Category
الله قديم جديد، واهب بركات. إن كنت ترجو شيئًا آخر في الأيام المقبلة لست على شيء. سيقول لك الله ما لم يقله إن كنت له أو بالحري سيقول لك ما لم تسمعه. بلغتنا إنك ابنه أي إنك حبيب. ستكون لك سنة جديدة إذا اكتشفت الله كما لم تعرفه. ليس من إله لك ما لم تعرف أنك حبيب. وجوده لك هو وجودك له. أنت مع الله في مبادلة بمعنى أنك تصير كلك اليه ويصير هو كله لك وتعرف هذا فتحيا.
الأيام الآتية لا تلقاها انت إن لم تحمل اليك مضمونًا. آنت ترجو اليها سعادة أي أن يكون غدك أبهى من البارحة وإن كنت من المؤمنين أقرب الى الحق. بعد خبرة الحق أنت لا تسعى الى شيء آخر. وإن أقمت فيه تشعر أنك في الله مقيم.
القضية ليست قضية أيام تتقلب. الآتي لا يعنيك إن لم يكن لك إقامة في الحق. أفهم أن تعني لك السنة الجديدة زمنًا خاليًا من الحرب، متعة سلام غير أن السلام تؤتاه من قلبك. الزمان زمان قلبك، جدته أو عتاقته. أهمية الأيام في مضمونها. هل تحمل بركات أم تتوالى على التفه؟ الجدة ليست في التواتر. إنها في نوعية وجود.
لك أن تأمل ولكن الوعد الإلهي هو الذي يحقق. إذًا أنت مشدود ليس الى الآتي بل الى القائم، الى غد يقيمك من بين الأموات. الأزمنة تتوالى ليست بشيء. أنت لا تنتظر الآتي ولكن ما يحمله من الحقيقة، من الخير، من تجديد للنفس. ترجو أن يزول العتيق. كان في ماضيك شيء من العتيق ولكن كان فيه شيء من الأبدية. رجاؤك أن يحمل آتيك الكثير من الأبدية، أن يأتيك فقط بالبركات.
ماذا تعني لك في هذه المسيرة الصلاة؟ هي انتقالك فوق تقلبات الزمان الى ما يدوم من النازل عليك من ربك. الصلاة هي ألا ترزح تحت الرتيب أو تحت خطاياك. أنت لست آتيًا من الأيام تتوالى. أنت تنزل من فوق ما شئت لأن ربك دائمًا يشاء. أنت قادر فقط إن عزمت أن تتخلص من خطاياك. الطهارة وحدها قادرة. لذلك أمكنك ألا تصير عتيقًا. «الأشياء القديمة مضت. ها كل شيء صار جديدًا» (٢كورنثوس ٥: ١٧). الزمان لا يعتقك إن قررت أن تبقى على الرجاء. تاريخك تاريخ عزائمك. والعزم تؤتاه إن أحببت أن تصير حليف الله. والرب ليس فقط هو الذي أوحى ومضى. إنه دائمًا آتٍ. إنه هو «اليوم وأمس والى الأبد» (عبرانيين ١٣: ٨). وأنت في كل أزمنته.
أدرك ماذا تستقبل أو من تستقبل. الأشياء كلها تمضي. ربك لا يمضي. أنت لا تنتظر زمانا. تنتظر ربك في الزمان الآتي أي تنتظر شيئًا حقيقيًا في زمن متقلب. وإذا حل فيك ربك ينتهي عندك التغير. ولا تخشى الآتي أو الغامض في الآتي. إذا رجوت تتحقق بما أعطاك ربك من مواهب. القضية في ألا تخاف. بهذا وحده تبقى.
أنت لا تبقى بتحصيلك في ما هو من هذا الزمان. أنت باقٍ بنعمة الروح الإلهي. الأزمنة المتقلبة ليست بشيء. النعمة إذا حلت عليك هي باقية. تذهب سنة وتجيء أخرى وأنت ترجو ما يأتي ولكن في الحقيقة لا تنزل عليك سوى النعمة ولا يأتيك إلا الرضا. أن تكون قائمًا في محبة الله إياك هو كل وجودك. ليس من إنسان يحيا بقوته. أنت تحيا فقط بالنعمة لأن الله هو يحيا فيك وبذا تكون جديدًا وتنزع الثوب البالي وتلبس التجدد بالحق.
Continue readingكل منا يهرب من حرج يداهمه ليسعى إلى فرح يتخيله في مكان ما في نفسه. كل يخاف الموت. ولكل منا موته ما عدا هذا الذي يخشاه في الأخير. ولكن الأخير ينتظر أو نريده أن ينتظر. من يواجه؟ هذا فيه موت أو بعض من موت.
ننسج حياتنا كما يحلو لنا. قلما نرثها كما تنزل علينا. هذا مخيف. الخيال ليس يخيف. أن تواجه تعني أن ترث الله لأن الله الحقيقي هو في الآن. اخترعنا الأعياد لأننا نخشى الموت. حسن أن تستطيب الأعياد لأنك بها تضرب التفه الذي فيك، تنزل حلما إلى يومك، تحسب انك وارث الأبدية. هل الأبدية تعني لك خروجًا عن أيامك كما هي أم هي عمق أيامك إن كانت لك رؤية مؤمن؟
تستطيع أن تحول جرحك إلى مكان رجاء إذا كان لك في دمك فداء. كل دم مقبول على الرجاء فداء. خاليًا من الإحساس يكون من لا يقبل جرحه في الإيمان. من آمن هكذا يكون قد ارتضى نفسه في محبوبية الله. فإن لم تسعَ إلى ربك كل يوم تبقى في مصروعية العالم.
انت في عزلتك عن الوجود الحق لا تقدر على شيء. والعزلة هذه تعني عدم الحب. المحب في تطويق يعطيه ويأخذه. هو وحده ليس وحده. الناسك ليس معزولا إن كان قد تنزه. ونحن قائمون في جروحنا وجروح الآخرين. ليس من انسان منعزل حيا. الحي من قام من بين الأموات. ولكنه قبل ذلك هو من هذه الأرض. لا يولد انسان قياميا. يصير كذلك من بعد موت.
مصيبتي مع بعض من المؤمنين أنهم يستطيبون الأعياد لأنها نازلة عليهم. لا يفهمون انها ليست بشيء ان لم يصنعوها، ان لم تنبت منهم. العيد لا يأتي اليك. يتدفق منك ان كنت يوما مع الله. ان لم تقبل الوجود كله لا تذوق الله. فتش عن الله في الوجود، في الألم، في انكسارك، في عزلتك. انه يشفي كل هذا. لا تكن فقط مع الطقوس فإن كنت لا تحب الإخوة لا يبقى لك شيء منها. ولكن لا تزدر بالأعياد. هي قائمة في الفرح وفي الحزن بالقوة نفسها ان كنت تعرف ان تستطيبها. لا تحزن ان نزلت علينا الأعياد في أيام حزننا. لا شيء يغلب العيد فالعيد قيامة.
كل أهمية العيد انه يمكنك من الحب من ذاك الذي يضم الناس كلهم إلى الله واليك. معك وحدك ليس من ضم يكافئ النفس كلها. ليس من لقاء الا في انضمام الذات إلى الذات. الحياة الرتيبة قوقعة. الحياة الخارجة إلى كل حياة هي الوجود.
بالعيد تخترق التفه ولكن الخوف أن تعيد لنفسك، ان تنغلق في حبها. العيد هو الآخرون الذين يقيمون معك الموسم والذين لا يقيمون. إذا ذهبت إلى الناس انوجدوا. الناس نيام. يخشون خطر الحب. أيقظهم في سبيل أنفسهم، لحياتهم. وقبل أن يفيقوا لا يستطيعون أن يحيوا. النوم يشبه الموت. «استيقظ أيها النائم وقم من بين الأموات فيضيء لك المسيح». هذه هي صلواتنا.
لقد جاء العيد حتى لا ننام. أظن أن المسيح قام حتى لا يبقى أحد راقدًا. أن تعطي المسيح يعني أولا أن تعطي اليقظة. المسيح أراد ميلاده يقظةً لنا دائمة. هو أراد أن يشاهد التلاميذ آلامه لما أفاقهم من نومهم في البستان. لذلك كان آباء البرية عندنا يكافحون النوم.
كان أبي يوقظني صباح الفصح عند الساعة الثالثة لنصل إلى الكنيسة قبيل الرابعة. ما كان يقول هذا طفل. فالصلاة كانت تبدأ عندنا قبل حلول السحر، تأخذ قسطًا من أواخر الليل والصغار والكبار واحد في اليقظة. في كنيستي الناس كلهم كبار. والمؤمنون عندنا يحفظون الصلاة باللغة الفصحى بلا خطأ في التشكيل. استقامة الرأي تتطلب استقامة اللغة. كانت عندنا شرطًا للصلاة وشبه الأميين ما كنا نسمح لهم بالقراءة. كنا نحسب في بساطتنا أن الرب يريد لغةً سليمة. لست أعلم إذا كان الملائكة يفرحون بلغةٍ مكسورة.
أهل كنيستي كانوا يذهبون إلى أن القراءة الفصيحة جزء من الإيمان. إحساسهم البسيط أن هذا جزء من استقامة الرأي. وكان عارفو اللغة بيننا يصححون قراءة الضعفاء في أداء الصلاة. وإحساسهم كان أن هذا شرط من استقامة الرأي. هل كانوا يظنون أن سلامة اللغة من سلامة الإيمان؟ كان عند البسطاء إصرار على أن الأسقف أستاذ في العربية. انت مستقيم الرأي ومستقيم اللسان. الأشياء واحدة.
Continue reading«لما حان ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس لننال التبني». ها قد بتنا أبناء يا سيدي بعد ان كنا مخلوقين من هذا الجسد.
«الذين وُلدوا لا من دم ولا من رغبة جسد بل من الله». هكذا نعرف أنفسنا بك. أنت قلت: «لن أسميكم عبيدًا بعد. أنتم أبناء». أنت أيها الناصري اخترعت ان الإنسان حبيب الله والحبيب ليس عبدًا.
دعوتنا إلى الألوهة. هذه ندّية. انها ليست فقط نسابة أنت مخترع الحب. اذا سمى الله الإنسان حبيبًا الا يعني هذا انه ساواه بنفسه؟ هل العشق الا بين متساوين؟
لما قال الرسول أرسل الله ابنه عند ملء الزمان أراد ان ليس يعرف بعد المسيح زمن غير زمنه أي وجود غير وجوده لأنك تعرف الأزمنة والناس.
ان تكون دعوتنا إلى ما دون الألوهة هذا ليس فيه شيء. أنت كريم ولا تدعو الا لذاتك. أنت ما اعطيتنا شيئًا من الأشياء. أنت تعطينا نفسك لعلمك ان الرنسان تحقَّق فقط بربوبيتك.
يا أيها الحب الذي لا يدنى منه اجعلنا نفهم ان المحبة أساسك وأساس الإنسان وان المعرفة كلام فيها. كان زمانك ملء الزمان لكوننا لا ننتظر شيئًا بعدك يا أيها السيد المبارك. لا نسعى في الأشياء الا إليك. لا يضاف شيء عليك اذ لا يقاس بك شيء.
المساواة بيننا وبين الله ليست في الجوهر. هي في الكرامة هو رآها فينا. اذ انعكست علينا بمحبته. حتى لا نكون أمواتًا نجيء منه في كل حين. ربِّ لا تقم هوة بيننا وبينك. نحن نريد ان نأتي منك كل حين. بهذا نتكون، أردم المسافات ان رأيتها.
سمر في عيونهم، ربِّ، انهم اذا رأونا رأوك. ولكن اجعل هذا ممكنا فيك أي روضنا على محبتك ليشهدوا اننا نحبك.
إذا كنا فيك لا نبقى نسأل عما لنا وعما لك. كل شيء لك. لا تدعنا ندهش بنفوسنا لئلا نستكبر ونموت. تعال أيها الرب يسوع لنفكر معك وبك ونحن فيك. تعال لنأخذ وجودنا منك ونكون.
Continue readingقبل الميلاد تتوالى أعياد تهيئ له كأن الإنسان يريد ان يستبق الذكرى الكبيرة بإحتفالات جزئية هروبًا من رتيب أيامه ليذوق شيئًا من الأبدية قبل ان تحل اذ يبدو للكنيسة ان من نعيد لهم قبل الميلاد يذيقوننا بعضًا من ميلاد يكثر فينا الفرح. أليس العيد تنطحا لتجاوز الزمان في إحلال شيء من الأبدية؟ هذا هو الرجاء الذي يحيينا. العيد قائم على ان الحقيقة التي تجلت في الماضي لا ينبغي ان تزول اذ نزلت فينا ولنا ان نحييها على الرجاء.
الإنسان يتوق إلى امتداد في الحقيقة. لذلك يريد ان يكسر الزمان على رجاء الأفضل. يظن ان جديده هو الأفضل. لذلك يخلق شيئًا جديدًا هو العيد وهو ليس كالأيام لأنه يحمل الذكرى وينقلها. والذكرى ليست استعادة الماضي اذ لا يستعاد. انها تذكر الدائم، توق إلى الأبدي. العيد اعتراف بأن الحقيقة التي أتى بها الماضي لا تزول. لذلك كانت الأعياد. قناعة الإنسان ان الحقيقة التي حملها الماضي المبارك قائمة ويمكن احضارها في الآن. هذا ما يعنيه التذكر.
يظن الانسان انه يكسر رتيب الماضي. المهم الا يرى نفسه سجين ما انقضى من أيام أو ما يعيشه من أيام. المهم ان يلتقي بما هو دائم، بما هو أبدي. يضجر المرء من زمانه لأن كل زمان متعب ويخيل إليه ان العيد ليس من زمان، انه من الحقيقة. العيد اذًا حرية، انعتاق مما يتكرر لاقتبال الثابت الإلهي. واذا آمنا بثابت إلهي لا تهمنا أوجاعنا وهمومنا اذا حل العيد لأنه هذه ليست منه اذ هو ينزل علينا من فوق. يؤرخ للعيد في التقويم ولكن أحدًا لا يحس انه يأخذه من التقويم. أنت لا يهمك ان يحل الفصح في هذا التاريخ أو ذاك. يهمك معناه. الزمان مركبة للمعنى الإلهي فقط. لذلك كان من السخف الاقتتال حول تاريخ العيد اذ كنا واقفين في العيد لتلقي معناه. طبيعي ان يتجلى الفصح في يوم واحد اذ الناس يعيشون في الزمان ولكن الأجمل ان يتربى الناس على المعنى الفصحي، ان يكونوا هم فصحيين.
والأجمل من كل ذلك ان نصبح قياميين كل يوم، رافضين للموت، لكل أنواع الميتات لتصير القيامة فرح الكل. أليست توبتك قيامة؟ ربما كان هم المسيحيين الأول الفرح. لذلك ما كانوا يرتدون السواد في موت عزيز. فاذا رأيتهم في ثياب بيض تعرف ان أحدًا من عائلتهم أو أعزتهم قد توفى. كان الموت يعلن لهم القيامة. بالإيمان فقط أنت تخلص من حزن حلّ فيك. الخيال ينطفئ بعد لحظات. طوبى لذلك الذي اختبر ان الإيمان ليس من الخيال.
عندما ينزل عليك ما يعزيك اعلم ان الرب افتقدك. الله عنده رسائل. اصغ إليها لتفرح وقد تحس بأن الله التمسك ويرجو ان تلتمسه. عندما تضع الكنيسة في كل يوم ذكرى لقديس أو أكثر تريد ان تقول لك ان القديسين عشراؤك وانك لست وحدك في الكون. هي توحي ان اليوم الذي أنت فيه انما انسكبت فيه الأبدية وانك تحررت من وطأة الزمان ان كنت نبيها. من هذه الزاوية أنت تحيا زمانك مليئًا بالأبدية. لذلك تربيك الكنيسة كل يوم فيما تلقته من الأبد وترميك في كثافة الأبد. تنتشلك من وطأة المألوف والرتيب لتجعلك في المذهل. أنت في الكنيسة مقيم في الزمان والأبد معًا وتعلّم أهل زمانك ما نزل عليك من فوق. كل مؤمن رسول إلى زمانه اذ يقول ما سمع من السماء.
العيد ينزل من السماء ويشق حجب الكون ويأتي إليه بما هو فوقه. لذلك ما كان المؤمنون من الأرض وحدها. يحلون عليها ما جاءهم من نعمة ربهم. المؤمنون لا يحتلهم شأن الأرض. انهم ينتمون إلى عالمين، إلى ما يرى وما لا يرى فإذا رأيتهم وسمعتهم في العيد تحس انهم يخاطبونك بلغة الملائكة.
فإذا امتاز العيد عن مألوف الأيام تكون أنت خارج أيامك.
Continue readingإنجيل اليوم يُحدّثنا عن شفاء قام به السيد يوم السبت. وقضيةُ حِفظ السبت لعبت دورًا هاما جدا في حياة السيد. فمؤامرة اليهود لقتله ابتدأت عندما شفى يسوع الرجُل ذا اليد اليابسة يوم السبت (إنجيل متى 12: 10-13).
منذ ذلك الحين، يقول لنا الإنجيل، تشاوروا ليقتلوه لأنهم اعتبروا انه ليس فقط يخالف الشريعة كما شرحوها هم، ولكنه ينسف الكيان السياسي اليهودي. اذا أردنا ان نفتش عن السبب الحقيقي لمقتل يسوع في أذهان اليهود ورؤسائهم، لوجدنا أن السبب هو أن يسوع أراد ان يمدّ حدود شعب الله الى خارج اسرائيل، أن يُدخل الأمم في العهد القائم بين الله والناس، أن يُمتّع البشر جميعًا بحلاوة الله وبركات الله، وبالنتيجة أن يكسر هذه القوقعة التي كان اليهود مُرتمين فيها، وأن يضرب هذا الشعور بالتفوّق الذي كان لهم.
السبت كان رمزًا لهذا الانغلاق اليهودي، للعصبية اليهودية. ولهذا وقف اليهود ضد السيد هذا الموقف الصلب بسبب ما ظنّوه تجاوزًا للشريعة. جاء السيد وأراد أن يتخطى الشعبُ هذا العناد الذي كانوا فيه. أراد أن يُبيّن لهم أن السبت جُعل للإنسان وأن كل قانون وُضع لخدمة الإنسان. لم يُخلق الانسان للقانون. الشريعة مُسخَّرة في سبيل الانسان، في سبيل نموّه ومعرفته للرب. ولهذا أتى يسوع بشيء جديد في تاريخ البشرية وهو أنّه علّمنا ان الإنسان ومصالحه وقلبه وروحه أفضل من كل قانون، واننا قد نتجاوز القانون في سبيل هذا الانسان.
المهم أن تكون علاقتنا مع الله علاقة الروح مع الروح، علاقة القلب الانساني مع القلب الإلهي، لا علاقة عبيد خاضعين لقانون خارجي، ولا علاقة أطفال صغار بأبٍ متعسّف صارم بل علاقة الندّ بالندّ. المهم ان نُحوّل الوصية من شريعة مفروضة الى شريعة محبوبة. المهم أن نحبّ الوصية.
لا تسرق، لا تزنِ، أكرم أباك وأُمك… هذه تبتدئ كوصايا خارجيّة يتعلّمها الانسان تعلّمًا ويشعر أحيانًا أنها كابوس عليه لأنه يحسب اللهَ بعيدًا وخارجًا عنه وضاربًا إياه. أما المؤمن، فإذا عرف الله أبًا له وأدرك نفسه ابنًا لله، صار يُدرك ان هذه الوصية ليست كابوسًا يُفرض وليست كسبت اليهود، ولكنها أمرٌ محبوب وإشارة للخلاص. بهذا ينتقل من ديانة الطفولة، من ديانة الصبيان الصغار، الى ديانة الراشدين.
في المسيح يسوع انتقلنا من الخوف الى الحياة، الى الرجاء، الى الثقة. ولهذا فيما نحن سالكون فترة الميلاد هذه، جدير بنا أن لا نعتبر المسيحية شيئًا خارجًا عنا، مجرّد طقوس وعادات اجتماعية مثل سبت اليهود. لا نرتبكَنّ في إقامة مغارة الميلاد تحت شجرة العيد، بل فلنسعَ ليتحوّل قلبنا الى مغارة تستقبل المسيح. هكذا نجعل إيماننا في القلب رؤية للمسيح، التصاقًا به وحبّا لكي يولد المسيحُ فينا ينبوعَ خير وعطاء ويصبح ربنا كل شيء في حياتنا. هكذا نزداد في محبة يسوع حتى يقول المسيح في نفسه: كل بيت في هذه الأبرشية بيت لي وكأني أُولَد فيه وفي قلوب أبنائه كل يوم.
Continue readingالقارئ ينتظر الكاتب، الكاتب الحق. انه لا ينتظر منه ما كان أقل من الحياة. يعتقد انه يتكون بمقدار، قل او كثر، ممن كتب لأن هذا له علاقة بالفكر اي بالحقيقة. القارئ يحس ـ هذا ما قالوه له ـ انه يتكون من الكاتب لأن هذا يعيش من أجله. اجل، يكتب من كتب لمد الآخرين بما يحسبه الحقيقة. الكاتب الكبير انسان يحب الحقيقة اي انه يكتب ليخلص القارئ. الكتابة عند كبار الكتاب عملية خلاص لهم ولمن يقرأهم. والقارئ يحسب انه يتكون بما يقرأ اي انه يجيء من الصالحين لأن المعرفة موصولة.
انت تقرأ لكونك تحسب انك ترث الحقيقة، لأنك تلتمس الله بفكره وفكر الذين عرفوه. بهذا المعنى كان القارئ متواضعًا. الفكر تواصل بين أهل الحقيقة. ذلك أن هذه تتجلى بأشخاص انتدبهم ربهم ليعرّفوا الناس به. تقرأ العظام لأن هؤلاء كانوا مختارين. والعظام يعرفون أن الرب صانعهم ولذلك لا يستكبرون.
الرب يلهم من يشاء ويلهم أحيانًا الذين لم يطلعوا على التراث. أما أسلوبه الطبيعي في أنه يروضنا بمن سبقنا فيلد بعضنا من بعض. هذه طريقته في تكوين التراث. هكذا يظهر فكر الله كي لا يستكبر أحد. كل منا يتكون من أسلافه. يقرر من هم أسلافه لأن السلف هو من اخترت أن تحبه. القارئ يعرف نفسه مولودًا. والكاتب العظيم كذلك. في الكتابة ليس في الحقيقة من إبداع. الإبداع أسلوب. انت تحب وتأتي بصيغة. في البدء لم يكن إبداع بشري. كان الكلمة. وكما فهمها افلاطون والانجيلي يوحنا هي كلمة الله اي هو نفسه. انت، كاتبًا، ان شئت ان تعطي ما هو دون الله تكون خائنًا له إذ لا يزاد على الله شيء.
قارئًا، فرادتك ان تختار ما تحب أن تتمثله. تجيء من السلف ولكنك تنجب ايضًا. الإبداع هو بين الاستمداد والعطاء. ما تقرأه يصير انت. هكذا يجيء منك من قرأك ولكن مولودك ليس انت. فيه خلقه.
الجاهل القراءة يحسب انه يجيء من نفسه، أن آحدًا لم يسبقه أو أنه لا يحتاج الى أحد. المقبل على المطالعة في نهم يحس أنه يتكون من الذين فكروا، اننا نحيا بمن سبقنا في التأمل، في أن الأنسانية واحدة والزمان واحد وأننا نشتق بعضنا من بعض. لذلك كان العالمون هم المرجع. والعاديون يحسبون أن العارفين ملمون بكل شيء. القارئ الحق متواضع لاحتسابه انه يتكون من الأجيال التي فكرت وأنه جاهل بمقدار. قصته أنه كلما ابتلع الكتب يحس بجهله إذ يدرك جمال ما لم يكن يعرفه.
عذاب المثقف الحقيقي أنه كلما اطلع ينبسط أمامه مدى جهله. لذلك كان العالم الحقيقي متواضعًا. أظن أن بعض ما يجذب المطالعين الكبار هو اتساع الفكر البشري وآنهم لا يزالون جهلة. غير أن جمال المثقف ليس في سعة عقله ولكن في إداركه أنه صغير أمام سعة الدنيا وبهاء الذين سبقوه في مضمار العقل. يدرك في متسع من الوقت ان العقل هو الذي يجعلنا نستوعب الآخرين وفرادتهم وحقهم في التفرد. وحدة العقل لا تتناقض وتعدد العقول.
مشكلة المثقف إذا ينام ولم يتح له في نهاره أن يقرأ صفحة واحدة. يشعر، عند ذاك، أنه جاء فقط من نفسه ولم يأت من التراث. فكما أن الجائع لا ينام كذلك يطمئن ذاك. ذاك الذي انكب على المعرفة وأهملها في يوم من أيامه.
القراءة في تعدد ما تطالعه وفي تنوع مصادره. هي شغف بالفكر الحق انى توجهت ركائبه. هي أن تواجه قريبك في القناعات. هي أن تجيء دائمًا من الآخر، من كبار الآخرين. هؤلاء يجب أن تعرفهم قبل أن تقتني كتابًا لأن التفاهات كثيرة. اقرأ اولا من كان مع الحقيقة إذ لا بد في طريقك ان تلقى الطالحين. انت يكونك اهل الحق. اذا تلقيته من الأسلاف يثمر فيك بإبداعك أو طاعتك له. المهم الا تنحاز مع كل هوى، ان يكون قلبك قد اختار قلب الله ليفهم. امتلئ من الكثير وافهم مختارًا الصالحات. ردد الصالحات ان كنت لست من المبدعين. في هذا تواضع مفيد إذ يكون أفضل من جهل المدعين. لا تقل يا نفس كيف أكون عظيمًا. اسألها أن تطيع الحق. إذا كررت هذا في قوالبه يكون أفضل من أن تبتدع تعابير تظنها شيئًا لأنها حديثة وهي خالية المضمون.
لا يكن همك أن تكون مبدع التعبير والقول. همك الوحيد أن تصبح تلميذ الحقيقة التي تنجي وحدها. لا تسأل عن جمال القول ان كنت كاتبًا أو خطيبًا. افحص نفسك ان ثبتت مع الحقيقة. هذه وحدها تنجي وهي تملي عليك ما يجب ان تقول. لا تقلق ان لم يتوفر لك جمال التعبير. اقلق فقط ان أحسست أنك لا تزال جاهلاً ما لا يسوغ جهله. لا تعرف ما يظهرك جميل القول. اعرف ما يجعل سامعك جميلاً عند ربه. اللغة وحدها صنيعة. ان كنت تقول الحق لا تهمك اللغة.
Continue readingكثيرا ما نسمع هذا السؤال في أوساطنا: لماذا لا تقصّرون القداس الذي يطول ثلاث ساعات؟ الحقيقة ان القداس يبدأ من إعلان الكاهن: مباركة مملكة الآب والابن والروح القدس، وانه في إداء صحيح، لا يدوم أكثر من ساعة بما فيه العظة، وقد يمتد بضع دقائق لو كثرت المناولات. فإذا جاء الترتيل بلا إطالة مستهجنة بالتأدية المألوفة عندنا لا تستغرق الخدمة أكثر من ذلك. ولو حضر المؤمن صلاة السَحَر من أوّلها يكون رقم ثلاث ساعات أيضًا مبالغًا فيه.
طبعا هناك إصلاح للطقوس مرغوب فيه، لكن المشكلة ليست في الطول والقصر ولكنها في الفهم او عدمه. فالانتباه متعلق باستيعابنا للخدمة الإلهية ونحن لا نستوعبها لأننا لم ندرسها ولم نطّلع على تفسيرها. فإذا أدركنا المعاني إدراكًا جيدًا لا يظهر الزمان لنا ممدودًا بلا نهاية. ان نصل الى المعنى ونستحبه هذا هو المطلوب. والوصول الى لب الصلاة يفترض مسبقًا تحصيل التعليم المسيحي الذي بُنيت عليه الخدمة. كذلك فهم الرسالة والإنجيل تسبقه مطالعة للعهد الجديد في البيت. اذ ذاك تأتي القراءتان تذكيرا بما نحن نعرف، فلا نتيه عن المعنى لو ضاعت بعض الكلمات في التنغيم. واذا كشف لنا الترتيم عقيدة من عقائد الإيمان تكون أذهاننا مؤتلفة مع هذه العقيدة.
شرح القداس أساسي حتى نفهم تتابع أجزائه واتصالها ببعضها. فإذا أنت وقفت على هيكلية النص لا يمكن ان تضجر كما لو كنت غير واع لهذه الهيكلية. ففي حالة جهلك للبنية كلها تحس بتراكم الكلمات والأناشيد والأفاشين فيتعبك التراكم. ولكن اذا عرفت الارتباط بين هذه الأقسام يسوقك كل جزء الى الجزء الآخر فتتكامل البناية عند الختام وتحس انك أدركت النهاية بانسجام.
ولذلك لا بد أن تسعى الى تلك الكتب او النشرات او الحلقات التي تشرح لك القداس الإلهي، ونحن نحاول مع المحاولين لنجعل هذا بمتناول يدك. ولعلنا فاعلون هذا في “رعيتي”.
غير ان الصعوبة الكبرى التي نحاول ان نذللها آتية من ان القداس لا يمكنك تحمّله ما لم تكن انسانا مصليا خارج القداس. فإذا قمت على صلاتك صباح مساء واعيًا، خاشعًا، تقودك صلاتك الفردية هذه الى صلاة الجماعة. دعاؤك في بيتك والشارع والسيارة يحملك الى الكنيسة التي هي ملتقى الداعين والمدعوين باسم الرب. النفس تميل الى المسيح في تعابيره. والقداس هو التعبير الأسمى عن السيد.
التقِ المعلم الإلهي في كل يوم تلقه صباح الأحد ايضًا بين أصحابه في بيعته. اذا كنتَ مع يسوع في عشرة طيبة على الدوام كيف تتجاهله اذا ظهر لك في أطيب ظهور له اي في الذبيحة؟
واذا انكشف لك سر المودة بينك وبينه وتراءى لك ان تحيا مع المسيح عشقًا لا يوصف، يبطل كل سؤال عن طول الوقت وقصره. اذا كنت من الذين يلتمسون وجهه لتحيا به، تندم على قلة الوقت ويزول كل بحث في الأوقات.
Continue readingلا شك ان هذا الإنجيل صعب جدا. السيد يقول عن الأغنياء ان دخولهم إلى ملكوت السموات عسير، بل انه يعسره إلى حد انه يقول: “ان دخول الجمل ثقب الابرة لأسهل من دخول غني ملكوت الله”.
بالطبع حاول المفسرون المتساهلون ان يهينوا الأمور على الناس وان يقولوا ان “ثقب الابرة” ليس بالفعل ثقب الإبرة، ولكن المقصود باب في أورشليم، وبالتالي ان الجمل كان يستطيع ان ينحني وان يدخل الباب المدعو “ثقب الابرة”، الى ما هنالك من تأويلات عاطفية ارادها الأغنياء لأنفسهم ليسهلوا الأمور على سواهم.
ولكن هذا لم يكن المقصود من النص الالهي لأن كل سياق البحث وكل الحديث الذي جرى كان يعني ان دخول الغني الى الملكوت امر صعب للغاية، وانه لا يستطاع عند الناس. ومع ذلك استثنى السيد بقوله: “ان ما كان غير مستطاع لدى الناس مستطاع لدى الله”. فكيف تكون اعجوبة الله وكيف يدخل غني ملكوت السموات؟ لم يقل الكتاب انه يدخل ويبقى غنيا. ولكن ذاك الذي كان غنيا يستطيع الله بجهد منه ان يُدخله باب الملكوت. وماذا يبقى من غنى الغني؟ أيبقى هذا الغنى واسعا، كبيرا، ضخما ولا يتغير شيء في سلوك هذا الانسان، ومع ذلك يقحمه الله في ثقب الابرة؟ هذا طبعا لم يقله الكتاب، ولذا يجب ان نفتش عن طريقة اخرى.
لا يبدو ان الكتاب، والله المتكلم فيه، لا يبدو ان الكتاب اعطى للأغنياء وسادات حريرية ينامون عليها. لم يكن المسيح حريريا. انه كان لطيفا وكان حازما وشديدا بآن، وكانت تعابيره دقيقة للغاية.
ماذا كان في حديث الشاب والمعلم؟ شاب كامل في الظاهر، تمم الوصايا جميعها من دون ان يفتخر. قال فقط: انا أطبّق هذه الوصايا منذ صباي، ماذا ينقصني بعد؟ جاء ليتعلم، جاء ليصنع احسن من الوصايا. وقال له يسوع: “ان اردت ان تكون كاملا، فبع كل ما لك وأعطه للمساكين وتعال اتبعني”.
وهنا ايضا جاء المفسرون المرتزقة الذين يعتاشون من وجهاء الارض وقالوا: لماذا تريد ان تكون كاملا؟ ليس من الضروري ان يكون كل انسان كاملا. فنحن يكفينا ان نصنع الوصايا، وهذا الكمال انما هو للرهبان وليس لنا. لا. يسوع لم يتكلم عن الأديرة ولا عن الاسقفيات ولا عن شيء من ذلك. قال لهذا الشاب الغني الذي امامه: “تستطيع ان تكون كاملا”. لم يقل له: “اترك وضعك لتذهب الى وضع آخر، لتعيش في مكان آخر”. قال له: انت تعيش في هذه الدنيا، هذه التي تريدها. هنا يمكن ان تكون كاملا. لم يوصِ يسوع بالكمال بل أمر به. فقد قال: “كونوا كاملين كما ان أباكم السماوي كامل”.
إن اردت ان تكون كاملا فاتبعني. ان اردت ان تنتقل من العهد القديم الى العهد الجديد الذي هو عهد كمال، فبذر اموالك. أليس مكتوبا عند داود النبي: بدد، أعطى المساكين فيكون ذكره مؤبدا (مزمور 111: 3). العهد القديم نفسه يشير الى تبديد الاموال، الى عطاء كامل.
أنت لست بما لك. انت وكيل. أُعطيت ما أُعطيت فاستلمه الى ان أجيء. الله فوضك بأمور الدنيا وانت تستلمها كوكيل امين لمصلحة الله، لمصلحة الذي سلمك اياها.
وكيف تحافظ على اموال الله؟ لمصلحة من ترعى؟ المهم ان يكون المال بين يديك وديعة وليس ملكية مطلقة قدسية. القدسية للانسان فقط. انت وكيل وعليك ان تجعل المحرومين اسيادا عليك. اي يجب ان تشعر بالجوع الذي يشعرون هم به. القضية كلها قضية محبة: تعطي وتشعر مع الآخر. تخرج اليه في جوعه وعريه وحرمانه. هذا يعني معاناة شخصية وانسلاخا عن الذات. العطاء الحق هو بالدرجة الاولى ألم الانسلاخ عن الذات والالتصاق بالمسيح الذي في كل انسان. بهذا نعترف بالحقيقة ان ابن الله كان انسانا وانه في الانسان المحروم سيد علينا.
Continue readingمنذ ثمانية قرون تبنّى الكرسي الأنطاكي صوم الميلاد الذي بدأناه منذ يومين في ١٥ تشرين الثاني. وروحه كروح الصوم الأربعينين، أعني رياضة النفس وتجميلها لاستقبال المسيح، فمن أساسات الصيام أن نوفّر ثمن طعام ونعطيه للمساكين.
كل صوم هو مشاركة. يصوم الانسان من أجل الآخرين. فمن قسا قلبه يبطُل صيامه. ومن أبغض أخاه يبطُل صيامه. كل شيء قلب وتليين قلب. الإمساك وسيلة إن نحن أَعطينا. فإن كنت ممدودًا الى الآخرين يجيء الله اليك بالرحمة. من أمسك عن طعام يعرف انه ممسك في سبيل الله فيساعده ذلك على ان يكون مع الآخرين كما أمره الله ان يكون.
في حديث واحد، في العظة على الجبل (الإصحاح السادس من متى) يتكلّم السيد عن الصدقة والصوم، ويُنهي كلامه بقوله: “لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض”. ألا يُشتَمّ من هذا التتابع أن هذه أشياء مترابطة، فكيف نفكّ نحن ما جمعه الرب في فكره؟
وإن أردنا ان نزداد تعمقـًا فلا ننسين أن الانسـان غارق في جسده عن طريق اللّذّات وأن الصوم طـريـق ليتـحـرر مـن أَسـر اللـذّة. كيـف نهـرب من سجـن الحـواسّ الطـاغيـة؟ أليسـت إحـدى الطـرق أن نحُدّ من التمتـّع؟ فإذا كثـر التـمتـع على كـل صعيـد، يصبح لنا ساحـرا ومفـرّقـا، فلا فكر لنا الا فيه ولا شـوق لنا الا اليه. وماذا بعد؟ اللذّة البهيميّة، اذا انقضت، تولّد الخيبة، والخيبة تدفعك الى لذّة اخرى فتبقى هكذا في الدوّامة.
ثم انت تهـرب من الألـم باللذة. تهـرب من الألم لأنه يُشعرك بشيء من الموت وانت تخشى الموت. والخـائـف المـوت خاضع للعبوديـة (عبرانيين ٢: ١٥)، لعبـودية اللذّة التي يدفع بها عنه الموت وعبـوديـة ذاتـه. المـال والمجد والجنس (او الجسد على العمـوم)، هذه هي التي نريد اقتنـاءها لظنّنـا أننـا بهـا نغـلب المـوت. هـذه تعطينـا قـوّة فـنشعـر مـؤقتـا -ما دمنـا تحـت سيطرتها- أننا أحياء بها لأننا لـم نُـدرك بعـد أن الحيـاة الحقيقية هي المسيـح نفسـه حسـب قـولـه المبـارك: “أنـا القيـامـة والحيـاة” (يوحنا ١١: ٢٥).
فمـن بـركـات الصيـام انـه بالصَدَقة يَجعلنـا أَقـلّ تعبـّدًا للمال، وبالخلـوة التي لنا مع يسوع الحبيب أكثر بعدا عن المجـد، وبالإمساك أقل تبعيّـة للشهوة، رياضة من رياضات التقرّب، طريق الى الاتّكال عليه.
فلندخل في الأيام التي تفصلنا عن العيد في هذا اللون من ألوان التقشف عسى ألا نقع عشيّة العيد في التخمة.
الصاحون روحيا، المتهيئون بالتعفّف وحدهم يستقبلون السيد مولودا من أجل خلاص العالم.
Continue reading