Category

مقالات

2000, جريدة النهار, مقالات

القدس والمجد / السبت 14 تشرين الأول 2000

من كلّ المشاهد الفلسطينيّة لا شيء حرّكني مثل انتفاضة الحجارة منذ تفجّرها حتى عودتها اليوم. يدهشني أنّ فتيانًا عزَّلًا (ما فعل هذه الحصى؟) يقولون لا لعسكر. هذا الرفض كان عندي قّمة في بلاغة الصدّ، قمّة في الشهادة كما نفهمها إنجيليًّا. في خطّها وأفصح كان عندي موت هذا الطفل الربيعيّ محمّد الدرّة الذي قلت عنه في موعظتي الأحد الفائت: «نحن مع محمّد الدرّة حبًّا واسترحامًا». في الليلة التي تلت القدّاس تابعت ياسر عبد ربّه في برنامج «حوار العمر». خلال ثلاث ساعات استطاع أن يتكلّم على آلام شعبه بلا حقد. المقاومة الفلسطينيّة صارت عند بعض أو عند كثيرين تراث حبّ.

يجرحك الظلم، وهل من حاجة إلى تبيانه بعد هذا القهر الممارس على شعب كامل على مدى الأراضي المقدّسة؟ والظلم الأكبر في رعاية القهر ورعاية استمراره على رغم صرخات الأنبياء. كانوا دائمًا يتساءلون كيف تصبح أورشليم قاتلة. كيف لا يقرأ يهود اليوم التنديد المستمرّ في تراثهم بالقتل. «ويل للقائلين للشرّ خيرًا وللخير شرًّا، الجاعلين الظلمة نورًا والنور ظلمة» (إشعياء 5: 20). هذه فاجعة في شعب موحِّد مثلنا دعي إلى العدل والدينيّون فيه قتلة. يستنفرون البشر جميعًا إذا حلّت فيهم الفواجع ولا يقلقون إذا هم أحلّوا الفاجعة في الآخرين. هذه مأساة في العالم الدينيّ الذي إليه ينتمون، ولا يقرأ أحد المأساة في هذا النطاق. حقّ لإرمياء أن يقول: «من يشفق عليك يا أورشليم ومن يرثي لك ومن يميل ليسأل عن سلامتك. إنّك رفضتني فمددت يدي عليك وأتلفتك» (15: 5-6). هذا التوبيخ القديم لماذا لا يستعمله أحد في الغرب المسيحيّ بوجه إسرائيل الحاضر الذي يبقى الولد المدلّل. قلناها في هذا المنطق منذ 52 سنة وكرّرناها مع الأجيال علّهم يسمعون، ولكنّهم صمّوا آذانهم وانحازوا وكأنّهم يضطرّونك إلى الدم.

#   #   #

وأريق الدم في مقام السجود والأرواح التي زهقت هناك صارت هي المسجد إذ قامت للأجساد «بركعتين في العشق لا يصحّ فيهما الوضوء إلاّ بالدم». ونزل المجد على الأقصى. وأسرى الله بنا إليه روحيًّا ومن الشهادة تعرج أنت إلى السماء. بأيّ معنى تكون القدس طريقًا إلى السماء؟ كلام غاية في التعقيد. في بعض الأدب الدينيّ إنّ القدس وسط العالم. هذا طبعًا صورة يراد بها أنّ القدس في الجسد الكونيّ بمثابة القلب وأنّك أنت إذًا معها بتّ في الرؤيا، في عالم المعاني، وكأنّ الإنسان في حاجة إلى مرئيّ ليدرك غير المرئيّ. من هذا القبيل هي مصبّ الأشواق (الإسراء في قراءتنا) ومنطلق الأشواق (المعراج في قراءتنا). الذي كتب في سبي بابل: «إنْ أَنْسَكِ يا أورشليم فلتنسني يميني» لم يكن طالبًا وطنه فحسب، ولكنّه كان يطلب الحضرة الإلهيّة في الهيكل. ثمّ صارت المدينة المقدّسة صورة عن أورشليم السماويّة الهابطة من فوق كمدينة الله.

بهذه الروحيّة ذاتها كانت السيّدة رابعة العدويّة لا تبغي الحجّ إلى البيت بل إلى ربّ البيت. لا يطلب أحد الحجارة في الأماكن المقدّسة ولكنّه يطلب إيقونة. والتماسًا لما هو فوق لم يهتمّ المسيحيون الأوائل بأورشليم وكانوا قد غادروها قبل سقوطها بأيدي الرومان السنة السبعين. مخلّصهم بات في السماء. وهنا قبره فارغ. وتمثّل بطريركيّة أورشليم منذ القرن الخامس المركز الخامس في ترتيب الكراسي. أن يكون المسيح قَدَّسَ الأرض شيء لا يعني الكثير للمسيحيّين فإنّ كتابه والقرابين التي هي حضوره أهمّ من تراب القدس.

في العمق وعلى رغم الجانب التاريخيّ الذي ترتبط به القدس في كلّ ديانة، إلاّ أنّ الجامع الحقيقيّ بين أهل التوحيد جميعًا أنّ المدينة تتخطّى ذاتها إلى الله. ولكن قبل إدراك وجهه أنت مع الرموز، والخلاف على هذا المستوى أو ما هو دونه أي السياسة. فإذا سيّست الرموز تقول الدولة العبريّة هناك حضور فلسطينيّ فوق الأرض (الحرم القدسيّ) وسيادة إسرائيليّة تحت الأرض (الهيكل الثاني، مع أنّ هذا ليس مؤكّدًا أثريًّا). باصطناع الانتقال من الرمز الدينيّ إلى المطامع كلّ شيء مباح حتّى السخرية.

هناك، إذًا، تلاقٍ بين الأديان حول القدس إذا ابتغينا المعنى، وتنافر إن ابتغينا الرموز.

غير أنّ الخطوة الفكريّة التي قام بها بعض اللاهوتيّين المسيحيّين العرب منذ الستّينات أنّنا انتقلنا من رؤية الحجر إلى رؤية البشر. هذا التضادّ عبّر عنه بهذا اللفظ للمرّة الأولى البطريرك الياس الرابع في مؤتمر القمّة الإسلاميّ في لاهور وكان على رأس وفد جمع الأرثوذكسيّين والموارنة. في إحساس أوّل تنتقل من الأماكن المقدّسة إلى اللامكان، إلى وجه ربّك، وفي حركة ثانية من الإحساس والفكر تهبط من وجه الله الكريم إلى الوجوه المتعايشة في المدينة التي تمسي في حقيقتها مقدّسة بالعدل الذي يحقّ لهم على الشعوب.

#   #   #

وحدة فلسطين، بصرف النظر عن السجالات التاريخيّة حول الأحقّيّة في الوجود لهذا أو ذاك على هذه البقعة أو تلك، كانت هي صميم العدالة لليهود والعرب لو تخلّى اليهود عن الفكرة الصهيونيّة. ولكنّا ذهبنا إلى مدريد، إلى أوسلو، ووحدة فلسطين أرجأها الدم.

السياسة كلّها تسوية، ولكن ثمّة تسويات غير معقولة ليس فقط لكونها مذلّة ولكن لكونها غير قابلة الحياة. ما هو ضمن السياسيّ المعقول اليوم بانتظار المرتجى، هو أوّلاً – فلسطين مصغّرة في الضفّة والقطاع وقدس شرقيّة كاملة السيادة ومترابطة أجزاؤها، ثانيًا – أرض بلا مستوطنات، ثالثًا – عودة اللاجئين إلى بلداتهم وقراهم. والبقيّة تفصيل.

هذا يضطرّ الطرفين إلى العودة إلى طاولة التفاوض إن لم تتجاوز الأزمة الحاضرة كلّ هذا التأمّل، إذا لم تجنّ الدولة العبريّة إلى منتهى جنونها وإذا لم يذهب أحبّاؤنا في فلسطين إلى كامل بطولاتهم.

بانتظار ذلك ينتظر العرب مؤتمر القمّة. أنا لم أفهم لماذا تأخّر تاريخه. كيف يتفرّجون على المذابح وتبقى لهم أعصاب؟ قدرنا أنّ شهرزاد تنتظر الحكي دائمًا، والعروبة تحبّ الإنشاء وتعتقد أنّ كلامها فعل. أقلّ ما يمكن العرب الذين تبادلوا السفارات وإسرائيل أن يجمّدوا الفعل الديبلوماسيّ.

هذا بدء لفعل عربيّ غايته القصوى أن تتوسّط أميركا بإنصاف بين إسرائيل والعرب. والمؤسف أنّ اللاعب العربيّ لا يمكن أن يبقى إلى الأبد ألعبانًا ليظنّ أنّه يستطيع أن يقاوم إسرائيل من غير أن يوجع أميركا. هذا السيرك العربيّ لا يمكن أن ينقذ فلسطين. هناك أمر يوجع الولايات المتحدة وهو النفط. أن تبقى مستغلّة النفط العربيّ بلا حدود ولا حساب، أن تبقى مرتاحة إلى الواقع العربيّ والإنشاء العربيّ ضدّها، يعني أنّها في صميم الحياة العربيّة وأنّها لم تقطع حبل السرّة بينها وبين إسرائيل. صمود الأمّة العربيّة مجتمعة أمام الطغيان الأميركيّ لا حقيقة له إن لم نسخّر النفط للقضيّة الفلسطينيّة. على العرب أن يبحثوا هم في آليّة تحدّ من مطامع الأميركيّين في الثروة العربيّة. أمّا الكلام على إرسال جيوش أو متطوّعين لمناصرة الفلسطينيّين (من أين؟) فهو مجرّد أغنية تغنّى.

الفلسطينيّون لا يموت عربيّ من أجلهم. اليوم شرف العرب لا ينقذه إلاَّ الشابّ الفلسطينيّ في القدس والناصرة وغزّة وما إليها. لا أعرف آليّة هذا الخلاص، ولكن ما أعرفه أنّه يفيض من القلوب الفلسطينيّة الباسلة التي حالفت الحياة.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

بين الأرثوذكسية والكثلكة/ 8 تشرين الاول 2000 / العدد 41

يحزنني ان انقل إليكم ان العلاقات بين كنيستنا والكنيسة الكاثولكية تمر الآن في مأزق أو صارت متجمدة على مستوى اللجنة الدولية المختلطة للحوار بين الكنيستين. هذه اجتمعت بين 9 و 19 تموز قرب مدينة بالتيمور في الولايات المتحدة، وحضر 46 مندوبًا من مختلف انحاء العالم (الخوري ميشال نجم من أبرشية نيويورك كان يمثل الكرسي الأنطاكي). موضوع الاجتماع كان يدور حول فحص الحركة الاتحادية (مع رومية) من زاوية اللاهوت الكنسي والقانون. الا ان هذا اللقاء فشل كليا ولم يتوصل المجتمعون إلى اتفاق اذ ظل الأرثوذكسيون ينكرون ان هناك أساسا لاهوتيا لوجود الكاثوليك ذوي الطقس البيزنطي.

بحثت مواضيع عميقة ذات طابع لاهوتي وقانوني يتعلق بالكاثوليك المنحدرين من أصل أرثوذكسي وبنشاطهم. لذلك لم يصدر تصريح مشترك عن الاجتماع كما في السابق وسيكتفي الأعضاء برفع تقارير إلى كنائسهم حول إمكانية تجاوز الصعوبات التي تعترض الحوار. مع ذلك عبّرت اللجنة المشتركة عن أملها في متابعة التأمل والحوار عسى يتبين ما من شأنه إعادة الشركة بين الكنيستين. إلى المناقشات حضر المندوبون معا صلوات أقيمت في الكنيسة اللاتينية والكنيسة الأرثوذكسية اليونانية في بالتيمور.

مسألة الحوار على هذا المستوى العالي تعقدت منذ سنة 1990 بسبب من ظهور جديد للكاثوليك الشرقيين في أوكرانيا الغربية ورومانيا (بعد ان كان الحكم الشيوعي قد أغلق كنائسهم). كذلك تحسس الأرثوذكسيون الروس ان الكثلكة تمارس في روسيا –عن طريق مرسَلين لاتين– اقتناصا. آخر وثيقة حول هذا الموضوع ظهرت في لقاء اللجنة العالمية في البلمند المنعقد في تموز 1993. في البلمند رُفض أسلوب الانضمام إلى رومية كمنهج للوحدة. هناك طريقة أخرى لاتحاد الشرق والغرب. وكانت الوثيقة قالت بمفهوم الكنائس الشقيقة. غير ان بعض الكنائس ولاسيما كنيسة اليونان وكنيسة الروم الكاثوليك في رومانيا رفضتا مفهوم الكنائس الشقيقة. وأخيرا أصدر مجمع تعليم الإيمان في الفاتيكان في 30 حزيران الماضي بتوقيع رئيسه الكردينال جوزيف راتسنكر وموافقة البابا قرارا برفض هذا المفهوم.

على رغم هذا المأزق عبّر المندوبون الأرثوذكسيون عن رغبتهم في استمرار الحوار. شعوري الشخصي ان وثيقة البلمند كافية ولم تكن في حاجة إلى إكمالها بوثيقة أخرى. وكان واضحا لدينا ان كل إضافة أو تعديل على نص البلمند من شأنه ان يعقّد موضوع الكاثوليك الشرقيين. لقد أعطتنا رومية في البلمند أكثر مما كنا نتوقع وهو اعترافها بأن انشاءها الكنائس الشرقية التابعة لها كان خطأ تاريخيا وخطأ عقائديا. ونحن لم نوافق على شرعية هذه الكنائس ولكن اكتفينا باحترام وجودها وحريتها. وهي قانونيا جزء من كنيسة رومية. ومن هذه الزاوية نتعامل مع الأسرار التي تتم فيها.

من الطبيعي، في نظرة إلى محادثات كنائس، ان يرى كل طرف منا إلى هذه الكنائس على انها تطرح إشكالية واحدة. تؤخذ ككتلة مع انها اداريا ليست كذلك. تؤخذ كظاهرة واحدة في أوربا الشرقية أو امتداداتها في المهاجر. الا ان بعضا من هذه الكنائس لم يبق ممارسا الاقتناص بشكل ملحوظ أو مباشر، وبعضا يحيا شعورا أخويا تجاهنا.

من الواضح ان هناك حاجزا ليس فقط نفسيا بسبب ظهور هذه الكنائس. وشعوري ان اليقظة من قبلنا والروح المسكونية التي دخلت هنا وهناك من شأنهما ان توقفا الاقتناص. وقد أثبتت النهضة الروحية عندنا وعندهم اننا –في بعض البلدان كما هنا– يمكن ان نتعاون في الإنتاج اللاهوتي العلمي وربما في تعابير أخرى بلا مشاركة اسرارية.

هناك أمور أخرى بعضها عتيق وبعضها جديد وسّعت الخرق بيننا. الاجتماع الرسمي الآتي لن يكون قبل سنتين. كيف نكمل السعي المشترك بعد ظهور هذه العقبة في بالتيمور؟ الله وحده يعلم. اياه نرجو ان يذلّل الحواجز.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الرحمة / الأحد الأوّل تشرين الأول 2000/ العدد 40

أوّل ما نقرأه في إنجيل اليوم (لوقا 6: 31-36) دعوة من يسوع إلينا أن نعامل الغير مثلما نريد أن يعاملونا. الغير موجود على طريق حياتي. هذا هو الذي كلّفني الله به. صرتُ أنا مغذّيه إن جاع ومكلّمه إذا أحس بالعزلة. أفتقده في كل حاجاته. أنا أبادر إلى كل ما يعود عليه بالخير, ولستُ أنتظر ان يسألني شيئا.

أحبه ولا أنتظر منه شكرا. لا أشترط فيه خصلة من الخصال لأخدمه. وقد لا يكون هذا نسيبي أو صديقي. المحبة ليست قائمة على تبادل المشاعر. أنا أحب من جهتي, وقد لا يردّ على المحبة. أنا أحبه وأخدمه طاعة للمسيح.

وكثيرا ما أُقرضه مالا ولا أرجو أن أستوفيه. المحبة المسيحية ليست تعاقدا. إنها تعطى من طرف واحد. تعطى لأي إنسان يحتاج إليها. وإذا عرفنا ذلك نفهم قول السيد: «أَحبوا أعدائكم». إذا عاداني إنسان، يؤذي نفسه ويحزنها. إن طلب إليّ السيد أن أنقذه من هذا العداء، أنا أعالج نفسه. ولكوني عرفت انه واقع في البغض أو الحقد أو الحسد أو النميمة، أصير طبيبه. تعيّنت طبيبا له لأني عرفت أنا مرضه. أفكر بنجاته ولا أفكر بالجرح الذي أحدثه فيّ. وإذا جافيته أو كرهته ينخفض مستوى إنسانيتي, أصبح قزما, أدخل في لعبته. وإذا عرفنا أن المحبة غير مشروطة، يهون عليّ آنذاك أن أفهم: «أحبوا أعداءكم». فكما ينعم الله على غير الشاكرين والأشرار, أوزّع أنا نفسي على من أحبني ومن أبغضني على السواء. قلبي متّسع للدنيا, لذا اختتم الإنجيل هذا الفصل بقوله: «فكونوا رحماء كما أن أباكم هو رحيم».

فكما أن الرب يعامل جميع الناس بالحسنى والنعمة والرأفة والأبوة، أكون أنا كذلك. يتّسع صدره لكل أبنائه الصالحين منهم والسيئين. كل فئة من الناس يستعمل الله معها أسلوبا ليوصلها إليه. ربُّ البيت يحب الولد الطيّب والولد المشاكس, الشرير. له مع كلٍّ من أولاده أسلوب. نحن أيضا، إن عاملْنا الناس جميعا بالعطف الواحد، لنا ان نتدبر حياتنا مع الناس بأساليب مختلفة، والغاية تبقى ان نكشف لهم في سلوكنا الحنان الإلهي.

الإنسان فيه قسوة وفيه أذى وفيه استغلال وحبّ السيطرة. فيه كل الأفاعي. هذا يجب أن تحبه علّك تقتل الأفاعي. لا يفنى الشر الا بالخير والمسامحة وعمل البنيان. السلبية لا يقضي عليها إلا الإيجابية. وأعلى من الإيجابية المبادرة في الخدمة. أن تكون أنت غاسل أرجل, هذه هي رسالتك. هكذا فعل يسوع.

العلاقة الإنسانية ليست تعاقدًا ثنائيًا تقوم على هذا التفاهم أني أُعطيك إن أنت أعطيتني. هي علاقة ثالوثية ناظمُ العقدِ فيها هو الله. «الله أحبّنا أولاً» وهو الذي يحبّنا خلال عمرنا على الأرض، ووحده يتلقّانا عند موتنا واليوم الأخير. أنا أرحمك لأني تعلّمت أخلاق الرحمة من الرب حاضني. وإذا نظرنا إلى الناس بعيني الله، نراهم على رغم خطاياهم أحبة له.

في هذه الأرض ينبغي ان نكون مستعدين للتعامل مع الكل. ومن حالتهم نرتقي بهم أو نسعى. هذا موجع للإنسان الحساس وموجع للطاهر الذي يصدمه غير الطاهرين. غير ان الرب جعل كل إنسان مؤمن حارسا لأخيه، وان لم يقبل هذا التفويض وترك غيره بلا رحمة يكون قد سلّمه إلى الموت.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

صائد الناس/ 24 أيلول 2000 / العدد 39

في إنجيل اليوم (لوقا 5: 1-11) بعد أن دخل يسوع إلى سفينة بطرس وهو المسمّى سمعان قال له السيد: «تَقدَّمْ إلى العمق وأَلقُوا شباككم للصيد». وبعد أعجوبة الصيد العجيب قال السيد لتلميذه: «انك من الآن تكون صائدًا للناس». وبعد ان عاد التلاميذ الذين كانوا يصطادون «تركوا كل شيء وتبعوه».

          «تَقدَّمْ إلى العمق» ليس فقط في بحيرة طبرية ولكن، اذا صرت صائدًا للناس ورسولا، تتقدم إلى عمق قلوبهم، لأنك إن لم ترسل كلمتك إلى عمق القلب، ولكن بقيت على سطحه، لن تضع الله في هذا القلب. هذا الذي تخاطبه، اذا قلت له أشياء ليس فيها عمق، لن يَخْلُص بكلماتك. قد يسمع ولا يريد ان يتغير اذا انت خاطبت عقله دون فؤاده. اذا نزل المسيح إلى داخله يُغيّره وتكون انت قد اصطدته. ولا تستطيع ان تكلّم أحدًا الا اذا سجدت على ركبتيك للرب مثل بطرس، وتقبل الرب بالتوبة سيّدًا على كل فكرك وتمحو فيك الرغبات التي لا يحبها يسوع. ولن تجثو الا اذا اعتراك انذهال اي اذا خُطف عقلك إلى المخلّص ولم يبقَ فيك الا ما يحبّه هو.

          عند رؤيتك يسوع وحده لا يشاركه فيك شيء تكون مهيّأ ليجعلك صائدًا للناس. فاذا حلّ فيك بالروح القدس تترك كلّ شيء وتتبعه. تنسلخ عن كل شهوة ضارة معوقة لرؤيته في كل بهائه. هذه هي الحياة الرسولية في كنيستنا أن تكون ملتصقاً بالسيد. فإذا ذهبتَ إلى الناس فلكي تُبلّغهم ما رأيتَ بعينيك وما سمعَتْه أُذناك وما لمستَه بيديك من معاشرة الفادي. تذهب إلى الناس بقوّة يسوع. تذهب ولا تكون قد تركته.

          أن يكون صيادًا للناس اذا كنتَ كاهنًا تعني أن ما وراء الخدمة الإلهية التي تؤديها ليس القصد منها ما يراه الناس فيها وما يسمعونه، ولكن القصد أن يرتمي كل من الإخوة على صدر المعلّم ليسمعوا خفقات قلبه. وإذا قمت بزيارة فليس لتسلّم على المؤمنين وتسألهم عن أحوالهم وأحوال بنيهم، ولكن الغاية أن توصل كلمة الرب واضحة فتتحدث عن المسيح مباشرة بكلمات إنجيله.

          ولكن ليس الكاهن وحده صائدًا للناس. كل من اقتبل المعمودية ومُسح بالميرون تعيَّن شاهدًا. ولا أتكلّم هنا على الشهادة باستقامة الحياة ونقاوتها وهي الأساسية، ولكني أتكلم على الشهادة بالكلمة. أن تبلّغ الناس كلمات الحياة بعد أن تكون قد عرفْتَها لكي يَحيوا ويتحركوا ويوجدوا ثم يجتمعوا يوم الأحد لأكل عشاء الرب. أنت تستخدم الإنجيل لكي يتوبوا ويلتصقوا بالمسيح. وليس أفعل من كلام يسوع كما صدر عنه. الغاية أن يتلفظ مَن تُبشّره باسم يسوع. أن يستلذّ الاسم بشفتيه لأنه لا يستطيع أن يلفظ اسم يسوع الا اذا ترك ما عداه فيلتحق به.

          ليس فقط اسم الله أو حتى اسم المسيح فالمسيح ليس اسمًا ولكنه نعت. الاسم هو يسوع. الفظها كما هي. واذا سمعتها من أحد، اذ ذاك تتأكد انها وصلت.

          أنت مدعو أن تأتي بأصدقائك وغيرهم إلى المعلّم وإلى ما قال حتى يحبّوه ويحبّوا ما قال. بعد هذا يكون من الطبيعي أن يجتمعوا حيث اسمه مذكور وحيث جسده ودمه.

          هذه مسؤولية انتدبَتْكَ لها المعمودية. وبلا تبليغ الناس الرسالة، تكون معموديتك آلت إلى مجرّد اغتسال بالماء.

Continue reading
2000, جريدة النهار, مقالات

المجد الباطل / السبت 23 أيلول 2000

يقال له في اليونانية المجد الفارغ لكون صاحبه يظن ان عنده شيئا وليس فيه شيء. عند المصابين بهذه الشهوة مركز وجودهم هو الانا. اما المتحرر فلا يحسب ان هذه الدنيا تغنيه لكن الهه يغنيه. الواقع في هذا الهوى الكبير. يستعلي مما يملك. اما الحر من عبودية الملك وعبودية الافتخار فيرى نفسه فقيرا. الذي ملكته الارض يحسب انه مالك الارض وسيدها ويسعى الى سلطان على البشر. ورغبته في ان يراه الناس ويعجبوا به ويقدروه ويمدحوه. ويعجب من عدم انبهارهم به.

الحسناء تظن انها تملك حسنها والثري ان له حقا في الثراء وقد يذهب المثقف الى ان ثقافته عظمة له. الانيق والانيقة قد يحسبان ان الاناقة توجب على الناس الافتتان بهما ويذهلان انهم لم يفتتنوا. لا يعرفون ان هندامهم وعطورهم وما يتبرجون به ليست هي اياهم ولكنها اشياؤهم. وقد لاحظ القديس مكسيموس المعترف ان هناك جدلية بين المال والفخار. الذي يمجد نفسه يسعى الى المال والمال ينشئ فينا المجد الباطل. وهذا كله يجلب الترف والبذخ. فأنت باذخ بسبب من زهوك. وقد تسعى الى وظيفة او مكانة لتبقي الزهو. غير ان المال ليس فساده فيه ولكنه وسيلة الى السلطة وعشقها. المال ذروة فساده انه يبعث فيك حب التسلط. ولكونك وحدك موجودا يهمك ان ترى الناس عبيدا لك. “انا ربكم فاعبدوني”. ولهذا تقضي حياتك في التفتيش عن عبادة لك.

وقد لا يكون المال وحده سبيل اغراء الاخرين بك. فكثيرا ما يفخر القوم بما يعرفون. بشهاداتهم العليا، بجمال خطابهم او ما يكتبون. اذ المال لا يكفي صاحبه. بعد كثافة من الثروة تنشئ صحيفة ليقال انك مثقف او تجمع مكتبة لا تقرأها لأنك في داخلك تحس ان كثرة من الناس لا تسكرهم ثروتك ولكن ما من انسان لا يهتز للثقافة. تتظاهر بها او يظنونك عليها اذا عقدت حولك مجلسا من العلماء او الشعراء او حضرت حفلة موسيقى كلاسيكية لا تفهم منها شيئا ولا تذوقها.

ومن الناس من ليس عندهم مال او تغلبوا على شهوته. وعندهم فضائل حقيقية. تجربة الشيطان اياهم ان يفخروا بفضائلهم لكونهم نسوا انها من الله وان ليس لهم فيها شيء. هذا النوع من الفخار يقع فيه من صار لهم في الفضيلة معراج واقتنوا الكثير منها واوغلوا بالنزاهة في محيط قليل النزاهة او تشددوا بالعفة حيث يكثر هاتكوها. ان ترى نفسك فاضلا مع حفنة قليلة من الفاضلين من شأنه ان يوحي اليك انك من الاعزة المقربين الى الله وينسيك انك صرت الى البهاء فقط برحمة من ربك. وفي هذا قال السيد: “كيف لكم ان تؤمنوا وانتم تتلقون المجد بعضكم من بعض واما المجد الذي يأتي من الله وحده فلا تطلبون” (يوحنا 5:44).

هناك اذاً مجد حقيقي يأتي من الله، هذا هو الهابط على المتواضعين. ولكونك احتجبت دون نزول هذا المجد عليك تذهب الى مصادر المجد البشرية. وقد قال الرب لهؤلاء: “انكم لا تستطيعون ان تؤمنوا”، ذلك ان ايمانك تعطاه من الله وليس لك فيه شيء. فالله اذا مجدك يمجد نفسه فيك. هؤلاء لا يقدرون ان يؤمنوا لأن الايمان، لغة، ان تجعل الله مأمنك، وهذا يعني ان ترى النور فيه. واذا ارتفعت عيناك الى وجهه يمحي وجهك في عينيه.

من الصعوبة بمكان ان نتنزه عن المجد الباطل. انه يلاحقنا من كل صوب. فالانيق مثلا اذا لبس ثوبا جديدا يعتز به. واذا اهمله وارتدى ثوبا غير باهظ الثمن يفتخر بأنه تواضع. ومن يقول كلاما جميلا يفتخر ومن صمت عنه يفتخر. عند آبائنا النساك ان هذا المرض يشبه البصلة. فكلما نزعت عنها قشرة تظهر قشرة اخرى. لكن نباهة النفس تكشف لك حقيقة قول الرسول: “من افتخر فليفتخر بالرب” (2كورنثوس 10:17) لذلك كان من سعى الى ان يظهر يمدح مادحيه لكونهم يغذون فيه الحياة التي اصطنعها لنفسه.

المأساة هي هذه ان من انتفخ هكذا واستكبر لا يعرف تفه الاشياء التي يسبح فيها ولكنه يحسب المتواضعين اغبياء. يعطي قيمة لما ليس بقيمة ووجودا لما ليس بوجود. لا يرى هشاشة ما بين يديه ولا يرى المتعلم المنتفخ انه قد يجن ولا ترى الجميلة ان اي مرض او حادثة تنهي جمالها. المشكلة عند هؤلاء ان ما يراه الصالحون وهْمًا يراه هؤلاء حقيقة وما يراه الخيرون حقيقة يمسي في نظر اولئك وهْما. هذا هو الهذيان عينه. واذا كان الجنون تحديدا ان نخرج من عالم الواقع لبناء واقع فعاشق المجد يحيا في عالم الاستيهام. انه استيهام، المصاب فيه لا يرى من حوله ان متملقيه كاذبون مستفيدون وانهم يهزأون به في سرهم او مجالسهم. انهم يعرفون ان المصاب بهذا الداء يتقسى قلبه ويحتقر من يستعملهم. ولكونهم يريدون العيش به او منه يسكنون المدح. وكثيرا ما يعرف هذا ان مادحيه كاذبون ولكنه لا يريد ان يواجه حقيقته وقد يمدهم برواتب او هدايا ليتحلقوا حوله. لقد غدا في حاجة الى فراغه اذ لا يستطيع ان يشاهد الاسمى.

هذا المجد الباطل المحدق بنا جميعا لا شفاء منه الا بفكر الرب الذي يريدنا ان نذكر الموت لنشاهد باطل حاضرنا. وللرب اساليب لأنه “حط المقتدرين عن الكراسي”. قد لا يتوب انسان كهذا الا اذا ضربه الرب بجسده. المشكلة ان البشر لا يأخذون عبرة من موت الآخرين. هناك من لا يعتقد حقا انه يموت اذ يتصرف بهذه الدنيا وكأنها جالسة عنده الى الابد. لا يشفى من هذا المرض الا اذا ادرك ان العالم الذي اصطنعه لنفسه انما هو الوهم عينه. قد يفهم اذا رأى سعادة الفقراء وسعادة المرضى الصابرين. المشكلة ان المصابين بهذا الداء يعاشرون فقط من يتجانسون واياه لأن بين هؤلاء جميعا تسابقا على المجد وتسابقا على النفوذ والاثراء.

المهم ان نهرب من كل ما من شأنه ان يرفعنا في رؤية العظماء. لقد اوصانا باسيليوس الكبير ان نسكت الذي يمدحنا. الابرار لا يطلبون مقاما يعظمون فيه. واذا بلغوه فليعرفوا انه خدمة فقط. هناك ترويض للنفس كبير ان لم نتكلم على انجازاتنا وان نهرب من النجومية، الا نتحدث عن قدرتنا واللغات التي نجيد والفساتين المشتراة في باريس، الا نسأل اصحابنا عما اذا كانوا قد قرأوا ما كتبناه، الا نفاضل بيننا وبين الآخرين، الا نذكر احسانا قمنا به وان نسعى الى صنع الخير في الخفاء.

واذا وصلنا الى مقام يضطر الناس فيه الى ان يحتكوا بنا وينبهروا فلنفكر ان المقام مطرح للخدمة فقط ما يجعلنا نقول مع الرسول عن عمل اوكل اليه: “اذا كنت افعله ملزما، فذلك بحكم وكالة عهدت اليّ” (1كورنثوس 9: 17).

في هذا المنصب قد يذلنا الناس. حسن ان نقبل الذل صامتين. الذي أذلك او شتمك او اهانك رسول الله اليك. اعتبره طبيبا لك يؤدبك الله به. ليس مثل نكران الجميل وانتقاص حقوقنا او ازدراء مكانتنا يعلمنا التواضع. كم من مرة شاهدت من اوبخه امام الجماعة يثأر لما يسميه كرامته. انه لا يعرف ان البشر لا يعطونه كرامة. الكبير في الحياة الروحية يخفي عن عينيه حسن خصاله ولا يذكرها للآخرين. واذا وعى خطاياه فيذبل امامه المال والجاه والتشريف الذي يحاط به.

انها لقاعدة لا تخطئ انك ان رأيت لنفسك مجدا في دنياك لا يراك ربك ذا مجد. المهم ان يراك الله فهو وحده مرجعك. ذلك انك ان ابصرت مجده فيك وفي الآخرين تكره التمجيد الذي يأتي من الناس وتدخل في دائرة التواضع الذي اذا ادركته يهبك الحرية كاملة.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الأحد بعد الصليب/ 17 ايلول 2000/ العدد 38

يتابعنا الصليب قبل ذكراه وبعد ذكراه لتقول الكنيسة انها متعلقة بهذا الذي رُفع عليه. وحتى ننتقل من نشوة العيد إلى جدية الالتزام بالمعنى، نقرأ اليوم القول المبارك: «من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني» (مرقس 8: 34). ولئلا نحمّل يسوع وحده ثقل صليبه ونبقى متفرجين أو متوجعين أو فقط منشدين، قال السيد: ان عليك صليبا رماه الوجود عليك، صليبا قد يكون عائلتك أو رب العمل أو الحكومة أو الضائقة الاقتصادية أو اوجاع جسدك أو اوجاع نفسك أو الإغراء الذي يداهمك في كل حين.

          هذه عليك ان تواجهها. وان فررت منها فأنت صريع الأوهام. المسيحية هي قبل كل شيء ان تواجه، ولكن لست وحدك في المواجهة لأن يسوع، معلقا، هو امام عينيك ويسوع، صامدا، امام عينيك ولكن يسوع، قائما، هو في تعزياتك.

          ولئلا تظن ان هذه الآلام طارئة او خارجة عنك فلا تدخل اليك نبَّهك السيد انك تستقبلها في صميمك. فالضائقة الاقتصادية توجعك وكذلك الحياة السياسية او هذا القريب الذي يخونك او هذا الذي لا خفّة في دمه يزعجك. كل هذه هي فيك وقد تكون ضاغطة جدا. هي تصير بعضا من نفسك، ولذا دعاك المعلّم ان تكفر بنفسك وأن تعتبر ان ما ترضاه ضد شريعة المسيح انما هو تعبير عن أنانيتك. وآلامك آلامك انت ولا يقدر احد ان يحملها عنك. انت تحمل صليبك انت.

          ولئلا تنوء تحت ثقله، يلفتك يسوع أن حمْل الصليب بحد نفسه ليس بشيء ولكن أن تتبعه هو. السؤال: حتى متى تحمل آلامك وإلى أين تسير بها؟ يجيبك: انت اتبعني. تتبعه إلى حيث سار، وسار إلى الجلجلة، ولكن من بعد الجلجلة انتفض من الموت وصعد إلى الآب. «حيث أكون انا هناك يكون خادمي».

          ولكن قد تتضجّر انت من الصليب. كل واحد منا يتعب. عند هذا يقول لك المعلّم: «ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟». تقول انت في نفسك: اريد انا  ان احب كل ما في هذا العالم لأتلذذ وأشبع ويصير لي في هذا العالم مجد وسلطان. السيد يجيبك بلسان حبيبه يوحنا: العالم يمضي وشهوته، انتبه ألا تتخم، ألا تعيش مع الأشباح. لا شيء من هذه يُشبع رغبة نفسك في الأشياء العظيمة. في الحنان، في الغفران، في العطاء الكبير. تلك هي الأشياء الكبرى التي اذا صبوت اليها وتركزت عليها يبقى لك الحلال من الطعام والشراب والحلال من المال. هناك اشياء تحتاج اليها. خذها اذا هيمنت عليك المحبة وغذّاك الإيمان. ولكن انتبه ألا يتسلط عليك بشيء. اعبر بما يجوز عبوره واقطف ما جاز قطافه، ولكن ضع نصب عينيك غاية الطريق. والغاية هي المسيح. هذا زهد بالعالم؟ أكيد. استعمل الأشياء ولكن لا تغرق في واحدة منها. سُدْ كل ما كان بين يديك وامام عينيك وما دخل إلى قلبك.

          فاذا سادك المسيح، انت حر من أشيائك. هكذا يكون قد رُفع صليبك انت وانطلقت إلى القيامة.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

رفع الصليب/ 10 أيلول 2000/ العدد 41

من ناحية العبادات نتهيأ لعيد رفع الصليب بالأناشيد المعروفة بالكاطافاسيات في صلاة السَحَر، وذلك قبل حلول العيد بأسابيع، وبقراءة انجيلية السبت قبل العيد، وقراءة اخرى الأحد قبل العيد، هذا الذي نحن فيه.

          التلاوة مأخوذة من كلام الرب في الإنجيل الرابع(يوحنا 3: 13-17) ونستهلها بقوله: «لم يصعد أحد إلى السماء الا الذي نزل من السماء…» اي انه صعد بالصليب. هنا يوحنا الرسول يختزل القيامة والصعود بحدث الصلب الذي هو عنده مكان التجلّي والمجد. قوة المسيح ظهرت بموته أي بانتصاره على الموت وعلى الخطيئة وهذا لينعكس فينا ونذوقه كما ذاقه هو. نحن نعيش موت السيد وقيامته في سر المعمودية أولاً وفي سر الشكر (القرابين) ثانيًا.

          غاية الصلب «لكي لا يهلك كل من يؤمن به». الخلاص لا يقوم بتصديق كل شيء ولا يكتمل بالإيمان بالله فهذا موجود عند غيرنا. الخلاص هو الإيمان بأن الله أحبَّ العالم حتى بذل ابنه الوحيد. لقد أحبنا الله بالمسيح أي بتجسده وصلبه. هكذا تفجرت المحبة الإلهية. محبة الله ظهرت وشاهدناها ونعلنها وننفّذها حسب قوله: «مَن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني» (إنجيل السبت قبل العيد). ما قَبِلَه السيد في نفسه وجسده اي إماتة الخطيئة لا ينفعنا بشيء ما لم نختبره في حياتنا اليومية. فَنُميتُ خطيئنا الشخصية ونحيا بالتوبة.

          فالمسيح الذي هو الحياة الأبدية «أنا هو الطريق والحق والحياة» يبث حياته في نفوسنا وأجسادنا فيصير كل منا مسيح الله بالنعمة، مُسمّرين عليه، مُندمجين به.

          الرسالة النابعة من هذا ان الله «لم يرسل ابنه الوحيد إلى العالم ليدين العالم بل ليخلّص العالم».

          المسيح لم يأتِ ليضرب ويعاقب. هذا كان معروفًا قديمًا. جاء ليقول ان الله لا يخيف لأنه أب، وان نظام العلاقة بيننا وبينه هو انه يحبنا كأولاد أحباء ونثق به أبًا عطوفا. يريدنا أن نخلص اي ان نحيا حياة حقيقية قائمة على كلمته وحنانه.

          هذه الشراكة بيننا وبينه ثمرة العهد الجديد بدمه. ولعلمنا بأنه أَحبَّنا اولاً بتنا قادرين أن نستجيب لحبه بحب. الصليب كان أداة تمزيق يسوع حتى يرفع عنا كل تمزيق، ليصير فينا حلاوة. الحلاوة تبدأ بأن نَقبل المسيح مخلّصًا وحيدًا، وعند قبولنا بهذا تصير كل نفس عروسا للسيد وتعايشه بدفء عطائه الإلهي.

          ابتهاجنا ليس بالنيران والأسهم النارية. نحن أبناء الفرح الأعمق الذي أُوتيناه من أنّ «ليس إله مثل إلهنا». الإله الذي نحن نعرفه إله المحبة التي لا حدّ لها. استجابتنا له أن نؤمن به، ان نتكل عليه، ان نلجأ اليه باستمرار لمعرفتنا انه الحبيب الحبيب.

Continue reading