Category

مقالات

2013, جريدة النهار, مقالات

المحبة كمال الرجاء / السبت في ١٦ تشرين الثاني ٢٠١٣

«بنانا الذين يحبوننا» (فرنسوا مورياك)

الذين يلتقون يلتقون بالمحبة التي أعطوها أو تلك التي تلقوها. ما طال عمري فهمت أن الذي قيل في المحبة هو الثابت. هناك أقوال حفرت على صخرة قلوبنا وهي الباقية إلى الأبد.

كان المؤمنون في أفسس (آسيا الصغرى) يقولون ليوحنا الإنجيلي الذي كان أسقفهم: «لماذا تردد علينا عبارة أحبوا بعضكم بعضًا» وكان يجيب: «لم أتعلم شيئًا آخر لما كنت أضع رأسي على صدر المعلم». تعليم على هذا العمق عليك أن تردده بلا تفسير لأنه يدخل القلوب. واللافت أن المسيحية تدعوك إلى أن تحب وما قالت لك أن يحبك الآخرون. ربما افترض الأوائل أنك إن أحببت يرد اليك هذا. أنت تبقى على المحبة تعطيها بمجانية كاملة.

إنك لا ترجو لنفسك شيئًا من المحبة. وإن كنت من الكاملين لا تتوقع من الفضيلة مكافأة على الأرض ولا في السماء. أنت تصنع الخير بالمحبة التي فيك وهي كمال بنفسها. ما وعد المسيح بشيء من الدنيا الذين يحبون إذ يعلمون أن لا شيء يزاد إلى المسيح.

أنت تحب لأن الله ساكن فيك. هو يخرج من قلبك إلى قلوب الآخرين فتحيا بهذا ويحيون. لا ينزل ربك من سماء. يخرج إلى الناس من قلبك لأن قلبك عرشه. اشتر نفسك مما تعطيه وابق فقيرًا لأنك إن استغنيت تستلذ نفسك وترفض رضاء الله. يبدأ خلاصك باعتبار نفسك لا شيء واعتبار ربك غناك. في الحياة الروحية الزهد باللذات شرط الطعام الروحي. لا تشته شيئًا حتى يشتهيك الله. حسبك الله لأنه لا يزاد عليه شيء إذ لا يقاس به شيء. إذا فهمت انه يكفيك تشبع منه إلى الأبد ولا يسعك أن تشتهي شيئا آخر. إذا حل الله فيك تكون السماء نزلت على دنياك وصارت لك كل شيء.

الله لا يصعد اليه. هو فيك او ليس فيك. ليس هو في مدى. وإذا حل فيك لا يبقى لك مكان خاص لك. أنت في الطاعة تفهم أن ربك يعلوك وفي الحب تفهم أنه اليك ويصير فيك ان أدركت العشق إذ ذاك لك أن تقول «أنا من أهوى ومن أهوى أنا». اتحادك بربك في الحب يجعلك تدرك ذلك. ليس بعد هذا شيء.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

البيت الرعية/ الأحد 10 تشرين الثاني 2013 / العدد 45

كل منا دعاه الله أن يكون راعيا لمن هم حوله، الأقربين اليه بالمسكن والعمل. ومسؤوليتنا تأتي من هذه المحبة الصادرة من القلب والشافية لمن لامسته فاستدفأ بها. والمحبة أوّلا انتباه ثم خدمة فاستمرار خدمة ليظهر صدقها ونحسّ من خلالها أن الرب ذاته يفتقدنا بها من خلال الوجوه التي تحنو علينا.

ولا شك أن الخليّة الاولى التي نمارس فيها العيش الواحد مع الناس هي العائلة وهي المكان الطبيعي لنموّنا العاطفي والطمأنينة المتّكلة على هذا النمو. تبدأ بالرجل وزوجته اولا، وينشأ البيت من حبّهما، من ذلك الذي قال عنه السيد: “ليس حُبّ أعظم من هذا أن يبذل الإنسان نفسه فدية عن أحبائه” (يوحنا ١٥: ١٣). وهذا المعنى أكّده بولس الرسول في رسالة الإكليل لمّا قال: “أيها الرجال أَحبّوا نساءكم كما أَحبّ المسيحُ الكنيسة وبذل نفسه عنها” (أفسس ٥: ٢٥).

هذا الحب الزوجيّ مستمد من حب الله لخليقته، ولا يعرف الناس الخالق الا من خلال أُناس آخرين يحبّونهم. فإذا بدأت الحياة الزوجية سليمة، حُرّة، غير مقهورة ولا متسرعة، اذا قامت على اختيار راسخ في فضائل الشاب والشابة الخطيبين، تحمل خط الاستمرار وتُخصبُها نعمةُ الله. فإذا كانت متحررة من كل اعتبار مادّي عند نشوئها او كل شهوة جامحة، تأتي حقا متابعة لمشيئة الله في استمرار خلقه، وتمتدّ الى الأولاد حنوًا وعناية، فيتجلّى حنانُ الله من حنان الوالدين، وقوّته من قوّتهم. اذ ذاك، ليس فقط يربّي الأهلُ أولادهم، ولكن يتربّون ايضا هم بهم فيفرحون بنموّهم وبهائهم، وتأتي معا من الوالدين والأولاد ثمارُ جهود مشتركة يعرفونها لمجد الله، فلا أحد يمتلك الآخر او يغتصب إرادته، فلا استبداد في العائلة، فيحرص الوالدون على أن يُبلغوا إرادة الله فقط لا نزواتهم، ولا يُصرّون الا على الحق الذي يُنجّي وحده. ولا يطيع الأولاد ذويهم اذا ما أَدركوا انهم يؤمرون بطاعة غير كلمة الله.

فالوصية تقـول بالإكرام ولا تقول بالطاعـة العميـاء. والرسـول يأمـر أن لا نغيـظ أولادنـا لئـلا يفشلـوا (كولوسي ٣: ٢١). العلاقـة بين الإثنين ليسـت عـلاقـة ثنـائيـة، ولكنها علاقة ثلاثية، الله مبدأها ومنتهاها، تأتي من إرادته وتعود الى إرادته. فأولادنا ليسوا مُلكنا. لذلك نقودهم الى الرب الذي يحرّرهم وحده من وطأتنا وقسوتنا، ومن الطبيعي أن يتجنّحوا وأن يتحمّلوا مسؤولية أعمالهم واختياراتهم.وقد يُخالفوننا في نضوجهم، فتبقى علينا المشورة إذا بَلغوا. ويبقى صليبُ الخلاف قائمًا في العائلة. هذا ثمن الحرية. وهذا الثمن يدفعه الله باستمرار إذا الناس أخطأوا.

التجديد الروحيّ الكبير هو القادر وحده على أن يُحرّر العائلة من التشدّد القبليّ الذي يحكمها وعلى إعادتها كنيسة صغرى منطلقا الى الكنيسة الكبرى التي هي عائلة الآب.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

ميخائيل / السبت ٩ تشرين الثاني ٢٠١٣

إيل هو اسم الله في الآرامية، لغة شعوبنا قديما. للمفارقة سمي واحد من رؤساء الملائكة ميخائيل وتعني من مثل الله والفكرة انك تلتصق برئيس الملائكة الحامل هذا الاسم لتقول حقا انه لا يستحقه فإن احدا في الكون ليس مثل الله. الملاك يتأمل الله ولكنه ليس مثله. ليس احد مثله مع انه هو القائل في العهد القديم: «أنتم آلهة». التشبه بالله مطمع مسيحي. أنت ترى نفسك لا شيء ولكنك تطمح بأن تكون شبيها بالله. هذه هي المفارقة وهذا هو الإيمان انك تعرف نفسك لا شيء ولكنك تعرف انك مدعو إلى ان تتشبه بالمسيح بمعنى ان الآب قادر ان يجعلك مسيحا له أي على صورة ابنه والصورة شبيهة بالمثال ولكنها ليست هي المثال.

ميخائيل تحمل تضادا ككل اسم إلهي ليس بمعنى التناقض ولكن بمعنى ان الضد يظهر حسنه الضد. فاذا قلت: «من مثل الله» تؤكد شيئين متقابلين – وهذا معنى التضاد بالعربية – ولكنهما ليسا متناقضين أي ليسا متنافيين. تريد في الحقيقة القول اننا لسنا في الواقع مثل الله وتريد القول أيضا اننا مدعوون ان نصير مثله. فإن لم تكن هذه المثلية ممكنة ليس من مسألة. بأي معنى هي ممكنة وإلى أي حد؟ اللاهوت الارثوذكسي المتصل بالأصول دائما يقول اننا نؤلَّه (بفتح اللام وشدها). كيف نصير إياه ولا نكون من جوهره؟ هذا سؤال دقيق في اللاهوت. نأتي من اشعاعاته، من إطلالاته ومن هذه الزاوية نحن منه. هذا هو سر لاهوته وسر حبنا. الداخلون في هذا يفهمون حتى نبصر كل شيء في اليوم الأخير.

المسيحية على دعوتها إلى التواضع أمام الله لا ترضى الا ان نتشبه به. هي تقول بالفرق بين الله والانسان من حيث الجوهر ولكنها لا تبطل المعايشة بينهما. وما كان عندها أقل من المعايشة ليس بشيء. نحن في اللاهوت المسيحي لسنا فقط متشبهين بالله. نحن في حياته وان لم نكن من جوهره. هذا يجب تأكيده بصراحة لئلا نقع في الحلولية أي في اختلاط الجوهر الإلهي والجوهر البشري.

نؤكد اننا غير الله. هذا كلام في جوهر الأشياء. ولكنا نؤكد انه فينا واننا فيه وهذا من الحب. وحبنا له موجود وليس فقط توقعا.

عندما نقول «من مثل الله» نؤكد شيئين متواجهين غير متناقضين نعبّر عنهما بأننا شبيهون به بالحب ولسنا مختلطين بالجوهر. هذا يعني ان الله يتحرك فينا واننا نتحرك فيه. نحن في حيثيته وان لم تكن امكانية. لا أحد يستطيع ان يوضح اكثر من ذلك. فإن لم تكن حيثية ما ليس من شيء. ليس أحد يستطيع ان يوضح عقليا اكثر من هذا. ولكن ان لم تقل انك في الله لا تكون قلت شيئا. تكون في الكلمات وليس في الوجود.

اذا تحدثت عن الله والانسان معا ولم تقصد صلة، تداخلا، تواصلا، ربطا لا تكون قلت شيئا. تعالي الله المطلق عن الانسان نفي لله والانسان معا. تعبير تجسد ابن الله في المسيحية لا ينحصر في انه اتخذ جسدا من العذراء. يعني تداخلا ما وهل في الحب اقل من تداخل؟ تخترق الهوة بين الخالق والمخلوق كيانيا؟ هذا مستحيل. ولكنك تخترقها بالمحبة التي هي الوجود الحقيقي.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

وحدة العائلة / الأحد 3 تشرين الثاني 2013/ العدد 44

التفاتة الكل الى الكل، هذه هي الوحدة. ولكن يلتفت الى الآخرين من التفت الله اليه، من عرف نفسه ابنا لله حبيبا. ينشئ الآخر بالرعاية، بدوام اللطف لأنه ذاق لطف الله. ومن خلال رعايته لنا، نعرف الله راعيا. يجب أن تذوق المرأة أن زوجها مُحبّ لأن هذا يُحييها، ولكن الأهم من كل ذلك أن تكتشف أن محبته هذه آتية من إيمانه وان لها استمراره، فتعرف من خلال زوجها وجه الله.

واذا الرجل زادته امرأته أُنسًا، فليس لكي تزداد في الحياة راحته -هذا طيّب- ولكنه يعرف أن ما يتلقّاه انما من الله يتلقّاه، وأن هذا أُنس في الوجود كله، وأن الله يجب ان يكون مشكورا.

يقدر على العطاء من استطاع أن يتّصل برب العطاء. الأشياء المادية التي تجمعنا بالآخرين تذهب وتأتي الخيبات. فالنضارة تفنى والمال يفنى. كل وحدة سطحيّة كنا نقيمها تتلاشى بظهور العيوب والانكماش الذي يعود اليه الانسان من بعد اضطراب. العائلة دائما مهددة بالعواصف تهبّ في كل شخص فيها. أن نتّخذ الآخر في مسؤوليتنا، في فهمه والعودة اليه بلا كبرياء مجروح وبلا نفاد صبر من أدق الأمور لأنها تطلب نضجًا يكاد ان يكون مستحيلا.

ولكن الحيـاة الـزوجيـة هي هـذه أنـك لم تبـقَ وحـدك ولا تتـصرف من أجـل لذّتـك. لا تكـون الأشياء لأنك انت تقـرر ما يحلو لك، ولكنك تُرضي الآخـر، لا بمعنـى أنك تلبّي كـل رغباتـه، فـليـس فـي الأمـر غنـج، وأن تكتفي شـرّه بالسكوت، وأن تُساوم على الحـق فإنك تـريـده في الحق. ولكنـك تُـرضيـه بـدوام الانـتبـاه والتـنبيـه الى ما يـوافقـه. لا تقـره على ما لا يـوافـق الله، فأنت في البـيـت لسـت تاجـرا تتـوافـق حسـب عقـود. انت تعـطي بلا حساب فإنك على الآخر ساهـر. ليس بينكما سوق. ليس بيـنـكما شـروط، ليس بينكما مال، ولا تـذكـُران الحقـوق بل كلّ يذكُر واجبه هذا الذي تكلم الله عنه، ويحبّ واجبه ويؤديه حتى ينشأ الآخر في دلال الله.

كذا الأولاد نحبّهم. ليس فقـط حسب العـاطفـة الطبيـعيـة، ولكن لأنهـم صاروا رعيـة الله. هم أبنـاؤنـا، ولكنهم ليسـوا ملكًا لنـا. نعطيهـم للـرب، لمعرفته، لنموّهم في العمل الصالح. واذا أَحبـّونـا فلكي يحبـّوا الله من خلالنـا، ليكتشفوا من خلال البنوة أن لهم ربّا أبًا واحدا وهو الذي في السمـوات. نحتجـب في الأخيـر لتظـهـر أُبـوّة اللـه.

عنصر الوحدة في العائلة ليست العواطف وهي هشة. الله وحده عنصر الوحدة. فإذا اتّحد كل منا به ونما في تقواه، يستمدّ منه الوحدة ويضعها في العائلة. اتحاد كل انسان بالرب هو وحده سر اتحاده بالآخرين. من صار مع الرب روحا واحدا يكون مع الكل روحا واحدا.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الكاتب والمكتوب له / السبت ٢ تشرين الثاني ٢٠١٣

لست اذكر اذا قلت ان من يكتب يكتب لنفسه والآخرين معا. لنفسه لأنه تمخض ويحتاج إلى ان يحرر نفسه مما فيه. للآخرين لانه يحبهم، لأن كيانه قائم أيضًا بكيانهم أو من كيانهم. نحن المؤمنين لا نعتقد بالفردية بل بالمشاركة. هذا هو سر الشخص انه يتكون برؤيته الاخرين. من رأى إلى نفسه فقط يعشق نفسه نرجسيا وفي الاسطورة اليونانية ان نرجس رأى نفسه في الماء كأن الماء مرآة فمات من هذه الرؤية. الكاتب الحق لا يكتب من استلذاذ ولكن من فرح والفرح فرح بالآخرين لأنه هو وحده الضمانة انك خرجت من نفسك.

أنت اذا فرحت فقط بنفسك (وهذا مستحيل) تفتخر داخليا، لا تبدع. الفرح نتيجة لقاء وهذا خروج من النفس. أنت، كاتبًا، تكتب ليقرأك الآخر اذ تحس بأن كل منكما يتحقق بالآخر. أنت موجود لأنك تحب. الآخر هو البرهان الوحيد عن ذاتيتك. الإله الواحد الأحد الدائر على نفسه، الرائي نفسه غير موجود. الله يعرف نفسه موجودا لكونه يحب. لذلك لا يكتب احد لنفسه. يكتب ليقرأه آخر، ليفهم نفسه بهذه القراءة. يكتب للفرح. الذين وضعوا مذكرات وينشرونها دلوا على انهم غير منغلقين في ما كتبوا. الكاتب يخاطب. من لا يخاطب لا يكتب. من يكتب عن نفسه في حالة حوار كمن لا يقول انه يكتب عن نفسه. الذي يكتب ما ظاهره موضوعي يكتب عن نفسه أيضا أو من نفسه. من يكتب يحب. حتى اذا ظننت انك تخاطب آخرين تبقى غير منفصل عن خطابك في ما تعطيه.

لا يكتب مبدعا الا من نسي نفسه أو تغاضى عن عشقها. لذلك كان لمن يقرأ. من هذه الزاوية صح القول ان من تعده قارئا يكتب معك. في العمق الكاتب والمكتوب له وجدان واحد ويضع السطور من استطاع. في مرحلة من الوجدان لا تفرق بين ما تكتب ومن تكتب له. على مستوى الوجدان الكاتب والمكتوب له واحد ويمكن ان يصبحا واحدا في الحب. الكاتب لا يختلف عمن يقرأه الا من حيث ان الكاتب كان أداة للإلهام والقارئ كان منفعلا بالاداة، قابلها. في الجوهر هما واحد واتفق ان واحدا يكتب وآخر يقرأ. الكاتب ليس أهم منك قارئا. تلقى الالهام قبلك ثم اشتركتما فيه.

أنت، منشئا، استلمت في البدء ولكنك واحد مع الذي استلم بعدك. الأصل جاء ممن أعطى. والنعمة كل شيء. من نسميهم مبدعين يقولونها. الأصل في المبدع.

ليس المبدع بالضرورة من قال شيئا جديدا. في الحقيقة ليس لأحد منا شيء جديد الا بالصياغة، بالتعبير أو الشكل. كل المضمون قيل منذ افلاطون. المهم ان تكون واحدا مع الحقيقة ومع أهل الحقيقة. الحقيقة لا تاريخ لها. المعنى انها لا تتغير بتغير الأزمان. تختار لنفسها عبارات فترة بعد فترة ولكن جوهرها هو هو. المبتغى ان تكون أنت مع الحقيقة الدائمة كائنة ما كانت الصيغ التي تستخدمها.

ليس مبتغى القول ان تكون فريدا في قوله. لا يبتغى الا الحقيقة وهذه تلبسها الثوب الذي تريد. المهم الجسد لا الثوب.

لا تكن صريع الاشكال أي كيف تقال الاشياء. همك ان تكون في الحقيقة وهي تدلك على الثوب الذي يليق بها.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

ضعف الله/ الأحد 27 تشرين الأول 2013/ العدد 43

يحدثنا إنجيل اليوم عن عجيبة للسيد تُظهر مرة أخرى ان السبب الرئيسي في صنع يسوع للمعجزات هو انه كان يحب الناس: تحنن على رئيس المجمع فأقام له ابنته. ليست المعجزات في كتاب الله شيئًا ليبرهن عن شيء، وما اجترحها السيد لكي يعطي دليلا على ألوهيته لأنه هو القائل: “آمنوا بي بسبب الكلام الذي أكلمكم به”.

وان أضعف الإيمان ان نتبعه بسبب العجائب. ولكن أقوى الإيمان أن نتبعه بسبب الكلام، بسبب هذا العطاء الإلهي بكلمات لم ينطق بها انسان، وبسبب الحياة التي قضاها بيننا حبًّا حتى الموت. ولذلك تُسمّى العجائب في إنجيل يوحنا آيات لأن الإنجيلي يشير بها الى تعليم، يدلّ بها على مقاصد الإنجيل ولا يدل بها على جبروت.

المسيح ما كشف جبـروت الله كما كان اليهـود يفـعـلـون. انـه بيـّن قـوة اللـه بطريقـتـه هو وكانت قـوة اللـه الصليب. اي انه كشف ضعفًا يُستدل منه من بعد القيـامـة على انه كـان بالفعـل قـوة. فالله ينـزل الى البشـر ويحيـا معهم. هذه هي قوته. انه يستطيع ان يتخلّى عن مجـده ليكـون مخـفـيـا بيـن النـاس.

المسيـح تنـازل عن مجده وقوته وعف عن كل هذا ليموت. الموت شيء ضعيف. ثم تسطع قوته من هذا الشيء الضعيف لينتصر بالمجد.

في هذا الإطـار أقام الصبية من بين الأمـوات ودفعـهـا لأبـويهـا. ومـن وراء هـذه الحـادثـة ينظـر كل منـا الى ضعـفـه والى موته الـروحـي، الى سقـوطـه وتـدهـوره واهتـرائـه، وينظـر بـآن معـًا الى بهـاء المسيـح، لأن كلا منـا ميت والمسيح يقول لكل منا باسمـه: يا فـلان قـم.

وما ينبغي أن يؤمن به كل فرد منا هو ان المسيح، مع انه مخلّص العالم، وبالتالي منقذ كل الناس، فهو مخلّص كل فرد منا. المسيح مخلصي انا، بمعنى انه يبعث حياته في موتي وقوته في ضعفي. فان أدركت هذا أكون قد أدركت معنى إيماني.

هذه هي المسيحية: أن أدرك ضعفي وخطيئتي وأن أقبـل الى السيـد فأكشـف ضعـفي أمـامـه. إذ ذا أسمعـه يقـول لـي: يا بني قـم. تكفيـك نعـمـتـي لأن قـوتـي في الضعـف تكمل (رسالـة بـولس الثـانيـة الى أهـل كـورنثـوس ١٢: ٩). فأقوم بالمسيح من موت الى حياة ومن ضعف الى قوة.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

العاشقون ربّهم / السبت ٢٦ تشرين الأول ٢٠١٣

خرجنا من الكنيسة في تلك الصبيحة. هل خرجنا أم انبسطت الكنيسة على ساحتها؟ أليست هي مدعوّة أن تكون المدى؟ خرجنا لنلتقي نحن البشر الذين كنا في الداخل. هل انقطعنا عن الداخل أم تغيرت فقط الأشكال الهندسية؟ خرجنا حاملين ما سمعناه. أخرجنا الكلمات من الكتب لتصير فينا ألحانًا ومعاني ونصيرها، ليلتحم الحرف بالكلمة والقلم بما كان في البدء، ليعود كل شيء إلى البدء.

عملية حب نفّذناها بكلمات سمعناها ثم قلناها. عندما قال صاحب الإنجيل الرابع: «في البدء كان الكلمة» إذا قرأناها عربيًا- وهذا حق لنا- يريد أنّ في البدء كان الجرح. القلب يجرحه الله ليلد منه كلمات وبلا جرح تخلو من المعنى. كل شيء جاء من ذاك الذي طعن جنبه بحربة «وخرج منه دم وماء». والذي عاين شهد ونحن بدورنا بالحب نعاين ونشهد والحب يتدفق من أفواهنا كلمات تبقى إلى الأبد.

عندما رأيت الأحد الماضي المؤمنين في ساحة الكنيسة يتحدثون تساءلت هل انتهت المسرحية التي لعبتها الملائكة في البيعة. ما الفرق بين طعام الملائكة وما ذاقه العاشقون ربهم في ذبيحة الحب التي ذبحت لهم دما وقيامة؟ هل تجاوزت رؤى القديسين أم رؤى القديسين وشعوري بهم واحد؟ جرحي أنّ هذه الجماهير المتجمعة صبيحة الآحاد ما دخلت في سرّ الحب الإلهي الا ذلك الدخول الكلامي الذي بقي على الألسنة وكأننا ما كسرنا باب القبر ليخرج منه المخلص. هل إذا خرج المؤمنون الى العالم يحملون اليه المسيح الذي اتخذوه في المناولة الإلهية أم مات فيهم فور المناولة؟ أنا أريد أن أعتقد أنّ شيئًا من السيد المبارك يبقى في كل من تناوله صباح الأحد ليصبح به إنسانًا جديدًا حيًّا بالحق.

ثم رأيت أن الكنيسة في ساحتها الخارجية ليست الا ذاتها في ساحتها الداخلية لأن الناطق بنا داخل الجدران هو إياه الناطق بنا خارج الجدران. رأيت أننا صباح الأحد حياة دفوق، بشر نازلون من السماء. فلكون المسيح صعد إليها من بعد قيامته ننزل نحن منها لكوننا نجيء منه.

نجيء هكذا بعد أن بتنا قياميين بحيث أننا نكون حملنا نوره الينا ورأينا به. القيامة فينا تعني أننا غلبنا الموت. انبعاثنا بقوة الروح القدس ما كان فينا وعدا فقط. هو جرعات البعث الأخير، أذواق مقسّطة لذوقنا النهائي لله. القيامة مبثوثة إلى كل يوم فينا إن بقينا في حال التسليم لأن القيامة حال بعد أن كانت في المسيح حدثا.

أجل المؤمن بيسوع يموت قسطًا بعد قسط في هذا السر أنه يخطئ ويفنى ثم يعود بحياة القيامة التي تجددت فيه. الموت يعود إلينا ولكنه لا يفنينا لأن قيامة المسيح حدث نهائي. إنها حدث نهائي فينا والموت إذًا طارئ. عندما نرتل في الفصح: المسيح قام من بين الأموات لا نريد قيامة يومًا واحدًا بل قيامة أبدية. تخترقها ميتاتنا ولا تلغيها لأننا نتجدد بوعده لنا بالروح القدس وبانبعاثنا من خطيئة حتى يزول الموت حسب وعد الروح.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

أنتم هيكل الله الحيّ/ الأحد 20 تشرين الأول 2013 / العدد42

“أنتم هيكل الله الحيّ” لأنكم تمدّون المسيحَ في العالم. أنتم حضوره ومظهرُه في الناس. لذلك بطلت الهياكل القديمة المصنوعة بالأيدي، وصار المؤمنون جميعًا هيكلا للرب تتآزر أجزاؤه، وحجر الزاوية المسيح.

“أكون لهم إلهًا وهم يكونون لي شعبا”. يتكلّم عن المستقبل. هذا كلام غريب للوهلة الأولى. والحق أن الله ليس إلهًا لنا الا اذا اعترفنا به سيدًا علينا. الله لا يهمّني منه انه نور السموات والأرض، يهمّني انه نوري أنا، ومنقذي أنا، وربي أنا. ولذلك اذا اتصلت أنا به وجعلته سيدًا عليّ بطاعتي له، حينئذ يكون حقًا ربّي لأنه أحبّني ولفت وجهه إليّ.

“تكونون لي شعبًا” اذا عرفتم أنني ربكم، مُلتفت اليكم، عاطف عليكم بالرحمة، مفتقدكم بالحنان والغفران. ليس الأمر أن نُسجّل شعبًا له، أن نحمل هذا الأمر على تذاكر الهوية. الله لا يُسَجّل على ورق. نحن لسنا أُمّته لأنه قيل عنا كذلك، نحن نصبح أُمّة الله وشعب الله اذا توجّهت قلوبنا اليه.

“لذلك اخرجوا من بينهم واعتزلوا، يقول الـرب، ولا تمَسّوا نجــِسًا، فأقبـلكم وأكـون لكـم أبًا، وأنتـم تكونون لي بنينَ وبنات يقول الرب”. اذا كان وجهُنا الى الله، هذا يعني أن وجهنا اليه فقط. الله يريدنا كليا، يريد كل كياننا، كل روحنا، كل جسدنا. الله لا يسمح أن نكون لغيره لحظة واحدة. لا يسمح أن نعبد الأصنام. كل وجه نلتمسه من أجل نفسه بالاستقلال عن المسيح هو وجه صنم، وجه عدو. كل ما نشتهيه في هذا العالم، العالم كله، إن فصلَنا عن الله، عن وجه الحبيب الأوحد فهو عدوّ. “اعتزِلوا، لا تمسّوا نجِسًا، فأَقبلكم”.

القضية ليست ان نكون ذوي مكانة في الطائفة، فالله لا يُحابي الوجوه. ليس عند الله طبقات. الانسان لله او ليس له. واذا كان له فهو ابنه. يقول الرسول في موضع آخر: “لستَ اذًا عبدًا، ولكنّك ابنٌ، واذا كنت ابنًا فأنت وارثُ الله”. الرسول يريد ان نعرف أنفسنا أبناء. وهذا يقوده الى قوله الأخير في رسالة اليوم “تمّموا القداسة بخوف الله”. نعم أنتم أبناء، ولكن هذا لا يجعل لكم فضلا. هذا ليس امتيازًا ولكنه يُلقي عليكم واجبا. أنتم أبناء لا لتُسَرّوا بذلك، لا لتفتخروا على الناس، لا لتقولوا انكم أفضل من الآخرين، فالله قادر أن يُقيم من الحجارة اولادًا لإبراهيم. اذا كنتم أبناء فالنير موضوع عليكم لكي تتمّموا القداسة.

عندما نُذكّر أحدًا من الأبناء بواجب روحيّ، يقول: انا لست قديسًا، لا أريد ان أصبح قديسًا، هذه أمور للقديسين. كأن القداسة شيء لفئة صغيرة من الناس، كأنها وقف على الرهبان، كأنها ليست دعوة لنا أجمعين. تمّموا القداسة، هذه دعوتكم. تمّموا القداسة بخوف الله. أيّ خوف؟ ماذا يعني خوف الله؟ “بدء الحكمة مخافة الله”. من أراد ان يتّصل بالرب، عليه ان يخاف لأنه علينا أن نُتمّم البرّ بخوف ورعدة. لعلنا اذا فحصنا ضمائرنا بدقّة، بإخلاص، بصدق، نلاحظ أننا لسنا بالضرورة ممن يخافون الله، اننا لا نعيش حسب إرادة الله ونحلّل لأنفسنا الكثير. هل نؤمن ان هناك سماء وملكوتًا وعقابًا أبديا؟ إن كنا نؤمن بذلك حقًّا الى نهاية الإيمان، لا يمكن أن نحيا كما نحيا. تمّموا القداسة بهذا الخوف اولا.

ولكن هناك خوف آخر. “بخوف الله وإيمان ومحبة تقدموا”. بعد الخوف المحبة. والمحبة تطرح الخوف الى الخارج كما يقول الرسول الحبيب. الذي يتقـدّم لمعـرفة المسيـح لا يخـاف. ومع ذلك يقول الرسول: تمّموا القداسة، ذروة الكمال، بخوف الله. أيّ خوفٍ بصدده نحن الآن؟ نحن نتكلم عن هذا الخوف الذي يصيب المُحبّ عندما يتمنّى أن يبقى مع من يحبّه الى الأبد. المحب لا يريد أن يترك الحبيب. خوفُنا أن يتركنا المسيح. خوفُنا ألا يلتفت الينا. هذا هو الموت الحقيقيّ. هذه هي المصيبة الوحيدة. كل منا يتصوّر أن المصيبة أن يخسر مالا، او صحة، او عزيزا. المشكلة الكبرى، الضربة الوحيدة أن يُهملنا المسيح، وهو مُهمل لنا إنْ نحن أَ  هملناه. ولذا يقول الرسول: تمموا القداسة وانتم خائفون. أنتم خائفون أن تكونوا وحدكم، بلا مسيح.

هذه هي أقوال الرسول إلينا لكي نُدرك ان الأمر الجلل أن يكون الله لنا إلهًا وأن نصبح له شعبًا حتى نصل الى القداسة التي من أجلها جاء السيّد الى العالم.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

المجمع من الجماعة/ السبت 19 تشرين الأول 2013

لماذا يولي المسيحيون المشارقة أهمية كبرى لما يسمونه المجمع المقدس؟ هم لا يقدسون العدد إلا بمعنى أنه إشارة إلى إلهام الروح الإلهي إذ الكثرة تخطئ كالقلة والكلمة ليست كلمة العدد. إنها كلمة الله. نحن ما قلنا مرة أن المجمعية بسبب حجمها أفضل من المركزية البابوية فالمركزية البابوية نفسها في لاهوتها المعاصر تزعم أنها ليست تجاوزا للمجمعية. وليس في المسيحية المعاصرة من خلاف بين الكثرة والقلة. دائما كان الخلاف بين الصواب والخطأ. الإجماع أو شبه الإجماع مجرد إشارة إلى صواب ينزل من عند الله وتبقى الحقيقة للانجلاء الذي يظهره الرب عند نزول حكمته.

في الحكمة البشرية الاجتماع أفضل من الإنفراد لأنه عادة أقل انفعالا أي أقل تحزبًا. أجل يمكن أن تجمع الأمة على خطأ والحقيقة  ليس لها معيار إلا نفسها ولكن على المرء أن يسعى. في كنيستي صواب القرارات المتخذة في المجمع لا يأتي من العدد. انه ينزل من استدعائنا الروح القدس. لا نقرر ما يروقنا بشريًا، هذا في المبدأ، نقرر ما يروق الروح القدس. الكنيسة الكاثوليكية ما قالت مرة أن قرار البابا في المبادئ صحيح لكونه صدر عنه، تقول أن البابا مجرد بوق لله. البشر لا يزيدون شيئا على الله. والكنيسة ليست مصدر وحي. انها ناقلة الوحي، شارحة أو منفذة في الآن. نحن لا نقول أن للأساقفة وقارًا إذا اجتمعوا، نقول نقبل ما قالوه عندما نوقن أنه قول الله. ليس مخلوق بحد نفسه خزانة للروح. الروح يختار من يشاء. فالمجمع في اليونانية (سينوذس) يعني، لغة، الذين يسيرون معا على الطريق والمعنى أن ثمة طريقا واحدة وان كلهم اختاروها ليكونوا معا. هي تجمعهم وتساوي في ما بينهم. وحدتهم في وحدة الطريق. نحن الأرثوذكسيين غير صحيح أننا نؤثر النظام المجمعي بحد نفسه على مركزية الواحد. نحن نوقن أننا بالصلاة نستقبل الروح الإلهي علينا. فغير صحيح أن الأرثوذكسية نظام ديمقراطي. هذا من البشرة. هي ليست بنظام فالمجامع تخطئ وكثيرًا ما أخطأت. ليس هناك من نظام. هناك ناس ينتظمون بالروح القدس أو لا ينتظمون. نحن نرجو أن الذين استدعوا الروح الإلهي عند اجتماعهم قريبون من الروح الإلهي. ولكن تعرف أن المسيح الدجال جالس في الهيكل وأننا رقباء على استقامة الرأي في الهيكل.

الشيطان يجلس أحيانًا في الهيكل ويبطل هذا أن يكون بيت الله. وهذا نتبينه من استقامة الرأي أي من طهارة الروح. ليس من ترادف بين قداسة الله وأي مجمع دعي مقدسًا. هذا رجاء فقط. ولكن علينا أن نسهر على استقامة الرأي ومنها استقامة القرار، كل قرار. ليس صحيحًا أن ثمة قرارًا متعلق بالعقيدة وقرارًا محض إداري. سلامة العقيدة منطوية أو غير منطوية في القرار. لذلك ليس من مساومة على صعيد أي قرار. نحن في الكنيسة لا نأتي بفكر جديد أي لا يوحي به الوحي. نحن نقول قول الله أو لا نقوله وذلك في أبسط قرار.

الكنيسة لا تنشئ فكرًا. توضح الفكر الإلهي وتجعل له تعابير ليفهم القارئ. لكن الكنيسة ليست مصدر وحي، هي خزانة الوحي وإبداعها في النقل أي في ترجمة الفكر الإلهي بقوالب العصر. ليفهم الفكر الإلهي على حقيقته في لغة الناس، ليتأنسن.

في الفكر الأرثوذكسي لا ينشئ مجمع المطارنة فكرا غير مستقى من الوحي. هو يترجم الوحي. وعمل المجامع المقدسة ليس اكتشاف وحي لم ينزل. انه توضيح ما نزل. الفكر البشري ليس مصدر تعليم لنا. هو شرح لكلمة الله. ليست المسيحية ألوهة مخلوطة ببشرية. البشرة لا تزيد شيئا على الألوهة. تنقلها. علاقة الألوهة بالبشرة في الكلام الكنسي على صورة علاقة الألوهة بالبشرة في التجسد حيث لا يُلغى الجسد ولا تذوب الألوهة. هذا هو سر الاتحاد بين الطبيعتين حيث لا انفصال ولكن ليس تشويش.

ليس للحقيقة معيار. انها معيار لنفسها. لذلك لا نرى لمجمع المطارنة قدسية بحد نفسه. لذلك ليس من معنى أن للمجمع قدسية لمجرد أنه انعقد. قدسيته تأتي من الإلهام النازل عليه ومن محاولة كل أسقف للقداسة. ليس من مجمع خارج المجتمعين.

المجمع لا نسميه مقدسا لاحتسابنا ان المجتمعين قديسون بمعنى النزاهة المرتجاة. انه مقدس بوعد الروح وبعزم المجتمعين إذا اجتمعوا بدعوة من الروح. الكنيسة تتقدس في القداس الإلهي لكونها تستدعي الروح على ذاتها فينزل بحبه للناس. يخطئ من ظن أن المجمع مقدس بسبب من انعقاده. ليس هذا في النصوص. النصوص تتكلم عن آباء قديسين أي ليس من قداسة للمجمع خارجة عمن يؤلفونه. ليس لأسقف حق أن يسمي المجمع مقدسًا إلا على سبيل الرجاء أي إذا قرر هذا الأسقف أن يتوب. ليس من ذات مجمعية. ليس من مجمع إلا في المطارنة كما هم فإذا قرروا القداسة فهو منها. ليس المجمع مقدسًا خارج إرادات المطارنة مجتمعة على الحق والبر.

إذا كان الأساقفة رقباء على الحقيقة كما يعني اسمهم في اليونانية فالكنيسة قائمة، وإذا كانوا في غفوة عميقة فالكنيسة معرضة للنوم بسبب منهم.

إذا كانت الكنيسة في أسقفها حقًا فهو موجود وكلامه كلامها، وإذا أتى هو منها تأتي بدورها منه.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

استقامة الإيمان/ الأحد13 تشرين الأول 2013/ العدد 41

في كنيستنا عدة تذكارات للآباء القديسين، وهذا الأحد واحد منها. الآباء هم المطارنة الذين اجتمعوا في المجمامع المسكونية السبعة. الهراطقة الذين خرجوا عن الإيمان وانشقّوا عن الكنيسة حاربوها كثيرا وكان لا بد من الرد عليهم، فكان المجمع المسكوني الأول الذي صاغ دستور الإيمان، هذا الذي نتلوه في الخدمة الإلهية: “أومن بإله واحد آب ضابط الكل …”، حتى المجمع المسكوني السابع الذي علّمَنا تكريم الأيقونات. هكذا تقولبت وصيغت العقيدةُ في أقوال وهي العقيدة المستقيمة التي نتمسك بها وهي توضح لنا الإنجيل وتحدد حدود الإيمان، بحيث ان من زاد على هذا الإيمان خرج، ومن أنقص من هذا الإيمان خرج ايضًا.

السؤال هو لماذا وكيف تنشأ هرطقات في الكنيسة؟ لماذا تتكوّن البدَع فيها؟ هذا لأن العقل البشري حُرّ، والانسان يقرأ ولا يفهم أحيانا. هناك من يقرأ ويفهم، لكن أُناسًا كثيرين يزيّفون ما يقرأون بسبب خطاياهم، او بدون سبب هُم لا يفهمون. هذه مأساة حاصلة في الكنيسة، ولا بد للبدع من أن تظهر، ولا بد من أن ينشقّ البعض عن الكنيسة بسببٍ مِن عدم فهمهم. نقرأ في إنجيل لوقا (١٧: ١-٢) “ويلٌ لهذا الانسان الذي عن يده تأتي العثرات، خير له لو طُوّق عُنقه بحجر رحى وطُرح في البحر من أن يُعثر أحد هؤلاء الصغار”. الآباء المطارنة القديسون الذين اجتمعوا بين القرن الرابع والقرن الثامن ووضعوا لنا هذه الدساتير كانوا عالمين أن أكبر خطيئة يرتكبها الانسان هي أن يشقّ الكنيسة. من يأتي بعقيدةٍ لا يتعرّف عليها المؤمنون المستقيمون فهو يجزّئ جسد المسيح.

هناك من يقول: هذا الإنجيل الواحد، تعالوا نتفاهم حوله. لكن الواقع ليس هكذا. الواقع أن القديس أثناسيوس أُسقف الاسكندرية في القرن الرابع كان عنده هذا الإنجيل وفهم منه ما فهمه الجميع ان المسيح إله، إله أزلي غير مخلوق. وكان في المدينة نفسها رجل آخر يُدعى آريوس، كاهن في الكنيسة عينها أخذ الإنجيل وفهم منه ان المسيح ليس بإله وانه مخلوق. الإنجيل أساس ولكن الناس يبنون على هذا الأساس، منهم من يبني بيتًا ثابتًا صحيحًا، ومنهم من يبني بيتًا غير ثابت لأنه يُدخل أفكارًا خاصة من ذاته ومن محيطه او من شهواته.

ولكن من يقول الحقيقة؟ كيف نعرفها؟ هنا تأتي المشاورة. فالمجامع المسكونية كانت مشاورات عالمية بين أساقفة الدنيا المسيحية. الأساقفة قد وضعهم الله، في ما سمعنا اليوم من نص الرسالة، حراسًا على العقيدة كي يسهروا على الرعية التي يُبدّدها الذئب. عملُ المطارنة أن يدرسوا وان يتكلموا باللاهوت وان يعطوا الناس اللاهوت السليم لأن السلوك الصحيح يأتي من الإيمان الصحيح. ولا يستطيع الانسان أن يخلُص بدون إيمان. ليس شغل الكنيسة أن تبني كنائس من حجر وحسب. شغلُها أن تبني الكنائس ليُعلّم فيها الإيمانُ الصحيح. وان كنا بالإيمان المستقيم، فنحن أغنى الناس ونحن أمجد الناس. نحن قائمون لكي نحفظ الإنجيل ونعيش بالإنجيل ونتمتع بجمال المسيح. فيما نحن نقيم ذكرى الآباء القديسين، جدير بنا أن نُجدد ولاءنا للعقيدة المستقيمة وولاءنا للكنيسة كما هي وحيثما تكون في الرعية التي نحن منها لكي يبقى الله بيننا ويسطع إيمانُنا بمحبته الى الأبد.

Continue reading