Category

مقالات

2000, مقالات, نشرة رعيتي

الرحمة والشدّة/ الأحد 6 شباط 2000 / العدد 6

الرحمة موقف القلب من الخاطئ والمسيء. هي الغفران له وألاّ تحمل الحقد عليه وأن تعامله بوداعة. ولكن هذه كلها يرافقها لين أو ترافقها شدة من أجل تربية الخاطئ. والتربية تكون بلا انفعال. يقررها العقل الفاحص الوضع والمحب معًا. «كونوا رحماء كما أن أباكم أيضًا رحيم» (لوقا 6: 36). هذا تابع لقوله: «أحِبّوا أعداءكم»، ويتبعه «لا تَدينوا… اغفروا»، ويتبعه أيضًا: «لماذا تنظر القذى في عين أخيك»؟. ان احتضان الله لنا يقودنا إلى احتضان الآخرين. أبوّة الله للجميع تستتبع أُخوّتنا للجميع.

غير أن المحبة ليست بلا تأديب. «من أحبّه الرب يؤدبه». والكتاب نفسه الذي يتكلّم على محبة الله فهو القائل: «من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تَذَّخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب» (رومية 2: 5). ان الرب عندما يغضب عليك يبقى محبًا لك، ولكنه بغضبه يربّيك. أبوّته تفرض عليه أن يعيدك إلى وعي نفسك ابنًا. جاء في الرسالة إلى العبرانيين: «قد كان لنا آباء أجسادنا مؤدِّبين، وكنا نهابهم». ولئلا يظن من نؤدبه انه مكروه، تابع الرسول فكره بقوله ان الذين يتدربون بالتأديب يعطيهم الرب ثمر بِرّ للسلام. ويتابع فكره هذا بقوله: «قوّموا الأيدي المسترخية والركب المخلّعة». هذا العلاج يحتاج أحيانًا تمارين قوية.

اللين أسلوب وليس غاية أو منطلقًا. قد يأتي بثمار مع الطبائع الحساسة المرهفة، ولا يؤتي ثمارًا مع الطبائع الغليظة أو التي صَمّمت على السوء. هذه لا تنفعها الا الشدة التي تذهب أحيانًا إلى حد الكسر. طبعًا بعد الكسر جبر. ولكن لا بدّ أحيانا أن نمرّ بالكسر سبيلا إلى الشفاء. لا بد من صفعة أحيانا (معنوية). ولا بد من قطيعة أو قطع أحيانا أخرى أو من سخط وإظهار سخط. قد لا ينفع الصراخ أبدا، ولكن ينفع الكلام القاسي الذي لا شتم فيه ولا إهانة ولا تحقير لئلا يفهم الخاطئ من صمتنا اننا نوافق على فعلته أو انه لم يجرح الحقيقة.

المهم ان نبيّن للمخطئ اننا لسنا ثائرين من اجل كبريائنا، ولكنا ثائرون من اجل الحقيقة، ولنا غيرة على المخطئ لكوننا نريده ان يعود إلى الحقيقة. وقد لا يعي انه شَذّ عنها إذ لم ينضج روحيا ليفهم انه شذ. علينا، إذ ذاك، ان نُعيد الحسّ الروحي إليه أو ان نذكّره بالوصية الإلهية التي خالف إنْ كان له إحساس بها. لنا ان نبيّن له وجه الخطأ في تصرفه وطبيعة الانحراف الذي انحرف به.

وهذا كله يعني علاجا هادئا صبورا. فالصمت على الخطأ يعني اننا نريد الا ننزعج ولا نُخَضّ، ويبقى المرض ونكون غير محبين لمن شخّصنا مرضه. أن نهمل الأمر ونتّكل على الزمن، فالزمن لا يؤتيك دائما بتهدئة، وتتكرر الأخطاء وتتراكم فتنفجر. التريُّث وقتا قصيرا نافع لمواجهة المشاكل بهدوء عند المؤدِب والمؤدَب.

العظيم مَن إذا أَدركَ خطأه يحيد عن عناده ويعترف. الذي نصالحه هو من قد صالح الحق وارتضى نفسَه في الحق. أن نربّي الناس على ان الحقيقة تنجّيهم وأنهم إذا انوجدوا فيها فهُم في سلام وفرح، هذا وجه كبير من وجوه المحبة.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الفرق بين النصيحة والأمر/ الأحد 30 كانون الثاني 2000/ العدد 5

لست أتكلم هنا عن العلاقة بين رئيس الدير والراهب عنده من حيث الطاعة. هذه العلاقة كُتب فيها الكثير وهي منطلقة من ان الأب الروحي وديع ومتواضع ويلد الآخرين في المسيح. الطاعة مبنية على فضائل الأب الروحي لأن الدير ليس ثكنة، وعندما يصفنا بولس الرسول بجنود للمسيح فإنما يتحدث عن جدّيتنا في التزام المسيح وليس هذا تشبيهًا للكنيسة بجيش.

المسيح وحده يأمرنا لأنه الرب وعنده كلمة الخلاص ويستحق الطاعة لأنه هو أطاع الآب وبذل نفسه حتى الموت، موت الصليب. ونحن نطيع أولئك البشر الذين تنزهوا عن الأنا وأدركوا النضج الروحي الكبير والاستنارة فيوجّهون بلا انفعال ولا غرض ولا هوى سيطرة. دنيسيوس الأريوباغي، وهو كاتب من بلادنا ظهر في مطلع القرن السادس، يقول ان من حصل على الاستنارة يؤتى به كاهنا. معنى ذلك انك تطيعه ليس لأنه مرسوم كاهنًا، ولكنهم رسموه كاهنًا بعد أن استنار ولاحظوا ذلك. الكهنوت بحد نفسه لا يُعطي نضجًا روحيًا وأبوة روحية. ليس لأن إنسانًا رُفع إلى مقام يجعله حرًّا من الأهواء وتاليًا صالحًا للإرشاد. الروح القدس وحده يؤهل للإرشاد الحق.

ولقد فهمت الكنيسة هذا إذ انها لا تولي الكاهن حق الممارسة للاعتراف بمجرد رسامته، ولكنـها تنتظـر أن يحلّ عليه الروح ويعطيه النضجَ لكي يُخَوَّل حق الإرشاد للناس. من باب الرجاء نطلب له أن يحصل على الأبوة الروحية. في الواقع نخوّله حق الحلّ من الخطايا. ولكنه لا يصير مرشدًا بصورة آلية. هذا مرتبط بدرجة اقترابه من المسيح.

كم يقتضي هذا أن يدرس الكتاب وأن يمارس الصلاة في عمق وحرارة وأن يتطهر من خطاياه. إذا لم يدرك مقدارًا من هذا كبيرا، لا يأتي كلامه من الروح. مَن عرفَ نفسه ضعيفًا فليحلَّ الناسَ من الخطايا ولا يقل شيئًا. سرّ التوبة يكون قد تمّ. التوجيه الحقيقي يعلّمه الروح القدس ولا تجده في الكتب.

ولكن إذا ألهمك الروح أن تجترئ شيئًا فاجترئ نصيحة لا أمرًا. وبهذا كتبَ أحد رؤساء الأديرة الروسية، نيكون المتوفى السنة الـ 1963، بناء على تعليم القديس إغناطيوس بريانتشانينوف، قال: «أذكّركم اني لا أشترط على أحد أن ينفّذ نصائحي في كل الأحوال. النصيحة مجرّد نصيحة، وأمّا القرار الأخير فللشخص الذي طلب النصيحة» (من رسالة له في السنة 1951). وقد رأى ان كهنة عصره لم يكونوا قادرين فعلا أن يكتشفوا إرادة الله في ظروف محددة. يمكنهم أن يوضحوا فقط وصايا الله. وهكذا أوضح الأب نيكون لإحدى بناته الروحيات أن تعتبره رفيق درب أكثر من أن ترى فيه أبًا. وقال انه عليها ألا ترى فيه أكثر مما هو، وأن تحس انها حرة أن تتركه إذا شعرت ان نصائحه غير مفيدة.

هو لم يكن له أب روحي. فلجأ إلى القراءة والصلاة اللتين تنفعان كثيرًا إذا لم يوجد آباء روحيون عندهم روح التمييز.

ومن الواضح كثيرا انك إن أرشدت لا ينبغي أن تقتل شخصية الابن الروحي، فأنت لا تفكر عوضا عنه. دعه يفكر وينمو ويأخذ مسؤوليته أمام الله. «لا يستطيع أحد أن يحلّ لآخر المشاكل التي تطرحها عليه الحياة» (هنري برغسون). لا تعطل دماغ أحد ولا قلبه. قال الله: «يا بنيّ أعطني قلبك». ساعده لكي يرتفع قلبه إلى ربه. هو يتوكأ عليك. أنت ارمِهِ عند قدمي السيد وتوارَ.

Continue reading
2000, جريدة النهار, مقالات

الراعي / السبت 29 كانون الثاني 2000

مفردة الكاهن في المسيحية لا علاقة لها بمن سمي كذلك في جاهلية العرب اي الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار. هي تدل فقط على القس الذي يفتقد المؤمنين ويرعاهم ويؤم صلاتهم. واللفظة المرادفة لها في العهد الجديد الشيخ او الاسقف. الكاهن عندنا هو المسيح من حيث انه قرب نفسه ذبيحة ثم اطلقت على امام الصلاة في القرن الرابع من حيث انه يستمد كهنوته من المسيح استمداداً.

اما لفظة إكليرُس اليونانية التي أضفنا اليها الهمزة لكون الكاف ساكنة في اليونانية، فتعني النصيب أي من كان الله نصيبه وهي لا تشير الى امتياز ولكنها تشير الى تفويض للخدمة. فليس في المسيحية طبقات بحيث يكون أحدنا بحكم وظيفته اقرب الى الله. مكانة الانسان في تقواه ولا تتصل بالمسؤولية المسندة اليه. لا بل الأدب النسكي حافل بالتندر بشأن الاساقفة المعذبين في النار. هناك توقير يرتبط بقدسية الدور الذي هو اقامة العبادات. واما القول القرآني “ان كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون اموال الناس بالباطل” فإذا صح تاريخياً في فترة من الزمن فإنما يصح في كل من استغل مركزه الى أي دين انتمى ولا علاقة له بعقيدة أحد. والقول ان النصارى “اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله” فنحن لسنا نصارى بل مسيحيون. وفي تاريخ الكنيسة ليست عندنا واقعة واحدة تدل على اننا فعلنا مثل هؤلاء المدعوين نصارى في جزيرة العرب. ولا نعرف اننا رفعنا القساوسة الى المرتبة الإلهية. وما نحن تالياً معنيين بهذا القول بالإضافة الى ان الكلام الظرفي لا يؤخذ على اطلاقه.

كل تاريخ ثقيل، ولسنا نبرئ احداً. كل المسيحيين الطاهرين قاموا على قهر بعض الاساقفة للشعب في الغرب في زمان محاكم التفتيش والمسيحية الغربية من هؤلاء براء. البابوية الحالية شجبت ذلك وندمت. ولعل بعض الاساقفة في اميركا اللاتينية او غيرها من القارات ساندت الطغاة. غير ان بعض الاساقفة والقسس دعم الفقراء دعماً بطولياً واستشهد. وقد يكون هذا الاسقف الشرقي او ذاك يمارس شيئاً من العنت او القسوة. لكن الاساقفة الشرقيين لم يعرفوا السلطة السياسية ليتسلطوا وكان معظمهم فقيراً ومتواضعاً في اوروبا الشرقية في كل عصورها. وما شكا المؤرخون بعامة ائمتنا على هذا الصعيد. واما الادعاء الذي روجه الماركسيون من ان الكنيسة كانت مسيطرة في روسيا فمن قاله ليس مطلعاً على شيء لأن الكنيسة هناك كانت تشكو من سيطرة القياصرة عليها ولم يكن بيدها حكم او شبه حكم. وهنا كان رؤساؤنا الروحيون يذوقون مرارة المماليك والعثمانيين ولا حول لهم.

وان لم اكن في معرض المقارنة فمن ليس عنده اكليرس كان عنده من يحكم باسم الله وكان ظل الله على الارض ويكفر من يشاء ويقتل تاليا من شاء ويرمي في البوسفور من شاء. فعلى مستوى العنف والسيطرة وخنق الحريات فليس احد منا مؤهلا ليعطي الاخر درسا. فالخطايا شخصية ولا تمت بصلة الى المؤسسة. كل صاحب مقام من شأنه ان يستكبر ومن شأنه ان يتضع. الشعوب واحدة في المعاصي والكبار معا في البر ولا سباق في السماحة اذا استشرفنا الامور تاريخيا.

في العقيدة الكاهن عندنا خادم وكذا يقال له في عدة من اللغات الاجنبية، ونحن ايضا لا نسميه “رجل دين”. انا لا اعرف هذه العبارة في القاموس اللاهوتي ولست اظن ان احدا يعني ان القس موفور الدين اذا قيس بسواه او كأنه متخصص بالدين وكل مؤمن متخصص بمعنى الانصراف الى الله والاخلاص له.

كل الديانات عندها علماء دين لأن الدين تراث يتطلب دراسة وافية المسيحية تنفرد بأن لديها رعاة منشغلين بالهداية والتقويم لمن شاء ان يهتدي ويتوب. واذا شئنا ان نتكلم عن سلطة لهم فليست هذه مقرونة بأي تنفيذ. فمن جحد المسيحية يتركها ولا يمنعه احد ولا يستطيع منعه. فما من دولة تحمي الايمان عندنا ولا تطلب الكنيسة لأية دولة ان تعاقب احدا لكفره. انت حر في اعتناق الايمان المسيحي وحر في تركه وحر في مكافحته.

اما القول بأن الكنيسة تنقذ اذ تحرم اعضاءها الذين يكفرون بصلب العقيدة فهذا شأن ادبي وليس يعكر صفو من يخرج ولا يزجه في سجن. الكنيسة محصورة في الدعوة ولا تلجأ الى مرجع مدني في الدول المسماة شعوبها مسيحية. الكنيسة على الصعيد الاجرائي ليست بشيء. انها مطروحة للصلب في كل مكان وهذا يهون على الجميع اكلها وهي مرتاحة الى وضعها الشهادي والى فلسفتها الشهادية.

المسيحية سلطان الرب على النفوس التي تحبه وهي خارجة عن افهومة السلطة لكونها خارجة عن افهومة القوة. هناك قوة الانجيل بحد كلماته ولا علاقة لهذا باحكام. المسيحية مملكة القلوب ولها قدرة القلوب اذا استنارت وحيت. “مملكتي ليست من هذا العالم” اي لا تأتي من نفوذ العالم ولكنها تأتي الى العالم نفوذا وجدانيا قادرا على ان يغير العالم.

العالم له سلاطينه واكثرهم سلاطين ظلام والمؤمن يحيا في ظلهم “عمرا هادئا مطمئنا بكل عبادة حسنة وتهذيب”. وهدأة المؤمن من نعمة ربه ولا تأتيه من احد لأن احدا ليس قادرا على اعطائها.

في هذا الجو السلامي الكامل يأتي القس ليغسل اقدام المؤمنين بما يحمل من رحمة. ويدعوهم بالتعليم الى تطويع عقولهم لفكر المسيح. ونسميه أباً لأنه يبشر بأبوة الله وهي تتنزل على المؤمنين من ربهم مباشرة. الكاهن فقير بالمعنى الكامل اذ لا يعطي الا مما اخذ من فوق. هو لا ينطق بكلمات فمه لأن فمه مملوك سيده. “وأنت يا ابن الانسان، فاسمع ما اكلمك به… افتح فمك وكل ما أناولك. فنظرت فاذا بيدٍ قد مُدت اليّ واذا بسفر فيها… فقال لي: “يا ابن الانسان، كل ما انت واجد، كل هذا السِفر واذهب فكلم بيت اسرائيل” (حزقيال 2:8-9 و3:1).

هذا الرجل يحاول ان يرعى مثلما الله يرعى اي بالكلمة والكلمة بعض قوتها بمحبة مبلغها. ولهذا كان رجلاً مبذولاً عن الخطأة، مسكوباً ليحيا الناس لا به ولكن بالكلمة التي يسمعون. وهو لا يقود احداً الى نفسه بل الى مخلص النفوس وهو يعرف ان النتانة تعشش في القلب البشري وان الطهارة قادرة ايضاً على ان تنثني فيه وتحييه. وكثيراً ما يصير المتبلغ اعظم من المبلغ وبهذا يفرح الرسول. ويتعب بسبب من الرفض وبسبب من الوقوع. والرعية بيت متمرد وبيت ممرمر في كثرة من الاحوال. وعليه ان يفتقدها كل يوم وان يفتقدها جميعاً وتعزيته ان يقول ربه فيها: “انا ارعى خرافي وأنا اربضها، يقول السيد الرب، فابحث عن الضالة وأرد الشاردة واجبر المكسورة واقوي الضعيفة واهلك السمينة والقوية، وارعاها بعدل” (حزقيال 34:15 و16).

انه يبلغها انها مرعية من فوق على ما قال السيد: أنا الراعي الصالح والراعي رالصالح يبذل نفسه في سبيل الخراف” (يوحنا 10:11). ولكنه اذ يبلغها يرى نفسه هو ايضاً راعياً في حدود بشريته ومعيار طهارته. يدمع بسبب من الخروف الضال ويتبعه في تيهه ليرده الى المراعي الخضر.

امام هذه الرؤية يعرف الكاهن المسيحي نفسه ضعيفاً ولكنه يرجو ان تفتقده النعمة ليقدر على تحقيق رسالته كما امره الرب “ليقلع ويهدم ويهلك وينقض ويبني ويغرس “وليس بمقدوره ان يفعل هذا اذا ناله لوم. ولهذا يختبره الله وينقيه وهمه الا يشغل نفسه بأمور الحياة الدنيا ليرضي الله الذي جنده. اجل هناك تلف كثير وخيانات كثيرة. هنا اذكر حديثاً جمعني مع امين نخله قال فيه: انا اجلّ من نذر نفسه للرب اجلالاً كثيراً مهما خطئ لأنه في لحظة مباركة بدا الله له كل شيء”. لعل اهمية الكاهن عندي تكمن في هذا ان المؤمن يدرك محبوبيته عند الله لأن انسانا كشفها له في لحظة رضاء.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الموقف التربوي/ الأحد 23 كانون الثاني 2000 /العدد 4

ليس من موقف أخير من إنسان مجرد تبادل أفكار. كل عطاء عقلي معاملة أي علاقة كيان بشري بكيان. الموقف الفلسفي البحت نفسه له علاقة ما -ولو ضعيفة- بالقلب. الإنسان وحدة كاملة وليس مجرد دماغ. الموقف العلمي نفسه التزام. العقل البشري ليس قطارا ينتقل من محطة إلى محطة. هو مواجهة وإلى حد ما احتضان.

لذلك اخطأ من ظن انه إذا أورد حججا مقنعة -أي هي عنده مقنعة- تنتقل آليا إلى عقل آخر. هناك ناس لا يستسلمون للمنطق وكثيرا ما أزعجهم المنطق الصارم. هناك من لا يخضع للحقيقة إذا أثبتناها. فإنها مثبتة عندنا. فمن الناس من إذا اقتنع يتحرك قلبه، ومنهم من إذا تحرك قلبه يقتنع. فهناك عقول راجحة وعقول اقل رجاحة. هناك من يفهم بقلبه وحدسه. هناك من يعالج أفكارا، وهناك من لا يعلو عقله الحادثة المحسوسة ويدور حديثه دائما حول قصص الحياة اليومية.

نحن المسيحيين عندنا علاقة كبيرة مع العقل وعلاقة مع القلب. ولكن ثمة نماذج بشرية أدنى إلى التعقل الهادئ، ونماذج ادنى إلى التأثر والانفعال. فمن كان اقرب إلى العقل يحلل ولكنه يصدّق الناس حتى يثبت العكس. ومن كان ادنى إلى الانفعالات كثيرا ما أساء الظن. يتعامل مع فعل الآخر بردّات فعل.

فلكون العقل والعاطفة مختلطين عند كل إنسان لا بد من إيصال الحقيقة إليه، الحقيقة الشافية عن طريق العاطفة والعقل معا. وخصوصا لا بد من احترامه احتراما كليا. فالإنسان السامي الأخلاق لا يجرح أحدا ولا يستعلي عليه حتى يبقى قلب الآخر صافيا ليفهم. فأنت صعب عليك ان تقبل حجةً من شخص تعرف انه يكرهك. تردّ حجته بانفعال. يجب ان تشتري محبته لكي يقبلك ويقبل افكارك. قد يحبك ويرفض فكرك ولكنه لا يرفض شخصك. فالتربية ليست ان تنزل إلى مستواه العقلي فقط ولكن ان تنزل إلى وضع قلبه. وهذا يعني ان تكون متواضعا منكسر القلب.

شرط التواصل ان تكون هادئ اللهجة. فالصراخ يقطع التواصل لأن فيه، عادة، رفضا للشخص الآخر. من تصرخ بوجهه يظن انك تكرهه في الوقت الذي تصرخ فيه، فلا يصغي وقد لا يسمع.

إذا توترت أعصابك لا تتكلم. هدئ من روعك. اصمت فترة حتى تحس انك صرت هادئا. عندئذ يصفو عقلك أيضا ولا تصدم ولا تجرح.

أما إذا سمعت محدثك يصرخ فصلِّ من اجله في اللحظة واحتضنه في قلبك. وإذا رأيته محتدما جدا أَرجئ الجواب إلى وقت آخر ولا تعاتبه الا إذا كان من المقرّبين إليك. فبعض الصارخين يشبهون الوحوش الزائرة ويشتمون أو يسبّون. إنسان كهذا غير قادر على الفهم. وإذا استطعت ان تجيبه بعد هدوئه فاجعله أولا مطمئنا إليك بكلمات ودّ قد يقبلها وقد لا يقبلها.

هذا موقف تربوي. فليست برودة الأعصاب عدم إحساس أو قلة إحساس، إذ المهم ان يفهم مخاطبك انك على تلاقٍ وإياه ولست بعيدا ولكنك هادئ. كلّمه وأظهر اهتمامك بالموضوع وبشخصه. ولكن في أية حال كن صادقا وبيِّن له انك غاضب داخليا ولكن بلا صراخ واكشف اختلافك ونقاط اختلافك ولا مانع ان تجعل بينك وبينه قطيعة ولو إلى حين علّه يفهم انك حزين. ولكن اجعله يفهم ان القطيعة لا تتضمن كرها لشخصه. لك ان تباعد بينك وبينه حتى يرتدع لتصالحه على الحق.

فالشيء الهام الوحيد ان تبتغي الحق، فمرادك ان يأتي الآخر إلى الحق وليس المقصود ان تنتصر أنت. أنت لست بشيء. أنت فقط خادم للحقيقة. روِّضه على محبة الحقيقة. بهذا المعنى أنت مربّي كل إنسان جعلته الحياة على دربك. أنت لست على احد بمسيطر. أنت تأخذ بيد الناس لتقودهم إلى الله الذي يحيي قلوبهم. أنت مؤدِّب لأنك محب.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الصلاة من أجل الوحدة/ 16 كانون الثاني 2000/ العدد 3

الكنيسة الأرثوذكسية صلّت دائما وتصلّي من أجل الوحدة. تقول في قداس باسيليوس: «أَخمِدْ شقاقاتِ الكنائس». ولما نشب الخلاف بين البطريركية المسكونية وبطريركية رومية السنة الـ 1054، كتب البطريرك ميخائيل القسطنطيني إلى البطريرك الأنطاكي بطرس الثالث عن خلافه (أي ميخائيل) مع اللاتين مُتشكّيًا من بعض عاداتهم فأجابه الأنطاكي: «دع الخلاف داخل الكنيسة» بمعنى الا تتعجل أمر الانقسام مع رومية حتى نبقى على مناقشة أخوية في ما بيننا.

ثم مرّت القرون وحاولنا أن نعيدَ الوحدة في مجمع فيراري-فلورنسا السنة الـ1438، فلم تنجح مساعي الوحدة، حتى أطلقَ البطريرك المسكوني السنـة الـ 1920 رسالة دعا فيها إلى حل المشكلات، وكانت النتيجة تأسيس مجلس الكنائس العالمي، وفي هذه المنطقة مجلس كنائس الشرق الأوسط، للتقارب والتعاون التماسا لوحدةٍ، الله وحده واهبها في أوان رضاه.

منذ خمسين سنة ظهرت حركة تدعو إلى الصلاة من اجل الوحدة خُصِصَ لها أسبوع دُعِيَ أسبوع الصلاة من أجل الوحدة يقع بين 18 و 25 كانون الثاني من كل سنة نلتقي فيه لرفع أدعية طلبا لهذه الوحدة: فما يبدو صعوبة كبرى على صعيد العقل قد تذلّله أدعية الأتقياء.

غير ان الوحدة تعني إزالة الحواجز على مستوى العقيدة. قلت مستوى العقيدة لأن العادات الطقسية تبقى حرة إذا لم تكن تُناقض الإيمان. فالطقس اللاتيني يبقى كما يبقى الطقس البيزنطي. ولا يبدو اليوم ان اللاهوتيين يطرحون مسائل قديمة مثل شكل المعمودية (رش أو تغطيس) أو شكل المناولة (خبز فطير أو خمير). هناك تفاهم على ان التقاليد الإقليمية ليست حواجز.

الاختلاف الحقيقي باعتراف جميع الفرقاء هو حول مفهومنا للكنيسة. هل هي شركة إيمان وأسرار في هيكلية تتساوى فيها الكنائس فيكون لكل منها استقلال ينفتح بالمحبة فلا تكون الكنائس منصهرة على شكل هرمي أي لا يكون رأس تنفيذي يُصدِرُ الأمرَ لكل المؤمنين والأساقفة بناء على تفويض إلهي. هذه هي باختصار الرؤية الأرثوذكسية وفيها ان أسقف رومية هو أول بين إخوة متساوين، يرئس اجتماع البطاركة، وقد يلعب دورا تنسيقيا ويكون رمزًا للوحدة العالمية بيننا، ولكنه ليس «أسقفا عالميا». هذه العبارة التي لا يستسيغها كثير من اللاهوتيين اللاتين يستعملها البابا الحالي باستمرار. يبارك البطاركة والمطارنة. ما يحسّه كل متتبع للوضع الحالي في الكنائس ان الكنيسة الغربية، مع كونها قالت بالكنيسة المحلية (الإقليمية)، ومع كونها أَوْلَت الأسقف المحلّي أهمية وتكلمت عن جماعة أسقفية، إلا انها تعيش نوعا من التناقض بين الكنيسة المحلية والكنيسة العالمية. لم تستطع ان تبني هيكلية تنسجم فيها الكنيسة المحلية وكنيسة العالم. فكيف تكون كنيسة فرنسا أو ألمانيا أو الولايات المتحدة محلية ولا تستطيع ان تنتخب أساقفتها؟ أي إنه يُعترَف ببعض جوانب الاستقلالية المحلية ولا يُعترف بجوانب أخرى.

طبعا لا بد من معالجة هذه الأمور بالتلاقي بيننا. الاجتماع الرسمي الأعلى بين الكنيستين سيُعقد في بالتيمور (أميركا) في تموز المقبل. سيبدأ بمعالجة هذه القضية على ما أتصور.

تبقى العقليات والمشاعر وما نشأ الناس عليه. قد يتفق اللاهوتيون على معظم الأمور ولا تماشيهم الشعوب. ولكن نحن نحيا على رجاء «هبوب ريح عاصفة» تكون لنا بمثابة عنصرة تجعلنا بشرا جددا.

Continue reading