Category

مقالات

2002, مقالات, نشرة رعيتي

الحاكم/ الأحد 22 أيلول 2002 / العدد 38

كثيرا ما استغل الملوك المسيحيون وعبيدهم الاكليريكيون كلام بولس الرسول عن السلطة السياسة ليجعلوا الناس في العبودية “لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة لأنه ليس سلطان الا من الله” (رومية 13: 1). كلام مشروط بقول بولس عن السلطان: “لأنه خادم الله للصلاح”. وبقوله الآخر: “اذ (اي الحاكم) خادم الله منتقم للغضب من الذي يفعل الشر”. ولكن ما موقفا ان لم يكن الحاكم “خادم الله للصلاح؟”. الكنيسة في الوقت الذي كتبت فيه هذه الرسالة لم تكن تحت الاضطهاد. ولكن عندما اضطهدها نيرون وبعد ان سماه يوحنا في سفر الرؤيا بترميز الأرقام 666 قال عنه انه الوحش. هناك اذًا فحص إلهي للحاكم. فهم صالحون او أشرار. واذا استقينا رأينا فيهم من الحقيقة وهي اسم من اسماء الله نحكم نحن عليهم.

         فعلى سبيل المثال اذا كان الحاكم حاقدا او محابيا او مفرقا بين الناس والفئات والمجموعات المختلفة يكون مؤذيا للبلد ويجب ان يهتز حكمه لأنه ينبغي ان يخضع للبلد ولا يخضع البلد له. كيف نهزه تلك مسألة اخرى، ولكن القول الفصل اننا لا نستعمل العنف لأن سلوكنا تجاه الظالمين سلوك رحمة ولكنه ليس سلوك صمت.

         وهذا ما يسمى الحرية. الإنجيل لا يتكلم عن الحرية السياسية اذ لا يتضمن تعليما عن الديموقراطية. هذه انشأها الفكر السياسي. ولكنها جاءت من قيم مسيحية ضاعت في الثورات. والحرية ضرورة من اجل تقويم الاعوجاج. فبعد ان رفضت البشرية نظام الملكية المدعية ان سلطتها من الله كان لا بد ان تجد سلوكا يصحح الاوضاع ويقوّم الاعوجاج. وهذا السلوك هو تلك الحرية التي تمهد كتلة نظمية مبدئيا تستلم الحكم ابتغاء الإصلاح. الحرية لا تفهم الا في ظل الحرية.

         اما القمع فناتج عن الخوف وعن ارادة العناد والاستمرار في القهر. وبالقهر يظلم الحاكم نفسه ويلطخها ويخرب البلد بيديه اي يزيد اسباب اليأس ويحطم آمال الأجيال الطالعة.

         الحاكم يطبق سياسة الله، والله مع الفقراء ومع الأحرار، لأن الفقر الرهيب يعرض صاحبه للخطيئة. لذلك لا يخضع الحاكم لمزاجه ويحاكم ضميره اولاً لكي يكون حاضنا للرعية الوطنية كلها.

         من هنا اننا مع رفضنا الكامل للعنف نوصي باستعمال كل الأساليب الأخرى للضغط على الحكام كالكتابة الصحفية والاعتصمات والإضرابات والتظاهرات لأن هذه وضعها من شأنها ان تردعه.

         وحكم الله يسري على كل السلطات في الدولة بما في ذلك السلطة القضائية. ليس من شيء لا يُمَس. ليس من خطيئة ولا من خطأ ان يُتَّهم القاضي بالرشوة او بالخضوع للسلطة السياسية. هذا ظاهر كثيرا في كل بلدان العالم. فعندما تقول السلطة السياسية لا تمسوا القضاء، الأفضل ان تقول هذا لنفسها. الحاكم الوحيد في الكون هو الله، وصورته فينا ليس الحاكم السياسي ولكن ضميرنا اذا استطعنا ان نعبر عنه بحرية.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

العولمة/ الأحد 15 أيلول 2002 / العدد 37

نبحث في العولمة بسبب من نتائجها الثقافية والروحية اذا نجحت. وهي آتية لا محال تفعيلا للاقتصاد الليبرالي الجديد والسوق العالمية التي تعني تبادل السلع بين الدول جميعا. وما يرافقها انتشار اللغة الانكليزية الرهيب بحيث يظن بعضهم انها قد تطغى على اللغات الأخرى فيزول تراثها. الكثيرون لا يعتقدون ان هذا الطغيان اللغوي ممكن، فالشعوب متمسكة بلغاتها ولو استعملت الانكليزية للتجارة.

ما يخيف حقا هو ان تستبد الدول العظمى بالدول الصغرى اقتصاديا فتستغل مواردها ولا تفيدها كثيرا. ما كانت تحلم به الدول النامية، اي التبادل المتكافئ، لن يكون. فهناك تصميم على ان العالم الأول اي العالم الصناعي يحتكر الصناعات الأساسية والتكنولوجيا العليا. في ظل استعمار متجدد بطرق اخرى قد تُساء معاملة الكبار للمسلمين والعرب، وهذا من شأنه أن يؤذينا نحن مسيحيي الشرق في علاقاتنا مع المسلمين الذين لا يزالون يظنون ان الغرب مسيحي. ونحن نريد ان نبقى شهودًا للمسيح في الحضارة العربية كما كنا دائمًا وأعطيناها الكثير كما أعطتنا الكثير.

نحن ليس بمقدورنا لا من حيث نحن عرب ولا من حيث نحن مسيحيون أن نقاوم ظاهرة العولمة حتى تعطيلها. ولكنا نستطيع أن نحمي أنفسنا روحيًا من ويلاتها. وهذا لا يتوفر الا بنهضة روحية كبيرة تجعلنا نحيا من المسيح في كنيسته وذلك بالتقارب مع الكنائس المسيحية الأخرى التي لا بد ان تذوق هي نهضة فيها. طبعًا ليس من السهل أن تحيا في بلد مقهور وتظهر مقهوريته ليس فقط في اختلال الأمن ولكن في الفقر. ان هذا التردّي الاقتصادي سوف يدفعنا الى الإيمان بالمشاركة الكبيرة بالأموال بين المؤمنين.

قد تأخذنا «موضة» العولمة وترجمتها على كل صعيد في الفن، في التربية. ولا بد أن تبني الكنائس بعض وسائل الإعلام الحديث، وقد دخلت ذلك الحقل منذ الآن.

نحن لا نخشى اي تطور في الحضارة. لقد خشي المسيحيون ظهور العلم الحديث وظنوا انه يناقض الكتاب. تصالحوا الآن مع العلوم. نحن لسنا أعداء التكنولوجيا. نتبنّاها حيث ليست ضد الأخلاق. ولكن لنا موقف من استبداد الشعوب بالشعوب. ونحن ننصر الضعيف. هل يمكن أن تهتدي الدول العظمى الى انها لن تثبت اذا بقيت مستبدة بالصغار؟ هذا ما نرجوه.

لا يجوز أن يظل الصغير مصلوبًا ويموت جوعًا كما هو حاصل في عدة بلدان؟ هناك ملايين من الناس ليس عندهم ماء الشفة نظيفًا. هذا اذا لم نتكلم على أمراض تفتك خصوصًا بشعوب الدول النامية. غير ان مواجهة كل ذلك غير ممكنة الا باستنفار كل قوانا الروحية وتمكننا من تلك المحبة للضعاف وهي التي تدفعنا الى كفاح ثقافي وسياسي في سبيل بشرية واحدة تضيق فيها المسافة بين الغني والفقير، بين أهل هذا الدين وأهل ذاك، هذا اللون او ذاك. يسوع هو مخلّص الانسان والحضارة.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الشراهة/ الأحد 8 أيلول 2002/ العدد 36

«لنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت» تلك هي الشراهة كما حددها بولس. نحن نفرط في الطعام والشراب خشية الموت. وهذه الخشية عبودية.

أجل هناك تغذية بسبب ما تطلبه الطبيعة، ولكن طلب اللذة المفرطة ليس من الطبيعة التي ورثناها من الله. النهم مطاردة للألم. والمسيحي يقبل الألم طوعا لأنه يقبل الصليب، وفي الصليب تأتي القيامة.

ليس في الجسد مشكلة. انها النفس المشتهية التي تسخّر الجسد لذاتها. هي تتخيل انها تجانبه أو تؤخره باللذة الآنية تعويضا منها عن مواجهته معضلاتها بصدق وشجاعة. فإذا لم نستدخل الله أعماقنا لا بد لنا من «تسليات» الطعام، كمًّا ونوعًا، يجعلنا نتيه عن الأصيل فنجعل ما كان وسيلة للعيش غاية لهذا العيش. ولعل الأخطر من الطعام الخمر التي قال عنها الرسول: «لا تشربوا الخمر التي فيها الدعارة». الشرب المعقول مقبول، ولكن الكلمة الإلهية صريحة: «السكّيرون لا يرثون ملكوت الله». ذلك انك لا ترثه وعقلك ضائع.

إلى هذا يقول العلماء وتقول الخبرة ان الخمر مأخوذةً بإفراط تقود إلى الزنا. بل يصبح البطن عبادة. ذلك انه إله بديل. الخطيئة تستقطب صاحبها وتحوّله عن الشكر. كم من عائلة تصلي قبل الطعام وبعده؟ ولهذا يقول الكتاب: «فإذا أكلتم أو شربتم أو مهما فعلتم، فافعلوا كل شيء لمجد الله». بولس الرسول الذي قال هذا يريد ان يحوّلنا عن كون الطعام مركزا لنا ليجعل الله مركزا. فإذا دعوناه قبل تناول الطعام وبعده نكون كمن يقدّم هذا الطعام قربانا. الطعام يجب ان يصير مائدة محبة لله وللإخوة.

عند ذاك لا يبقى الإنسان مغتذيا من الطعام فقط. يصير متغذيا من ربه. لذلك عندنا دعاء خاص عند الغداء ودعاء عند العشاء.

لا ننسينّ ان إحدى التجارب التي تَعرَّض لها السيد في البرّية هي تجربة الأكل. والسيد ردّها بقوله لإبليس: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان». أجل، لا بد من الخبز، ولكن الأهم منه خبز الكلمة وجسد الرب ودمه.

آباؤنا كانوا لا يتناولون الدسم ولا يعددون الأطباق، ولاحظوا -كما العلماء- ان حجم المعدة والأمعاء يتقلص في حال عدم الإفراط، واكتشفوا الصوم طريقا إلى محاربة الخيالات الدنسة.

ويظهر الشره بالولائم إذا أكثرنا منها. الآباء القديسون كانوا يستضيفون الغرباء ولكن ببساطة وقلة إنفاق. أما نحن فالضيافة عندنا مدعاة إلى حب الظهور والتخمة. كل هذا التسابق في المآدب باطل وضار.

وقد لفتنا آباؤنا ان من لم يَسُدْ جسدَه على هذا الصعيد لا يستطيع ان يرقى إلى الفضائل. اضرب النهم أولاً أي جنون البطن واللسان، واذكر ان «الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة، والله سيبيد هذا وتلك». فكرة الموت إنْ لازمتنا تُحررنا من عبودية البطن الذي سيأكله الدود.

إلى هذا فالولائم الفخمة ظرف لنهرب من البساطة ونهرب من الفكر ومن مواجهة الوجدان. والشراهة تبعدنا عن الفقراء الذين هم سادتنا في الكنيسة كما يقول القديس يوحنا الرحيم. أنت مدعو إلى التقشف لتعطي الفقير طعامه في حين انه يبقى لك من الموائد الفخمة ما ترميه وكأنك تنسى ان الناس جياع. والجائعون في حاجة إلى ان يحيوا وفي حاجة إلى محبتك.

فإذا أمسكت تمتد إليهم، وهكذا تدرك ان الله أبوك وأبوهم. هذا هو سر المشاركة الذي يدعوك المسيح إليه.

Continue reading
2002, جريدة النهار, مقالات

الشراهة / السبت في 31 آب

في أواسط الستينات كنت قد دعوت لاهوتيا يونانيا للعشاء في احد مطاعم الروشة وقدموا لنا 26 طبقًا من المازة. وبعد نصف ساعة مر الخادم بنا وسألنا ماذا نريد ان نأكل. ترجمت هذا الى رفيقي فأجابني متعجبا: “ماذا كنا فاعلين؟”. هذا الشعب اللبناني يحب المطعم والمشرب. وأتأكد ذلك ما عبرت الليل ضيعتي برمانا ورأيت الناس مستلقين على الموائد الوفا.           مقابل ذلك أقرأ في كتب النسك عندنا ان في هذا ضررا. هنا يبدو لي الصوم احتجاجا على هذا الإفراط. لماذا كانت الانسانية هكذا؟ بولس في مكافحته الأمر يقول ان لسان حال الشعوب هو “لنأكل ونشرب لأننا غدا نموت”. خشية الموت هي اذًا مفتاح الشهوة. والموت هو المشكلة الوحيدة في الحياة. ووهم البقاء ان نحشو البطن في ما ينفع وفي ما يزيد على النفع.  أجل هناك تغذية من أجل الطبيعة وهناك ما تطلبه الطبيعة المنفسدة وهو الاستلذاذ وهذا افتك روحيا اذ الانكباب على اللذات يظنه صاحبه دفعا للألم. ويبدو ان حياتنا على هذه الأرض متأرجحة بين اللذة والألم الى ان نقبل هذا الأخير طوعًا لنتقبل تلك المصلوبية التي هي وعد بالقيامة.     ليس عندي مشكلة مع الجسد في ما تطلبه الطبيعة السليمة منه. مشكلتنا مع النفس الطامعة التي تسخر الجسد في انتفاخها. انها هي التي تستعبد ذاتها للزائل لعدم قناعتها بالباقيات. انها تقاوم -على ما تحسب- الموت الآتي باللذة الآنية ولا تريد ان تواجه معضلاتها بصدق وشجاعة باستنزال روح الرب.          ان ضعفنا يصوّر لنا ان الجمالات الروحية بعيدة لأننا نحن بعيدون عن اعماقنا، لأننا لم نستدخل الله هذه الأعماق فلا بد من “تسليات” واللفظة بمعناها العامي تعني الشرود عن الأصلي اي عن المواجهة. الطعام في كمه وفي نوعيته يجعلنا في هذا التيه عن هدف كياننا. والتيه يصير هو الطريق والوسيلة للعيش تصبح غاية العيش.      ولعل الأخطر من الطعام هو الخمر التي تبلغ فيها لذة اللسان شأوا كبيرا. والرسول ينبه الا “تشربوا الخمر التي فيها الدعارة” ولو سمح الكتاب بالاعتدال فيها باعتبارها جزءا من الطعام مألوفا. غير ان الكلمة صريحة: “السكيرون لا يرثون ملكوت الله”. الإفراط في الشرب يقود طبيعيا الى احتجاب العقل والى خسارة لإنسانية الانسان واضحة. ü           ü ü الفساد اعمق مما يزين لنا. فالاستخفاف بفداحة هذه الشراهة ناتج من تصورنا اياها مجرد غلو. في الحقيقة ان لذة اللسان مرتبطة ارتباطا وثيقًا بلذة الجنس كما أبان ذلك فرويد. والسكارى اشد التصاقا بالجنس. الفداحة في ان ليس من رذيلة لا تخفي وراءها فلسفتها. عندما تستعبدنا المعدة نصبح لها عبيدا وعابدين. هناك مركزية للبطن في الوجود. وكل مركزية في وضعنا البيولوجي او النفساني تأليه. القضية ليست في التفه الذي يُرى عليها الشرهون. ولعل ما يزيد الخطر شدة ان البطن إله محسوس والرب غير محسوس. كل خطيئة ابدال الله بصنم.      ويتعاظم الصنم اذا اهمل الشرِه كل اهتمام آخر. وهذا هو ميكانزم الخطيئة عادة. انها استقطاب وفي هذا تحولنا عن كونها قائمة لشكر الله. كم منا يشكر له الطعام؟ كم من عائلة مسيحية تقف لدعاء قبل تناول الطعام وبعده؟ الراهب في كنيستي يصلّب وجهه قبل ان يشرب كوبا من الماء واذا كان الأسقف حاضرا يقول له بارك فيستعمل عبارات البركة فيشرب المرء. هذا كله رياضة غايتها ان نعرف انفسنا بالطعام وغير الطعام متجهين الى الرب. ولهذا قال الرسول: “فإذا أكلتم او شربتم او مهما فعلتم، فافعلوا كل شيء لمجد الله” (1 كورنثوس 01:13). معنى الكلام ان بولس ينقل المؤمنين من الاهتمام بالطعام -ولو اكلوا- الى الاهتمام بالمجد الالهي. انه يزعزع المركز الذي كانوا جعلوه لأنفسهم لكي يركزهم في الله. بولس يدعو مؤمني كورنثوس هكذا الى زهد يمارسونه بسبب اتحادهم  بالله واستقلالهم عن المخلوق بما فيه المطعم والمشرب. فاذا رفعوا مادة هذا الكون الى الرب يكونون شبيهين بمن يقرب القربان. كل وجبة -ان كنا في الشكر- تكون مثل سر الشكر الذي نرفع فيه الخبز والخمر الى الله الآب.             يتقدس الانسان بالشكر. وفيما يحسب انه يستهلك الطعام يكون مغتذيا بالله ايضا. واذا تقدست هذه المواد بالدعاء الذي يسبق كل وجبة يتقدس الكون بها. نقول عند الظهر: “اعين الكل اياك تترجى وانت تعطيهم طعامهم في حينه…”. هذا اعتراف بأن إلهنا يعطينا كل شيء. وعند المساء نقول: “يأكل البائسون ويشبعون ويسبحون الرب…”. الجو خلال النهار كله تمجيد وتسبيح.                لا ننسين ان احدى التجارب التي واجه فيها السيد إبليس في البرية تجربة الطعام وردها المعلم بقوله: “ليس بالخبز وحده يحيا الانسان”. هو لم يقل ان الإنسان لا يحيا بالخبز ولكنه قال لا يحيا فقط من الخبز. فالمهم في هذا الصراع ان نتربى على ان الكلمة الإلهية فينا اهم من المادة التي نستهلكها. ü           ü ü هنا تحضرني قضية الحمية régime التي صارت شائعة خوفا من الأذى. كيف لا يعرف الانسان انه، كل يوم، يجب عليه ان يتقشف ليحمي صحته ويحمي عقله من الطيش والخيالات الضارة. لقد أدرك آباؤنا القديسون هذا الضرر لما تكلموا على جنونين: “جنون الفم” بالتلذذ “وجنون البطن” بالشره. اجل قال احدهم وهو يوحنا السلمي ما مفاده ان احدا “لا يتحرر من نير معدته قبل ان يسكن القبر”.      لقد رأى الآباء -قبل فرويد- ان الشره والسكر منه يقود طبيعيا الى الزنا. ولهذا ربطوا العفة بالصوم. كان النساك الأوائل يأكلون طعاما بسيطا ليس فيه دسم ولا تعدد أطباق. ولاحظوا ان حجم المعدة والأمعاء يتقلص ان لم نشره وهذه احدى قواعد الحمية الحديثة.      ان اضطراب الأفكار وتراقص الخيالات الدنسة نتيجة لهذا الإقبال المفرط على الطعام. هذا اذا لم نذكر الميل الى النوم الكثير الذي هو مضيعة للوقت.      غير ان هذا الانبطاح على الموائد كان دائما متصلا بحبنا للولائم. كان آباؤنا يستقبلون ضيوفا ويوآكلونهم ببساطة ولا ينفقون كثيرا. الاوربيون يستضيفون على هذه الطريقة ولا تزيد أطباقهم ان اكل افراد العائلة معا او دعوا الآخرين الى موائدهم. عدد ألوان الطعام محدود. اما نحن فالضيافة عندنا مدعاة الى حب الظهور والتخمة. وانت بذلك تؤذي من تدعوه. واذا اخرت العشاء على الطريقة المستحدثة في لبنان يكون ضيفك قد جاع وأكثر ويكون منزعجا في ليله. وانت تظهر الكرم ولكنك في الواقع تسقط في حب الظهور وفي ان يمدحك الاصحاب الذين وفدوا اليك. ويتبارى القوم في هذا الموضوع ويتسابقون في الكمية والنوع. وكل هذا باطل الأباطيل.  ان يسود الانسان جسده على هذا الصعيد يساعده على سيادته على كل صعيد. لقد جاء يسوع ليحررنا من كل عبودية. فلنبدأ بضرب العبودية الاولى التي هي النهم. ان الفساد الاساسي في جنون البطن واللسان هو اننا نريد ان نعب الكون رمزيا في أجسامنا كأننا نجهل ان تراب الكون سوف يتأكل اجسامنا. فكرة الموت ينبغي الا تغادرنا لأن ذكراه بدء الحرية الداخلية.          انت يمكنك ان تمارس الصداقة بما فيها الضيافة بالبساطة. احيانا يبدو لي ان الولائم الفخمة انما يرافقها هربنا من المنادمة، من تبادل الفكر. ان الحياة التي لا فكر فيها لا مضمون لها. والهرب من التأمل تصحبه موسيقى صاخبة احيانا اذا استضفت صديقك في مطعم. هروب من الحديث تحقيقا للهروب من المواجهة الوجدانية.    هذا اذا لم نذكر الفقراء الذين يجب ان نتقشف لإطعامهم. الكثير من الموائد يرمى ما تبقى فيها من اللحوم والناس جياع. انت لا تستطيع ان تسلك طريق العفة في هذا المجال الا اذا أحببت الآخرين وتغذوا من قلبك المحب.              هكذا نرى ان الامساك شرط من شروط امتدادك الى الآخرين بالعطاء. لعلك بذاك تحس ان الله ابونا جميعا وانه يريدنا في سر المشاركة.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

حب الظهور/الأحد 25 آب 2002/ العدد 34

في بركات مريم وصمتها وتواضعها نحن صغار جدا إن أحببنا الظهور. الله لا يُظهر محبيه في هذه الدنيا ولكن في القلوب التي تستطيبهم. من الناس من يفتخر بغناه ويعرضه على الناس لكي يسكروا به. ومنهم من يظهر جماله لكي يؤخذوا به. ومنهم من يعرض ذكاءه لكي يسحرهم. فئة تعتبر ان ثروتها شيء، وفئة أخرى ان حُسْنها (أي جسدها) شيء، والفئة الثالثة ان التماعها شيء.

هذه كلها ليست القلب المفعم بالحضور الإلهي. قد يرى القوم بِرّك، ولكن بِرّك ليس لك. لذلك لا تفتخر به. الله وحده يكشف فضائلك ليتمجد هو فيك. الإنسان الصالح ليس مالكا لصلاحه. انه فيه وديعة، والمودع هو الله.

هذه الفئات الثلاث التي تعتز بما تملك (مالا أو جاها أو حُسْنا أو ثقافة) في العمق لا تؤمن بالرب. «أعطوا مجدا لله». الكتاب، إذ يقول هذا، يحذرنا من المجد الباطل. عندما يستعمل الكتاب هذه العبارة فكأنه يقول ان هذا ليس بمجد. هذا لا يباد فيك الا إذا عرفت مجد المصلوب. لما قال السيد: «مجِّدْني يا أبتِ بالمجد الذي كان لي عندك قبل إنشاء العالم» أراد مجد الصليب. كذلك: «الآن تَمجَّد ابن الإنسان (أي على الخشبة) وتَمجَّد الله فيه». ما همَّه ان تظهر قدرة الآب بموت ابنه أي بالمحبة المبذولة من أجل العالم. فإن أنت قبلت آلامك وصبرت استمساكا بيسوع يكون بهاؤه قد نزل عليك. «كل بشر عشب وكل جماله كزهر البرية. العشب ييبس وزهره يذوي… وأما كلمة إلهنا فتبقى إلى الأبد» (إشعياء 40: 6-8).

فإذا كان البشر عشبا فكل ما لهذه البشرة التي فينا (المال والذكاء وسواهما) هو أيضا عشب. يجب إذًا ان نتوارى حتى يعبر بنا جمال الله. وهذا غير ممكن الا إذا اعتبرنا نفسنا لا شيء. هكذا ندخل السر المريمي. العذراء قالت عن ربها: «انه نظر إلى تواضع أَمَته» فرفعها الله إليه وجعلها «أكرم من الشيروبيم وأرفع مجدا بغير قياس من السيرافيم». لما كانت على الأرض توارت كثيرا ولم ينظر إليها أحد. فلما رفعها الله إليه بتنا ننظر إليها «واقفة على القمر وملتحفة بالشمس».

أجل لا تستطيع ان تُخفي مالك، ولكن لا تعتدّ به ولا تغرِ به أحدا، واهرب من البذخ لأن البذخ يظهرك. أما الحسناء فليس لها ان تتبرج بما يثير الناس، ولتدرك ان القبيحة قد تكون أكثر بهاء في عيني الله. ومن كان وافر العقل فليجعله في خدمة الآخرين ولا يظهر معارفه الا عند الضرورة، عندما تقتضي الخدمة ذلك. يمكن ان تدرك التواضع إذا أحسست ان كل ما في يديك ليس منك وليس لك. كذلك إذا أدركت ان ثقافتك بعضها منك ولكنها ليست لك وانك فقط معْبر. فقد يحلو للناس ما يرونه فيك، ولكن إذا كنت مختفيا وراء جمالاتك تعرف انهم بسببها يمجدون الله فتفرح.

إذا عرفت نفسك موهوبا اشكر الله. هذا مباح ولكن لا تجعل أحدا يشكرك. يحق لهم فقط ان يشكروا لله ما أعطاك. لا يكونون قد وقفوا عندك. فإنك إن استوقفت أحدا لينظر إليك تكون قد حبسته فيك أو في ما تملك، ولكن إن تواضعت تكون قد وجّهته إلى الآب الذي منه «كل عطية صالحة وكل موهبة كاملة»، وتكون قد التقيته في الله. وهذا اللقاء هو كنيسة أهل السماء الذين لا يزالون على الأرض أحياء.

جاهد جهادا مستميتا حتى تشدّ الناس إلى وجه المسيح ليرتسم على وجوههم نوره. أنت هدفك ان يستضيء البشر بضياء الرب. أنت لست بديل الله. يمكنك ان تصير وجهه إذا أخفيت وجهك. أنت تدمر إيمانهم بربهم إذا لفتّهم إليك لأن الإيمان ان يسكنوا في الله. لهم الحق ان يرتاحوا إليك ان كنت آتيا من فوق. إذ ذاك هذه الدنيا تصير سماء.

Continue reading
2002, جريدة النهار, مقالات

حب الظهور / السبت 24 آب 2002

ر

في النسك عندنا هذا فصل من فصول المجد الباطل الذي نصفه بأنه هوى من أهواء النفس. غير اني سأحاول التأمل معكم في هذا الصنف الرهيب الذي هو حب الظهور الكاشف فراغ النفس. فالناس يعيشون متبرجين. والتبرج غايته الإغراء. والإغراء غايته التسلط. اتخذ هنا زينة النساء رمزا. حافز التزيين ان تبدو المرأة أجمل مما هي عليه. هذا شأن لا دخل لي فيه اليوم. ولكن التبرج يأخذ مئة صورة ليبدو الإنسان. ان يبدو هذا هو الهاجس اذ لا صورة له في حسبانه الا في أعين الناس. في حسّه انه ليس قائما في نفسه. وهذا محتوم عليه ان لم يرَ ان الله يسكنه يتسطح. انه لا يعلو في عيني الحق. لذلك هو مضطر ان يستعلي. في المجال الأدنى يفتخر بماله. والمال شيء لك وليس هو أنت. المفتخر بما يملك يحس بأنه قائم بما يملك. لذلك كنت أسمع في طفولتي: “هذا يساوي كذا من المال”. ولست أظن ان هذا الكلام كان من باب الغباء. انهم كانوا يعنون ما كانوا يقولون. هذا يذكرني بحديث تفوه به رجل ثري في حضوري وحضور ثالث وذلك قبل 45 سنة. قال: درست مع الأب جورج وتخرجت من الصف الثانوي الثاني وهو تخرج من جامعة وانا أملك مليون ليرة وهو لا يملك شيئا. أشياء كهذه هي في فكر الكثيرين اذ يقارنون ملكا بملك. ويستغربون ان طائفة قليلة من الناس لا تعير أهمية لذلك. فيسعون الى سماع مدح لهم وتعظيم. كنت اعرف رجلا ذا مقام يقول “امدحوني ولو كذبتم”. وهذا الرجل لم يكن عنده الكثير يلفتك به اليه.

            غير ان بعضا يملك ما كان أعظم من المال وهو الجمال على أصنافه المختلفة. اظن ان اكثر الحسناوات لا يرتبكن او يخجلن ان انت مدحتهن. يعتبرن هذا ملكا وان من واجبك ان تدهش امامه وان تقول انك في حالة الدهش. تزداد هذه السيدات وجودا باطرائك. لا يكفيهن وعيهن للحسن ولكن يهمهن الاعتراف. خفرك ازاء السحر غباء او انعدام ذوق. ويدخل في هذا الثياب والحلى وما الى ذلك الذي لا أسوغ لنفسي ذكره. ذلك ان ما ترتديه المرأة امتداد لشخصيتها كما ان الطعام الذي تقدمه لك تعبير عن شخصها. ويبدو ان اللياقات تقضي بأن تقول في دعوة الى عشاء ان الأطباق   تلذ لك لئلا تكون قد تجاهلت ربة المنزل التي شاءت ان تكرمك وعليك ان تشكر.

***

            الى ذلك اصحاب الأصوات الجميلة. ينتظرون منك مديحا بعد أغنية غنوها. انهم يشعرون ان صوتهم منهم في حين انه مجرد وضع فيزيولوجي للأوتار الصوتية وأوتارهم ورثوها وما فضلهم الا بالدراسة. انهم يختنقون قبل سماعهم مديحك.

            ثم تأتيك طبقة المثقفين او الذين يظنون أنفسهم كذلك. المتعلمون الكبار على شيء من العمق وما يعرفونه ثمرة جهاد طويل. صح ان الذكاء مسجل في المورثات ولكنا نصقله كثيرا ونربيه. غير ان قلة تعرف انه مشاركة في العقل الإلهي وان الفضل فيه هو للرب الذي يمنحنا كل عطاء كامل. المثقف يتدغدغ ان قلت له ان ما قاله او كتبه أحسن فيه. هو ايضا يفتش عن اعتراف. اجل هو نظم قصيدة او وضع كتابا ليقرأه الناس لأنه هكذا يشارك وهكذا يؤدي رسالة. ولكنه لا يكتفي بأن تبلغ رسالته العقل والقلب. يريد منك بالأقل تشجيعا. انه غير مهيأ للعزلة، غير مستعد لخدمة الحقيقة وحدها. تطرب أذنه للثناء.        المجد الباطل عند المثقف كثيرا ما دفعه الى ان يعرف ما لا تعرف لا ليتغذى بالعلم داخليا ولكن لكي يذهلك. لذلك يسعى الى تحصيل معارف نادرة او جديدة لم تسمع بها الا القلة فيسكر اذا قلت له ان علمه غزير وان تحصيله ليس له شبيه. ولعل الأمر ليس فيه سوى تقانة لا يعسر عليه بلوغها بعد ان يكون ادرك مستوى من المعرفة عاليا.

            ان المجد الباطل قد يكون حافزا الى عشق المال وهو عند الإشراقيين هوى قتّال كما ان الانكباب على الثروة حافز الى المجد الباطل. وفي هذا قال المعلم الكبير مكسيموس المعترف: “المجد الباطل وعشق الفضة يتوالدان أحدهما من الآخر. من أحبّ المجد الباطل يسعى الى المال والغني يتوق الى المجد الباطل”. ان اشتهاء البذخ والأبهة مرتبط بهذا الهوى وذاك.

            وتحقيقا لحب الظهور يشتهي المرء ان يبلغ مكانة في المجتمع مرموقة. فهذا يحس انه يصير شيئا اذا انتخبوه نائبا او عينوه وزيرا او عضوا في المجلس البلدي او مختارا او ما الى ذلك. واذا لم يصل الى ذلك يحس انه محجوب او انه في انزواء. وأدنى ما يرقى اليه ان يعاشر الأغنياء او يختلط بعلية القوم. يجب ان يتحرك في دائرة منظورة ولا يكفيه ان يتحرك في نفسه او مع المتواضعين.

ان حب الظهور يقود الى حب السلطة. عند بعض ان الذي لا سلطة له لا وجود له. فالسلطة حكم وقد تكون تحكما ولا يكفي هذا الانسان الحوار لأنه قائم على النديّة. من اشتهى الظهور همّه الأساسي ان يكون فريدا وان يشار الى فرادته، ولذلك يتمنى الاعجاب دائما والإعجاب يوطده في المكانة التي بلغ.

***             غير ان حب الظهور أخطر ما فيه انه قد يصيب الذين يريدون التقوى. كم من مرة تسمع تباهي الذين يتمجدون بأنهم ليسوا زناة ولا سراقين وغير طامعين بالمال ولا يأكلون أموال الأرامل والأيتام. هم تجاوزوا اشتهاء الثروة والجمال والفطنة ولكنهم يصرّون على ان تعترف بفضائلهم اي انهم يريدون مدحا من البشر وليس فقط من الله في داخل قلوبهم. فاذا ما انتصر المجاهد على الرذائل يبدو لنفسه متألقا بالجمالات الروحية ويريدك ان تعترف بها. مرة قالت لي امرأة تدّعي التقوى: نص واحد في الإنجيل لا أقبله. هو ذلك المثل الذي يساوي فيه المسيح عملة الكرم الذين عمل بعضهم منذ الساعة الأولى وبعضهم عند الساعة التاسعة وآخرون نحو الظهر وغيرهم نحو الثالثة بعد الظهر وسواهم نحو الخامسة بعد الظهر فساواهم رب العمل في الاجرة. فقالت لي “التقية”: انا التي لا شك في عفتي أيعاملني ربي كما يعامل تلك؟ أجبتها: قد تكونين أعف في الظاهر وتلك التي ترينها غير طاهرة قد تكون أقرب الى الله. ولكن التقوى قد تكون مدعاة للافتخار. ولذلك قال القديس كاسيانوس: “ان شيطان المجد الباطل يحس بفرح خاص اذا رأى الفضائل تتكاثر … لأنه كما ان النحلة تنتظر مجيء الحصاد وان ينضج القمح كذلك ينتظر المجد الباطل ان نكون قد جمعنا كل الخيرات الروحية”. وفي هذا يقول ايضا مكسيموس المعترف: “انك ان قضيت على الأهواء المشينة تنقض عليك افكار المجد الباطل”. الذي يمجد نفسه

يكون قد بلغ الهذيان.             اجل أعطى الله الانسان “في الطبيعة” (هذا تعبير مسيحي شرقي يعني الطبيعة الصالحة كما خرجت من يد الله) اعطاه ان يتوق ليس الى المجد الزائل ولكن الى تمجيد الله. وفي هذا قال بولس: “اما انا فمعاذ الله ان افتخر الا بصليب ربنا يسوع المسيح” (غلاطية 6 :14). وفي المعنى نفسه قال: “من افتخر فليفتخر بالرب” (1 كورنثوس 1: 31).

            واذا تعب الانسان من التماس المجد الالهي يسعى الى الزيف. وعندنا هنا تحويل مرضي للمجد الالهي واساءة الى الطبيعة البشرية السليمة. واذ ذاك نفسد انفسنا وما حولنا ونقع في الوهم. والوهم ان تحس ان لله فيك او عندك بديلا. وفي هذا يقول السيد: “كيف لكم ان تؤمنوا وانتم تتلقون المجد بعضكم من بعض واما المجد الذي يأتي من الله وحده فلا تطلبونه؟” (يوحنا 5 :44). ان الساعي الى مجد العالم ليس فقط ينتظر التملق ولكنه يثيره.

            المشكلة في هذا ان المجد الفارغ هو ذلك العدم تحوله الى وجود. كل هذا هش، تفه، سطحي ولكن يبدو ان الناس يستلذون الزائل والسطحي. وقد بلغ القديس يوحنا الذهبي الفم رؤية حادة بقوله: “المجد اسم وليس الا اسما … من هو الانسان الجاهل الذي يتمسك بأسماء لا حقيقة لها او أشباح يجب الهرب منها؟ “والوهم الا يرى الانسان عيوبه وان ينسب الى نفسه خصالا أتته من الله القائل: “الويل لكم اذا مدحكم جميع الناس” (لوقا 6 :26).

            لا يعني هذا كله انه يجب عليك ان تتوارى. فالحسناء لا تقدر ان تحجب جمالها ولا الذكي ذكاءه والموهوب طلب اليه الرب الا يخفي نوره. ويعرف العالم انه عالم. ولكن المهم ان تؤمن انك مجرد جسر يعبر الله منه الى الناس لكي ينتبهوا اليه لا الى الجسر الذي عليه عبر. كل ما عندنا، كل ما فينا آت من الله. ونحن مهما سما بهاؤنا لسنا سوى مطل للبهاء الإلهي. من أجل هذا البهاء وحده نحيا. عنذ ذاك يسقط منا التراب ويبقى الضياء.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

كورنثوس/ الأحد 18 آب 2002 / العدد 33

انشأ بولس هذه الجماعة وكتب اليها هذه الرسالة غالبا سنة 65 اي بعد موت المخلص بقليل. وأخبره عمال او عبيد لامرأة تدعى خلوي ان بين المؤمنين ثلاثة احزاب: واحد لبولس وواحد لأبلّوس وواحد لصفا اي بطرس. تحزبات ذات طابع شخصي وقد لا تخلو من طابع فكري. انصار بولس لا بد انهم كانوا من الذين ضمهم هو الى الكنيسة. ابلّوس كان ذلك المثقف البليغ الاسكندري الذي خلف بولس في التعليم. من الممكن ان بطرس مر هناك في طريقه الى روما او ربما كان أتباعه من أصل يهودي اتخذوا بطرس رمزا للمتمسكين بالشريعة الموسوية.

         لم يتضح عند المفسرين انه كان حزب للمسيح. هم غالبا الفئة التي لا تريد ان تتحزب لأحد من الرسل الثلاثة الذين ذكرنا. بولس يرفض ان يكون له حزب لإيمانه بأننا جميعا للمسيح. لا يريد ولاء شخصيا، عاطفيا له. ويرى انه لا يجوز للجماعة ان تنقسم لكونها موحدة بموت المسيح وقيامته. اي انقسام يبطل صليب المسيح.

         هذا المشهد الانقسامي في بدء المسيحية يناقض كوننا نصير واحدا في جسد المسيح الذي نتناوله. ما هـو المشهد اليوم في كنائس الجبل التي تـؤلفونها انتم؟ هناك سلوكيات تعزي. على الرغم منها خلافات مـن نوعين في بعـض القرى. اولا) نجد في الكنيسة انعكاسات لخلافات حول البلـدية والهيئـة الاختيارية؛ وثانيا) نجد خلافات حول زعماء او سياسيين تنعكس ايضا في حياتنا الكنسية. وكل هذا ينشئ تشنجات تظهر احيانا في مجالس الرعايا. لا نرى اذًا ان الكنيسة تجمع.

         من السهل ان يقال – وهذا ما نسمعه – ان اتركوا عند عتبة الكنيسة خصومات الضيعة. فالخصومة هي في القلب، والقلب هو الذي يجلس مع الشخص في مجلس الرعية. غير ان العيب الأساسي لهذا القلب ان عندنا اناسا متشبثين، قساة لا يعرفون معنى التعاون ولا يحسون بوجودهم الا اذا صدّروا أوامر للآخرين. المحبة هي قبل كل شيء ان تحترم الآخر باحترام رأيه ثم بالمناقشة لا للتنازع ولكن للوصول الى الحقيقة. فاذا كان الأمر ماليا او عقاريا او اجتماعيا، فهناك اولا أدب المناقشة، ولا عيب على احد اذا غيّر رأيه عندما يقتنع بصواب الرأي الآخر.

         غير ان مجرد التهذيب لا يكفي. المحبة اساسية. المحبة تفرض ان تتبع الحق من اية جهة جاء.  ما من موضوع لا يحتمل الاختلاف. فليس من معالجة واحدة لأي وضع. وانت تبقى عظيما اذا قبل الإخوة رأيك او رفضوه. “على المرء ان يسعى”. ليست الحياة حكما لأحد او تحكما.

         خشيتي من كل من احتسب نفسه شيئا او عائلته شيئا. فقط من عرف انه الى التراب وان عائلته الى التراب يستطيع ان يعيش مع الآخرين. الفذلكات والحرتقات والتطبيقات ليست من شيم المؤمنين بأن المسيح جامعنا الى قلبه بمحبة واحدة.

Continue reading