ر

في النسك عندنا هذا فصل من فصول المجد الباطل الذي نصفه بأنه هوى من أهواء النفس. غير اني سأحاول التأمل معكم في هذا الصنف الرهيب الذي هو حب الظهور الكاشف فراغ النفس. فالناس يعيشون متبرجين. والتبرج غايته الإغراء. والإغراء غايته التسلط. اتخذ هنا زينة النساء رمزا. حافز التزيين ان تبدو المرأة أجمل مما هي عليه. هذا شأن لا دخل لي فيه اليوم. ولكن التبرج يأخذ مئة صورة ليبدو الإنسان. ان يبدو هذا هو الهاجس اذ لا صورة له في حسبانه الا في أعين الناس. في حسّه انه ليس قائما في نفسه. وهذا محتوم عليه ان لم يرَ ان الله يسكنه يتسطح. انه لا يعلو في عيني الحق. لذلك هو مضطر ان يستعلي. في المجال الأدنى يفتخر بماله. والمال شيء لك وليس هو أنت. المفتخر بما يملك يحس بأنه قائم بما يملك. لذلك كنت أسمع في طفولتي: “هذا يساوي كذا من المال”. ولست أظن ان هذا الكلام كان من باب الغباء. انهم كانوا يعنون ما كانوا يقولون. هذا يذكرني بحديث تفوه به رجل ثري في حضوري وحضور ثالث وذلك قبل 45 سنة. قال: درست مع الأب جورج وتخرجت من الصف الثانوي الثاني وهو تخرج من جامعة وانا أملك مليون ليرة وهو لا يملك شيئا. أشياء كهذه هي في فكر الكثيرين اذ يقارنون ملكا بملك. ويستغربون ان طائفة قليلة من الناس لا تعير أهمية لذلك. فيسعون الى سماع مدح لهم وتعظيم. كنت اعرف رجلا ذا مقام يقول “امدحوني ولو كذبتم”. وهذا الرجل لم يكن عنده الكثير يلفتك به اليه.

            غير ان بعضا يملك ما كان أعظم من المال وهو الجمال على أصنافه المختلفة. اظن ان اكثر الحسناوات لا يرتبكن او يخجلن ان انت مدحتهن. يعتبرن هذا ملكا وان من واجبك ان تدهش امامه وان تقول انك في حالة الدهش. تزداد هذه السيدات وجودا باطرائك. لا يكفيهن وعيهن للحسن ولكن يهمهن الاعتراف. خفرك ازاء السحر غباء او انعدام ذوق. ويدخل في هذا الثياب والحلى وما الى ذلك الذي لا أسوغ لنفسي ذكره. ذلك ان ما ترتديه المرأة امتداد لشخصيتها كما ان الطعام الذي تقدمه لك تعبير عن شخصها. ويبدو ان اللياقات تقضي بأن تقول في دعوة الى عشاء ان الأطباق   تلذ لك لئلا تكون قد تجاهلت ربة المنزل التي شاءت ان تكرمك وعليك ان تشكر.

***

            الى ذلك اصحاب الأصوات الجميلة. ينتظرون منك مديحا بعد أغنية غنوها. انهم يشعرون ان صوتهم منهم في حين انه مجرد وضع فيزيولوجي للأوتار الصوتية وأوتارهم ورثوها وما فضلهم الا بالدراسة. انهم يختنقون قبل سماعهم مديحك.

            ثم تأتيك طبقة المثقفين او الذين يظنون أنفسهم كذلك. المتعلمون الكبار على شيء من العمق وما يعرفونه ثمرة جهاد طويل. صح ان الذكاء مسجل في المورثات ولكنا نصقله كثيرا ونربيه. غير ان قلة تعرف انه مشاركة في العقل الإلهي وان الفضل فيه هو للرب الذي يمنحنا كل عطاء كامل. المثقف يتدغدغ ان قلت له ان ما قاله او كتبه أحسن فيه. هو ايضا يفتش عن اعتراف. اجل هو نظم قصيدة او وضع كتابا ليقرأه الناس لأنه هكذا يشارك وهكذا يؤدي رسالة. ولكنه لا يكتفي بأن تبلغ رسالته العقل والقلب. يريد منك بالأقل تشجيعا. انه غير مهيأ للعزلة، غير مستعد لخدمة الحقيقة وحدها. تطرب أذنه للثناء.        المجد الباطل عند المثقف كثيرا ما دفعه الى ان يعرف ما لا تعرف لا ليتغذى بالعلم داخليا ولكن لكي يذهلك. لذلك يسعى الى تحصيل معارف نادرة او جديدة لم تسمع بها الا القلة فيسكر اذا قلت له ان علمه غزير وان تحصيله ليس له شبيه. ولعل الأمر ليس فيه سوى تقانة لا يعسر عليه بلوغها بعد ان يكون ادرك مستوى من المعرفة عاليا.

            ان المجد الباطل قد يكون حافزا الى عشق المال وهو عند الإشراقيين هوى قتّال كما ان الانكباب على الثروة حافز الى المجد الباطل. وفي هذا قال المعلم الكبير مكسيموس المعترف: “المجد الباطل وعشق الفضة يتوالدان أحدهما من الآخر. من أحبّ المجد الباطل يسعى الى المال والغني يتوق الى المجد الباطل”. ان اشتهاء البذخ والأبهة مرتبط بهذا الهوى وذاك.

            وتحقيقا لحب الظهور يشتهي المرء ان يبلغ مكانة في المجتمع مرموقة. فهذا يحس انه يصير شيئا اذا انتخبوه نائبا او عينوه وزيرا او عضوا في المجلس البلدي او مختارا او ما الى ذلك. واذا لم يصل الى ذلك يحس انه محجوب او انه في انزواء. وأدنى ما يرقى اليه ان يعاشر الأغنياء او يختلط بعلية القوم. يجب ان يتحرك في دائرة منظورة ولا يكفيه ان يتحرك في نفسه او مع المتواضعين.

ان حب الظهور يقود الى حب السلطة. عند بعض ان الذي لا سلطة له لا وجود له. فالسلطة حكم وقد تكون تحكما ولا يكفي هذا الانسان الحوار لأنه قائم على النديّة. من اشتهى الظهور همّه الأساسي ان يكون فريدا وان يشار الى فرادته، ولذلك يتمنى الاعجاب دائما والإعجاب يوطده في المكانة التي بلغ.

***             غير ان حب الظهور أخطر ما فيه انه قد يصيب الذين يريدون التقوى. كم من مرة تسمع تباهي الذين يتمجدون بأنهم ليسوا زناة ولا سراقين وغير طامعين بالمال ولا يأكلون أموال الأرامل والأيتام. هم تجاوزوا اشتهاء الثروة والجمال والفطنة ولكنهم يصرّون على ان تعترف بفضائلهم اي انهم يريدون مدحا من البشر وليس فقط من الله في داخل قلوبهم. فاذا ما انتصر المجاهد على الرذائل يبدو لنفسه متألقا بالجمالات الروحية ويريدك ان تعترف بها. مرة قالت لي امرأة تدّعي التقوى: نص واحد في الإنجيل لا أقبله. هو ذلك المثل الذي يساوي فيه المسيح عملة الكرم الذين عمل بعضهم منذ الساعة الأولى وبعضهم عند الساعة التاسعة وآخرون نحو الظهر وغيرهم نحو الثالثة بعد الظهر وسواهم نحو الخامسة بعد الظهر فساواهم رب العمل في الاجرة. فقالت لي “التقية”: انا التي لا شك في عفتي أيعاملني ربي كما يعامل تلك؟ أجبتها: قد تكونين أعف في الظاهر وتلك التي ترينها غير طاهرة قد تكون أقرب الى الله. ولكن التقوى قد تكون مدعاة للافتخار. ولذلك قال القديس كاسيانوس: “ان شيطان المجد الباطل يحس بفرح خاص اذا رأى الفضائل تتكاثر … لأنه كما ان النحلة تنتظر مجيء الحصاد وان ينضج القمح كذلك ينتظر المجد الباطل ان نكون قد جمعنا كل الخيرات الروحية”. وفي هذا يقول ايضا مكسيموس المعترف: “انك ان قضيت على الأهواء المشينة تنقض عليك افكار المجد الباطل”. الذي يمجد نفسه

يكون قد بلغ الهذيان.             اجل أعطى الله الانسان “في الطبيعة” (هذا تعبير مسيحي شرقي يعني الطبيعة الصالحة كما خرجت من يد الله) اعطاه ان يتوق ليس الى المجد الزائل ولكن الى تمجيد الله. وفي هذا قال بولس: “اما انا فمعاذ الله ان افتخر الا بصليب ربنا يسوع المسيح” (غلاطية 6 :14). وفي المعنى نفسه قال: “من افتخر فليفتخر بالرب” (1 كورنثوس 1: 31).

            واذا تعب الانسان من التماس المجد الالهي يسعى الى الزيف. وعندنا هنا تحويل مرضي للمجد الالهي واساءة الى الطبيعة البشرية السليمة. واذ ذاك نفسد انفسنا وما حولنا ونقع في الوهم. والوهم ان تحس ان لله فيك او عندك بديلا. وفي هذا يقول السيد: “كيف لكم ان تؤمنوا وانتم تتلقون المجد بعضكم من بعض واما المجد الذي يأتي من الله وحده فلا تطلبونه؟” (يوحنا 5 :44). ان الساعي الى مجد العالم ليس فقط ينتظر التملق ولكنه يثيره.

            المشكلة في هذا ان المجد الفارغ هو ذلك العدم تحوله الى وجود. كل هذا هش، تفه، سطحي ولكن يبدو ان الناس يستلذون الزائل والسطحي. وقد بلغ القديس يوحنا الذهبي الفم رؤية حادة بقوله: “المجد اسم وليس الا اسما … من هو الانسان الجاهل الذي يتمسك بأسماء لا حقيقة لها او أشباح يجب الهرب منها؟ “والوهم الا يرى الانسان عيوبه وان ينسب الى نفسه خصالا أتته من الله القائل: “الويل لكم اذا مدحكم جميع الناس” (لوقا 6 :26).

            لا يعني هذا كله انه يجب عليك ان تتوارى. فالحسناء لا تقدر ان تحجب جمالها ولا الذكي ذكاءه والموهوب طلب اليه الرب الا يخفي نوره. ويعرف العالم انه عالم. ولكن المهم ان تؤمن انك مجرد جسر يعبر الله منه الى الناس لكي ينتبهوا اليه لا الى الجسر الذي عليه عبر. كل ما عندنا، كل ما فينا آت من الله. ونحن مهما سما بهاؤنا لسنا سوى مطل للبهاء الإلهي. من أجل هذا البهاء وحده نحيا. عنذ ذاك يسقط منا التراب ويبقى الضياء.