Category
لست أعلم إذا كانت كل قرى العالم مصابة بالانقسامات مثل قرى جبل لبنان، ولست اعلم إذا كان الانشقاق ظاهرة ملازمة لوجود القرية. ولكن المعروف تاريخيا عندنا ان التفسخ قائم منذ ظهور الحزب القيسي والحزب اليمني، ثم اتخذ ألوانا مختلفة بنشوء الأحزاب العقائدية. ولكن هذه الأحزاب تزاوجت في القرى أحيانًا بالانقسامات العائلية فكانت هذه هي الحقيقة الراهنة وكان الحزب طلاء أو قشرة.
الضيعة في لبنان مجتمع متراص على رغم اختلافاته، وإذا دخله غريب يبقى ضيفا محبوبا ولكن لا قرار الا للعائلات الموجودة منذ الأزل. هناك أسباب مختلفة للتوتر. عندك أحيانا بيوتات كثيرة العدد لا تفسح في المجال للبيوت الصغرى للمشاركة في مسؤولية الأوقاف أو تشكيل مجلس الرعية. يقولون هكذا اصطلحوا أو اعتادوا أو ورثوا. فهناك العريق وهناك الأقل عراقة، وبكلام آخر بيت زعامة قديمة أو جديدة أو بيوت. وأنت عليك ان تنصاع لكونك من عامة الشعب. ولا تخولك شهادة جامعية أو ذكاء ألمعي ألاّ تصطف. كيف جاءت العراقة، هل هي مدعومة بصفات أخلاقية عالية أو غنى؟ الأمور هي هكذا منزلة من السماء.
هذا لا يمنع التزاوج وتبادل الزيارات وعاطفة تكون صادقة أحيانا ويقل الصدق إذا تجابهت المصالح في انتخاب مجلس بلدي أو مختار. هذا هو الموروث المقدس، وحرام ان تمس الموروث. وتلتصق بهذا السياسة المحلية الأوسع من القرية. الاختلاف، إذ ذاك، يكون حول النيابة. لأي سبب وطني، لأي برنامج، لأية فكرة إصلاحية أنت لهذا المرشح أو ذاك، فهذه مصيبة الوطن كله.
يحمل الأرثوذكسي هذا من نفسه ويوليه أهمية كبرى إلى درجة الزعل والجفاء. ويحمل هذه الأشياء الدنيوية هذا أو ذاك ويأتي بها إلى الكنيسة فلا يكون -لو كان البحث صافيا- سبب اختلاف. قد يقتنع بصواب الرأي الذي قال به آخر، ولكنه يقاومه لمجرد ان هذا الآخر أتى به. وتكون النتيجة ان المشاريع تتعرقل أو تؤجل، وتظهر أكثرية قاهرة وأقلية مقهورة، ولن أطيل الوصف لأنه محزن. وبدل ان نحيا بالتعاضد ونقوم بالعمل كإخوة، نتحارب، وسبب الموقف الذي نتخذه ليس هذا الذي نقوله ولكنه سبب مضمر، كامن في العائلية أو التحزب المحلي أو التصادم السياسي الكبير. نبني كنيسة مثلا، وتلاحم حجارتها لا يأتي صورة عن تلاحم القلوب، ونبخل بمعاش الكاهن ليس لأنه لا يستحق ولكن لأن «الخصم» تقدم بالاقتراح.
إزاء هذا الداء المتفشي قال بولس الرسول: «اطلب إليكم أيها الإخوة باسم ربنا يسوع المسيح ان تقولوا جميعكم قولا واحدا ولا يكون بينكم انشقاقات بل كونوا كاملين في فكر واحد ورأي واحد. لأني أُخبرتُ عنكم يا إخوتي من أهل خلُوي ان بينكم خصومات»، حتى يصل إلى القول: «هل انقسم المسيح؟» (1كورنثوس 1: 10- 13).
شعور بولس ان كنيسة كورنثوس بانقساماتها تصرفت وكأن المسيح مقسوم. فإنها هي المسيح حالاّ في شعبه أو ممدودا في شعبه.
ما أحزن الرسول يحزنني كل يوم، فتأتي رعايتي في أماكن كثيرة ترقيعا مؤقتا عوضا عن ان تأتي بلسما للجراح. ماذا عملنا بقول السيد: «أحبوا بعضكم بعضا كما أنا أحبتكم»؟ واشعروا أنكم أغصان متشاركة في جذع الكرمة الواحدة. السؤال الحقيقي: هل نحن كنيسة واحدة في القرية أم شرذمة بشر؟
Continue readingهناك تصرف مسيحي عند موت عزيز من خشوع وصمت ودعاء عميق. اليوم لن اقول شيئا في هذا. ولكني اود ان ألفتكم إلى ما هو أبسط، إلى أمور تتعلق بي وبكم. أعود إلى حديث حضوري مآتمكم. كشفت لكم غير مرة اني غير توّاق إلى ان أرئس جنازات، وقد تتكاثر في اسبوع واحد أو يوم واحد، ويجب التوفيق بين الاوقات. ولكن الأهم من ذلك ان كاهن رعيتكم كافٍ لإقامتها، وفي هذا راحة للجميع.
واذا كان تحديد الوقت شيئا هاما، فرجائي اليكم ان تسألوني عن الموعد الذي يناسبني. فقد تحددون وقتا أكون فيه منشغلا بواجب آخر وقد لا أصل بسبب المسافات في ابرشيتنا. وفي المنطق نفسه قداس الأربعين أو السنة لا بد من تحديد تاريخه بالاتفاق معي اياما كثيرة قبل موعده.
اتمنى ان نكون بسطاء في التعامل. فقد أَعتذر مثلا عن حضور اكليل في آخر لحظة إمّا لتعب شديد أو لانشغالٍ طارئ، فقد يستدعيني واجب كنسي كبير أو ينتدبني السيد البطريرك في مهمة أو لأي سبب ليس من حقكم عليّ ان تعرفوه. هذا ليس إهمالا لكم. ما من راعٍ يحب إهمال خرافه. ظروف الرعاية تملي علي احيانا ان أغيب عن «أفراحكم أو أتراحكم». اتركوا الأمر لتقديري.
إلى جانب ذلك هناك تصرفات أَعتبرها في غاية الإزعاج. ففي طريقي إلى بيت المتوفى ارى في ساحة البيت صفوفا من الرجال والنساء جالسين، واذا مر الكاهن أو المطران يظلون على كراسيهم قاعدين. الكنيسة جماعة بشر عندها أب. لو كان هؤلاء يحسّون ان عندهم أبا روحيا لوقفوا. العلاقة اذًا ليس فيها دفء أو ليس من علاقة.
في كثرة من الأحيان، عند نهاية المأتم، عندما أَنزل لتعزية اهل الميت يقف الرجال ولا تقف النساء. انا لا أَقدر ان أصافح انسانا جالسا الا اذا كان مسنا أو مريضا. يخطر في بالي ان النسوة تَعلّمن من الإفرنج الا يقفن. هذا لا ينطبق على تعاملهن مع الإكليريكي. فقد ورد في كتب التهذيب المقروءة عند الاوربين ان الكاهن يُقَدَّم في المجالس على اية سيدة مهما علا شأنها.
وشبيه بهذا الانزعاج ان يطلب احد المؤمنين تقبيل يد المطران، ولكنه بعد ان يضع يده بيدك يقبّل إصبعه. لماذا التظاهر بتقبيل يدي، ولا احد يرغمك على ذلك؟ ولكن ان اردتم ان تفهموا، فالأمر ليس فيه مجاملة وليس فيه خنوع كما يذهب المتأثرون بأصحاب الهرطقات. لا أحد يرغمك على شيء. ولكن اذا بادرت إلى الأمر، فقُم به صحيحا.
في بعض الأماكن وليس دائما، لا تكون بعض النساء محتشمات في المآتم. ارتداء السواد يدل على حزن النفس (وهذا دنيوي ولا علاقة له بالكنيسة). كيف تجمع المرأة إلى الحزن الغواية؟
موضوع «بدل الأكاليل» أخذ يقلقني في بعض المواضع. هذه عادة درجنا عليها من اجل دعم الكنيسة بالاستغناء عن شراء الزهور. ولكن أَسمع احيانا أن مائدة وُضعَتْ لأحدى الجمعيات او أحد الأندية. هذا غير مقبول، ففي هذا تعطيل لموارد الكنيسة. ليس احد منكم ممنوعا ان يتبرع حيث يحلو له ولكن دون ظهور تنافس بين الكنيسة وجمعيات خاصة على ابواب الكنائس.
آخر بدعة فكرة تخصيص هذا المال لأهل الفقيد. هذا لا أساس له. انه تسول. ان مجلس الرعاية بعد قبضه هذا المال -وهو وحده المرجع- اذا عرف حقا أن اهل الميت في حاجة، يتبرع لهم من مال الكنيسة بصمت أو ينظّم المأتم بكامله. الكنيسة حاضن للجميع.
أرجو ان نتقيّد بكل هذا لتكون امورنا «بلياقة وترتيب» كما يطلب الرسول.
Continue readingكان متسولا ككل المكفوفين الفقراء (لوقا 18: 35-43). حاسة الاتصال عنده السمع. سمع ضجيجا غير مألوف. ما الأمر؟ قيل له: يسوع الناصري عابر. حول بلدة أريحا في منطقة اليهودية، كل الناس كانوا يعلمون ان هذا المعلّم الجديد يصنع معجزات. لقد تمّت هذه الأعجوبة فيما كان يسوع ذاهبا إلى الآلام، وفي طريقه من الجليل إلى اورشليم كان لا بد له ان يمرّ بأريحا. فيما كان ذاهبا إلى نور صليبه، التقى هذا الرجل الفاقد النور، هذا الفقير الذي كان صورة عن اسرائيل الفقير، هذا الأعمى الذي كان صورة اسرائيل الذي لم يقدر أو لم يحبّ ان يرى النور في المسيح.
مرقس يسمّي هذا المريض ابن تيماوس. يعرّفه باسمه. انه اهم من الجمهور. انه هو الآن في حاجة إلى يسوع. لما أَخبروا الفقير ان يسوع مجتاز، صرخ: «يا يسوع ابن داود ارحمني». صرخ لأنه لم يعرف المسافة التي كان عليها من السيد. كل محتاج يصرخ. سمّى المعلم «ابن داود». هي عبارة تعني ان الناصري هو المسيح. الأعمى يعترف واليهود لم يعترفوا. انتهره الجمع الذي كان يصحب المعلّم. لا يريدون جمهورهم أن يتوقف عن السير. بقي يصرخ ويسترحم. عندئذ وقف يسوع. ما همّه الناس الذين كانوا حوله. ما كانوا بالضرورة مؤمنين. كانوا بالتأكيد فضوليين.
وقف يسوع لأنها ساعة حبه لهذا المحتاج اليه. «أمر ان يقدَّم اليه»، ان يزول الحاجز البشري بينهما. يسوع مخصِّص نفسَه للمحتاجين اليه، للطالبين النور به. ولما «اقترب (المريض)، سأله قائلا: ماذا تريد أن أَفعل بك؟». طبعا كان السيد عارفا بما كان الرجل يطلبه. ولكنه اراد ان يقيم حوارا معه. اراد ان يقول له انه هنا ليهتمّ به. «فقال يا سيد أن أُبصر». غالبا أنه لم يكن أعمى منذ مولده لأنه كان يعرف قيمة البصر أو انه سمع الناس يتكلمون عن جمال هذه الدنيا. فاذا أبصر سوف يعـود ليتمتع بما كان يشهده في طفولتـه. وفي كل حال لا يبقى في ذُلّ الانسان المستعطي. يمكن ان تكون له حياة جديدة. يمكن ان يتحوّل حلمه بالبصر إلى قدرة عظيمة. «فقال له يسوع: أَبصِرْ». لك أن ترى من تحب. لك أن ترى زوجتك وبنيك وربما أن تستعيد الأصدقاء الذين تركوك. يمكن ان تصير انسانا جديدا. «ايمانك قد شفاك».
انها تعني ايمانك بي قد شفاك. مجرد التوق إلى الشفاء لا يشفي. هذا مرض لا تأثير فيه للأعصاب. الانفعال العصبي لا يشفي شبكة مسلوخة. انت كنتَ في الكفاف الكامل. هذا لا شيء يشفيه. يسوع وحده يُقيمك منه. انـه قادر على ما عجز عنه الطب. السيد ينقل الإنسان من العدم إلى الوجود.
«وفي الحال أَبصرَ وتبعه». في الحال، يقول. فإن قدرة المسيح فاعلة فورا. هو سيدُ ما اختلّ في الطبيعة. هو سيدٌ الآن على كل عمى، على كل قلق، على كل يأس. عندما تعجز النفس عن النهوض، عندما يلوح لها ان الأدوية تشفي أو ان التحليل النفسيّ يشفي، ويصدمها مع ذلك كل علاج، ماذا يبقى لها؟ انا لست أقول لأحد لا تلجأ إلى العلاج بسببٍ مِن اختلالٍ في الصحة الجسدية أو الصحة النفسية، فلا بد منهما لنستعمل الوسائل العقلية. الإنجيل لا يُعفينا من أية وسيلة بشرية. غير أن المسيح له -متى شاء- أن يتدخل مباشرة ويُنهضنا من كل كبوة، من كل سقوط للنفس أو الروح، من كل خطيئة مستعصية لأن هذه هي العمى. في المحنة الكبرى لا بدّ لك من أن تصرخ للمعلّم وان تقول له انك وحدك وانك ضعيف. قد تكون الصعوبة الكبرى أن يعترف الإنسان بضعفه وأن يُقرّ بأن المسيح هو كل الحياة. متى حصل له ذلك يمجّد الله كأعمى أريحا. والذين حوله مثل الجمهور المرافق للسيد اذا رأوا التغيير الحاصل يسبّحون الله. الشفاء الروحي فينا دعوة.
Continue readingاللافت أن الذي أتى الربَّ في إنجيل السامريّ الشفوق وفي إنجيل اليوم (لوقا 18: 18-27) أتاه مجرّبا. وكلاهما مثقّف لاهوتيا ويعلمان الجواب عن سؤالهما: «ماذا أَعمل لأرِثَ الحياة الأبدية؟». في مثَل السامريّ، السيد يعيد المحاور إلى شريعة موسى والرجل يلخصها بما سُمّي القاعدة الذهبية: أَحببِ الربَّ والقريب. في إنجيل اليوم، السيد نفسه يجيب عن السؤال بسرد خمس وصايا من العشر وكلها تتعلق بالقريب، وكأنه يقول إن محبة القريب تفرض بالأقل ألاّ نعامله بشرّ، وتفرض ايجابيا أن نعامله حَسَنا.
يبقى ما هو أعمق: «بعْ كلَّ شيء لك ووزِّعْه على المساكين فيكون لكَ كنزٌ في السماء، وتعال اتبعني». انه العطاء الكبير حتى التجرد من كل شيء. «بع كل شيء» لا تعني، بالضرورة، أن الرب يريدك أن تعيش بالعوز الكامل. فهذا خطر عليك، وعليك مسؤولية العائلة. ولكن يسوع لا يريد ان يضع حدا لمحبتنا للفقراء. ليعطِ قلبُك كل شيء حتى لا يُحسّ بتعلّق مادي. الهاجس الحقيقي ليس أنْ أُعطي العُشْر كما كان اليهود يفعلون. فقد يدعوك الحب إلى بذل اكثر من ذلك أو تدعوك الحاجة إلى بذل الأقل. فقد تعطي العُشْر لأن هذا كان أمرًا من الشريعة ولكنك تتحسّر على هذا الذي أَعطيت. القضية ليست اذًا قضية مبالغ. القضية ألاّ يخطف قلبَك أيُّ شيء مادّيّ (قد يكون مكتبة احترقت أو منزلا هُدِّم أو سيارة سُرقت).
«فيكون لك كنز في السماء» لأن السماء تكون قد هبطت عليك. ليست الفكرة ان الرب يكافئ كما يكافئ المعلّم في المدرسة أو الدولة. المراد أن قلبك يكون قد انخطف إلى الله بعدما فرغ من كل شيء ارضيّ.
«وتعال اتبعني». الدافع إلى مشاركة الفقراء بحب كبير وإلى الكرَم هو يسوع نفسه. والقصد من العطاء ان يصل المعطي إلى أن يَقوى في محبة السيد والإخوة، أن يتربى على الحب. قد يكون في العطاء ألم في البدء. هذه علامة التعلّق. ولكن كلّما تروَّض المؤمن على العطاء تضعف شهوة المال فيه ويحدث فيه ضيق مما يملك، مما يملكه بوفرة كبيرة.
هذا الغنيّ الذي حزن من كلام السيد أراد ان يجعل الوصايا سقفا لفضيلته. الفضيلة الظاهرة التنفيذ (حتى لا يذهب إلى الهلاك الأبدي) كانت كافية له. لم يشأ ان يَخرق السقف حتى السماء التي ندركها فقط لعشقنا لله بلا حدود. «اتبعني» تعني اتبعني حتى المنتهى، ليس فقط إلى الصليب، ولكن إلى القيامة. ولكن هذا يكلّف تعبا كبيرا.
هذا الرجل كان من نوع الذين يريدون الرضاء الإلهي دون ان يبذلوا حبا كثيرا، دون ان يماشوا يسوع حتى النهاية. ولذلك قال السيد عن أمثاله انه صعب عليهم أن يَرِثوا ملكوت الله. فالملكوت لا يَدخله الا الغاصبون، الذين يأخذونه عُنوة. ان يكون لنا رِجْل في الدنيا ورِجْل في الآخرة فهذا مستحيل حتى نقتَنع يومًا أنْ نتركَ كل شيء ونتبعه. عند ذاك نحسّ أنّ مَشينا وراء السيد هيّن وينبوع سعادة.
Continue readingإنجيل اليوم (لوقا 12: 16-21) يصوّر لنا رجلا أَخصبَتْ أرضه وكثُرت غلّته. امام هذا رأى ان مخازن القمح عنده لا تكفي فأراد ان يهدمها ويبني اكبر منها. هذا يبدو طبيعيا. غير أنه اطمأن إلى كونه صار غنيا وأخذ يتّكل على ماله وظن انه يستغني عن الله وكأنه يقول: الله اتكلتُ عليه لما كانت ثروتي قليلة. اما الآن فلست في حاجة اليه.
لم يلمه الرب لأنه جعل لنفسه أهراء كبيرة ولكن لكونه استنتج من ذلك انه يقدر ان يستغني عن الله. كثيرا ما نتوجّه إلى الله حتى يُخرجنا مِن فقر، وبعد ذلك نجعل قوّتنا في ثروتنا (أو في صحتنا ومجدنا).
يسوع يقول عن هذا الانسان انه غبيّ. فطمأنينة الإنسان لا تقوم بالأشياء التي يملكها بل بسيادته على هذه الأشياء. فاذا صار عبدا لما يملك يفقد الإنسان حرية الروح اذ «الشكر لله الذي آتانا الغلبة عن يد ربنا يسوع المسيح» (1كورنثوس 15: 57). الملء ليس بامتلائنا من اموال هذه الأرض. فوزنا هو بالذي أَحبَّنا وجعلَنا احرارا من الموت. فوزنا هو بمحبة الله لنا التي في المسيح يسوع ربنا (رومية 8: 37-39).
أن نعرف هذا، أن نؤمن بهذا يجعلنا مطمئنين إلى الله، أغنياء بالله. الخطر في الغنى ليس الملْك بحد نفسه ولكن في أن يدفعنا الملْك إلى الاستغناء عن النعمة الإلهية. لا يريدنا الله فقراء بالضرورة، ولكن لا يريدنا ان نعتبر الفقر مصيبة كبرى اذا كان مقرونا برضا الله علينا. المهم ان نعرف ان النجاح في الدنيا لا يدلّ على ان البركات نزلت علينا. ليس في العهد الجديد ما يدلّ على أن الله مُنعم علينا بالمال. فقد يكون مُنعما علينا بالفقر. المهم ان نجعل الله كنزا لنا لأنه «حيث تكون كنوزكم فهناك قلوبكم».
طبعا يريدنا الرب مجتهدين في هذا العالم، ساعين إلى التقدُّم المادي في ما هو شرعي لأن في هذا مصلحة لعيالنا وقدرة على إعطاء الفقراء. يسمح الله ان نفرح بالكسب لا لنكون اقوياء في هذا العالم ولكن لتكون لنا قدرة على خدمة الآخرين.
المال الوفير يجعله الله في ايدينا لا لنتعشّقه ونفتخر به لأن في هذا استكبارا مؤذيا لأن «مَن افتخرَ فليفتخرْ بالرب». إن عِشْق الدنيا يجعلنا عبيدا للدنيا وطامعين بها. و«الطمع عبادة وَثَن». المال اذا استعبدَنا يصبح بديلا عن الله. ولذلك قال يسوع: «ما من احد يستطيع ان يعمل لسيدين، لأنه إما ان يُبغض أحدَهما ويحبّ الآخر، وإما ان يَلزم أحدَهما ويَزدري بالآخر. لا تستطيعون ان تعملوا لله والمال» (متى 6: 24). المهم ان نكون احرارا في داخل النفس من كل ما هو مخلوق وان نتحرر من وطأة المال علينا بتوزيعه. مشاركتنا للمحتاج هي وحدها التي تُحرّرنا من أنانية الغنى، فاذا ذهبنا إلى الفقير نكون ذاهبين إلى الله.
أن نتحسّس بوجود الفقير وبأنه أخونا هو الدليل الساطع اننا نتحسّس وجود الله في حياتنا. هذه المشاركة تجعلنا نرى ملكوت الله هنا في عالم القلب. هذه المشاركة هي بناء الكنيسة. هي الرؤية على ان الفقير عضو في جسد المسيح. لا يمكن ترجمة ايماننا الا بهذه المحبة اذ ما من محبة بلا عطاء.
يمكن ان نكون أغنياء اذا اعتبرنا أننا وكلاء على أموال الله. هذه ليست مُلْكا لنا. هي ملْك الله وتذهب إلى من كان محتاجا اليها. نحن نفرح بالعطاء، والمحتاج يفرح. لأن «العطاء مغبوط اكثر من الأخذ». هذه شركة الفرح العظيم.
Continue reading