Category

مقالات

2000, مقالات, نشرة رعيتي

أحد مرفع الجبن/ 12 آذار 2000/ العدد 11

الذين لا يفهمون الصوم يبرّرون أنفسهم بتعييرنا لماذا نُمسك عن طعام ولا نمسك عن الرذائل، كأنهم لا يرتكبونها، وكأننا وحدنا نرتكبها. نحن لا نباشر الصيام بالحزن الا اذا أردنا بذلك الحزن على خطايانا. ولذلك نقول في غروب هذا اليوم (اي الأحد مساء): «لنبدأنّ اوان الصيام بحبور». نحن طلاب فرح لأن كل همّنا في هذه الحقبة ان ننتظر الفصح وان نتذوقه خلال ايام منوّرة. ونؤكد أن صومنا عن الأطعمة يرافقه صومنا عن الأهواء اي عن حوافز الشهوة. نحن لسنا في سعي إلى تحسين صحتنا ولو نَفَعَ الامتناع عن اللحم. نحن في طريقنا إلى رؤية النور يوم القيامة. ولذلك قلنا عند الغروب بالتضاد مع الظلام: «قد أشرقت استنارة نفوسنا».

          هذا مؤسَّس على رسالة القداس (رومية 13: 11-14: 4): «ان خلاصنا الآن اقرب مما كان حين آمنّا. قد تناهى الليل واقتربَ النهار». نحن اذًا في شوق إلى القيامة واستباقها في الروح. نور المسيح آتٍ. يستنتج منه الرسول انه يجب ان نسلك «سلوكا لائقا كما في النهار» ويذكر بعض الخطايا التي تُناقض النور. ثم يقول: «البسوا الرب يسوع» اي التصقوا به كالتصاق الثوب بالجسد. واذا صرتم هكذا «لا تهتموا بأجسادكم لقضاء شهواتها» فإنها تطفئ النور فيكم.

          ثم يأتي انجيل اليوم (متى 6: 14-21) ليدعونا إلى الغفران: «إنْ لم تغفروا للناس زلاتهم فأبوكم ايضا لا يغفر لكم زلاتكم». هذا يبيّن لنا ان الصيام ليس فترة لنقيم فرديا علاقة بالرب ولكن علاقة بالبشر ايضا. التطهُّر الداخلي هذا هو المبتغى. ولذلك يقول: «لا تَكنزوا لكم كنوزا على الأرض». حرب شرسة مع الأنا النهمة، المتضخّمة، المنغلقة تاليا على الله والإخوة.

          روحية الغفران المتبادل جعلت الكنائس السلافيّة تُسمّي هذا الأحد احد الغفران. وفي الارثوذكسية جمعاء، عند نهاية الغروب، ينحني الكاهن امام المؤمنين جميعا وينحني امامه كل مؤمن حتى الأرض ويقبّله. ثم يجثو كل مؤمن امام الآخر ويتشكل هكذا صَفٌّ بحيث يكون كل واحد قبّل كل الحضور. وفي هذا السجود العميم يرتل الروس قِطَعا من عيد الفصح. في فلسطين، في شهادة لصفرونيوس اسقف اورشليم، يجتمع الرهبان في كنيسة الدير ويستغفرون الرئيس وبعضهم بعضا بالقبلة وينطلقون إلى البراري كل منهم وحده (طبعا يعودون مساء السبت من اجل مناولة يوم الأحد). ويردّدون الاستغفار في مساء كل احد، وهذا وارد في طقوسنا حتى اليوم. كل هذا يؤكد ان صياما بلا محبة الإخوة عقيم. ولهذا كان الكهنة في بلادنا حتى الأمس القريب يسألون المعترف اذا كان في حالة المصالحة مع كل الناس شرطا لتناوله في اسبوع الآلام. هذا المعنى نجده في آخر سَحَرية الفصح: «اليومَ يومُ القيامة فسبيلنا ان نتلألأ بالموسم، ونصافِح بعضُنا بعضا ولنقُلْ يا إخوة» (اي نُقبّل بعضُنا بعضا ونعتبر الكل إخوة). بدء الصيام ونهايته في اعتبار الآخر أخا.

          من هنا ان المؤمنين الراسخين يهنئون بعضهم بعضا عند حلول الصيام كما في انتهائه. أنت تَعْرض غفرانك. مَن قَبِلَه وغفر بدوره يكون قد دخل في الصيام مباركا وإلا كان صومه مجرد نظام طعاميّ تافه. من بعد أن حلّت محبة الله فينا بتجسُّد الابن لا يبقى لنا غير سر الصعود.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الدينونة/ 5 آذار 2000/ العدد 10

هذا اسم آخر لأحد مرفع اللحم الذي نحن فيه اليوم. يتبع منطقيا ذكرى سبت الأموات لأن تجمُّع الأحياء والأموات يمهّد لذكر الدينونة. يكمل فكرة العدل والرحمة الظاهرة في أحد الابن الشاطر، ويُبرز الاستعداد الروحي لصوم الجسد (كنتُ جائعا فأطعمتموني). يحث على التوبة لأن اليوم مطلوبة منا التوبة «قبل الانقضاء». نَستبِقُ النهاية ونسترضي الله قبل الدينونة العظيمة.

          ويؤكد القديسون أن الديّان العظيم لا يسألنا عن الأصوام ولكن عن حالتنا الداخلية. «ويحٌ لكِ أيتها النفس المدلهمّة؛ إلامَ لا تنقطعين عن فعل الرذائل؟ حتّامَ تضطجعين بالتواني؟ لم لا تتفطّنين في ساعة الموت المخيفة؟ لم لا ترتعدين بجملتك من منبر المخلّص الرهيب…». المطلوب إذًا الصوم الروحي. رهبة كبيرة: «ها يوم الرب الضابط الكل يوافي، فمَن يحتمل خوف حضوره». رهبة لأننا جميعنا عراة لدى الحاكم العادل. إزاء ذلك التذكير بنصيب الصدّيقين (إذا صرنا منهم) فإنهم «إلى الخدر السماوي بفرح وابتهاج يَدخلون». المطلوب الانتباه قبل الانقضاء. مع ذلك رجاؤنا أن الله متحنن إن عدنا إليه. هذا يعطينا سرورا بالمسيح الإله القائم من بين الأموات. هذا الأحد إذًا ذِكْرُ الرهبة لا يُهمل قيامة المسيح المعزّية.

          ليس فقط في هذا اليوم، ولكن في كل يوم من الصيام، نتذكّر الدينونة. الزمان العادي الذي نعيشه «ليل» تسوده الخطيئة، ولكن في النسك يتراءى نور المسيح «شمس العدل». ننتظر القيامة ونَستبِقُها. كل شيء سيذوب في الحب الإلهي. يشترك فيه الأبرار وتحترق فيه الخطيئة. في المحاكمة لا يستطيع أحد أن يُخفي خطيئته. الحقيقة الإلهية الساطعة توبّخنا. وبهذا قال إسحق السرياني: «كل من كان في جهنم تجلده المحبة الإلهية… إذ المحبة تعمل بطريقتين مختلفتين. إنها إياها ألم في المغضوب عليهم، وفرح في المغبوطين». الذين صنعوا الخير يفرحون بانتظار المكافأة. أما الخطأة فيصرخون من انتظارهم العقاب وانفصالهم عن المختارين.

          لذلك ركز هذا الأحد على أن العقاب قريب مِن الذين لم يتوبوا. نار جهنم هي احتراقنا بالشهوات التي لا يطفئ سعيرَها شيء. الإنسان هو الذي يواجه نار الجحيم بخطاياه. فلَسنا في الحقيقة مَرميّين في نار بعيدة عنا ولكن في نارٍ فينا. جهنم النار ما هي إلا إفصاح ظاهر عن رفضنا للمحبة الإلهية. «إذا كنتُ محاطا بكلام الخطيئة فأنا حقًا في جحيم الناس».

          ومع كون الخاطئ يستحق العقاب، لا ييأس من الرحمة الإلهية. ولهذا يرجو قبل الانقضاء أن يغفر له الرب بالفضيلة والتوبة.

          الخاطئ قبل أن تغلق عليه أبواب الخدر السماوي ينبغي أن يسلك الطريق الوحيد للخلاص وهو التروّض الروحي بالبكاء والقيام بأعمال الرحمة. هتافه إلى الرب: «قبل النهاية خلِّصْني يارب لئلا أَهلك»، «يا نفس، يا نفس قومي…النهاية تقترب». يجب أن يَستبِقَ الخاطئ الدينونة إذا حَكَم هو على نفسه. إن ماء الدموع قادر أن يطفئ نار جهنم.

          رؤيتنا للمصلوب قادرة وحدها أن تجعلنا نذرف الدموع. جهد الإنسان أن يجعل المسيح ينزل إلى جحيم النفس الآن ليقوم مع المسيح إذا استأصل في نفسه الشهوات. يحرق هنا ملذات الجسد قبل أن تحرقه النار في اليوم الأخير. هذه هي المعمودية الحقيقية التي نتعمّد فيها بالنار الإلهية والروح الإلهي.

          ولهذا شدد الآباء على ضرورة تَذكُّرنا الموت، على رؤية المرء نفسَه ترابا. فليَدْعُ اسم يسوع إزاء ذلك ويتّضع. هذا هو السهر الروحي الذي يجعلنا في الأسبوع العظيم نتهيأ لخدمة الخَتَن أي العريس الإلهي. ولكن لا عرس لنا مع المسيح إلا بالنقاوة.

Continue reading
2000, جريدة النهار, مقالات

الدينونة والحب / السبت 4 آذار 2000

في كلام الانجيل عن الدينونة شيئان يلفتان: أولاً اننا ندان على مقدار الحب الذي بذلنا وثانياً ندان على المواهب اذا استغللناها لانه يجب ان تنسكب للناس لتصير قربانا لله ولأنه يجب ان نثرى ونجمل في ما الرب أغدق علينا ولا نطمر الوزنات كعبيد كسالى. أما في ما يتعلق بالحديث الذي تذكر فيه الدينونة اسما فيعجب المرء ان الرب لا يسائلنا عن صلاة أديناها او صيام قمنا به ولا يأتي على ذكر الوصايا العشر ولكن على المحبة ان مورست. وليس ذلك لكون الفكر الانجيلي يهمل الشريعة الموسوية القديمة ولكنه يرى ان المحبة كمالها الوصايا العشر ايضاح تعبير عن رؤية لله في القلب وعن رؤيتنا للانسان في الله. ومن لم يبلغ هذا يحتاج الى تدريب الوصية والقانون.

العهد الجديد لا يلغي موسى. يتجاوزه. يأخذنا الى العمق. ويريدنا ان نخرج من العمق لنتعاطى الصيام. وقبل ان نتعاطى الصيام شاءت الكنيسة ان تضعنا امام الرؤية الكبرى وهي ان الله في الانسان الآخر وانه يستحيل عليك ان ترى وجه الله الا اذا رأيته في وجه بشري مدمى او جسد جائع او نفس طريحة في وحشتها. الله لا صلة لنا به الا هنا ليس من خلال الناس ولكن في الناس. واذا قال يسوع: “لا أحد يأتي الى الآب الا بي” فإنما لا يكتفي باعتبار نفسه الوسيط بين البشر وخالقهم ولكنه يوسع مدى كلامه ليعني ان أحدا لا يأتي الى الله الا اذا وجده في الانسان الآخر.

استعدادا للصيام الكبير نقرأ غدا انجيل الدينونة في متى ومطلعه: “كنت جائعا فأطعمتموني” وبعد هذا “كنت جائعا فلم تطعموني”. ليس من شيء آخر. في آخر الازمنة او في آخر مطاف الانسان الفرد يحاكم الله الانسان على قلبه. شيء في الاخير سيحدث وهو ان الله يدين سرائر الناس. معنى هذا ان الله لكونه الحقيقة فاضح الانسان، انك لا تستطيع ان تمازح الله. انت يمكنك ان تكون مهرجا هنا او مخادعا او متذاكيا وتركّب كل تبرير يغطيك وتتلاعب بين ميدان الابليسية وميدان الألوهة وكلاهما فيك. لكنك لا تستطيع أن “تبلف” الله لا اليوم ولا غدا ولا تقدر -ان كنت قديسا عظيما- ان تتعاظم امامه لأن قداستك، اذ ذاك، تنهار وتعود قزما كما كنت قبل محاولة القداسة.

الأهمية في فكرة الدينونة ان الناس جميعا يمثلون صغارا في حضرة الرب، عراة لا يغطي عورتهم شيء ولا يحمل أحد في يمينه تذكرة دخول الى السماء لكن رب السماء يمد ذراعه من الداخل ليأخذهم في رحمته. ليس اننا نموت روحيا لو تباهينا بفضيلتنا ولكن “برنا امام الله كخرقة الطامث” كما يقول اشعياء. الله وحده يقرأنا ويقرأنا دائما قباحا ويرحضنا بماء حنوه لانه هكذا يروقه ثم يخلع علينا حلة النور لندخل الى النور.

الدينونة في اليوم الأخير واردة في صريح الأناجيل الاربعة وليس المجال لتجريدها من صورة الاله – القاضي. والله يقاضي شعبه ويصدر أحكاما يجب تنفيذها. هذا كله مرتبط بصورة الله الرهيب المعاقب والمثيب. والله يدين الانسانية بالنار كما يوضح اشعياء وذلك في ما يسمى يوم الرب. هذه هي صورة اليوم الآخر. غير ان امامنا صورة اخرى يتفرد بها انجيل يوحنا الذي يعلم ان الدينونة حاصلة اليوم. “هذه هي الدينونة ان النور قد جاء الى العالم وأحب الناس الظلمة على النور لان اعمالهم كانت شريرة” (يوحنا 19: 3). الدينونة حاصلة في القلب البشري خارجا عن المقولات القضائية. لقد دين العالم لانه قتل المسيح. العالم فضح نفسه بهذه الميتة. والمعنى الاخير للجريمة التي ارتكبتها البشرية على الجلجلة انها أصرت على ان تبيد ما كان الهيا فيها اي ان تقتل الحب. غير ان يسوع اعطى موته معنى انبعاث للبشر وتحقق المعنى بقيامته. وازاء نورها تندرج بالمسيح او ترفضه.

واذا كانت الدينونة، اساسا وفي عمقها، تجري في النفس البشرية وهنا، اذا كانت انكشاف النفس الحقيقي في حضرة الله وصدقه لا تكون جهنم سوى احتراق النفس بشهواتها. ما من نار الا فيك وما من سماء الا فيك. كذلك انت سماء للناس او جحيم لهم.

بسبب من اللدنية الالهية قال اسحق السرياني: “كل من كان في جهنم تجلده المحبة الالهية… اذ المحبة تعمل بطريقتين مختلفتين. انها اياها ألم في المغضوب عليهم وفرح في المغبوطين”. الله نفسه نور لبعض ونار لبعض وهو وحده المسكن اذا سكنت فيه واليه او انت المسكن اذا استقر هو فيك كما يقول يوحنا الحبيب.

غير ان إله الانجيل قال شيئا أعظم. “كنت جائعا فأطعمتموني”. هنا المسيح الذي يعتقد متى راوي هذا القول انه ابن الله جعل بينه وبين الفقير تماهيا وكذلك مع المريض والسجين ومن اليهما… عشراء يسوع صعاليك الارض. لكونهم اخوتهم نفوهم فباتوا في غربة صاروا أخوة يسوع. لقد حصرك المسيح حصرا محكما لما جعل اقترابك من المستضعفين منهم شرطا لاقترابك منه. ما يوجع يسوع ان المحتاجين غرباء.

ان قدرة الانسان على التكيف بأوضاع مزرية لمذهلة. قد يأكل قليلا جدا ويبيت في كوخ ويحتمل المرض لعجزه عن زيارة طبيب والدفع. ليس هذا هو الاكثر ايلاما ولكن ان يجعلك الميسور المستعلي تحس بدونيتك لانه يريدها ليثبت في شبق المال والسلطة هذا أشد وجعاً من العوز. في رقة بالغة يسمي الناصري هؤلاء: “اخوتي هؤلاء الصغار”.

ولكن في انجيل الدينونة يقول ما هو أبلغ. يقول: انهم هم اياه. “كنت جائعا”. لم يقل في موضع آخر عن شيء انه هو هذا الشيء. قال ما كان قريبا منه. قال: “الكلام الذي أكلمكم به هو نور وحياة”. لكنه لم “يقل: هذا الكلام هو انا بصورة اخرى” ولو عناها. وعن القربان قال: “هذا هو جسدي” ولم يقل هو انا ولو عناها. هنا يقول: هذا الفقير هو انا.

يبقى سؤال شرعي في فكر القرن التاسع عشر: ما نفع الاهتمام بالفقراء. المهم الغاء الفقر. هنا لا أناقش وسيلة الالغاء، الثورة مثلا او مكان الالغاء، الاقتصاد السياسي. والتنطح لذلك يبقى هاجسا نبيلا جدا ان أمكن. انا همي ان أحب الآن بوسائلي وفي محيطي لان الفقير محبوبي اهم مما انا أعطيه وانا أهم عنده من عطائي.

غير ان ما يعطى قليل لأن الحب قليل. وعندما لا أعطى انا المحتاج شيئا فأنا غير محبوب. انت لا تحسن الى الفقير. هو يحسن اليك ان أخذ. انت تخدمه على انه سيدك. من أبسط الاشياء الا تعرف يسارك ما فعلت يمينك لأنك تكون لم تحس ان المعوز تصدق عليك بأنه أعطاك فرصة حب. ولقد أحس بذلك يوحنا الذهبي الفم لما سمى العطاء للفقير “مذبح الأخ” معليا اياه على مذبح الكنيسة ولم يقدم تفسيرا على تفضيله هذا لكن الفكر الانجيلي يعلمنا ان العطاء الحق محك الصدق في علاقتك بالله. واجترىء على القول ان من أحب الاخوة حبا كبيرا لا يدان وذلك أسوة بالشهداء وهم عند معلمينا لا يدانون لأنهم أدركوا المحبة الكاملة.

كم يؤلمني ان أرى البخل عميما وذلك في ايام البحبوحة كما في أيام القحط. كم يصدمني أن ألاحظ ان الدين عند الكثيرين كلام وعند بعضهم ان “الكلمة صار جسدا” وفي سياقنا صار عطاء لنصبح جميعا المسيح بعضنا الى بعض وهكذا اذا أمسكنا عن طعام نفهم انه رياضة نثب بها الى اولئك الذين كتب علينا ان نجعلهم علينا ملوكا.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

وبِّخ واغفر/ الأحد 27 شباط 2000 / العدد 9

المسيحية فيها لطف كثير يوحي أحيانا بأننا نتفرج على الخطأ ونسترخي أمامه. والحق ان الوداعة والسلاسة في التعامل لا تنفيان اتخاذ موقف شديد إذا كان ضروريا. لذلك كثيرا ما تكلم الكتاب المقدس عن التوبيخ. لقد قيل عن السيد انه «ابتدأ يوبخ المدن التي صُنعت فيها أكثر قواته لأنها لم تَتُب» (متى 11: 20). تنبيه أيّ منا للخاطئ يمكن ان يصل إذًا إلى حد اللوم الشديد.

ولئلا يتأفف المؤمنون من ملاحظات المسؤول، لا يطلب بولس الرسول من الأسقف فقط ان يعظ ولكن ان «يوبخ المنافقين» (تيطس 1: 9). التوبيخ -حسب المناسبة والموضوع- قد يأتي جزءا من العظة لأن مَن أَحب يؤدِّب. أية محبة هذه التي لا تستهدف التقويم؟ وهنا اشتهر يوحنا المعمدان الذي وبّخ هيرودس لسبب هيروديا مع ان الملك كان يصغي إلى القديس بانبساط. الهاجس عند الأخ المحب هو ان يفضح أمام صديقه أخطاءه حتى يُقرَّ بها فتعوم على سطح النفس ولا تبقى في قاع النفس، مخبأة. وفي هذا قال بولس: «الكل إذا توبخ يُظهَر بالنور» (أفسس 5: 13). وليس عندنا من صداقة بحيث تكون أخطاؤك مخفية وأخطائي مخفية فلا تَكاشُف. هذه ليست صداقة. هذا تآمر على الحق.

ربما أصلح الإنسان نفسه بلا موآزرة مرشد. ولكن كثيرا ما أحب الإنسان معصيته إذ يدمر الإنسان نفسه ويعرف أحيانا انه يدمرها. ويفضل خرابها على ترميمها. لا يمكننا ان نشاهد أحدا يهوي في الجحيم ولا نسعفه لارتفاعه.

قد يتبادر إلى الذهن ان مَن أخطأ إليك تدعه بلا لوم حتى لا تظهر مزعجا أو قد تنطوي على فعلته لأنها تحزنك. أما الرب فيقول: «ان اخطأ إليك فوبّخه» (لوقا 17: 3). متّى أضعف لهجة: «ان اخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه» (18: 15). لماذا يجب التوبيخ؟ لأنك أنت عالم بخطيئته ولا يجوز ان تُفشيها لئلا تصير نميمة. وليس دافع التوبيخ أن الخاطئ خضك أو جرحك فأساء إليك وأحدث لك مرارة. لست أنت همّ نفسك وليست القضية قضية عزة نفس. أنت زاهد بنفسك وزاهد بجرحها. أنت يَهمّك الآخر الذي جرح نفسه فيما جرحك. أنت همك خلاصه من الشر لا خلاصك من الحزن. أنت تحزن عليه. وهذه هي فلسفة المحبة عندنا بما فيها محبة الأعداء أن هاجسنا أن يشفوا هم.

المهم الا تنفعل إذا وبخت فإن الغضب يذهب كل فائدة عن التوبيخ. والغضب يعني انك مهتم للجرح الذي أُصبت به لا للسوء الذي حدث في نفس مَن أخطأ إليك. في هذا السياق المهم ألاّ تقسو والا تشتم الآخر فإن الشتم ليس توبيخا. بيّن وجه الخطأ، اكشف طبيعة الغلطة حتى يدرك الخاطئ جسامة فعلته.

بعد هذا «إن تاب فاغفر له» اذ يكفيك ان يعود إلى الله. من الله يعود اليك.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

«أوّل قربانة» أيضًا وأيضًا/ الأحد 20 شباط 2000 /العدد 8

كنا قد اتفقنا مع الكنائس الكاثوليكية على صعيد البطاركة في هذا الشرق ان المدارس لا يجري فيها الاحتفال بالمناولة الاولى ولكن هذه تؤخذ في الرعية. الجانب الأرثوذكسي كان صاحب الفكرة، وتقبّلها السادة البطاركة الكاثوليك برحابة صدر. وكان جميعنا يعلم ان هذا القرار لن يكون سهلا على بعض المدارس المتعلقة باستقلاليتها، ولكن قيل لنا ان هذا القرار ارتضته المدارس الكاثوليكية.

غير ان الأخبار التي تردني في هذه المنطقة تدل على ان بعضا من هذه المدارس أخذ يطلب من تلامذتنا الأرثوذكسيين ان يستحصلوا على إذن من ذويهم لإجراء المناولة الاولى في «الرعية» والمراد بها طبعا الرعية الكاثوليكية المجاورة. هكذا تكون هذه المعاهد تقيّدت بالظاهر بأمر رؤسائها اذ ألغت المشاركة بأول قربانة في المعاهد نفسها، وحوّلت الاولاد إلى الرعية. ظاهر القرار محافَظ عليه، ولكن هناك مخالفة لروح القرار، لأن ما أردناه نحن في التفاهم مع الرئاسات الكاثوليكية ان يتناول الصبي أو البنت في رعيته الأرثوذكسية إن كان أرثوذكسيا. فنحن لا نرفض فقط عبارة «أول قربانة» اذ نأخذها نحن مع المعمودية، ولكنا نرفض مبدأ مشاركة الأسرار في الكنائس غير الأرثوذكسية.

لن اعود اليوم لأذكّر بأن مبدأ عدم المشاركة واحد عندنا وعندهم، ولكن كثيرا ما يحدث عندهم ان كاهنا معيّنا يتساهل بأوامر كنيسته ويتصرف من عنده. ونحن اكثر تقيدا بأوامر الرئاسة الروحية. القاعدة في المسيحية ان العقيدة السليمة عند المتناوِل شرط مناولته. وينتج عنها أن مَن خرج على هذه العقيدة وتبنّى عقيدة اخرى ليس شريكك في المعتقد، وتاليا ليس شريكك في الكأس. فالكأس الواحدة صورة التعبير عن الإيمان الواحد.

قد نعود إلى بحث مستفيض اذا اضطرّنا الأمر. ولكن أودّ اليوم ان أقول شيئين: أولاً) اننا آسفون ان بعض الإدارات المدرسية يتفلّت من قرارات البطاركة. ثانيًا) ما يغيظني بالدرجة الاولى ان بعض الأهل يطلبون من كاهن الرعية الارثوذكسية إذنًا لولدهم بالمناولة في رعية كاثوليكية كأنهم لم يطالعوا في هذه النشرة ما كتبناه مرارا ولم يفهموا ان كنيستنا -لا الأهل- هي التي تقرر في أمور الدين. وكنا قد حذّرنا المدارس ان تتعاطى مع اهل التلاميذ على هذا الصعيد اذ عليها ان تتعاطى معنا بواسطة الرؤساء الروحيين الكاثوليك.

يحزنني بالأكثر ان يشعر بعض الأهالي أن ولدهم يجب ان يُسَرّ مع رفقائه وان يعمل مثلهم. لماذا لا يقول هؤلاء لابنهم عندك كنيستك وتناولتَ فيها منذ شهر أو سنة أو كذا وعند عمادك؟ كيف تقبل ان تعمل «أول قربانة» وهذه ليست كذلك؟

أودّ ان يفهم الأهل أن لنا هوية ولنا أصالة ونُظهرها بلا خجل. نحن لا نخاصم احدا على انتمائه المذهبي. لماذا هذا «الكعر» لأرثوذكسيتنا؟ واذا كان للإدارة المدرسية عذر جهلها لمواقفنا أو رفضها الواعي لمواقفنا، فماذا يعذر لنا نحن هذه الهرولة إلى إخوة مسيحيين نحبهم ونحترمهم ولنا معهم حوار، ولكن لم تكتمل بعد عندنا واياهم شروط الوحدة، وليس عندنا تاليا قدرة على ان نجتمع معا على مائدة الرب.

الكنيسة عندنا شفافة وتحب كل المسيحيين. الذي يعرف نفسه في الحقيقة ابنًا لكنيسته يقول قولها ويتصرف كما تريد منه ان يتصرف وذلك لخلاص نفسه وإدراك الله بإدراك الحقيقة.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

تقاسيم على الـمحبة/ الأحد 13 شباط 2000/ العدد 7

لقد علّمني الأرشمندريت ليف جيلله Gillet الفرنسي الذي انضم إلى الأرثوذكسية في أواخر العشرينات في باريس أن من خير الوسائل لتقضي على بغض إنسان محدد أن تذكر اسمه في صلاتك، فإنك إذا رفعت اسمه إلى الرب بضع مرات تتخذه إلى قلبك أيضا. كان يقول لي: «سمِّ عليه اسم يسوع». إذ ذاك يكون مشمولاً بحضرة السيد. وقد يتغير. وأنت لا بد أن تتغير.

في حياتنا اليومية نجافي هذا أو ذاك لكوننا أسأنا فهم كلمة منه أو تصرُّف أو لأنه جرحنا وحسبْنا عليه خطيئة التجريح. أمام هذا قد لا ينفع العتاب أو لا بد من تأجيله حتى يهدأ. في هذه الأثناء ضمّ اسم المسيء إلى صدر المسيح ترَه على صدرك أنت. بعد هذا لك ان تعاتب برحمة.

لمّا كنت اسأل هذا المؤمن أو ذاك إن كان عنده المحبة لمن أساء إليه، كان يجيب: «أنا لا أكرهه». هذا طبعا ليس محبة. هذه آدمية مهذَّبة. أن تحبه هو ان تنتبه إلى أتعابه، إلى تعقيداته، إلى حزنه ومسراته وأن تخدمه في الوضع الذي يكون فيه. المحبة لا تنتظر. انها تبادر. اذكر السامري الشفوق كيف يضمد جراح الجريح ويأخذه إلى فندق (أو مستوصف بلغة اليوم) ويطلب ان يُعتنى بأمره. انه يلتزم بالإنسان المشلوح التزاما كليا. طبعا لا يمكنك ان تأخذ عشرات الناس على عاتقك ولكن الذين وضعهم الرب على طريق حياتك، بدءا بأهل بيتك ومن تعمل معهم والأصدقاء، وعلى وجه التخصيص المرضى والحزانى منهم. هؤلاء رعيتك. لا تهملهم. أية التفاتة إليهم، وبخاصة عند ضيقهم وإذا تمرمروا وصارت لهم صدمة، تؤتيهم فرحا كبيرا. كل إنسان منا يعيش من انتباه تلو انتباه. الجبار روحيا هو فقط الذي يكتفي بافتقاد الله له. ولكن الله يريد لنا رعاية بعضنا لبعض، فإن خيوطا عجيبة تربط بين القلوب وكأننا إنسان واحد مفصول قاماتٍ مختلفة.

لا تحسبنّ ان عند قريبك حادثة تافهة. في نظره هو قد يكون لها أهمية كبيرة. لا تقل في نفسك مثلا أنا أزور رفيقي إذا أصابته محنة كبيرة فقط. فقد تصيبه رضّة. فإذا علمتَ بها خذ الهاتف وافتقده. تَقرّب من الناس يرتاحوا في ذلك اليوم إلى ربهم. ليس المهم ان تحافظ على أصدقائك لاستمرار تعزيتك بهم. المهم ان يعيشوا هم في عزاء. «كنتَ أمينا على القليل، سأجعلك أمينا على الكثير». جزئيات الأمور اليومية قد تكون على مستوى الهناء الشخصي أهم الأمور. وهذا الهناء فيه دائما شيء إلهيّ.

في الجزئيات هذا يعني أن تُكلّم زوجتك وأولادك في المساء برقّة وإبداء عناية. وإذا كنت رب عمل وحولك موظفون، ازرع كلمة اهتمام بصحة كل واحد واسأله عن عائلته. هذا مَثَل من أمثال. إذا عظمَتْ مسؤوليتك تدفعك نفسك ويدفعك عملك ان تحتاط بمقربين. هذا من طبيعة العمل وطبيعة الإنتاج. ولكن الحد الأدنى من اللياقات مطلوب منك. ألاّ توجه كلمةً تحمل طابعا شخصيا لمعاون لك يوما بعد يوم يحزنه. كل معاون يريد أن يكون موجودا في عيني من يستخدمه. امرأتك وأولادك وأنسباؤك يحبون ان ينوجدوا في عينيك. المزاجية مسموحة بمقدار قليل. وإذا سمعت ان فلانا يحس بمتروكية عظيمة فاجهد ان تخلق الفرص والوسائل لإنقاذه من متروكيته. أحيانا لا تفهم لماذا يشعر هذا بأنك تعامله بجفاء. ضاعف المسعى وبادر إلى الاقتراب منه أو تقريبه منك. المهم ألاّ يحيا احد منا وحيدا.

Continue reading