اللافت أن الذي أتى الربَّ في إنجيل السامريّ الشفوق وفي إنجيل اليوم (لوقا 18: 18-27) أتاه مجرّبا. وكلاهما مثقّف لاهوتيا ويعلمان الجواب عن سؤالهما: «ماذا أَعمل لأرِثَ الحياة الأبدية؟». في مثَل السامريّ، السيد يعيد المحاور إلى شريعة موسى والرجل يلخصها بما سُمّي القاعدة الذهبية: أَحببِ الربَّ والقريب. في إنجيل اليوم، السيد نفسه يجيب عن السؤال بسرد خمس وصايا من العشر وكلها تتعلق بالقريب، وكأنه يقول إن محبة القريب تفرض بالأقل ألاّ نعامله بشرّ، وتفرض ايجابيا أن نعامله حَسَنا.

          يبقى ما هو أعمق: «بعْ كلَّ شيء لك ووزِّعْه على المساكين فيكون لكَ كنزٌ في السماء، وتعال اتبعني». انه العطاء الكبير حتى التجرد من كل شيء. «بع كل شيء» لا تعني، بالضرورة، أن الرب يريدك أن تعيش بالعوز الكامل. فهذا خطر عليك، وعليك مسؤولية العائلة. ولكن يسوع لا يريد ان يضع حدا لمحبتنا للفقراء. ليعطِ قلبُك كل شيء حتى لا يُحسّ بتعلّق مادي. الهاجس الحقيقي ليس أنْ أُعطي العُشْر كما كان اليهود يفعلون. فقد يدعوك الحب إلى بذل اكثر من ذلك أو تدعوك الحاجة إلى بذل الأقل. فقد تعطي العُشْر لأن هذا كان أمرًا من الشريعة ولكنك تتحسّر على هذا الذي أَعطيت. القضية ليست اذًا قضية مبالغ. القضية ألاّ يخطف قلبَك أيُّ شيء مادّيّ (قد يكون مكتبة احترقت أو منزلا هُدِّم أو سيارة سُرقت).

          «فيكون لك كنز في السماء» لأن السماء تكون قد هبطت عليك. ليست الفكرة ان الرب يكافئ كما يكافئ المعلّم في المدرسة أو الدولة. المراد أن قلبك يكون قد انخطف إلى الله بعدما فرغ من كل شيء ارضيّ.

          «وتعال اتبعني». الدافع إلى مشاركة الفقراء بحب كبير وإلى الكرَم هو يسوع نفسه. والقصد من العطاء ان يصل المعطي إلى أن يَقوى في محبة السيد والإخوة، أن يتربى على الحب. قد يكون في العطاء ألم في البدء. هذه علامة التعلّق. ولكن كلّما تروَّض المؤمن على العطاء تضعف شهوة المال فيه ويحدث فيه ضيق مما يملك، مما يملكه بوفرة كبيرة.

          هذا الغنيّ الذي حزن من كلام السيد أراد ان يجعل الوصايا سقفا لفضيلته. الفضيلة الظاهرة التنفيذ (حتى لا يذهب إلى الهلاك الأبدي) كانت كافية له. لم يشأ ان يَخرق السقف حتى السماء التي ندركها فقط لعشقنا لله بلا حدود. «اتبعني» تعني اتبعني حتى المنتهى، ليس فقط إلى الصليب، ولكن إلى القيامة. ولكن هذا يكلّف تعبا كبيرا.

          هذا الرجل كان من نوع الذين يريدون الرضاء الإلهي دون ان يبذلوا حبا كثيرا، دون ان يماشوا يسوع حتى النهاية. ولذلك قال السيد عن أمثاله انه صعب عليهم أن يَرِثوا ملكوت الله. فالملكوت لا يَدخله الا الغاصبون، الذين يأخذونه عُنوة. ان يكون لنا رِجْل في الدنيا ورِجْل في الآخرة فهذا مستحيل حتى نقتَنع يومًا أنْ نتركَ كل شيء ونتبعه. عند ذاك نحسّ أنّ مَشينا وراء السيد هيّن وينبوع سعادة.