Category

مقالات

2000, مقالات, نشرة رعيتي

السامريّ الشفوق/ 12 تشرين الثاني 2000 /العدد 46

كان الفريسيون يحبّون أن يناقشوا يسوع ليُحرِجوه ويُبيّنوا لأنصارهم انه لا يعرف الشريعة. واحد من علماء الشريعة (لوقا 10: 25-37) أراد أن يُوْقِع المعلّم في فخ فسأله: «ماذا أَعملُ لأرث الحياة الأبدية؟». هذا العالِم كان يعرف الجواب لأنه في الكتاب المقدس. مع ذلك لا يقول له السيد: أنت سيّء النية لأنك تطرح علي سؤالاً تعرف أنتَ جوابه. قَبِلَ يسوع الحوار. هذا اللاهوتيّ طرح أخطر سؤال: «ماذا أَعمل لأرث الحياة الأبدية؟» (انه غالبا فريسيّ لأنه يؤمن بالحياة الأبدية). عن السؤال يجيب يسوع بسؤال: ماذا كُتب في الناموس؟ يجيب السيدَ مخاطبُه بقوله: أَحبِبِ الربَّ إلهك ثم أَحبِبْ قريبَك كنفسك. الوصية الأولى مأخوذة من سفر تثنية الاشتراع، والوصية الثانية من اللاويين. بقي لمعلّم الشريعة هذا ان ينتقل من مجرد عارف للوصيّتين إلى التطبيق. دعوة الرب إليه أن يعمل ليحيا.

          بعد أن كلّمه السيد عن القريب، لا يستوضح شيئا عن الله. «أراد أن يزكّي نفسه» لكونه طرح السؤال عمّن هو القريب. ما أراد المسيح أن يقول له إن اليهوديّ قريب لليهودي. هذا معروف في الناموس. حكى له الرب حكاية. إنسان كان نازلا من أورشليم إلى أريحا. جرحه اللصوص بعد ان سرقوه وألقوه على حافة الطريق بين حيّ وميت. أبصَرَه كاهن كان، بعد أن أتم خدمته في الهيكل، عائدا إلى بيته في أريحا. كاهن بلا شفقة. وكذلك اللاوي –وهو خادم  أيضا في الهيكل– أبصره وجاز أمامه. شخصان هما في خدمة الله، ولكنهما ما كانا في خدمة الإنسان. هل هما حقا في خدمة الرب؟

          دنا إليه سامريّ. إنسان غريب الجنس وغريب الدين، فإن السامريين يَقبلون كُتُبَ موسى الخمسة ولا يَقبلون الأنبياء. هذا أسعفه في تضميد جراحه. أَخذ السامريُّ على عاتقه هذا الغريب. إذ ذاك سأل السيدُ: «أيّ هؤلاء الثلاثة تَحْسَب صار قريبا للذي وقع بين اللصوص؟». سؤال معلّم الشريعة للمسيح: «من هو قريبي؟». لم يجب السيدُ اللاهوتيَّ اليهوديّ عن سؤاله. طرح سؤلا آخر: من صارَ قريبًا للجريح؟ أنتَ ليس عليك أن تسأل: من هو قريبي. السؤال الحقيقي هو بالحريّ هذا: قريبَ مَن تستطيع ان تكون؟ حرَكتُك إلى الآخر هي التي تُعيّن لك قريبك. اذهب وأَحبّ. فالذي تحبه تجعله قريبا لك. أحبب من تراه على طريق حياتك أيا كان. مِن جنسك أَم من غير جنسك كان، من دينك أو من غير دينك، اذهب إليه وارفعه إلى صدرك، يصبح قريبا لك.

          تحبه إن كان خفيف الروح أَم «ثقيل الدم» لأن الله جعله في طريق حياتك. إذهب إلى كل جريح، إلى كل فقير، إلى كل وحيد. هؤلاء كلهم جرحى الوجود. ما يعوزك أن تنتبه. وتنتبه حتمًا إنْ آمنتَ بالله إيمانًا حيًّا محرّكًا. وتترجم حبك لله بمحبتك الآخرين. ولن تحب الله ما لم تُحبّ أبناءه. هؤلاء ليسوا مقرَّبين اليك دائما بالعاطفة. المحبة الإلهية التي فيك تحررك من وطأة القريبين منك عليك. أنسباؤك وابناء عشيرتك قد لا يكونون في حاجة إليك. أما الذي همّشَتْه الحياة ولم يبقَ له صَديق ولا يحسّ به أحد أَحسِسْ أنت به. واذا فعلتَ هذا، يشعر هذا الذي أهمله الجميع أن عنده واحدا يحبه وهو أنت.

          ما يطلبه الإنسان المتروك هو أن يراه واحد. عندئذ لا يبقى له جراح. فحتى تحب يجب أن تذهب عن انغلاقك. يجب أن تذهب وتخدم. هكذا فقط تخلص من أنانيتك. ما يصنعه يسوع هو أنه يدفعنا إلى كل مرميّ على طرقات الوجود ويقول لنا: هذا أخوك.

Continue reading
2000, جريدة النهار, مقالات

شهوة المال / السبت 11 تشرين الثاني 2000

كل الشهوات متماسة، متداخلة لأن النفس بناية واحدة في الرذائل والفضائل. فحب التملك يخامره اعتداد او استكبار او استعلاء. غير اني سأعزل اشتهاء الغني حرصاً على دراسته وهو على تلك الجسامة التي تستدعي مني ومن القارئ انتباهاً كبيراً.

ما لفتني في لغتنا انها تتفرد بالمقابلة مع لغات الغرب بأن المفردة الاكثر استعمالاً عندنا اي الغني تعني من استغنى عن سواه. تدل على موقف وليس فقط على كثرة المال. الثري عندنا تقابل بالفرنسية Riche او مثيلتها بالانكليزية. والمفردة الجديدة في عالم المصارف هي المليء. الكلمة عندنا اعمق دلالة واعظم فتكاً. تدل على اعتزالنا الناس بسبب من ركوننا الى ما جنيناه او بسبب من طمعنا به. والغنى فيه طبعاً حركية الطمع.

ما من مجال هنا لنتدارس روحية الفقر في الحضارات القديمة، في الهند مثلاً حيث تنكر ملوك لما يملكون واعتنقوا التسول منهجاً يتروضون به. الاقرب الينا والامضى في الدعوة يسوع الناصري معلم العراء الكبير. هنا اسارع الى القول ان الكثرة لم تفهم تعليمه في هذا الباب فهو ليس داعية الفقر ولكنه داعية لتحرر القلب من شهوة التملك. هو معلم الحرية من وطأة الملك ابتغاء الحرية الداخلية بالله. هو ليس ضد الاشياء الكائنة بما فيها المال ولكنه ضد ان يستعبدك المال وان تدع نفسك عبداً له. فالتضاد عنده ليس بين الاغنياء والفقراء ولكنه بين الاحرار والعبيد. فقد تكون حراً مما تملك وقد تكون عبداً لما لا تملك. واذا كان الغني من استغنى عن الناس واستتباعاً عن الله فالفقير هو الفقير الى الله واستتباعاً الفقير الى محبة الناس له. في الرذيلة او الفضيلة القضية كلها قضية علاقة. وبسبب من العلاقة نتحرك بالموجودات.

ما اراد الكتاب تأكيده ان “ما حياة الانسان بكثرة امواله”. في لوقا يلام الغني الغبي ليس لانه هدم الاهراء ليبني اكبر منها ولكنه ليم لكونه صار مستريحا في هذا ومتنعماً بطعامه والشراب. يشبع فتفرح نفسه من ثرائها. نفسه تستلذ ذاتها ولا تغنى بالله. المال يعفيك من السعي الى طمأنينات غير طمأنينته. والطمأنينة هي في التحديد اللغوي الايمان. خطر الغنى ان يستبدل صاحبه ايماناً بإيمان.

وان يستبدل حباً بحب. فهذا مثل الغني ولعازر في انجيل لوقا. رجل غني يلبس الحرير والارجوان ويقيم الولائم كل يوم (كأنه كان من البورجوازية اللبنانية) ورجل فقير اسمه لعازر (ومعناها “الرب عوني” ما يؤكد ان تعريف الفقر هو الفقر الى الله)، تغطي جسمه القروح. وكان ينطرح عند باب الغني وهذا لا يراه. اظن ان هذا هو عمق المأساة ان الاغنياء الذين تحدث عنهم الكتاب هم الذين لا يحسون بألم المحتاجين. والآباء في ذروة تعليمهم عن الخطيئة قالوا انها عدم الحس.

لست ارى حتى عند لوقا تعظيماً للفقر كحالة اجتماعية. لا يهتم الناصري لاي وضع مجتمعي غير مقرون بموقف روحي. فحتى في قوله: “طوبى لكم ايها المساكين، لأن لكم ملكوت الله” يرى الكتاب ان وضعهم ممزوج بحاجتهم الى الله وتقربهم منه. ودليل ذلك ما جاء عنده بالمقابل: “ويل لكم ايها الاغنياء، لانكم نلتم عزاءكم” اي لانكم لاكتفائكم بأموالكم ما التمستم تعزية الله.

السؤال الذي يفرض نفسه بعد هذه اللمحة الانجيلية الخاطفة هو ما الشر الذي يراه الروحانيون في هذه الشهوة. هذه الشهوة هي استلذاذ الملك. التلذذ بالبقاء عليه والحزن لحرمانه وخسارته والتوجع لعطائه. قضيتنا ليست وحده. انه الكم بقدر ما يوسوس فينا التعلق به والانهزام امامه وتصاعد تشهيه اي الطمع به الى ما لا نهاية. وقد تكون الرغبة في الازدياد اسوأ ما في هذه الرذيلة كما ان قانص الطير يهمه القنص لا الطير والمقامر همه المقامرة لا الكسب. سوء الطمع او البخل انه “حب ظافر بكل حب آخر يطرد من النفس كل رغبة اخرى”. كذا يقول يوحنا الذهبي الفم. اذى هذه الشهوة ككل شهوة اخرى انها تستغرق طاقة فينا عظيمة. انها عبادة لسيد آخر اي انها تدخلنا في مقدسات اخرى. المال هو ما نبذل له كل النفس فلا مكان فيها لآخر. لا، يبقى فيها شيء آخر ولكنه يداخلها وهو المجد الباطل.

الرؤية الانجيلية للاغنياء والفقراء اخذت حدة كبيرة في تعليم الآباء في القرن الرابع الميلادي حيث اشتدت الضائقة الاقتصادية وكثر المحتاجون وكان على الاساقفة ان يتدبروا امر الرعية بما يجمع المؤمنين بعضهم الى بعض فظهر تعليم عن المال على انه وكالة الهية وليس حقاً فردياً مقدساً. فعظمت الدعوة الى التعاضد. الدعوة قائمة في العهد الجديد واضحة. الا انها ترسخت واقيم التنظير لها حتى ذهب باسيليوس الكبير المتوفى السنة ال379 الى ان الناس جميعاً متساوون لكونهم على طبيعة واحدة ومخلوقون على صورة الله ولهم مخلص واحد. فالملك اذاً مشترك بين الناس جميعاً بلا استثناء حتى يتمتعوا به جميعاً بالتساوي. فإذا اختل هذا التوازن بالتوزيع فهذا مخالف للطبيعة والوضع البشري الاساسي. وبقى الخلل ونما بسبب شهوة المال وشهوة الطمع. فبوضوح كامل عند باسيليوس متعة المال للجميع اصلاً وليس المال ملكاً. هذا ما اباح للقديس باسيليوس ان يقرر ان الانسان يستعمل المال “كوكيل لا كمستمتع”.

يلاحظ آباؤنا ان الاغنياء من حيث الواقع لا يحبون الآخرين. مع ذلك يبقى سؤال رجائنا. كيف يدخل الجمل من ثقب الابرة، كيف له ان يطلب الملكوت. كيف يصبح المستحيل عند الناس غير مستحيل عند الله؟ فالأثرياء هاجسنا لانهم اخوة. لقد قال الله لهم كيف يكسرون اصنامهم. لقد قال لكل منا كيف يخرج من وثنيته.

من يعطي الاغنياء ان يفهموا ان ما يملكون ليس بشيء وانهم هم شيء لكون الله أباً لهم وان عليهم شيئاً واحداً ان يفهموا محبوبيتهم هذه ثم ان يدركوا انهم اخوة للمحتاجين. كيف يعبرون عن هذه الاخوة هذا شأنهم. وقد يصل بهم الحب الى التحرر من كل ما يملكون وفق كلمة الكتاب: “بدد، اعطى المساكين فيدوم بره الى الابد”. متى ادركوا ان الحرية في العطاء، ان الحياة كلها كلها في القلب المنكسر في ان يصيروا “مساكين بالروح”. عند ذاك يفهمون ان ربهم لم ينعم عليهم لما كثر مالهم ولكنه انعم لما بددوه فوجدوا انفسهم من ضياع.

اذ ذاك الله يشتهيهم احباء له.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الغنيّ ولعازر/ 5 تشرين الثاني 2000 / العدد 45

إذا كان مَثَل السامري الشفوق حديثا في الرحمة بامتياز، فَمثل الغني ولعازر (لوقا 16: 19-31) مَثَل القسوة، وتاليا كان دعوة إلى الرحمة، وإنجيل لوقا هو إنجيل الرحمة بامتياز.

          منذ البدء يصف الكتاب تَنعُّم الغنيّ (يلبس الأرجوان والبَزّ اي الحرير). الفقير يسميه لعازر اي «الله عوني» لعله يوحي ان الفقراء حليفهم الوحيد الرب. وهو لا يوحي بأنه يُطعمهم دائما من جوع ويكسوهم من عري. يكفيهم المسيح بعرائه. يضاف إلى جوع لعازر انه مُعذَّب الجسد، مصاب بقروح، وهذا نقص لا يستطيع سدَّه لأن هذا يتطلب علاجا، والأطباء يطلبون مالا.

          الغنيّ يرى ذلك لأن الآخر مطروح عند بابه. كل محتاج (إلى طعام أو مسكن أو أقساط المدرسة) مطروح في شوارع العالم، ومن أراد ان يبصر قادر على البصر. اليد لا تتحرك من نفسها. القلب وحده يعطي.

          الحكاية الإنجيلية صوَّرت أن هذا البعد الذي كان بين الرجلين استمرّ فوق. الغني في العذاب، ولعازر في حضن إبراهيم. وهذه عبارة قديمة عن راحة الصِدّيقين، ولا نزال نستعملها في صلوات الجنازة عندنا. انما الصورة بعد الموت صورة الهوّة. ليس علينا في منهج تفسير الأمثال أن نسأل عن كل تفصيل من تفاصيل هذا المثَل لنبني عليه لاهوتا يتعلق بما بعد الموت. ليست هذه وظيفة المثَل الإنجيليّ. نفتش عن المعنى الشامل، عن قصد يسوع في رواية هذه الحكاية.

          الواضح أن المثل هذا يُعيدنا إلى إنجيل الدينونة: «كنتُ جائعا فأطعمتموني». يسوع يوحّد نفسه، يدمج نفسه مع المحتاجين. هُم همّه الكبير. هو لا يَمقُت الغنيّ من حيث إنه غنيّ. يمقت الذي يستغني عن الله ويضع كل اتكاله على أمواله ويتحسس بأن هذه الدنيا تكفيه وأنها البداءة والنهاية.

          يسوع لا يحب كل فقير، فقد يحسد الفقير ويشتهي كثيرا. هو يحب ذلك الفقير المحب لله، الذي يضع في الله رجاءه ولا يتذمّر ولا يجعل الله سببًا لمصابه ويؤمن بأن الرب يكفيه في العمق. الفقير الكبير هو الفقير إلى الله، المتواضع القلب، المكسور قلبه امام الله والإخوة.

          هذا الذي استغنى عن الله وانتفخ لا يرى انه قادر أن يجعل –بالعطاء والمشاركة- الفقيرَ يستدعي له نعمة الله. الإنسان الراحم سواه يُحسّ بأنه في حاجة إلى رحمةٍ يؤتاها وإلى رحمةٍ يعطيها. المشاركة بين القلوب لا تتم الا اذا ارتفع قلبُك إلى الرب وأستُودِع قلوبَ الناس.

          تعليم السيد في لوقا: «كونوا رحماء كما ان اباكم رحيم» (6: 36). الرحمة صفة إلهية مشتقة من الرَحِم. والفكرة انكم كما انتم مولودون من أرحام أمّهاتكم تكونون مولودين من الله. والانسان رحيم بمعنى أن من يرحمهم يصيرون ليس اولاده ولكنهم يشعرون انهم صارو ابناء الله. الرحمة ليست فقط بالعطاء المادي، هي قبل كل شيء انتباه ورعاية وضَمّ.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

أولادكم والمدارس/ 29 تشرين الاول 2000/العدد 44

اذا درس اولادكم عند المساء فهم في رعايتكم العلمية بقدر ما تستطيعون ان تواكبوا مناهجهم الجديدة. والكثيرون منكم قادرون على المتابعة لأنكم تريدون لهم فهما وبنيان شخصية ومستقبلا مرتكزا على المعرفة. وذكاء اولادكم وجهدهم فرح ولستم غائبين عن اولادكم في السهرات. وحضوركم في البيت جزء من تربيتكم لهم.

          غير ان التحصيل العلمي لقاءه دفع الأقساط على رغم الضائقة الحاضرة اذا ارسلتم بنيكم وبناتكم الى مدرسة خاصة. ذلك انكم لماّ اخترتم مدرسة خاصة اخذتم علما بالأقساط وتعهدتم دفعها. وكانت المدرسة الرسمية خيارا لكم آخر. ولكنكم فكرتم وقررتم المدرسة الخاصة. وما كان في سلوككم خفة.

          واذا تقاضت المدرسة قسطا منكم فليس لتربح ولكن لتقوم عما يتوجب عليها من نفقات وأهمها رواتب المعلمين بحيث اذا تخلفتم عن الدفع او دفعتم جزئيا يكون هذا عجزا في المدرسة وليس من يدفع عنكم. ولا اعرف رعية  تساهم في ايفاء ديون الأهل.

          اذكر هنا بنوع خاص مدرستينا: القديس انطونيوس–فرن الشباك والقديس جاورجيوس–بصاليم. لقد ارسلتم الينا اولادكم لإيمانكم بأن المستوى التعليمي والتربوي رفيع عندنا. ولقد بلغتكم النتائج الباهرة هنا وهناك. ولست مادحا مؤسساتنا فالمديح يأتي منكم ومن الخبراء الغرباء عنا الذين زارونا. نقدّم حسومات ولكن لا يمكن ان نتجاوز حدا معقولا لئلا تقع الأبرشية في عجز والأبرشية عندها ابواب إنفاق كثيرة تقع على عاتقنا وحدنا ولاسيما باب إخوتنا الفقراء. المدارس تقع تاليا على عاتق الأهل وحدهم. والفقراء يستهلكون نصف ميزانيتنا. هؤلاء ان لم تنظر اليهم كنيستهم لا يرعاهم احد.

          نحتاج الى محسنين. والميسورون موجودون بينكم. ونحن نقوم بسعي للتعرف اليهم. غير ان المساهمة الكبرى تقع على ذوي الطلاب. هناك اولية  الى جانب الطعام والكساء والسكن وهي اولية اولادكم. الضعيف ماليا منكم اذا اصر على المدرسة الخاصة والمدرسة الارثوذكسية لأنه يريد مبادئ يدعوه ربه الى التقشف، هذا الانسان لا يحق له ان ينفق شيئا على ملذاته قبل ان يوفي الفلس الأخير من قسط ولده المدرسي. فلا يبكِ ولا يستبكِ على ابواب الإدارة عندنا.

          اذا احببتم استمرار مدارسنا فقوموا بكل تضحية ممكنة في سبيل اطفالكم وشبانكم، هذا اذا اردتم فعليا ان تبنوهم على قواعد الإيمان والأخلاق من جهة وعلى قواعد العلم من جهة اخرى. لا نستطيع شيئا حقيقيا في سبيلكم ما لم تتحسسوا بنا وباوضاعنا. لن تكمل مدارسنا رسالتها ما لم تريدوا انتم ذلك. وبذلكم الأقساط المترتبة هو الدليل البليغ على انكم تريدوننا ان نحضن اولادكم معكم.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

القدس / 22 تشرين الاول 2000/ العدد 43

من زاوية مسيحية، روحية كيف ننظر إلى قضية القدس؟ اجل لها اهمية كبرى لأن السيد قضى حياته على الأرض هناك وصُلب فيها وقام. ولكن ما أولى المسيحيون الاوائل اهمية لها قبل القرن الرابع حيث اخذ المؤمنون يقصدونها من كل صوب، وتنظمت في المدينة ثم حولها في دير مار سابا العبادات المسيحية كلها، وفي القرن الخامس اعتُبرت اورشليم البطريركية الخامسة بعد روما والقسطنطينية والاسكندرية وانطاكية.

          إلاّ ان الأهمية القصوى ليست للحجر ولكن للبشر. انهم هم مقدَّسون اكثر من الأراضي المقدسة. فالمسيحيون هناك صاروا بسبب الهجرة قليلين. كانوا حوالي 75000 قبل الحرب، وأمسوا الآن عشرة آلاف او اكثر بقليل بسبب الضغوط التي تمارَس عليهم والقوانين الظالمة التي تفرّق بينهم وبين اليهود. بيت لحم المجاورة التي كانت مدينةً معظم سكانها مسيحيون، صار هؤلاء فيها قلة. أمانينا الا تضعف الكنيسة هناك عددا لتبقى شهادتنا حية وكنائسنا مفتوحة. ومن الصعوبات التي يعانيها الارثوذكسيون ان الرئاسة الروحية هناك أجنبية (يونانية) غير قادرة على القيام بالوعظ باللغة العربية وهي صادمة للرعية وجارحة لها لأن البطريركية تبيع الكثير من اراضي الوقف لليهود او تؤجرها إجارة طويلة. وما يغري الارثوذكسيين بترك كنيستهم ان السلطات الروحية الأخرى (الأنكليكانية منها واللاتينية) صارت كلها عربية.

          الأهم من الأماكن المقدسة الشعب المقدس الذي تقوم عليه حملة شرسة من الحكومة الاسرائيلية. أكتبُ هذه السطور ومنذ قليل رأيت على الشاشة قصف رام الله وغزة، ولست اعلم كيف تكون عليه الحالة عند وصولكم «رعيتي». نرجو ألاّ يباد الشعب الفلسطيني ولا سيما انه أعزل وليس عنده سلاح يقاوم به. ويموت الأطفال ويسقط الجرحى بالمئات ولا يتحرك العالم. ظلم رهيب يحل بالإنسان، وليس من يرفع الظلم.

          اكتب اليكم على رجاء التهدئة والسلام الذي في ظله تنمو الشعوب. نحن طلاب سلام ولكنا ايضا طلاب عدل. ذلك ان القهر قنبلة موقوتة. نحن المؤمنين بيسوع نطلب السلام لكل البشر العائشين على ارض فلسطين. ولكن العدل وحده يحفظه. العدل يعني ان تتجمع الأرض الفلسطينية ولا تكون جزرا متفرقة، وأن تَحْكم هذه الأرض دولةٌ لكي يعيش هذا الشعب بكرامة.

          كذلك يقتضي العدل ان يعود اللاجئون الى بلداتهم وقراهم هذه التي ولدوا فيها وأحبوها وعلّموا اولادهم حبها. هذا جزء من الحل العادل. لا يجوز ان يبقى هذا الشعب مشتتا.

          والعدل –كما القوانين الدولية– يقضي ان تعود القدس إلى اهلها. لا يجوز للاغتصاب والاحتلال ان يدوم. لا يجوز ان تكبّ 4 ملايين انسان خارج بلادهم.

          بهذه الشروط الثلاثة تنكشف لنا اهمية البشر، وتعود القدس رمزا للعالم المسيحي فنحج اليها للتبرك. مدينة المسيح لا يجوز ان يملكها شعب يكره يسوع ولا يعترف به. المسلمون لهم طريقتهم في تكريم المسيح ويذكرونه في كتابهم وعاشوا معنا خلال قرون فصارت المدينة المقدسة مرتعا لأهل هاتين الديانتين. ليس من الطبيعي ألاّ يصلّي المسلمون في مساجدهم ولا ان يصلي المسيحيون في كنائسهم. كذلك لا يكفي تأمين حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة. المسيحيون والمسلمون يحبون –وهذا حقهم– ان يسكنوا حول معابدهم. القدس بمعنى الحجر والبشر هي مطلب عدل لنا.

Continue reading
2000, جريدة النهار, مقالات

فلسطين الأبديّة / السبت 21 تشرين الأول 2000

فلسطين الدعوة أكبر من الأرض. يذهلني فيها أنّها لا تسكن دار الخوف، أنّ رجاءها أعظم من واقعها. أفهم أن تكون مشدودة بين مرارة الوعود وضياء التطلّعات حتّى يعمّ الفهم الدنيا وتنصف فتصبح القدس محكّ الصدق. وقد تعظم صحوتها ببركات الدم المراق وكيف يهدي العالمين. إن لم ننظر إلى فلسطين حدثًا روحيًّا كبيرًا نبقى أسرى مشاعر من هذه الدنيا. أنا هذا لا يكفيني ولا أتجنّد له. أنا مع هؤلاء القوم في مظلوميّتهم ومع القدس في نورها. دم الظالم ليس فيه شهادة. أنا مع فلسطين حتّى تسمو وأرتفع بها. وما التفاف أبنائها إلاَّ نداء إذا سمعت إليه يزكّيني في إنسانيّتي ويجعلني أكثر نباهة وأشدّ إحساسًا في كلّ مساعيَّ. وإذا تبرّر إنساني الداخليّ بالقدس أنظر إلى لبنان مقدسيّ الدعوة أي مطرحًا سماويًّا استلهامًا ففعلاً إنسانيًّا يتفجّر ضياء.

فلسطين ترعى عهد الحبّ بعذابها وتحيا حرّة به وحرّة منه، مرشّحة للقيامة في هذا الدهر، مختارة بالحبّ الذي ينزل عليها. ولذا، بمعنى، كانت فوق السياسة. لذلك لست أنت مختارًا بين حبّك إيّاها وعدمه. أنت مبارك بها. هذا حوار المرئيّ وغير المرئيّ الذي تكون فيه المحسوسيّة مرآة اللامحسوسيّة واللحظة طفرة إلى الأبد. هذا وحده يعيدك من الهروب. لذلك كانت المقادس الفلسطينيّة رياضة قلوبنا.

الذين يموتون معًا هم دائمًا واحد. وما أعرفه من متابعتي التحرّك الفلسطينيّ منذ 1936 هو أنّ الذين ناضلوا معًا صاروا معًا في حلم الأجيال اللاحقة. هذا أنشأ وطنيّة واحدة عندهم، ولم ينكشف فيها انغلاق طائفيّ، وقدروا على خطاب عربيّ حضاريّ أرادوه بمشاركة اليهود لمّا عاد النضال مع الثورة في أواسط الستّينات. ثمّ خاب الأمل من كيان واحد. ولعلّ اللغة القوميّة هناك تتجاوز ثنائيّة المسيحيّين والمسلمين التي نحكيها في لبنان. لغة نكهتها علمانيّة بمعنى أنّ التوق باقٍ إلى وجود وطنيّ جامع. وعند حلول السلام لا بدّ من أن يواجه الفكر الفلسطينيّ إشكاليّة العلاقة بين الوعي القوميّ والصحوة الإسلاميّة، وهي إشكاليّة مطروحة منذ بضع سنوات على مطارح البحث في محافل بيروت.

#   #   #

هذا التلاقي المسيحيّ – الإسلاميّ مرموز إليه في القدس لكونها كانت قبل احتلالها موطن الجماعتين الكبيرتين. ولا تزال من زاوية الأماكن المقدّسة كذلك. ليس في المدينة العظيمة أيّ أثر يهوديّ يذكر ما عدا بعض الحجارة التي تسمّى حائط المبكى. وحتّى اليوم لم ينبش أثر من هيكل أورشليم، لأنّ الهيكل الثاني أحرقته كلّيًّا الجيوش الرومانيّة السنة الـ70 ولم يبقَ منه حجر على حجر كما تنبّأ له المسيح.

أقول هذا ليس من أجل الحديث التاريخيّ ولكن لأوضح أنّ هذه الثلاثيّة اليهوديّة – المسيحيّة – الإسلاميّة ليس لها تجسيد يذكر حتّى اليوم إذا اعتبرنا المدينة داخل السور. وهي الوجود التاريخيّ الذي ألصقت به، بالإسمنت المسلّح، هذه الأبنية اليهوديّة البشعة جدًّا لتعلو التاريخ وتدفع إلى الكلام العالميّ على وجود ثلاثيّ الجماعات. فإنّ القول المصطنع في الديبلوماسيّة العالميّة كان القصد منه في مرحلة أولى أن يساوي مجتمعيًّا بين هذه الطوائف وفي مرحلة ثانية أن يؤسّس لها حقوقًا متعادلة في المدينة.

تأتي عندئذٍ المرحلة الثالثة من التأمّل لنقول إذا كانت الجماعات الثلاث واقفة معًا في القدس فليتولّ اليهود أو يتولّ المسلمون (وللمناسبة العرب يصبحون المسلمين فقط وهذا يروق الأميركان طبعًا لأن المسيحيين في فلسطين محسوبون على العروبة ولا يطلبون شيئًا لأنفسهم). وإذا كانوا لا يتكلّمون – وأكثرهم غير كاثوليكيّ – يبقى الفاتيكان لسان حالهم لكونه طرفًا قادرًا على المخاطبة الواحدة، ولأنّ المسلمين يريدون دولة مسيحيّة لا يمكن أن تكون إلاَّ الفاتيكان إزاء الدول الإسلاميّة. إنّ منطق الأماكن المقدّسة الذي أتت به الروح الصليبيّة والردّ على هذه الروح هو الذي قادنا إلى الثلاثيّة المذهبيّة. تُكرَّسُ الثلاثيّة في الحضور البشريّ والآثار، ونحن اثنان في الحضور البشريّ قبل التجمّع الصهيونيّ الذي شوّه القدس، واثنان في المجال الأثريّ. فالكلام على الجماعات الثلاث معًا هو من باب الواقع السكّانيّ الحاليّ فقط ومن باب استعمال حقوق الإنسان ولكن ليس له علاقة بالعمق.

#   #   #

على مستوى المعاني يختلف المسيحيّون والمسلمون في تقدير اليهوديّة. المسلمون يعتبرونها دينًا سماويًّا. في السياق القرآنيّ وعلم الكلام هذا الكلام مفهوم لأنّ اليهوديّة في الفهم القرآني هي التوراة وهي عند المسلمين كلام منزل. ولكن إذا رأى المسلمون إلى الكتب الأخرى اللاحقة للتوراة كالتلمود وغيره قد لا يصرّون على قولهم إنّ اليهوديّة دين سماويّ.

قلت هذا لأنّ الموقف «الترحيبيّ» باليهود ومسالمتهم مهيّأ له في اللاهوت الإسلاميّ. أن يقبل المسلمون اليهود على أساس حقوق الإنسان هذا ما أقوله أنا أيضًا. ولكن أن يرحّبوا بهم على أساس الوحدة الإبراهيميّة أي كونهم ينتمون إلى جذع روحيّ واحد فهذا عندي لا أساس له لأنّ لكلّ منا قراءته لإبراهيم. فليس له وجه واحد أو موقع واحد أو معنى واحد في الديانات الثلاث.

المشكلة عويصة ودقيقة بين الفكر المسيحيّ التراثيّ والموقف المسيحيّ الغربيّ طوال القرن العشرين ولا سيّما بعد «المحرقة» واستضافة أميركا اليهود المطرودين من ألمانيا النازيّة. ليس المجال هنا لأناقش الفكر الغربيّ حول أفهوم شعب الله. هل اليهود لا يزالون شعب الله أم إِنّ هذا هو إسرائيل الجديد أعني الكنيسة.

هل هناك اختيار للعبرانيّين أم إِنّ المختار الوحيد هو يسوع المسيح ومن صاروا إليه. هل اليهود «شعب الوعود والبركات» وعلى المسيحيّين أن يتقبّلوهم بهذه الصفة؟ هذه تأمّلات دخلت فعليًّا في سياسة الولايات المتّحدة وجاءت من القراءة الظاهريّة والحرفيّة للعهد القديم.

ربّما اضطرّ الفكر الغربيّ اليوم إلى أن يوفّق بين هذا اللاهوت السيّئ وواقع الظلم الحالِّ في الشعب الفلسطينيّ. أنا لا أدعو إلى أن نجتمع مسيحيّين ومسلمين على عداء لليهود. هذه عندي عنصريّة توقعنا في هذا الذي وقع فيه هتلر وجعلنا نرث نتائجه. لولا هتلر لما دعمت أميركا والاتّحاد السوفياتيّ الكيان الصهيونيّ هذا الدعم الكبير السنة الـ1948. أيّ استدعاء لشعور عدائيّ للشعب اليهوديّ يحلّ بنا أذى كبيرًا. كما أنّ أيّ التماس قربى روحيّة على أساس دين سماويّ (الإسلام) أو قربى روحيّة في وحدة الشعب المختار (المسيحيّة الغربيّة) يشوّه المسيرة.

ما من خطاب يحيي فلسطين في أذهان العالم المتحضّر إلاَّ كونها مقهورة وكونها في مقهوريّتها معطّلة للسلام آجلاً أم عاجلاً. كنت دائمًا أتمنّى أن يخرج اليهود من غباوتهم ليفهموا أنّ محاصرة الحاضر الفلسطينيّ خير خدمة لتفجّر المستقبل الفلسطينيّ.

هل يزيد العرب شيئًا على الخطاب الحضاريّ الفلسطينيّ في العالم ما عدا الحماسة ومشاركة الاخوة في المجال العمليّ. قلنا إنّه أوّلاً في نطاق النفط ولو افتقر العرب؟ أعتقد أنّ الخطاب الفلسطينيّ لن ينجح ما لم يكن وطنيًّا أي قائمًا على وحدة فلسطين بالتساوي الحقّ بين أبنائها، الأمر الذي يجعله قوميًّا بصورة سليمة أي بصورة لا تجرح وحدة الداخل.

لا مانع من استنفار العالم الإسلاميّ (لكن كلّ شيء متوقّف على اللهجة وفحوى الخطاب). ولكن بالقوّة ذاتها ينبغي استنفار العالم المسيحيّ المتحسّس للعدالة. لقد لمست تعاطفًا عظيمًا وفلسطين في مجالات غربيّة ما كانت كبيرة التحسّس لقضايانا سابقًا. ولكن ضمن مخاطبتنا للغربيّين بمن فيهم العلمانيّون اختبرنا نحن أنّ تحويل الأنظار إلى وجود مسيحيّين في فلسطين أتى عنصرًا مفيدًا للقضيّة. وهذا أمر ليس فيه إثارة لأحد. المهمّ أن يبقى العدل محور التخاطب. بعد ذلك، وفي صبر كبير، أترجّى حلول البهاء.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

مَثَلُ الزارع/ 15 تشرين الأول 2000/ العدد 42

كان يسوع يحكي حكايات إلى جانب وعظه المكشوف تُسمّى الأمثال. يفهمها الذين استناروا بالرب، ولا يفهمها غليظو القلوب. من هذه الحكايات مَثَلُ الزارع (لوقا 8: 5-16). في الشرق كان الفلاّح يحمل القمح حملا يزرعه في ارض صغيرة فيها شوك أو حولها شوك وفيها حجارة أو حولها. وكان يرمي القمح بقوّة ذراعه فيقع احيانا على الحجر أو الشوك، أو يقع بعض منه على الطريق قبل وصول الفلاّح إلى أرضه.

          هذه حالة البشر مع الزرع الإلهي الذي هو كلمة الله. والزارع هنا هو المسيح أو هو إنجيله. وقد يأخذ الإنسان الكلمة من الكتاب العظيم أو الكتب المسكوبة في عباداتنا.

          يَفترض لوقا أن كل الناس يسمعون الكلمة. لم يتكلم يسوع على الذين لم تصل الكلمة اليهم. المولود مسيحيا عنده فرصة ان يسمع أو هكذا تمشي الأمور مبدئيا. لوقا يصوّر لنا فئة من الشعب تسمع -هؤلاء هم الذين على الطريق- ولكن الشيطان ينزع الكلمة من قلوبهم حتى لا يؤمنوا فيُشفوا. أولئك يسمعون قليلا من الله وكثيرا من همسات الخطيئة تداعبهم فتغريهم ولا يبقى فيهم حنين اليه. يضجرون منها، تزعجهم لأنهم لا يريدون ان يلتزموها خشية أن تُغيّر حياتهم. الكثيرون منا هم هكذا. كل المتباعدين عن الكنيسة قائمون في أوضاع اختاروا لأنفسهم ويَتعذّر عليهم ان يجدوا فرصة لاستماع الكلمة، وهؤلاء يحسبون أنهم صالحون، معجبون بأنفسهم، قادرون أن يعيشوا بلا إله.

          اما الذين هم على الصخر فهم في مرتبة أعلى لأنهم يَقبلون الكلمة بفرح. يؤمنون إلى حين. هم الموسميّون من المسيحيين الذين لا يتابعون صلاتهم كل يوم وصبيحة الأحد. تُطلّ عليهم الكلمة، ولكونهم غير متأصلين فيها يسقطون في ساعة التجربة. ليس فيهم مخزون روحيّ يصدّ الإغراء عنهم فتصل الكلمة إلى سطح نفوسهم ولقاء الرب هو في الأعماق. وتُحسّ عند حديثهم اليك أن السيد اذا زارهم لا يسرعون إلى التقاطه ليسكن فيهم.

          والذي سقط في الشوك «يختنقون بهموم هذه الحياة وغناها وملذّاتها». هؤلاء اختاروا ان يكون مسكنهم الحقيقيّ هذه الدنيا بما فيها من جاذبية وسِحْر. والملذات والمال اشياء خلاّبة، ولم تكن الكلمة فيهم هي الخلابة. الدنيا تدخل إلى عيونهم وآذانهم وأجسادهم. الدنيا ملأت كيانهم فلا يبقى محلّ فيهم لله. يألفونها ويستطيبونها ويشعرون ان ما فيها يبعث فيهم الطمأنينة والانتعاش، ولا يعرفون ان كل هذا مؤقت وهَشّ أو ذابل. وعلى رغم الخيبات التي تأتيهم من الملذّة، يغرفون منها ويذهبون من متعة إلى متعة لإحساسهم بأنها هي تُنقذهم من الضجر ومن العوز.

          «وأما الذي سقط على الأرض الجيّدة فهُم الذين يَسمعون الكلمة فيحفظونها في قلب جيّد ويُثمرون بالصبر». ولِعِلْم السيد أنّ السماع لا يكفينا لنَخْلُص، قال: «طوبى للذين يَسمعون كلمة الله ويحفظونها». وقال الإنجيل عن والدة الإله انها تُردّد كلمةَ الله في قلبها. انت اذًا تُعاشر الكلمة لتبدو لك أطيب مِن اللذة، لتصبح هي فرحك.

          غير ان الإنسان مجرَّب بعودة الخطايا اليه. لذلك قال الرب عن الصالحين انهم «يُثمرون بالصبر». فالبقاء مع يسوع يتطلب جهادا متواصلا، مقاومة للفكر السيء الذي يهجم علينا كل حين. واذا عَرف المؤمن الجيّد أن الجبابرة يسقطون، يتسلّح بالصبر الذي هو مُلازَمة للسيد. يريدنا أن نواصل الحرب الروحية فنحن في حاجة إلى هذه الحرب حتى آخر رمق. ولا يَنقضي يوم علينا بلا جهاد. وقد نُحسّ الجهاد صليبًا، ولكننا نعرف انه بعد الصليب تأتينا القيامة.

Continue reading