليهودية ليسوا بشيء امام الله. صار هو في وجدان الودعاء وحده الأمة. بطلوا هم ان يكونوا الأمة. لذلك كان لا بد له ان يموت. لا مجال للحاسد ان لم يتب الا ان يموت فقعا، ان يتلاشى من الداخل، ان يزول في كل مجال روحي.

غضبُ الله علينا ان الكنيسة مكان الحسد الكبير، ان نشاطها يقف او يتعرقل لأنهم لا يدعونك تعمل. لا شيء يجعل الكنيسة في حالة خراب مثل حسد بعضنا بعضا آخر. يعرقلونك لأنهم يُقصون كل الناس ما خلا فئة الأزلام الذين يرددون لهم شعائرهم ويلتفون حولهم.

إمكان الخلاص الوحيد ان يلهم الرب الحسود ان يكتشف ان الدنيا تتسع له ولسواه وان الخير ينزل عليه وعلى سواه وان لكل منا موهبة مختلفة على مقدار النعمة التي نزلت. الكنيسة هي جمال الكل مجتمعين ونشاط الكل متشاورين. شرط ذلك التواضعُ وهو تلك الفضيلة التي تجعلك تعلي الكل وتفضلهم على نفسك. ذلك ان الحسد نتيجة الاستعلاء. الاستعلاء هو أن تكتفي بنفسك وأن تظنها كافية للوجود. أن تستعلي وتنتفخ هو ان تحس بأن الآخرين قُصر وغير اكفاء وانه يمكنك ان تهملهم الى تفاهتهم.

الحاسد يجب ان نبكي من اجله لا ان نبكيه، ان نحيطه بصلاة حارة ليفتح نفسه التي جفت. المأساة ان يتوغل في حقده والمأساة الثانية ان نهمله الى حقده بحيث نكون قد وقعنا نحن انفسنا بالعزلة. الصلاة وحدها تُسقط حاجز العداوة وتوحي بان الآخر هو اليك كتنفسك. الآخر رئتك الاخرى. هو يعلمك الثقة به وبنفسك، اريد تلك النفس التي تكون قد بلغت الوداعة.

Continue reading
1993, مقالات, نشرة رعيتي

السرقة / الاحد 25 نيسان 1993 / العدد 17

السرقة تبدأ بشهوة ما يقتنيه الغير. “من القلب تنبعث المقاصد السيئة والقتل والزنى والفحش” (متى 15: 18). دواؤها التنزه عما لا نملكه والاستقلال عما نملكه. فإن تملكنا هذا الذي عندنا حتى العبودية فنحن معرضون لاشتهاء ما عند سوانا ايضا. العيون النهمة تدفع اليدين الى السطو والنهب واذا أردنا شيئا واقتحمنا المكان الذي هو فيه فنحن مستعدون للقتل اذا دافع من اعتدينا على موجوداته وعن نفسه.

نحن لا نعرف كيف تكونت ثروة هذا وذاك. ان حصلّها بطرق غير شرعية فله من يدينه. واذا قررنا ان نقيم توازنا بيننا وبين من أثرى بالحرام نقع في الخطأ الذي ارتكبه هو. نحن ليس شأننا ان نقيم العدل بيننا وبينه. العدالة الاجتماعية شأن المجتمع كله وشأن الدولة بخاصة.

المال الحلال هو الذي يأتيك بالعمل او بالإرث. “هناك ستة ايام يجب العمل فيها” (لوقا 13: 14). فالانكفاء عن العمل خطيئة الا اذا اضطرتك عليه البطالة. اجل هناك أوضاع تغري في اية مسؤولية مالية انت فيها. هذا كان وضع يهوذا الذي “كان سارقا وكان صندوق الدراهم عنده، فيختلس ما يلقى فيه” (يوحنا 12: 6). انت موظف شركة مثلا أرسلتك في مهمة فقدمت لها فواتير كاذبة. انت متعهد بناء وقبضت ثمن المواد ولم تضع في البناء المواد المتفق عليها. او انت أهملت صيانة مطلوبة منك. ليست السرقة فقط ان تدخل الى بيت وتنهبه ولكن ان تأخذ بالارتكاب ما ليس لك او ان تؤذي الآخرين بإغفال يجلب عليهم خسارة.

ان تحرم الناس ظلما مما لهم حق فيه هذا ما يحدث كثيرا : العامل الذي لا تدفع له الحد الأدنى او تبقيه على الحد الأدنى وانت قدير، الخادمة التي تستغل فقرها لأنها لبنانية في حين انك تدفع الأضعاف للخادمة الأجنبية كل هذا نوع من انواع السرقة. وقد تنبه لهذا الكتاب الإلهي في قوله: “ها ان الأجرة التي حرمتموها العملة الذين حصدوا حقولكم قد ارتفع صياحها، وان صراخ الحصادين قد بلغ أذني رب القوات” (يعقوب 5: 4).

كفاحنا لروح السرقة واستغلال الفقراء يكون بتربية انفسنا على العمل وعلى حب العطاء. بهذا المعنى قال بولس: “من كان يسرق فليكف عن السرقة، بل الأولى ان يعمل بيديه بنزاهة لكي يحصل على ما يقسمه بينه وبين المحتاج” (أفسس 4: 28).

تربية النفس على الا تشتهي الا الحاجة الضرورية، ان تذوق الحياة مع المسيح على انها الثروة الحقيقية، ان تتقشف في سبيل العطاء، ان تصلي من اجل البقاء على عفة النفس كل هذا يدنينا من الاستقامة. الا يغير المال رأيك في شيء، الا يجعلك متزلفا، الا تخشى مخلوقا، ان تكره الكذب فوق كل شيء، كل هذا من مقتضيات الطهارة. لقد كب يسوع كل أمجاد العالم وقدر ان يقول: “لا تستطيعون ان تعبدوا ربين الله والمال”. العفة عن طلب المال بصورة غير شرعية شرط اساسي لمحبة الله.

يستطيع الانسان بعد إنفاقه على اولادهالصغار ان يعيش هو وزوجته بمتاع قليل. هكذا فقط يعصم نفسه ويصير فقيرا الى الله.

Continue reading
1993, مقالات, نشرة رعيتي

الكذب / الاحد 11 نيسان 1993/ العدد 15

لعل الخطيئة الأكثر تفشيا في بلدنا الكذب. له تعريف بسيط وهو ان تقول غير الواقع لمّا يكون عليك ان تشهد للحقيقة، ان تقول للآخر ما كان من حقه ان يعرفه الا اذا كان هناك خطر على حياة انسان وهذا ما سمح به الآباء الشرقيون. ازيد على ذلك انه مسموح اخفاء الحقيقة ان كان هناك خطر على صيت انسان فليس عليك ان توافق على النميمة اذا جاء من ينسب الى احد الناس سيئة او فاحشة انت تعرف بها. ذلك انه ليس من حق احد ان يكشف عورات الناس الا اذا استدعتك المحكمة وطلبت جلاء واقعة.

الكلام الذي غالبا ما تسمعه في اوساطنا ان هناك كذبة بيضاء لا تؤذي احدا. الحقيقة ان تغيير الحقائق يؤذي الكاذب نفسه لأنه يعلمه الجبن ويثبته في الخوف ويقزم شخصيته. الحقيقة تسكن فيك كما الله لأنه هو الحقيقة والله كشف نفسه بيسوع المسيح ولم يصمت. وجه الله فيك الحقيقة التي تبديها. هذه يجب ان تبِين كأنك بها تنقل الله. ولا ينبغي ان تفصل بين الباطن والظاهر. ففي احد كتبنا القديمة ان اليوم الأخير يحل عندما يكون الظاهر كالباطن. المسيحيون لا يخشون احدا. لا يخافون الموت ولذلك يرفضون الباطنية التي تقول انه مرخص لك ان تكفر بالله ان كان هناك خطر على نفسك. الإنجيل يطلب ان تؤدي الشهادة امام الأمم ولو كان ثمن ذلك الموت. «اذا شهدت بفمك ان يسوع رب، وآمنت بقلبك ان الله أقامه من بين الأموات، نلت الخلاص» (رومية 10: 9).

القاعدة هي الشهادة. ولذلك يسمي الكتاب المسيح «الشاهد الأمين الصادق» (رؤيا 3: 14). واخلاق يسوع تنعكس في المؤمن: «الشاهد الأمين لا يكذب» (امثال 14: 5). ويجعل العهد الجديد الصدق اساس التعامل بين الناس فيقول: «لا تكذبوا بعضكم على بعض» (كولوسي 3: 9)، ويربط احيانا الكذب بشهوة الادعاء: «فلا تفتخروا ولا تكذبوا على الحق» (يعقوب 3: 14). ويلح الكتاب ليس فقط على استمرارنا بالصدق ولكن على ان نبغض الكذب، ويحض على الا نصغي الى كلام كذب.

غير ان الكلمة الإلهية رأت بُعدا في الكذب قلما نفكر به، فلم تحدده فقط بالكلام الغاش ولكن بالمواقف المناقضة للحقيقة، ولذلك قالت ان هناك ليس فقط من يقول كذبا ولكن من يصنع كذبا (رؤيا 22: 15). فأن نتبع رجلا كذابا ونواليه ونظهر اننا من انصاره، ان نسكت حيث يجب الإفصاح، الا نقاوم مشروعا مغلوطا، ان نغالي في المديح، ان نمدح للكسب او الاسترضاء، ان نتصرف كأننا متلهفون لواحد ونحن لسنا بمتلهفين لنخدعه، كل هذا كذب في العمل. ولهذا قال هوشع: «احاط بي افرايم بالكذب» (12: 1).

هذا كله مصدره الشيطان الذي قال عنه يسوع: «انه كاذب وابو الكذاب» (يوحنا 8: 44).

من انتابه هذا الضعف يضرب جذوره، يحاول الا يخاف. هذا يأتي عن تقوية الثقة بالله حتى اذا تدعمت به لا تخشى عقاب البشر. واذا كذبت فاستغفر وتروض على الصدق المرة تلو المرة ترَ أنك قادر عليه لأنك اصبحت قويا بالمسيح.

في غياب الصدق وانتشار الباطنية لا يقدم احد على معاملة. الكذب يقوي الشك عند الصادقين فيحجمون عن التعامل. القاعدة ان يكون «كلامكم نعم نعم ولا لا» وان تشرِّف الوعود التي وعدت بها وان تحس ان الصدق يحررك من الجبن ويجعلك مرجعا في القوم ويدفعهم بدورهم الى قول الحق وسلوك الحق.

Continue reading
1993, مقالات, نشرة رعيتي

القاعدة الاخلاقية / الأحد 28 آذار 1993 / العدد 13

يدور في اذهان الناس ان الوصايا العشر تحتوي كل الاخلاق المسيحية. الحقيقة انها نموذج وان ثمة خطايا كثيرة لا تذكرها هذه الوصايا. اضف الى ان الوصية الثانية: «احفظ يوم السبت لتقدّسه» هي امر طقوسي يهودي ولم نبق مرتبطين به فالرب بقيامته حررنا من يوم السبت. وإقلاعنا نحن عن العمل يوم الاحد ليس وصية الهية. هو ترتيب كنسي، والاصل فيه إقامة القداس الالهي. في العهد القديم نفسه القاعدة الاشمل هي هذه: «احبب الرب الهك حبك لنفسك» (لاويين 19: 18). هذه اتخذها يسوع: «احبب الرب الهك بكل قلبك وبكل نفسك وبكل ذهنك. تلك هي الوصية الاولى والكبرى». وبعد هذا اضاف: «والثانية مثلها: احبب قريبك حبك لنفسك» (متى 22: 37-40). ثم في إيجاز كلي يقول: «بهاتين الوصيتين ترتبط الشريعة كلها والانبياء». الاخلاق في تعليم يسوع هي المحبة.

ولكن ما الرباط بين هذه الوصية الجديدة والوصايا العشر؟ هنا يوضح بولس: «مَن احب غيره اتمّ الشريعة». فان الوصايا التي تقول: «لا تزنِ، لا تقتل، لا تسرق، لا تشته» وسواها من الوصايا، مجتمعة في هذه الكلمة: «أحبب قريبك حبك لنفسك”. فالمحبة لا تُنزل بالقريب شرًا، فالمحبة اذًا كمال الشريعة» (رومية 13: 8-10).

قد يبدأ الانسان بالمحافظة على الشرائع ثم اذا عرف يسوع يفهم ان قدرتنا على إتمامها تأتي من نعمة الله. فحتى لا تكون الوصايا سيفًا مصلتا فوق رأس الانسان ينبغي ان تنبع من القلب الذي استضاء بنور المسيح. هذا هو العهد الجديد الذي تحدث عنه ارمياء بقوله: «وأُسكنهم في الطمأنينة، فيكونون لي شعبًا وأكون لهم إلهًا، وأُعطيهم قلبًا واحدًا… وأقطع معهم عهدًا ابديًا اني لا ارجع عنهم» (32: 37-40). فلكون الروح القدس ساكنًا فينا ونعرف الطمأنينة التي لنا من الله ننفّذ كل كلمة منه. فاذا صارت كلمة فينا تنبع هي بالعمل الصالح.

نحن صرنا في ملكوت المسيح وفي سيادته علينا، في ذوقنا لحبه لنا نعمل ما يرضيه وهذا يعطينا الفرح. عند ظهور الملكوت بالمسيح اعطانا يسوع شرعة الملكوت المكثفة في انجيل متى في ما يُسمى عظة الجبل الواردة في الاصحاحات ال5 والـ6 والـ7 وما يقابلها في انجيل لوقا.

هذه تبدأ بالتطويبات: «طوبى للمساكين بالروح». يسوع لا يأتي بشريعة لا يعرف العهد القديم اصولها. انه جاء ليكمل تلك. ان يسوع يحقق النبوة ويصل بها الى كمالها. يجعلها ممكنة بالحب الذي هو اعطاه. يسوع يملأ الشريعة القديمة ويربطها بسر الحب. كانت وصية فوق الانسان. الآن تأتي من الانسان الذي أسلم نفسه للسيد.

يسوع يصل الى الجذور. «سمعتم انه قيل للأولين: «لا تقتل…» أما انا فأقول لكم: مَن غضب على اخيه استوجب حكم القضاء». كذلك: «سمعتم انه قيل «لا تزنِ،» اما انا فأقول لكم: مَن نظر الى امرأة بشهوة، زنى بها في قلبه». المسألة ليست ان نمتنع عن شيء خارجي بل ان نطهر القلب كي لا يميل الى السوء.

من هنا ان الاخلاق المسيحية تقوم على ترويض الانسان نفسه على ان تحب السيد وان يراقبها حتى تمتنع عن الخطيئة وتحب الخير. اذ ذاك، الوصايا تنبع تلقائيًا من القلب المتطهر.

Continue reading
1993, مقالات, نشرة رعيتي

الأخلاق المسيحية / 21 آذار 1993 / العدد 12

ها «رعيتي» الينا من جديد بعد ان حجبتها محن كثيرة. تنشر عشية الظهور الالهي لتقول لكم عيدًا طيبًا يحل الثالوث فيه في اعماق قلوبكم بالمحبة. سنأتيكم فيها بكلمات الحلاوة الالهية، بأخبار كنيستكم لتصبح هذه النشرة صلة بين الاخوة والمجال الذي تعبرون فيه عن خلجات نفوسكم في توقها الى الصالحات وفي سعيها الى ابرشية تتجدد باتنعمة والجهد.

نحن مقبلون على تجديد مجالس الرعايا لتصبح كما يريدها المسيح مكان مجد له و دراسة لكلمته، مدى للعبادة الحسنة حتى تحافظوا على «وحدانية الروح برباط السلام» (افسس 4: 3). وسنحاول توزيعها على كل بيت ليصير بكل افراده مجتمعين كنيسة صغيرة تبني عائلة الآب. واذا شكلنا هذه المجالس كما اراد المجتمع الانطاكي المقدس وفق القانون الاساسي للبطريركية نتمكن من عقد مؤتمر الابرشية خلال هذه السنة ومه ينبثق مجلس الأبرشية الملي الذي أرجو ان يساعدني بالثقة والحب على تسيير اموركم كلها.

ومما لا ري فيه ان من فوائد الشدائد التي حلت بنا استرجاع الهوية الأرثوذكسية تلك التي جعلتنا نفتخر بانتمائنا الى كنيسة المسيح وهي ملتقانا ومصدر نمونا في الحقيقة. هذه الكنيسة ان احببناها ندرك بها ان المسيح هو «قبل كل شيء وبه قوام كل شيء» (كولسي 1: 14) والكنيسة كما تعلمون، هي في عباداتها والأسرار المقدسة انكشاف وجه السيد في محبته المذهلة لنا. انها تعصمكم عن كل فكر باطل وعن كل بدعة وكل اغراء.وكلما نزل احدنا الى اعماقها يفرح ويفرح به الكون. فبالايمان الارثوذكسي والشهداء ومواكب القديسين نطل على الجمال ويدخل الينا الملكوت منذ الآن.

قد تشاهدون فينا ضعفنا وتشهدون عندنا خللاً ونقصًا. ولكننا سنتعاون لتقويم ما اعوج حتى تصبح كل رعية عروسًا للمسيح بهية.وسوف تتآزرون محليًا وعلى صعيد الابرشية لئلا يبقى فينا اثر للمنازعات او للتشنج او للشك. قولوا لنا ما يجب عمله. اكتبوه ومن كان على حق نستمع اليه لأن من قال لنا الحق يكون الروح القدس ناطقًا فيه. لا ينفي ان تظل جماعة من جماعاتنا مكانا للفوضى او للاهمال او للجهل. واذا تسلحتم بالغيرة والمعرفة  فيخرج منكم روحانيون كبار وكهنة ورعون.

تعاونوا والكهنة تعاونًا صادقًا لأنهم يقربون عنكم ذبيحة الحمد. فان من سهر على نفوسكم يستحق الاكرام.اقصدوهم وكلموهم عما يتعبكم. واذا مرض احدكم او حزن او رأى نفسه في اهمال فليذكر كاهنه بانه يريد منه عزاء . لا تتذمروا بل بثوا شكواكم فان في الحسرة والانغلاق ذبولاً للنفس.

«اناشدكم، ايها الاخوة، ان تتحملوا كلامي» (عبرانيين 13: 22) عددًا بعد عدد ما مكنني الله من ذلك عسى ان تجدوا في موعظتي ما يبلسم الجراح. ووزعوا هذا الكلام على كل أخ لئلا يفوته افتقادنا له بالمسيح.

Continue reading
1992, مقالات, نشرة رعيتي

الميلاد الآتي/الأحد 20 كانون الأول 1992 / العدد 51

العيد في الروزنامة آتٍ. ولكن هل انت ذاهب اليه؟ هل تريد مثل الرعاة حول بيت لحم ان تتبع الصوت الإلهي القائل: المجد لله في العلى وعلى الأرض سلام؟ فهل انت راعٍ لقضية الله ام انت راعٍ لخطاياك تسوقها وتسوقك. وإذا رعيت خطاياك فاذهب بها إلى قدمي السيد وارمها هناك لتتمكن من رؤية مجد الله ساطعا لا في السماء بل فيك لتتقبل في نفسك سلاما.

وإذا لم تحصل لك الرؤية تبقى ساعيا إلى ما أُلصق بالعيد من أزياء الغرب: شجرة ومغارة وهدايا وسهرة وقد يعفيك هذا من التغني بيسوع في سر تواضعه وسر سطوعه. أنا لا اريد ان اضرب لك ما جعلته لك مسرة. استغرق في هذا الفولكلور ان شئت ولكن ارمِ نفسك في اقيانوس المعاني التي تنزل عليك من صدر الله.

ارجو الا تفضل سطحيات الميلاد على أعماقه وان تقرر الغوص على ينابيع المياه الحية المتفجرة في قلب الله. انت تعرف ما يرويه الانجيل عن الميلاد في متى ولوقا. المهم وراء ما تقرأ. فمما تقرأ ان الرب ولد في مذود بين البهائم. كان هذا لأن غرف الفندق كانت مليئة بأهل بيت لحم الذين عادوا اليها ليتسجلوا في احصاء النفوس الذي أمر به أوغسطس قيصر أو كان هذا لأن يوسف لم يكن عنده اجرة الغرفة أو غالبا ما كان المذود تابعا للخان الذي امتلأ بالنزلاء فوضع يوسف ومريم في المذود.

قلبي وقلبك مذود، مأوى لحيوانية الخطيئة. في هذا القلب يريد المسيح ان يولد اليوم. أدركت الكنيسة هنا المعنى لما رتلت عشية العيد: «اليوم يولد من البتول الضابط الخليقة بأسرها في قبضته». وإذا ولد المسيح فيك بسبب من الرضا الالهي عليك لا تبقى مذودا لحيوانية الخطيئة بل تصير نفسك بتولا. تدخل في سر مريم هذه التي لم تتقبل زرعا بشريا لتصور بذلك انها حاضن فقط لكلمة الله وعطائه.

فإذا أنت تخليت عن كل شيء يستعبدك لهذه الدنيا تستعيد نفسك المفقودة إلى بهاء عذريتها.

الأمر الحاصل معنا هو الآتي ان المسيح يظهر لك في وقت ما من حياتك نورا للعالم. ارجو ان يكون هذا الخامس والعشرون من الشهر بدء الرؤية. اذ ذاك تكون انت المولود، لا من أبيك وأمك ولكن من الروح القدس. إذا وهبك العيد ان تحس ان ضياء المسيح يمكن ان يدخل إلى قلبك فافتح نوافذه ليرتاح إلى المسيح.

قد تكون حتى اليوم مرتاحا إلى خطيئة تجترها أو عيب معشش فيك. في أكثر الناس سيئة أو سيئات يألفونها كما يألف الانسان غرفته. ألسنا ننام في خطايانا؟ إذا جاءك الرب وقال لك: هذا كله غلط. عاداتك وعيوبك وكبرياؤك لا تريحك حقا. هذه خدعة. انا وحدي اريحك ولكن هذا يتطلب شقلبة كبيرة وتعزيلا كبيرا وسأغير محتويات الغرفة واطليها طلاء جديدا. وقد يحدث هذا فيك هزة كبيرة.

ألم تقرأ: «لما حان ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة»؟ لقد تعبنا كثيرا بلا مسيح. لم تعطنا الخطيئة شيئا. لم تعطنا السياسة شيئا ولا اللهو اعطانا شيئا. وبقينا على جوعنا. الميلاد موسم نذوق فيه المسيح. «ولد لكم اليوم مخلص في مدينة داود هو المسيح الرب» (لوقا 2: 11). يختبر هذا المخلِّصَ من وُلد المخلص في قلبه فصار به «خليقة جديدة». الا جعل الله هذا العيد مولدا لنا في النور.

Continue reading
1992, مقالات, نشرة رعيتي

الأسبوع العظيم المقدس/الأحد 19 نيسان 1992/ العدد 16

هذا يدخل يسوع الى اورشليم بالوداعة والتواضع ليكمل خلاصنا «ويتكلم بالسلام للأمم» ويبسط سلطانه بالمحبة على العالم ويقيم معنا وفينا الى الابد. يجلس على جحش ليحل بهيمية الامم التي كانت عقيمة لأنها لم تعرف محبته. ونشدّ انفسنا اليه كما لم تكن مشدودة لعلنا بأنه يحررنا من وطأة الخطيئة ووطأة الخوف. اليوم ندشن اسبوع الآلام المقدسة فتقيم الأحد مساء والإثنين والثلاثاء صلاة الختن اي صلاة المسيح العريس الذي سيجعل كل نفس تائبة عروس له. ها نحن مرافقوه الى اورشليم لنتقبل الحياة من موته. سوف نراه مسمرا على الصليب ونتبعه الى القبر حتى نشاهده قائما من بين الأموات لننال منه فصحا طيبا.

سنحشر انفسنا في الصلوات لتتضح رؤيتنا لسره وهي تبيد خطايانا. في هذه العبادات قراآت من العهد القديم بما في ذلك المزامير تتحدث كلها عن الحَمَل المذبوح من اجلنا ورسائل وأناجيل تتكلم عن الخلاص الذي نلناه بتطوعه للموت. هذه وتلك تُسرَد في إطار صلوات وترانيم تدفعنا الى التمسك به حياة لنا. فاذ ا قرأنا مثلا عن آلام أيوب وصبره نفهم انه كان صورة عن المخلص, ونتنبه لئلا نقع في الغفلة. «ها الختن يأتي في نصف الليل». ليزيل الظلام عن النفس ويطلقها في التسبيح حتى تختلي معه في ذلك العرس الروحي الذي يجعلها تنسى ما كانت تعشقه قديما: «انني اشاهد خدرك مزينا يا مخلصي». والخدر في اللغة الغرفة الزوجية والفكرة ان النفس بعد ان كانت مخطوبة للمسيح ترجو لقاء الاتحاد معه والاتحاد بيننا وبين المخلص تم على الصليب. ولكن الانسان المدنس لا يدخل. يحتاج الى لباس العرس الذي هو التوبة.

وندرك قمة من قمم التوبة الثلاثاء مساء في الترنيمة الشهيرة: «يا رب ان المرأة التي سقطت في خطايا كثيرة». أم الاربعاء مساء فنقيم صلاة الزيت المقدس التي تريدنا الكنيسة ان نتممها للمرضى في بيوتهم في صيغتها للمرضى في بيوتهم في صيغتها الطويلة أو صيغتة قصيرة. ولست اعلم لماذا ومتى سقط سر مسحة الزيت هذا من منازلنا في بيوتهم في صيغتها الطويلة أو صيغة قصيرة. ولست اعلم لماذا ومتى سقط سر مسحة الزيت هذا من منازلنا في الكرسي الانطاكي ولا شيء يمنع اي كاهن من تجديد ذلك بنفسه لما فيه من نفع للمريض.وهكذا ينتهي النصف الاول من اسبوع الآلام.

الخميس صباحا ذكرى العشاء السري. وفي القديم كان يقام مساء لانه يتم في سياق صلاة الغروب ولعلّه قُدِّم الى الصباح لان المؤمنين يؤثرون سماع اناجيل الآلام مساء. ونتلو, اذ ذاك, كل روايات الآلام كما وردت في الأناجيل الأربعة ومستهلها الخطاب الوداعي كما ورد في بشارة يوحنا وهو ذروة من ذرى اللاهوت اليوحنائي. والمؤمنون متعلقون بالطواف بالصليب الذي يجري بعد الانجيل الخامس: «اليوم عُلِق على خشبة». وهذا الطواف ظهر في القرن الماضي في الكرسي الانطاكي وعمَّ الكنائس اليونانية.

غير ان الاسمتاع بالمعاني اللاهوتية للآلام هو في خدمة الساعات الملوكية التي تتلى في صبحية الجمعة العظيمة. المزامير تنصّب مباشرة بما ذاقه المخلص من اوجاع: «الهي, الهي لماذا تركتني». والنبؤات تطل مباشرة على سر الفداء: «وزنوا اجرتي ثلاثين من الفضة (زخريا النبي) أو «كنت انا كخروف بريء من الشر يُساق الى الذبحْ» (ارميا) حتى نبلغ القمة مع اشعياء: «لا صورة له ولا بهاء فننظر اليه ولا منظر فنشتهيه… انه قد أخذ عاهاتنا وحمل أوجاعنا… جُرح لأجل معاصينا وتألم لأجل آثامنا… كشاة سيق الى الذبح وكحمل صامت امام الذين يجزّونه ولم يفتح فاه».

وفي صلاة الغروب بنهاية الساعات يُطاف بالإبيتافيون (بالعامة النعش) ليضع في صحن الكنيسة ويُكرّم في الجناز. وخدمة الجناز هي خدمة صلاة السحر للسبت العظيم. ننشد للمسيح المدفون ونحن في ذهول وفي انتظار القيامة. »انزلوك القبر / يا يسوع الحياة / فمراتب الملائكة انذهلت / كلها ومجدت تنازلك /». فتتوالى التقاريظ نعظم فيها المسيح معطي الحياة. ونتوغل في تمجيد من كان خلاصنا المحيي وربيعنا الحلو ونشرف على السبت العظيم «الذي فيه استراح ابن الله الوحيد من كل اعماله لما سبت بالجسد بواسطة سر التدبير المكمل بالموت».

اما يوم السبت العظيم ففي اواخر الصبيحة نقيم القداس الالهي الذي كان في ما مضى قداس العيد. المسيح في سكون القبر وناهد الى القيامة. ونلتمس نهوضه من القبر: «قم يا الله واحكم في الأرض». نريدها فاعلة في نفوسنا.

شرط رؤيتنا لها ان «يصمت كل جسد بشري… ولا يفكر في نفسه فكرا ارضيا البتة». في تلك الليلة العظيمة كنا نُعَمّد الموعوظين اي اولئك الوثنيين الذين آمنوا وتعلموا الايمان فان المعمودية كانت لهم قيامة من بين الأموات.

واذا تدرجنا من يوم الى يوم بتكثيف التوبات ولمسنا محبة الله لنا تتجلّى بآلام المخلص نكون متأهبين لاستقبال الفصح.

Continue reading
1992, مقالات, نشرة رعيتي

صومنا اليوم /8 آذار 1992 / العدد 10

كيف يأتي صومنا في إطار هذه الحياة المتعبة التي نحياها اليوم، الحديث عن الامساك في مجتمع الاستهلاك هذا يبدو غريبًا. فالناس تتكالب إلى اللذات وإلى تضخّم وسائل الترف والبذخ ولو كانوا فقراء فهذا مشتهاهم. أن يقف إنسان ويشهد انّه مُعْرِض عن لذّة قويّة كالطعام هذا يجعله في عكس التيّار السائد. المطلوب كسر الطوق للمدنيّة الاستهلاكيّة وتاليًا أن نبشّر بعالم آتٍ يكون جديدًا أي لا ينصرف أصلاً إلى الشهوة ولكن إلى المحبّة والإبداع في العمل والتّعاون وإشاعة السّلام.

الشّرِه والشرّاب ليس له سلام داخلي. هو انسان يحيا خارج نفسه. أنْ تقول: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان» يجعلك ضدّ التيّار. وهذا التيّار دمار وتهلكة. التهالك على اللذات يأتي من خوفنا للموت. فكلما أكلنا أو حصّلنا مزيدًا من المال نظنّ اننا نستبعد عنّا الموت والأخطار ومغامرة الوجود. ولكن ان قلنا نحن لا نخشى هذا التشبّه بالموت الذي اسمه الصيام نكون قد وطئنا الموت بطريقة أوّليّة. ان أمسكنا عن الملذّات الباقية نكون قد أشرنا إلى أن مبتغانا الملكوت الذي يكون الإنسان فيه حرًّا من وطأة هذا الجسد وترابيّته. الممارسة تكسبنا قناعة إيمانيّة وهي ان محبّة الله لنا وطاعتنا له خير من نزعات الجسد.

هذه ليست دعوة إلى قهر الجسد فالجسد مخلوقًا من الله مقرُّ نعمته. ليس الجسد عدوًّا لنا، ولكننا نجعله نحن عدوّنا بإطلاق العنان للشهوة بحيث تتحكّم فينا. هناك شهوات صالحة بحدّ نفسها، الطعام والنوم والجنس، ولكن لنا قدرة على اساءة استعمالها أو استعمالها خارج إطارها الشرعي. في الفترة الأربعينيّة المقدّسة وأسبوع الآلام لا نقتل الجسد ولا نضعفه ولكننا نروّضه على الاعتدال والصّفاء فينسجم مع الرّغبات العالية فينا حتّى إذا صار حرًّا من تفلّته يدرك مرونةً ومطواعيّةً ليخضع للروح في توثّباتها العظيمة.

لذلك نكثف صلاتنا في هذه الحقبة. فالإمساك وحده مجرّد تمرين، ولكن إنْ صلّيت في عمق وحرارة تكون طاردًا للشياطين، مرتفعًا إلى عرش الآب، عشيرًا للقديسين. عند ذاك أنت حر للعطاء، أقل تمسّكًا بمالك، معرِضًا عن جاهك والكبرياء. اقتناء الفضائل مستحيل بلا أدعية موصولة. كيانك إمّا أن يملأه الفكر السيّء أو الفكر الإلهي الذي يشدّك إلى فوق. أنّى لك الفكر الإلهي إلاَّ من الكلمات الإلهيّة المسكوبة في عباداتنا من صلاة السَّحَر مرورًا بصلاة الغروب وانتهاءً بصلاة النوم الكبرى التي نغلق فيها النهار وننام على إلهامها فيكون ليلنا في «راحة نفس وجسد» خاليًا من كل شبح ووسواس شيطانيّ.

وأنت لا تصلّي وحدك ولكنّك مع الجماعة لأنّك عضو في جسد المسيح. فحيث يجتمع الأعضاء تكون، وتتطهرّون معًا، ويرى المسيح إليكم في سعي واحد إليه، حتّى إذا تكثّف النور في الأسبوع العظيم المقدّس تكونون أنتم أيضًا قد بلغتم التّوبة وتنقّيتم بالدم الإلهي ومشيتم معًا على خطى المخلّص ودخلتم معه في سر موته على رجاء دخولكم سر قيامته.

لقد وُضع الصوم منذ أوائل الكنيسة استعدادًا للفصح ثلاثة أيّام ثمّ زادت حتّى تبنّينا الأربعين تلك التي قضاها الرب في البرية يصارع تجارب ابليس. وأحسسنا اننا إذا عففنا عن الطعام يمكننا أن نقتصد ثمن الطعام ونعطيه المساكين. فأتى الصيام حقبة المشاركة في آلام الآخرين. كل منّا، على فقر حاله، له ان يتصدّق على الأحبّة المحتاجين بتواضع أو يزيد عطاءه للكنيسة الحاضنة لأبنائها.

فبالإمساك ومواصلة العبادة والإحسان، هذا الثالوث الفضائلي المبارك، نستطيع أن نتقبّل القائم من بين الأموات، فلا يأتي العيد إلينا من أوراق الروزنامة. يأتي بنعمةٍ وفضلٍ ونورٍ بعد أن نكون مشينا إليه بانسحاق القلوب.

Continue reading
1992, مقالات, نشرة رعيتي

الثقة والرجاء / 9 شباط 1992 / العدد 6

حياة المشاركة القائمة المؤمن والمؤمن، بين المطران او الكاهن والعلماني على خطين لا تقوم مطلقًا الا على أساس الثقة بيننا. الافتراض الأساسي في التعامل هو ان من تعامله صادق وانه لا يسعى الى أذاك. هذا يمكنك من التعامل السليم. انت في البدش لا تظن السوء  لأن “المحبة لا تظن السوء” وتبقى طويلاً طويلاً على الثقة الى ان يثبت لديك بما لا يدع مجالاً للشك ان الآخر تصرف تصرفًا رديئًا. عند ذاك تدلك حكمتك كيف يجب ان تسلك، على اي وجه تتعامل.

في قرانا، وبعضها ضيق الأفق، لمست الكثير من الحذر بين الناس. انهم يسمّرون الآخر على صورة هم اصطنعوها له من وراء كلمة غاضبة او اهمال. ولذلك يكثر الشك في بلدنا عن حق او باطل. لعله حسن ان نسأل الآخر عما نحسبه تقصيرًا او خطأ او خطيئة ثم نغفر فورًا اذا لام الآخر نفسه عن شيء من هذا. ولكن ان لم يكن مبرر لتأويل سلوك الآخرين نكون قد ظلمنا الآخر. ان نكون مغبونين فهذه صدمة او اجحاف يلحق بنا. ولكن ان نظلم في الحكم فهذه كارثة للروح، تشويه لجمال الأخوة في نفوسنا. والظالم كثيرًا ما ينمّ ويقمع.

المهم ان نصارح الآخرين بما لنا عليهم واذا لم يقبلوا فنقول للكنيسة اي لأخوة يحبوننا في المسيح وليس لهم غرض. والمهم الا نكون سريعي التصديق لكل ما نسمع في المجالس، ان نُسكت النمام، الا نقبل الذم بأحد، ان ندقق في الخبر تدقيقًا كبيرًا وان نذهب الى صاحب الأمر نعاتبه لئلا يشب الحريق في الرعية فتفوتنا فرصة الاطفاء.

البساطة في المسيح كما يسميها بولس ان نصدق كل شيء ما لم يثبت الكذب ثبوتًا واضحًا. اذ ذاك، نلوم عليه بوداعة. فالوداعة ممكنة مع الألم. ان روح يسوع ليس ان نغضب لما نسميه جرح كرامتنا ولكن روح الرب ان نحزن لأن الآخر ارتكب خطيئة هي بالدرجة الاولى ضد نفسه فآذى نفسه بنا قبل ان يؤذينا.

فاذا كان لا يجوز ان نأخذ انسانًا من أحلامنا هكذا لا ينبغي ان نأخذه من واقعية مريرة نشأت عندنا من صدمات توالت علينا في دهرنا. جراحنا التي تكونت من خبرتنا نتلقاها ونبقى في الرجاء. فكل انسان مشروع وقد لا يكون شبيهًا باشرار عاملونا بسيئات قلوبهم. نحن نولي الثقة اولاً ونلاقي الشخص الآتي الينا كملاقاتنا فجرًا جديدًا . فقد يطل هذا عليًا رسولاً من الله حاملاً الينا التعزيات او حاملاً الرفق بنا ورِقّة تصنع العجائب.

اكثرنا يصطنع صورة عن الآخر. نظنه شرسًا او محتالاً وقد لا يكون، محبًا للمال وقد لا يكون. ساعيًا الى انزالنا على مرتبتنا وقد لا يكون. نحن أسرى اشاعات تتفشى في الناس. فاذا تغيب الأسقف مثلاً عن دعوة الى مناسبة قد يكون مريضًا او في مكان آخر. نسأله في الأمر ولا ننشىء اسطورة من شأنها ان تذاع. وقد لا يأتي الكاهن في موسم الغطاس الى منزل لنا جديد ولا نحسب انه لا يعرف اننا حللنا حيث حللنا. رعايانل مليئة بالظنون. رعايانا ينبغي ان تتحرر من القيل والقال ومن صور مغلوطة تغذيها هذه العائلة عن تلك ونبقى سجناء لأقوال توترات وليس لها اساس. وقد يكون ابناء هذا خيرًا من ابيهم فلِمَ نظلمهم ونبقى على التباعد بين عائلة وعائلة؟

وقد يكون الكاهن الجديد خيرًا ممن سبقه فنحمل الكاهن الحالي وزر اسلافه. وقد يكون مجلس الرعية الجديد خيرًا من السابق فلماذا ننسب الى الأعضاء الجدد مسؤولية القدماء؟ كل هذا يتغير ان احببنا السيد حبًا جمًا.

Continue reading
1992, مقالات, نشرة رعيتي

رعيتي/ 5 كانون الثاني 1992 / العدد 1

ها «رعيتي» إلينا من جديد بعد أن حجبتها محن كثيرة. تنشر عشية الظهور الإلهي لتقول لكم عيدًا طيبًا يحل الثالوث فيه في أعماق قلوبكم بالمحبة. سنأتيكم فيها بكلمات الحلاوة الإلهية، بأخبار كنيستكم لتصبح هذه النشرة صلة بين الإخوة والمجال الذي تعبرون فيه عن خلجات نفوسكم في توقها إلى الصالحات وفي سعيها إلى أبرشية تتجدد بالنعمة والجهد.

نحن مقبلون على تجديد مجالس الرعايا لتصبح كما يريدها المسيح مكان مجد له و دراسة لكلمته، مدى للعبادة الحسنة حتى تحافظوا على «وحدانية الروح برباط السلام» (أفسس 4: 3). وسنحاول توزيعها على كل بيت ليصير بكل أفراده مجتمعين كنيسة صغيرة تبني عائلة الآب. وإذا شكلنا هذه المجالس كما أراد المجتمع الأنطاكي المقدّس وفق القانون الأساسيّ للبطريركية نتمكن من عقد مؤتمر الأبرشية خلال هذه السنة ومنه ينبثق مجلس الأبرشية الملي الذي أرجو أن يساعدني بالثقة والحب على تسيير أموركم كلّها.

ومما لا ري فيه ان من فوائد الشدائد التي حلّت بنا استرجاع الهوية الأرثوذكسية تلك التي جعلتنا نفتخر بانتمائنا إلى كنيسة المسيح وهي ملتقانا ومصدر نمونا في الحقيقة. هذه الكنيسة ان أحببناها ندرك بها أن المسيح هو «قبل كل شيء وبه قوام كل شيء» (كولسي 1: 14) والكنيسة كما تعلمون، هي في عباداتها والأسرار المقدّسة انكشاف وجه السيد في محبته المذهلة لنا. انها تعصمكم عن كل فكر باطل وعن كل بدعة وكل إغراء.وكلما نزل أحدنا إلى أعماقها يفرح ويفرح به الكون. فبالإيمان الأرثوذكسي والشهداء ومواكب القديسين نطل على الجمال ويدخل إلينا الملكوت منذ الآن.

قد تشاهدون فينا ضعفنا وتشهدون عندنا خللاً ونقصًا. ولكننا سنتعاون لتقويم ما اعوج حتى تصبح كل رعية عروسًا للمسيح بهية.وسوف تتآزرون محليًا وعلى صعيد الأبرشية لئلا يبقى فينا أثر للمنازعات أو للتشنج أو للشك. قولوا لنا ما يجب عمله. اكتبوه ومن كان على حق نستمع إليه لأن من قال لنا الحق يكون الروح القدس ناطقًا فيه. لا ينفي ان تظل جماعة من جماعاتنا مكانًا للفوضى أو للإهمال أو للجهل. وإذا تسلحتم بالغيرة والمعرفة  فيخرج منكم روحانيون كبار وكهنة ورعون.

تعاونوا والكهنة تعاونًا صادقًا لأنهم يقربون عنكم ذبيحة الحمد. فان من سهر على نفوسكم يستحق الإكرام. اقصدوهم وكلموهم عما يتعبكم. وإذا مرض أحدكم أو حزن أو رأى نفسه في إهمال فليذكر كاهنه بانه يريد منه عزاء . لا تتذمروا بل بثوا شكواكم فان في الحسرة والانغلاق ذبولاً للنفس.

«أناشدكم، أيها الإخوة، أن تتحملوا كلامي» (عبرانيين 13: 22) عددًا بعد عدد ما مكنني الله من ذلك عسى أن تجدوا في موعظتي ما يبلسم الجراح. ووزعوا هذا الكلام على كل أخ لئلا يفوته افتقادنا له بالمسيح.

Continue reading